islamaumaroc

نقد مقال العوائق النفسانية للتخطيط -7-

  دعوة الحق

العددان 81 و82

جواز السفارة النرويجية
زرت السفارة النرويجية فتلقاني الموظفون بحفاوة وإكرام وسألت الموظف المختص أن يجيبني كتابة عن عدد الملحدين من رعايا المملكة النرويجية فكتب إلى بالإنجليزية ما ترجمته :
بناء على طلب البروفسور الدكتور تقي الدين الهلالي نعطي المعلومات التالية على أساس كتاب الإحصاء السنوي للمملكة النرويجية سنة 1964 لسنة 1960 :
1- مجموع السكان 3.591.234
2- عدد الأشخاص الخارجين عن الكنيسة القومية 134.551
3- عدد الأشخاص الذين لا ينتمون إلى أي دين 22.413
الطوائف المتدينة غير التابعة للكنيسة القومية
1- الكاتوليكيون الروم 7.875
2- الأرتودوكسيون اليونانيون 610
3- الانكليكانيون 494
4- طوائف إنجيلية أخرى 1.054
5- النظاميون 110196
6- طائفة من النصارى لا يعمدون إلا البالغين 9.315
7- الادفينتسيون "السسيتيون" 5.272
8- طائف من النصارى، يسمون المهتزين 208
9- اللوثريون أتباع الكنيسة الحرة 16.773
10- جماعة جارليسبرك الأحرار 196
11- جماعة الله 1.417
12- جماعة المرسليم الالينيين 4.421
13- الجمعية الإنجيلية 438
14- إرساليات أخرى متفرقة 453
15- جمعية عيسى المسيح 496
16- البنتكو ستاليون 34.122
17- طوائف أخرى تلتزم التعميد بعد البلوغ 1.252
18- الكنيسة الرسولية 375
19- طائفة شهود جهوفا 4.188
20- المسيحيون العلميون 134
21- الموحدون 17
22- المرمونيون "الذين يبيحون تعدد الزوجات" 1.241
23- طائفة يهودية 841
24- طوائف دينية أخرى 3.458
25- أنا خارجون عن نظام الكنائس السابق ذكرها 6.392
ختم السفارة – والتوقيع غير مقروء فتأملوا أيها القراء المنصفون هذه النسبة الضئيلة من الملحدين في تلك البلاد، وفي ذلك الشعب الذي هو عريق في الحرية والديمقراطية، كل أفراده مطمئنون على حقوقهم وملتزمون لأداء واجباتهم، يدلك على ذلك كثرة الطوائف الدينية مع قلة عدد سكان تلك البلاد الشاسعة المترامية الأطراف، فقد سافرت من عاصمتها أوسلو إلى مدينة نارويك في أقاصي الشمال مسافة ألف ومائتي كيلومترا، لم أبلغ منتهى حدودها الشمالية، حتى أن طائفة الموحدين لم أبلغ منتهى حدودها الشمالية، حتى أن طائفة الموحدين وهم الذين يوحدون الله ولا يقولون بإلهية المسيح، ولا بأنه ابن الله، وإنما هو بشر كسائر البشر أكرمه الله بالنبوة والرسالة، لا يزيد عددهم على سبعة عشر شخصا. والحكومة مع ذلك معترفة بهم، وهم أحرار في التمسك بعقيدتهم التي هي مضادة كل المضادة لعقيدة سائر أفراد الشعب. ثم إن هذه الدولة كذلك من الدول العريقة في المدينة والحضارة. فأين ما يزعمه المخادعون لأنفسهم ولشعوبهم عن زعمهم أن شعوب أوربا لم تستطع أن تضرب بسهم في المدينة حتى تركت دينها وأصبح أهلها كلهم ملحدين إلا قليلا جدا. هذه دعاية إجرامية جاهلة كاذبة خاطئة، كانت تروق للمستعمرين الماديين. والآن يروجوها المستعمرون الروحيون والغوغاء الجهال أتباع كل ناعق، والمستهترون بالشهوات وفساد الأخلاق. وقد ظهر بما نقلناه وما سننقله إن شاء الله غشهم وكذبهم.
