islamaumaroc

[كتاب] الجامع المقرب، النافع المعرب (لجوزيف لالاند)

  دعوة الحق

العددان 81 و82

مقدمة
أصل هذه الترجمة كتاب لفلكي فرنسي جوزيف لالاند LALAND وقد وضعه بالفرنسية في علم الفلك الحديث، ثم عربه جماعة من التراجمة تحت إشراف السلطان العلوي : محمد الرابع.
ويدخل تعريب هذا الكتاب في نطاق الحركة الانبعاثية التي حاولها محمد الرابع منذ كان خليفة لوالده بعد (موقعة إيسلي) وقد شملت ميادين العسكرية والاقتصادية والعلوم(1) ويهمنا هذا الجانب العلمي من هذه الحركة، فقد اهتم الأمير الشاب بالعلوم الرياضية كأساس جذري للانبعاث الذي ينشده.
وقد كان هو نفسه على درجة من الثقافة في عدد من فروع المعرفة، بما في ذلك العلوم الرياضية، التي درسها على ضابط مهندس فرنسي كان يعمل في بلاط والده،وصار يحمل اسم "عبد الرحمان العلج" بعدما دخل للإسلام(2) ويذكر البعض(3) – في شيء من التردد – اسم أستاذين مغربيين للأمير في بعض هذه العلوم الرياضية، وهما الفلكيان : علي بن محمد بن عبد الواحد الزجلي ثم الفاسي(5)، والحاج محمد بن الطاهر الحباي الفاسي (4).
هناك آلة اخترعها هذا الأمير لاستخراج المطالب التوقيتية، ووضع في طريقة العمل بها رسالة سماها: (نخبة الملوك، لمن أراد إلى الأوقات أو للقبلة السلوك)، ولا تزال هذه الآلة غير معروفة، وإنما الموجود هو الرسالة التي وصف فيها هذه الآية هكذا :
(..اخترعت شكلا ثابتا شافيا كافيا لمن صنف فبله من العروض. والسموت. والجهات. والميول. والظلال. والارتفاعات. والأطوال. والأوقات. والقبلة).
ثم ذكر تكليف بعض أصحابه بصنع هذه الآلة طبق تصميم وضعه لها :
(فلقنت عمله المختصر البديع الأفخم، للطالب امحمد الأشخم(6)  المتعين عن بعض حذاق أصحابنا في ذلك، لينتج منه آلة على نحو الإشارة، فانقها وطرزها واتقنها، ففاقت "الرومية" الآتية من هناك(7)، وقد أسفرت عن وجه التحقيق اللثام، وتحت الشمس ينسكب الغمام).
والرسالة مرتبة على مقدمة ذكر فيها من خاض في العلوم النجومية من الأعلام، وحكم الاشتغال بها، وقد جعله تعتريه الأحكام الشرعية الخمة، مع استعراض أدلة الجواز، ويعد هذا تخلص لموضوع الرسالة، وأخذ يذكر طرق استعمال هذه الآلة في المطالب التوقيتية.
والمعروف – لحد الآن – من هذه الرسالة ثلاث نسخ : الأولى : في "المكتبة الأحمدية" بفاس، والثانية : في "المكتبة العبد الرزاقية" بمراكش، والثالثة : ف ي"الخزانة العامة" بالرباط، وهي تحمل رقم د 266 وتقع في تسع صفحات، مسطرة 20، مقياس 230/175 – خط مغربي جميل ملون، خال من تاريخ التأليف والنسخ، يلاحظ أن النسخ الثلاثة كلها خالية من رسم للآلة المخترعة.
وإلى جانب هذه الثقافة في العلوم الرياضية، فقد شجع الأمير الشاب الاشتغال بهذه العلوم، ويذكر أبو إسحاق ابراهيم التادلي(8) أن سلطان وقته جبر أحد أعلام الميقات والتعديل بفاس "المكي الجنان" على تعليم هذه العلوم للطلبة، فكان – على حد تعبير أبي إسحاق – أن (رحم الله المسلمين بعد انقطاع هذه العلوم من فاس)، وهكذا يسجل هذا العالم الرباطي إحياء هذه العلوم من طرف سلطان وقته، وهي شهادة لها قيمتها، حيث أن صاحبها يدلي بها في معرض الححديث عن أساتذته الذين درس عليهم بدون أن يكون يكون يكتب تاريخا برسم ملك، أو يقصد *، وبهذا تؤيد هذه الشهادة ما أكده – في هذا الصدد – مؤرخ معاصر(9) حيث يذكر أن السلطان محمد الرابع أحيا ما اندثر بالمغرب من العلوم، كالحساب والتعديل والهندسة والنجوم.
وقد كان بعث هذه العلوم يبدو في إحياء تدريسها بمختلف المساجد المغربية وملحقاتها، وبمدرسة المهندسين التي كان مركزها بالمدرسة المرينية داخل القصر السلطاني بفاس الجديد، وهذا موضوع سيدرس – على حدة – في فرصة مقبلة بإعانة الله تعالى.
وكذلك وقع بعث تلك العلوم بالترجمة إلى العربية، وهذا ما سيحدث عن مظاهره فيما يلي :
الجامع المقرب، النافع المعرب :
هذا هو العنوان الذي وضعه السلطان محمد الرابع للترجمة المغربية التي نتناول حديثها، وأول ما يلاحظ في هذا الصدد : أن اسم المؤلف الأصلي للكتاب المترجم غير وارد لا في مدخل هذا الكتاب ولا في مقدمة الترجمة، وإنما جاء آخر المجلد الأول : (تم السفر الأول من كتاب لالاند)، ولا شك أنه يقصد به الفلكي الفرنسي الشهير "جوزيف لالاند" من أهل باريز 1732م 1145ه - 1807م1223ه(10).
كما يقصد بالكتاب : التأليف الذي وضعه هذا بالفرنسية في علم الفلك الحديث، وجعله حسب الأرصاد الجديدة، وعلى حساب خط نصف النهار المار بباريز.
والمؤلف يذكر في مدخل الكتاب أنه ثمرة لخدمة أربعين سنة، ولكل ما تحصل من علم الفلك منذ 2500 سنة، كما أن تقدم هذا العلم، أقدم على جمع ما كان مشتتا من محصول علم الفلك في كتاب واحد، بجون أن يترك شيئا أصلا من فروع هذا العلم المتسع المجال، حتى يسد الفراغ البادي في المؤلفات القليلة السابقة، وحتى يمهد الطريق لطلاب هذا العلم، وقد اجتهد في توضيحه لتتأتى قراءته بدون شيخ يدرسه، ولا شارح يشرحه.
وهو قد أعرض فيه إعراضا كليا عن المسائل القليلة الأهمية، ولكنه اهتم بالمسائل التي لها تأثير أعم في باقي التأليف، وكذا فيما كان جديدا قليل المعلومية.
وحسب هذا المدخل – أيضا – فإن الكتاب ظهر في ثلاث نسخ :

