islamaumaroc

هموم النقد

  دعوة الحق

العددان 81 و82

مهداة إلى الصديق الكاتب الشاعر نابغة المغرب الأستاذ عبد المجيد بن جلون

كنت أتمنى أن لو عرفت الشاعر الخالد أحمد شوقي بالصحة لا بالنظر وحده. فلقد تأخرت عن زمنه سني، فهو حين جاء دمشق وكرمه المجمع العلمي العربي وأقام الدنيا الشآمية واقعدها من أجله منهض الشآم أستاذنا المغفور له "محمد كرد علي" كنت يومئذ عند وصيد الدراسة في كلية الحقوق وكلية الآداب بجامعة دمشق. فوقفت فتى ازحم بمنكبي الصفوف حتى خلصت إلى حيث كان شوقي يجلس في باحة المجمع، بيده حامل لفافة تبغه من العميق، وعلى صدارة سلسة ذهبي، ووجهه يفيض فرحة بتكريمه. وقد وقفت يلقي قصيدته عنه الكاتب  والصحفي المشهور الأستاذ نجيب الريس، رحمه الله، فأخذ يتهدج صوته بقصيدة شوقي التي حلى بها دمشق بمحاسن لا تنويها الطبيعة عنها سجين العصور. ومطلعها "قم ناج جلق وانشد رسم من بانوا".
وامتزج أدبي منذ كان لي أدب بشوقي في شعره، حتى استراح قلبي للتأليف فيه والمحاضرة، ولم يسترح من حبه. ولما طلع علي صديقي يقول لي حيث كنت بمصر.
- إليك أول نسخة من كتابي عن شوقي شاعر العصر الحديث.
تلقفتها منه وأنا حفي بها،أقبلها وملء قلبي مسرة أن ينهض أخي شوقي ضيف بها وكأني أنا الناهض. ومثل ذلك أعيش مع أبي الطيب المتنبي بعد أن ألفت فيه كتابي، فأجده ف يكل سانحة من سوانح فكري وبوارحه.
ولقد هتف بي شوقي أمس حين كنت أقرأ بمجلة "دعوة الحق" المغربية الرائعة التي علت إلى قمم المجلات العربية الحديثة. فبعد أن قرأت بها مقالي عن "أم حكيم" الجميلة المدهلة بالحب والشراب، وأم حكيم الثانية المحاربة التي ذابت أنفاسها على حدود الحسام، أخذت أقرأ المقالات التي تجلت في هذه المجلة(1) وأجول مثل نحلة من شميم زهرة إلى تقبيل وردة، حتى وجدتني وجها لوجه أمام صورة فريدة وقال نفيس، فأكببت على قراءتهما وتفهيمهما، ولقد اهتزت عروقي لهما وارتاح فؤادي لكل تعبير تألق فيهما وألفيتني مرددا بيت الشاعر شوقي الذي يقول :