وقد سبقت الإشارة إلى أنني أؤخر الكلام على عدد الملحدين في البلدان التي ليس فيها حرية رأي ولا حرية اعتقاد ولا غيرهما من الحريات، إذ لا يمكن أن يعلم ما في ضمائر الناس إلا إذا كانوا أحرارا في التصريح بئارائهم وإظهار عقائدهم غير خائفين على حقوقهم أن تفقد بسبب مخالفتهم لغيرهم من المواطنين المتعصبين.
عود إلى سرد حجيج الفلاسفة والعلماء على إثبات وجود الخالق سبحانه.

براهين كلارك
كان تلميذا  وصديقا للعلامة نيوتن المتقدم ذكره، وهو من أشهر فلاسفة الإنجليز "1675 - 1729" قال ف يكتابه "إثبات وجود الله" : لأجل أ، أثبت وجود الله ألفت نظر القارئ إلى أننا نحمل في أنفسها فكرة على الأبدية واللانهائية "يريد أننا ندرك أبدا لا ءاخر له ونهاية لا حد لها" وهي فكرة يستحيل علينا أن نلاشيها أو نطردها عن عقولنا، وهي صفات يجب أن يكون موصوفا بها كائن موجود.
كان كلارك يريد أن يقول : إن لم تكن الأبدية واللانهاية موجودتين، فمن أين حدثت في أذهاننا فكرة عنهما.
ثم قال كلارك ما مؤداه : لا بد لنا من فرض إن شيئا وجد من الأزل بدليل وجود الأشياء الآن، وهذا الفرض حقيقة لا شك فيها، لأن كل موجود يجب أن يكون سبب أوجده أو أصل قام عليه وجوده، وهذه الأشياء، إما موجودة بذاتها، فهي إذن قديمة أزلية وإما أن تكون موجودة بموجد تقدم عليها، فيكون هو القديم الأزلي.
ثم قال كلارك ما خلاصته : لا يمكن أن يكون هذا الوجود المادي مستقلا بنفسه ولا أبديا، إلا إذا كان هو واجب الوجود بذاته. ولكن مما لا شك فيه أن الوجود ليس هو واجب الوجود، لأنه سوء تأملت في شكله الظاهري مع قابليات أجزائه وحركاتها المختلفة، أو اعتبرت مادته التي هو مكون منها بدون التفات إلى شكلها الذي هي ظاهرة به  الآن، فلا أرى فيها إلا آثار إرادة واختيار، فمجموعها في جملته، وكل من أجزائها في موضعه وحركته ومادته وشكله. وبالجملة كل ما فيه يظهر لي أنه متعلق بغيره غير مستقل، وبعيد من أ، سكون موجودا بذاته. أنا أاعترف أن الوجود لأجل أن يكون صالحا يجب أن تكون أجزاؤه على الترتيب الذي هي عليه اليوم، ولكني لا أرى ذلك الترتيب وجد بضرورة طبيعية، وهي الضرورة التي يستند عليها الملحدون ويدافعون عنها.

براهين لوك
لوك فيلسوف إنجليزي شهير قال في كتابه على العقل الإنساني : إنه لأجل إثبات الخالق لا نرانا في حاجة إلا إلى التأمل في أنفسنا وفي وجودنا، فإنه مما لا مشاحة فيه أن كلامنا يعتقد انه موجود، وإنه شيء من أشياء الجود. أما الذي يشك في وجود نفسه فليس لنا معه كلام.
وإنا نعلم أيضا ببداهة العقل بأن العدم لا ينتج مطلقا كائنا حقيقيا. ومن هنا يظهر لنا بوضوح جلي وبأسلوب رياضي بأنه لا بد من أن يكون قد وجود شيء في الوجود من الأزل، لأن كل ما له بداية يجب أن يكون ناتجا منم شيء تقدمه. ومما لا ريب فيه أن كل كائن يكتسب وجوده من وجود غيره يستمد منه كل ما هو متمتع به من الخصائص والصفات. إذن فالينبوع لأزلي الذي نتجت منه جميع الكائنات يجب أن يكون هو أصل جميع قواها، فهو إذن قادر على كل شيء. وغير ذلك فإن الإنسان يرى في نفسه قوة على العلم، فيجب أن يكون الأصل الأزلي الذي نتج منه الإنسان عالما، لأنه لا يعقل أن ذلك الأصل يكون مجردا عن العلم وتنتج منه كائنات عاقلة. ومما يناقض البداهة أن المادة المجردة من الحس تمتع نفسها بعقل لم يكن لها من قبل. فيجب بالبداهة أن يكون أصل الكون عاقلا، بل لا حد لعقله، وهو الله.