الأولى سنة 1764م 1178ه
الاثنية سنة 1771م 1186ه في ثلاثة أجزاء، وقد ترجمت إلى بعض اللغات، ونقل زيجها إلى اللسان التركي.
الثالثة : هي هذه التي يتحدث عن ترجمتها وقد كان رصدها الأخير سنة 1793م 1208ه.
ومن يتبع أبواب هذا التأليف، يتبين أنه – بعد المدخل – يتكون من 24 كتابا تشتمل على 4200 مسألة :
الكتاب الأول : في أصول علم الفلك
الثاني : أصالة علم النجوم وأخباره
الثالث : الكواكب الثابتة وصورها
الرابع : في مبنى علم الكواكب، ويقصد بهذا، المباحث الأصلية التي لها تأثير في باقي هذا التأليف
الخامس : في مذهب العالم، والمراد بالعالم هنا سائر الأفلاك. وبه ينتهي المجلد الأول
السادس : في علم الكواكب
السابع : في القمر
الثامن : حصة الجوامع
التاسع : في اختلاف المنظر
العاشر : في استخراج الخسوفات
الحادي عشر : مرورات الزهرة وعطارد على الشمس
الثاني عشر : انكسار الأشعة التنجيمية
الثالث عشر : آلات التنجيم
الرابع عشر : في العمل بالآلات وكيفية تعاطي الرصد، وبه ينتهي المجلد الثاني
الخامس عشر : عظم الأرض وشكلها
السادس عشر : وهو مشتمل على حركة الإقبال، واختلاف المنظر السنوي للثوابت، وتغير الميل الكلي، والتزحلق الخاص بكواكب مختلفة
السابع عشر : حركة النور والمحورين
الثامن عشر : علم الفلك الخاص بالندماء أو التوابع
التاسع عشر : ذوات الذوائب
العشرون :استدارة حركة السيارات وكلفها
الواحد والعشرون : حساب الفضيلة والمتمة مطبقا على علم الفلك
الثاني والعشرون : الثقل والقوة الجاذبة
الثالث والعشرون :وهو في التريغونو مطرية : الخطية والكرية
الرابع والعشرون : كيفية استخراج مسائل علم الفلك بالحساب بواسطة الأرصاد، برا وبحرا.
هذا هو التأليف الذي قام بتعريبه جماعة من التراجمة تحت إشراف محمد الرابع، وتم تعريبه – حسب آخر السفر الثالث – في 28 رمضان عام 1268ه 1851م.
ويجدر أن نذكر هنا أن هذا الأمير كتب مقدمة للترجمة العربية، وأدرجها فيما بين مدخل الكتاب والباب الأول، وفيها يذكر حكم النظر في علم النجوم، ويبين قيمة الكتاب المعرب، كما يتحدث عن ترجمته تحت إشرافه، واصطلاحات الترجمة، ثم يختتم بتسمية هذا الموضوع ب (الجامع المقرب، النافع المعرب)، وهذا ما يهم من مقدمة الترجمة العربية :
".... أما بعد : فيقول العبد المتوكل على الله، المعتصم في جميع أموره بمولاه، محمد بن أمير المؤمنين، وخليفة رب العالمين، مولانا عبد الرحمن بن مولانا هشام....
إنني لما نظرت في هذه العلوم الرياضية، التي منها الحساب والهيئة والهندسة، وهي إبراز الحساب من الكم إلى الكيف، وإبراز الهيئة من القوة إلى الفعل، وغايتها المجسطي، وجدت الوقوف على كنه التحقيق المحض منها لا يكون بمجرد التقليد فيها...
ولما كان ذلك لا بد فيه من الرصد للأجرام العلوية، ومشاهدة أمكنتها من أفلاكها ومقادير حركاتها في الأزمان المختلفة، وكان الرصد المذكور في بلادنا وزماننا متعذرا أو متعسرا، ولكن ما لا يمكن كله لا يترك كله – بحثنا من أجل ذلك – لا جرم – كل البحث عن أقرب الأرصاد إلى زماننا، فوجدنا كتابا حفيلا عجيبا جامعا لكل ما يحتاج إليه الناظر في هذه الصناعة، بحيث لا يتوقف على غيره من الأوضاع، ناهيك من كتاب لا يدرك وصفه الواصف بمقاله... مع ما اعتمده مؤلفه والتزمه من التحرير البالغ غاية الغايات.. والتوقيف على كل العويصات وكشف الخفيات، وتأييد المسائل بالحجج الواضحة اليقينية، والأشكال الهندسية، والأمثلة العددية، والأقيسة الجبرية، ورد الفروع إلى أصولها.. ثم أخذ ما وافق العيان والرصد الجديد، وإلغاء ما دون ذلك.. إلا أنه باللسان والقلم الأعجميين، لأن مؤلفه رومي من أهل بارز (كذا)، وكان رصده الأخير سنة 1793 بالتاريخ المسيحي.