ضحك الدنيا احتشاد للبكا      وحزين يتأسى بحزين 

 فإذا أأغير في كلماته من دون أن أشعر أني قد عمدت إلى التغيير، وإذا بي أقول :
"وأديب يتأسى بأديب"
فتأسيت بالكاتب الشاعر، الهادئ تفكيره، الصافي أدبه والضمير "الأستاذ عبد المجيد ابن جلون" الذي عرض عليه الأستاذ الفاضل "محمد
ابنعبد الله" وهو من أسرة "دعوة الحق" أن يكتب للمجلة مقالا يتناول فيه بالنقد المقالات والقصائد والآثار الفكرية التي جاءت في العدد السالف. وهذه سنة غير مستحبة. أخذت بالتنكر لها وشجبها منذ صدرت في مجلة من المجلات العربية في عصرنا الحديث. ولم أجد لها ضريعا ولا شبيها في مجلة لدى الغربيين. ولو كان الغربيون قد وجدوا في هذا الضرب من النقد أصغر ما يوفق عليه من الجدوى لما أحجموا عنه، وهم الذين توخوا بئاذانهم أرفع الآثار وأجل الأفكار. ولقد رحت أشهد ما قد سبب ذلك النقد المقيت من شنئان وعداوة بين أدبائنا العاديين والملموزين، فإن الأثر المنشور في مجلة أو كتاب لأديب من الأدباء هو كما يقول الجاحظ في منزلة العز والحب للولد الغالي. فكيف يأتي ناقد متحذلق أو مبيت ضغنا في قلبه على الحياة والأدب ؟ فيسكب أشواق مصارعه على الأثر الجميل، يريد ليشوه معالم جماله ويطمس مظاهر كماله. ولكم صرف النقد الجارح أدباء عن نشر آثارهم وقد عرفت النهضة الحديثة وهو من أساتيذتنا وأصدقائنا فقلت له يوما :
فيم لا تنشر رحلتك الأوروبية وقد أقرأتنا منها أطرفا سواحر. فقال :
- أفعل هذا ؟ حتى يجيء ناقد فيقول لي : أحسنت، أسأت.
كذلك أبغض الأدباء الموهوبون مياسم النقد الكاوية التي تنصب بالغضب والضغائن على الأجساد، وليس للأدباء من ذنب إلا أنهم أحبوا أن يطلعا الملأ على أثر من وجدانهم الصافي.
وههنا تعاودني ذكرى مريرة لكلمة كتبها عني ناقد منذ خمسين وثلاثين عاما، وأنا طالب في المدرسة التجهيزية بدمشق أجازوا أواخر العهد بها، وقد نشرت ذلك الزمن شعرا، فرآه، وكان هو في قريته شاعرها، فكتب في جريدة دمشقية كانت حاقدة تؤثر الإغارة، بأنني لست جديرا بالحياة. فلقد أراد لي الموت يومذاك، لأنه لم يعجبه أدبي، وقد بدرت ممني حين رأيت كلامه بادرة غريبة إذ لففت الجريدة التي فيها هذا القول عني، وفتحت باب الموقد في غرفة الدرس، إبان الاستراحة، وكان الوقت شتاء، وطرحت بها جملة واحدة في النار، وكأني أردت أن أطعم ذلك النقد المعتدي ألسنة اللهيب. وناقدي القديم لا يزال بحمد الله حيا – على ما علمت – وكم أدعو اليوم ليقرأ المقال الذي كتبه عن أدبي مؤدب العصر الحديث الأستاذ العظيم "عباس محمود العقاد" نضر الله عظامه، وقد ظهر مقاله هذا عني في كتابه الأخير "أشتات مجتمعات في اللغة والأدب في الصفحة 141 فناقش فيه ءارائي في الملحمة العربية التي أدعو إليها وأصنعها، وأثني علي ثناء جللني بالفخر طول العمر، وبعد موتي"(2) وكم أتمنى أن يقرأ هذا المقال السابغ ناقدي القديم ليؤمن الآن أنني عشت بحمد الله، وأن لي بضعة عشر كتابا مشهورة تعاد طباعتها، وأن بعضها من المصادر الجامعية الموثوق بها في الماجستير والدكتوراه في الجامعات العربية بكليات آدابها، وأن أعلام الأدب المعاصر يقرؤون آثاري ويعرفونني حق المعرفة، وفي مقدمتهم الدكتور طه حسين والأستاذ أحمد حسن الزيات مد الله في عمرهما، وشاع بفضل الله أدبي في ديار العروبة والإسلام، وبلغ الديار الأوربية لدى بعض المستشرقين وبخاصة وفي المجر وإسبانيا، وقد كتب رئيس المجمع بيدال مقالا عني يتعلق بالملاحم والمراسلة بيننا منذ عشر سنين. ونشر المستشرق الدكتور جرمانوس دراسة تحليلية لكتابي "أبو العلا ناقد المجتمع".
كما أعزني الرئيس فؤاد أفرام البستاني رئيس الجامعة اللبنانية بمقاله الرائع عن كتابي هذا في هذا الشهر.
لقد أخافني ذلك العائب الأدبي، وأنا ناشئ، فقلت لأمي – يرحمها الله – ذلك، فلم يهلها الحادث وشجعتني، وكنت أقرأ لها شعري وأفهما معناه على غرار الصبا، وأترنم بسمعي على تلاواتها قرآنها. ولقد أفادني تمرسي باليتم منذ مات والدي وأنا ابن عامين، فنهضت أمي، رحمها الله ترعاني بالتشجيع فلم آبه للناقد، ومضيت في بسيلي، حتى أدركت اليوم غاية من الأدب أرجو أن أوتي من العمر للمضي فيها، ولإكمال الملحمة العربي التي بلغت بأناشيدها الآن صدر بني أمية، ثم تحدرت إلى "نشيد الخوارج" و"نشيد الحسين".