براهين فولتير
فولتر من أشهر الفلاسفة الفرنسيين وأكبر كتابهم وبحاثيهم "1694 - 1778" تعزى إلى تعاليمه هو وروسو المبادئ التي أججت نار الثورة الفرنسية المشهورة، وهو فوق لك يعتبر من العقول الكبيرة في العالم. قال في قاموسه الفلسفي ما يأتي :
إن الطريقة الطبيعية للوصول إلى معرفة الله وأكمل الأساليب الصالحة للمدارك العامة هو عدم قصر التأمل على نظام الوجود، ولكن يجب مده على المقاصد التي خلق لها كل شيء. وقد أنشأوا على هذه الفكرة أسفارا ضخمة، وكلها في الحقيقة يمكن أن تلخص في ه!ا البرهان وهو : إني إذا رأيت ساعة يشير عقربها إلى الأوقات المختلفة أستنتج من ذلك بأن لا بد من أن يكون عقل قد رتب لوالب هذه الآلة حتى استطاع العقرب أن يدل على الساعات دلالات حقيقية. وكذلك أراني إن تأملت في ءالات الجسم الإنساني أستنتج أن لا بد من أن يكون عقل قد نظم أجزاءه وأجهزته وجعله قابلا لأن يتغذى في الرحم تسعة أشهر متوالية، وأنه قد متع بأعين لينظر بها وبأيد يتناول به إلى الخ.
من هذا البرهان وحده لا أستنتج أنا شيئا، غير أن كائنا عاقلا صور المادة على أبدع الأشكال، ولكني لا أستطيع أن أستنتج منه أن هذا الكائن خلق المادة من العدم، وأنه لا نهاية له من كل وجه. ولقد حاولت أن أمثل بفكري هذه الأفكار الآتية وهي : أنا مخلوق لكائن أقوى مني، إذن فيكون هذا الكائن موجودا من القدم، وعليه فيكون قد خلق كل شيء، وهو غير محدود بحد الخ.
بحثت لأمثل هذه الأفكار بذهني فلم أجد سلسلة الاستنتاج تؤدي إلى هذه النتائج وغاية ما رأيته إني تحققت أنه يوجد شيء في الوجود أقوى مني ليس إلا.
يكفي عن مثل فولتير، وهو لذلك العقل الثوري المستعصي أن يقر ويعترف بوجود شيء أقوى منه في الوجود خلقة وأحكم صنعه، ولو لم يكن هذا الاستنتاج من البداهة بالمكان المعهود لسمعت له صيحات ضد المعتقدين تصم الآذان، يفخر الملحدون بها في كل مكان. وكم لفولتر غير ما قدمنا من كلمات ثمينة واستهزاءات وجهها على الماديين الذين لا يرون في الكون إلا نواميسه الصامتة.
فمما قاله في قاموسه الفلسفي ضد الماديين الذين يزعمون أن الكون خلق بالاتفاق المجرد، وأن أعضاء الإنسان مثلا لن تخلق لتؤدي غرضا مقصودا، ولكنها أدت هذا الغرض اتفاقا، فقال فولتر حين بلغه هذا  التهوس الفلسفي : أن الادعاء بأن العين لم تخلق لنا لننظر بها، ولا الأذن لنسمع بها، ولا المعدة لنهضم بها، يعد أفظع العبارات العقلية وبأكثف العمايات الجنونية التي تلم بالعقل الإنساني.

براهين جان جاك روسو
روسو من أشهر فلاسفة الفرنسيين، بل العالم كله، هو صاحب نظرية العقد الاجتماعي المشهورة التي سار المشرعون والساسة عليها سنين طويلة، ويعتبر أكبر مهيئ للثورة الفرنسية بما بثه في مؤلفات من إيقاظ الهمم وإحياء النفوس، وتنبيه العواطف "1712 - 1778" بدأ روسو في كتابه الاعتراف بالعقيدة بالإدلال على أن المادة الممحسوسة تكون تارة متحركة، وتارة ساكنة، وأستنتج من ذلك أنه لا الحركة ولا السكون صفة أصلية من صفاتها.
ثم قال : ولما كانت الحركة عملا فهي نتيجة سبب لو ارتفع حدث السكون بعدها. فإذا لم يؤثر شيء على المادة فلا تتحرك مطلقا، وهي لا يعنيها أن تتحرك أو تسكن، والسكون هو حالتها الطبيعية.