وكان من فضل الله علينا أن حضرتنا العالية بالله تعالى، قد احتوت على جماعة وافرة، ممن آوتهم ظلال دولتنا الشريفة المنصورة الظافرة، ربيناهم في خدمتنا أحسن تربية، وصفيناهم لاقترابنا أكمل تصفية، وأطلعناهم لمكان التخصيص على أسرار هذه العلوم، وغذيناهم من جنى هذه الفنون بأطيب الطعوم، حتى أصبحت حضرتنا العزيزة كعبة النجباء الحذاق، ومطافا للعلماء من جميع الآفاق : من كل عارف بالألسنة والأقلام، متهيئ لاكتساب الكمالات بالاستعلام، فأمرناهم بتعريب الكتاب المذكور، وإخراجه من الظلمات إلى النور، فصرفوا كل عناية إلى ذلك، ودابوا عليه آناء الليل وأطراف النهار مدة مديدة، مع معاناة أكيدة، ومشقة شديدة، وكل ذلك بمرأى منا ومسمع، ومحضر لنا ومجمع، تعرض علينا كل يوم مخرجاتهم فنبالغ لها بالتنقيح والتصحيح ونرجح منها ما هو داع إلى الترجيح، حتى برز – بحمد الله – في أحسن الصور وأجملها، وأتم الوجوه وأكملها.... فإذا علمت هذا، فاعلم أننا ترجمنا هذا الوضع المبارك ب : "الجامع المقرب، النافع المعرب".
لم تكن هذه الترجمة معروفة من قبل، حتى ظهرت بالمكتبة الملكية بالرباط، التي تتوفر على نسختين اثنتين : الأولى تامة، وهي تحمل رقم 2682 وتقع في ثلاثة أسفار :
الأول : به ورقات 409، منها 16 ورقة في مدخل المؤلف، وثلاث ورقات – تقريبا – في مقدمة الترجمة – خط مغربي حسن ملون مجدول مصحح بالهوامش، مع فراغ في أكثر الجداول، وبياض الصفحات.
الثاني : بد ورقات 309 –خط مغربي لا بأس به ملون مجدول مصحح – يسيرا – بالهوامش، مع بياض في بعض الصفحات.
الثالث : به ورقات 272 – خط مغربي لا بأس به مجدول مصحح بالهوامش، مع بياض في بعض الصفحات. مسطرة الأسفار الثلاثة 29، مقياسها 330/220، وهي – كلها – عارية عن تاريخ التأليف والنسخ.
النسخة الثانية : تشتمل على السفرين، الثاني والثالث، وتحمل رقم 5405، بها رسوم في الصفحات البيضاء في الثاني والثالث من النسخة الأولى، ويذيل سفرها الثالث بتاريخ الفراغ من الترجمة : 28 رمضان عام 1268ه.
وبعد هذا نعيد النظر ف يمقدمة الترجمة، لنرى فيها التعريف بقيمة التأليف المترجم في دراسة علم الفلك الحديث، وسنجد تأييدا لهذا لتنويه بنفس التأليف يقوم به فلكي مصري : هو الشيخ حسين زايد، مؤلف (المطلع السعيد، في حسابات الكواكب على الرص الجديد) فقد جاء في خطبة هذا الكتاب(11).
(وكان الاعتماد في أخذ غالب أصوله على زيج لالند الشهير، لما فيه من الدقة وزيادة التحرير).
وهذا كله يجعل لتعريب تأليف لالاند، أهمية بالغة بالنسبة لزمنه وما قرب منه، ولو أعيد النظر في هذا التعريب ونشر ف يعصره، لكان المغرب أسدى إلى رجال الفلك العرب يدا لن تنسى، وهنا لا أتمالك أن أتساءل –ومعي بدون شك عدد من القراء – عن السبب الذي حال ون مراجعة هذه الترجمة ونشرها، على مسيس الحاجة لها حينئذ.
وهناك أهمية أخرى لهذه الترجمة حيث أنها تقدم مثالا ناطقا لأحد مظاهر الانبعاث العلمي الذي حاوله محمد الرابع، وفوق هذا فإن مقدمة الترجمة تمدنا بتلميحات عن نشاط العلوم الرياضية في بلاط الأمير الشاب، الذي صار (مطافا للعلماء من جميع الآفاق : عن كل عارف بالألسنة والأقلام) ومن سوء الحظ أن لا يعرف لحد الآن – وبالضبط – ولا واحد من هؤلاء العلماء.
أما قيمة هذه الترجمة من الناحية اللغوية فهذا ما يتركه المقال لمن يهمه الأمر من المتضلعين في اللغتين.