فلما قرأت مقال الأستاذ كان أنعم في عباراته من الحرير، وأبلغ في الصواب من الحكمة، مشيت على سطوره مترنح النظر لعاب الخاطر، حتى خلصت منه خلوص الجائع من الطعام الشهي. إني وجدت هذا الأديب الكبير غير غريب عني، بل وجدتني قريبا فكأني ابن عمه أو أخوه، وقديما زرع لنا أبو تمام الطائي شيخ الشعراء شجرة القربى في الأدب. فرحت ازدهي بالأديب العربي ابن جلون في المغرب بلاد العروبة والإسلام، حيث إخواننا المفكرون المغربيون في مجاثمهم المشرفة على عدوة البحر في طنجة وفي الدارالبيضاء، والرباط وهم عيون مئاثر الفكر العربي الحديث. لقد تأتى هذا الأديب المطبوع، على الظام في القلم ومياسم الكيد في النقد فترفع عن أسفاف طغمة يملك أكبادها الجسد، وتنتشر الصفرة على وجوهها من ضيق النفس وتخوض العيون،لحرمانها الفكري، فهي كالمقارب تجعل حمتها في أقلامها. وما شأن كاتب يجول في ءاثار الناس ؟ للواحد أحسنت وللثاني أسأت وهو دونهم ينفس على المحسن جميل صنعه ويبيت ليله شامتا، ويراه الناس متجنبا ظلاما.
وكنت في مؤتمر الأدباء العرب في "بلودان"(3) مشاركا فيه ومتكلما، وأنهى نابغة العرب بلبنان الأستاذ "ميخائيل نعيمة" ممحاضرته الكبرى السابية في "النقد الأدبي" وقد دعا فيها إلى الوئام بين الأدباء والتجرد الممكن في إظهار المتالب، بروعة متكلم وغمق مفكر، وقد سمعها المؤتمرون بشغف متواصل وانجذاب ساحر، وكان أحد حواري المسيح أبان إلقائها، ولم يكد يجاوز كلمته الأخيرة في ختامها حتى دوي المكان بالتصفيق وفاضت مشاعر الإعجاب بنابغة الجبل الباني.
وجاءت نوبة المناقشات فنهض إليها مسرعا خصم من خصوم "ميخائيل نعيمة" الألداء، ففتح عليه باب من أبواب النقد الجهنمي الباطش، وكأنه كلن يرميه برشاش من الرصاص لا يمسك به إلا العدو الخصيم، فتلقى أديب العصر نعيمة، الهجمة بابتسام هادئ. ولم أترك لمن يلي ذلك الهاجم من صحبة الحاقدين اغتنام النهوض للكلام لموالاة النقد بالخصام، فنهضت إلى المنبر كالسهم الخاطف وخاطبت الأستاذ "نعيمة" كما كان يخاطب الحواريون المسيح :
- يا معلم، إننا لم نجيء تحت ظلال هذه العشية الشآمية الجميلة لكي نجرب في أدبك الجبار أسلحتنا الكليلة.
وأفاض الله علي كلاما بالنقد المسالم والتجرد فيه، ودعوت إلى شيوع الود والوئام بين الأدباء والقضاء على النقد الهادم الذي يتوقد فيه الحسد والتشفي.
وكان مدير الاجتماع لبقا فأنهى الجلسة بحذقه بعد أن علاها وميض الكهرباء وتوتر الأعصاب فهب نعيمة مقبلا علي بأسارير ضاحكة يفيض منه الود الذي لا يبلى.
وكذلك خلص الأستاذ "ابن خلدون" بالاعتذار المحبب من التورط في نقد ضار، فكان في أدبه رسول السلام وداعي الوئام، لا حامل عصا للقرع، أو معولا للتهديم.
ولست في كل ما ذكرت أوثر أن أجنب الأدب والفكر عوامل النقد الصحيح المدرسي، فإني كنت أعلم تلاميذي النقد في كلية الآداب بجامع دمشق، وأطبعهم بطوابع مدارس النقد القديمة والحديث في الأدب المغربي والعربي، ولطالما شهدت معارك النقد بضفاف النيل، فيما كان يدور منها بين صديقي الناقدين "محمد مندور ورشاد رشدي" وحين احتدم الخصام الفكري بينهما، وهجم رشاد رشدي تخفق فوق رأسه أعلام "ت.س. إيليوت" أخذ مندور بجالده بهدوء، حتى تكون صفان من الكتاب، كل منهما بجانب، ولم أتجه إلى واحد منهما، غير أني نصحت مندورا – يرحمه الله – بالكف، إبقاء على القلوب دون أن تتحطم، فإن بقايا من الود فيها تكفي لتجدد الصداقات، بعد طول خصام الأقلام.
وكان دابي أن أدور وألوب في أدب العصر الحديث وفي حياة أدبائه، على مرآة أرى فيها صورتي، وكنت أرى في معارض هذا الأدب مرايا مقعرة أجد فيها وجهي كبيرا ضخما صغير السحنة ممسوخا بزري العينين، لولبي الفم، دقيق العنق، فأفزع من نفسي وأنكر حالي وأغطي براحتي وجهي. ولم أعدم مرايا صافية حيث وجدتني فيها متلألئ الخاطر والصورة، كالذي كان من أمري حين نظرت أمس بالمرآة الصافية بوجه الكاتب الفذ الصديق "عبد المجيد بن جلون". فلقد مضيت وراء عينيه في أغوار بعيدة، وشممت في أدبه عطر الانتعاش، وحمدت لربة الشعر شعره في "محمد بن عبد الله" الرسول الأعظم تمجيدا وتسبيحا في قنوت صوفي ذائب قفلت وأنا أختتم هذا المقال :
- لقد رأيت الآن في سواد ليل الأدب المعاصر، نجما وهاجا، طلع في المغرب، ليضيء المشرق.
                                                            دمشق في 18 أغسطس 1965

(1)- عدد أبريل مايو 1965.
(2)- أرسل إلى الكاتب الكبير الأستاذ وديع فلسطين من القاهرة هذا المقال بخط الأستاذ عباس محمود العقاد وتوقيعه في ءاخره وقد حصل عليه من المطبعة ليكون أثرا عزيزا عندي، بعد أن فارق كاتبة العظيم عالمنا عليه رحم الرحمن – وقد وصل خط الأستاذ العقاد إلي بمقاله عني يوم خططت هذا المقال لمجلة "دعوة الحق" وجعلت عنوانه "هموم النقد"فيا للاتفاق الغريب !
(3)- من مصيف دمشق وأعلاها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here