ثم لاحظ روسو أن هناك نوعين من الحركة : حركة وقتية إرادية وحركة قهرية ءاتية من مؤثر خارجي، والتمييز بين هذين النوعين م الحركة مؤسس على التجربة وشهادة الضمير. فقال بالحرف الواحد :
إنك لتسألني من أين علمت بوجود حركة وقتية، فأجيبك بأني علمتها، لأني أحسست بها، فأراني أردت أن أحرك ذراعي تحرك في الحال بدون أن يكون لحركته سبب مباشر غير إرادتي.
ثم تساءل روسو عن الحركة المشاهدة في الوجود هل هي صادرة من سبب خارج عنه، أم هي إرادية فيه. فقال : من المستحيل أن نفترض بأنها إرادية فيه لأن الوجود المشاهد ليس في مجموعة التئام ولا نظام آلي، ولا حس عام كما يوجد بين أجزاء الجسد الحي. ومما هو محقق أننا ونحن جزء منه لا نشعر بشعوره الكلي. والوجود في حركاته المنتظمة المتلائمة الخاصة لقوانين ثابتة لا توجد له تلك الحرية التي تظهر في الحركات الإرادية عند الإنسان والحيوان.
فاستنتج روسو من ذلك أن الوجود ليس بحي في نفسه يتحرك بذاته وبإرادته، إذن فحركاته ءاتية إليه من سبب خارج عنه.
ثم قال روسو بعد ذلك : إن التجربة والمشاهدة تكشفان لنا نواميس الحركة في الوجود. وهذه النواميس تعين نتائج الحركة ولا تعين أسبابها. فهي لا تكفي لتعليل نظام العالم وسير الوجود. إن ديكارت، قد كون السماوات والأرض "بالكشتبانات" ولكنه لم يستطع أن يطبع في كشتباناته حركاتها الأولى، ولا أن يضع قوة هذه الأجرام المبعدة لها عن المركز بالاستعانة بقوة دورة رحوية فرضها فيها. وقد وجد نيوتن ناموس الجاذبية العامة، ولكن الجذب وحده يحيل الوجود كله إلى كتلة واحدة لا حراك لها، فلزمه أن يضيف على هذا الناموس قوة أخرى، هي قوة الدفع لتطبع في الإجرام السماوية حركة تدبرها دورات انحنائية. ليقل لنا ديكارت أي ناموس طبيعي أدار له تلك الزوابع التي تكلم عنها. وليرنا نيوتن تلك اليد التي دفعت الكواكب لتجري على مماسات مداراتها.
فالوجود في رأي روسو لا حركة ذاتية له، إنما حركاته كلها مكتسبة من محرك خارج عنه يطبع فيه تلك الحركات على النحو الذي تطبع إرادتنا الحركات على أعضائنا المختلفة. ثم صعد روسو من السبب الطابع للحركة إلى السبب المريد المختار فقال :
كلما أمعنت النظر في الحوادث التي تحدثها قوى الطبيعة وما يقابلها من رد الفعل، وتأملت في كيفية تأثير بعضها في بعض تحققت من الانتقال من نتيجة إلى نتيجة بأنه لا بد من أن يكون السبب الأول متمتعا بإرادة، لأن فرض تسلسل الأسباب الأولية إلى ما لا نهاية كفرض عدم وجود أسباب أولية بالمرة. وبالاختصار كل حركة ليست نتيجة حركة أخرى. لا تكون إلا نتيجة عمل وقتي إرادي. ولما كانت الأجسام الجامدة لا تنفعل إلا بحركات، فلا يوجد عمل صحيح إلا بإرادة، هذا هو الأصل الأول الذي اعتمد عليه. فغنا أعتقد إذن أن إرادته تحرك الوجود وتحيي موات الطبيعة.