(1)- توجد أمثلة لهذا الانبعاث الثلاثي في (مظاهر يقظة المغرب الحديث) مجلة "تطوان" العدد الثاني – سنة 1957م.
(2)- (الاعلام، بمن حل بمراكش وأغمات من الاعلام) للقاضي عباس ابراهيم ج 2 ص 267، وانظر عن ترجمة عبد الرحمان العلج نفس المصدر : القسم المخطوط.
(3)- هو الحاج العربي المشرفي في "الحسم الشرفي" نسخة الخزانة العامة بالرباط، ضمن مجموع يحمل رقم ك 2275.
(4)- في "تذكرة المحسنين" خ.ع.ك. 270 – لدى تعداد وفيات عام 1265ه - جاء ما يلي : (وصاحبنا الفقيه الميقاتي المعدل المهندس عديم النظير، السيد علي بن الفقيه سيدي محمد بن عبد الواحد الزجلي، وفي ظهير للسلطان محمد الرابع أن قبيل هذا يعرفون بأولاد ابن تمو – (إتحاف أعلام الناس) لابن زيدان ج 3 ص 366.
(5)- ترجمته في "السلوة" ج 2 ص 360.
(6)- لم أقف على ترجمته.
(7)- لم أقف عليها.
(8)- يوجد هذا ضمن كناش بمكتبة العلامة الجليل محمد بن بوبكر التطواني بسى، حيث وقفت عليه أثناء سنة 1374ه 1955م.
(9)- هو ابن المواز في "المقالة المرضية، في الدولة العلوية" نسخة بالمكتبة الملكية بالرباط رقم 493.
(10)- المنجد في الأدب والعلوم ص 457.
(11)- ص 3 ط. المطبعة البارونية بمصر، عام 1304 ه.


 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here