بعد أن أثبت الفيلسوف روسو من عرض حركات الوجود أن لا بد أنها صادرة عن قوة وإرادة، أخذ في إثبات أن هذه الإرادة يمدها عقل وإدراك فقال :إن التأثير والمقارنة والاختيار هي أعمال كائن مؤثر مفكر. هذا الكائن موجود. ولكنك ستقول لي أين هو ؟ فأول إنه موجود، لا في السماوات التي يحركها، ولا في الكوكب الذي يضيء علينا، ولا في فقط، بل يوجد أيضا في النجمة التي ترعى، وفي الطائر الذي يطير، وفي الحجر الذي يسقط، وفي الورقة التي يستطيرها الريح. أنا أحكم بأن العالم نظاما، وإن كنت أجهل غايته، لأنه يكفي في الحكم على وجود هذا النظام المقارنة بين أجزائه ودرس مظاهر تضامنها وعلاقاتها وعرض نظامها وتلاؤم أبعاضها.
أنا أجهل لماذا الوجود موجود، ولكني لا أغفل النظر إلى كيفية تغييره وملاحظة هذا التبادل الصميم الذي تتساعد بواسطته أجزاءه، فلنقارن بين غاياتها الخاصة ووسائلها وعلاقاتها المنظمة في كل ضرب من الضروب، ثم لتسمع صوت ضميرنا الداخلي عن حكمة عليها، فأي عقل سليم يستطيع أن يرفض شهادته لها. أي عين ليس عليها غشاوة لا يكشف لها نظام هذا الوجود عن انه صنع حكمة ليس فوقها حكمة عليها، فأي عقل سلين يستطيع أن يرفض نظام هذه الكائنات والتضامن العجيب الذي بينها في حفظ مجموعها، لا يوجد في هذا الوجود كله كائن لا يمكن اعتباره من بعض الوجوه أنه وسط مشترك لجميع أمثاله المحتفين بها، بحيث يظهر للناظر أنها جميعا مقاصد ووسائل، بعضها لبعض، إن العقل ليرتبك إذا تال في إن هذه العلائق التي لا تحصى بين الكائنات لا تضيع منها واحدة، ولا تختلط بغيرها في المجموع. فما أبعد تلك الفروض عن العقل، تلك الفروض التي تزعم أن هذا النظام البديع المتلائم الأجزاء هو نتيجة الحركة العمياء المطبوعة في المادة بالاتفاق. إن الذين يجحدون وحدة القصد الظاهر في العلائق الموجودة بين جميع أجزاء هذا الود العظيم، إنما يحاولون عبثا أن يخفوا سفسطتهم تحت ستار التجريدات، والترتيبات، والأصول العامة والعبارات الخالية، مهما عملوا، فمن المحال أن أدرك نظاما للكائنات مستمرا كما أرى ولا أدرك معه تلك الحكمة التي وهبتها هذا النظام. فلست أنا الذي يستطيع أن يعتقد بأن المادة الميتة تستطيع أن تنتج كائنات حية، وأن الضرورة العمياء تستطيع أن تخلق كائنات عاقلة، وأن ما لا يعقل يستطيع أن يوجد كائنات مدركة.

أقوال بعض كبار العقول
قال العلامة هرشل الإنجليزي من أكابر علماء الفلك في العالم كله : كلما اتسع نطاق العلم ازدادت البراهين الدامغة القوية على وجود خالق أزلي لا حد لقدرته ولا نهاية. فالجيولوجيون والرياضيون والفلكيون والطبيعيون قد تعاونوا وتضامنوا على تشييد صرح العلم، وهو في الواقع صرح عظمة الله وحده.
وقال العلامة العمراني الكبير هربرت سبنسر الإنجليزي كما نقله العلامة "جون لوك" الإنكليزي في كتابه، ثمرة الحياة الذي نقله للعربية الفاضل حسن أفندي رياض، قال سبنسر : نرى من بين كل هذه الأسرار التي تزداد غموضا "تأمل" كلما زاد بحثا فيها حقيقة واضحة لابد منها، وهي أنه يوجج فوق الإنسان قوة أزلية أبدية نشأ عنها كل شيء.
وقال العلامة الطائر الصيت "لينيه" الفزيولوجي الفرنسي كما نقله عنه العلامة كامل فلامريون في كتابه "الله في الطبيعة" قال لينيه : إن الله الأزلي الكبير العالم بكل شيء والمقتدر على كل شيء، قد تجلى لي ببدائع صنائعه حتى صرت دهشا متحيرا، فأي قدرة، وأي حكمة وأي إبداع أودعه مصنوعات يده، سواء في أصغر الأشياء أو أكبرها. ن المنافع التي نستمدها من هذه الكائنات تشهد بعظم رحمة الله الذي سخرها لنا، كما أن جمالها وتناسقها ينبئ بواسع حكمته، وكذلك حفظها عن التلاشي وتجددها يقر بجلالته وعظمته.
وقال العلامة فولتنل في دائرة معارفه : إن أهمية العلوم الطبيعية لا تنحصر فقط في إشباع نهمة عقولنا، ولكن أهميتها الكبرى هي رفع عقولنا إلى خالق الكون وتحليتنا بإحساسات الإعجاب والإجلال لذاته المقدسة.

تعليقات
1- قول كلارك "أن الوجود ليس هو واجب الوجود، لأنه سواء تأملت ف يشكله الظاهري مع قابليات إجزائه وحركاته المختلفة، أو اعتبرت مادته التي هو مكون منها".
هذا يبطل دعوى القائلين بوحدة الوجود الذين يزعمون أن الوجود واحد، فإذا اعتبرت مادته وهيولاه سميته حقا، وإذا اعتبرت أشكاله الظاهرة سميته خلقا. ويمثلون لذلك بالذهب وأنواع الحلي والأواني المصنوعة منه، فإن كا ما صنع من الذهب ذهب يمكن أن يذاب ويرجع إلى مادته وهيولاه. وكذلك الأدوات الخشبية كلها خشب، والأسماء التي جاءتها إنما كانت بسبب الأشكال المحدثة، وقس على ذلك سائر المواد، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. والحق كما قال كلارك، أن هناك وجودين، أحدهما واجب، وهو وجود الحق سبحانه، والآخر ممكن، فهو محتاج إلى موجد يرجح وجوده إلى عدمه ويضمن بقاءه إلى نهاية أجه. وهذا الوجود الثاني له مادة وأشكال، وكل ذلك محدث وجوده جائز غير واجب ومستمد من غيره غير قائم بنفسه. ووجود التجانس بين المادة والشكل يحتم ذلك. وادعاء أن المادة واجبة الوجود، أي موجودة بذاتها ومستقلة بنفسها، بخلاف الأشكال والصور باطل، لتحتم وجود التضاد بين واجب الوجود القائم بنفسه وجائز الوجود الذي استمد وجوده من غيره.
2- قول لوك "إننا لأجل إثبات الخالق لا نرانا في حاجة إلا إلى التأمل في أنفسنا" هو مثل قوله تعالى في سورة الذاريات 21 "وفي أنفسكم أفلا تبصرون".
3- القوة الجاذبة التي اكتشفها نيوتن، هي التي تربط بين الشمس وبين كل ما يدور حولها ويتبع نظامها من الكواكب، ولكن هذه القوة الجاذبة محتاجة  إلى موحد ومعدل يعدل جذبها حتى لا يستمر إلى أن تلتصق الكواكب التابعة بمحورها فتصير معه كتلة واحدة.
وهكذا يقال في تابعية الشمس لجرم ءاخر هو أكبر منها كالشعرى مثلا، فإن القوة الرابطة بينهما تحتاج إلى موحد يحفظ أبعادها وأفلاك دورانها ويمنعها من التكتل والاختلال.
4-قول روسو "لا بد من أن يكون السبب الأول متمتعا بإرادة" أقول : ولا بد أن يكون متصفا بعلم غير محدود وقدرة غير محدودة، وهذه بعينها الصفات الضرورية للخالق العلي العظيم. وما يسمونه بالطبيعة ونواميسها لا يتصف بشيء من ذلك فلا يصح أن يكون هو السبب الأول.
5- قوله "وبأي سفسطة يستطيع الإنسان أن يجحد نظام هذه الكائنات والتضامن العجيب الذي بينها في حفظ مجموعها" أقول : يستطيع ذلك بسفسطة الجهل والاقتناع به وإهمال نعمة العقل، وبذلك يلتحق بالحيوان الأعجم "إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون" ويستطيع ذلك بسفسطة التملص من الواجبات الخلقية والاجتماعية، والانغماس في حمأة الشهوات البهيمية مندفعا مع ما تسوله له نفسه من ارتكاب المبيقات، والتدنس بالدنايا المخزيات.
انتظروا في المقال التالي جواب سفارة دولة السويد عن عدد الملحدين في بلادها وذكر شبهات الملحدين التي أوردوها في الاستدلال بزعمهم على التعطيل وجحود الخالق تعالى والرد عليها. وبالله التوفيق.
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here