islamaumaroc

المعرفة في الإسلام

  دعوة الحق

العددان 81 و82

بدأ الإسلام نقطة انطلاقه من وجوب إدراك الحقائق (بالمعرفة) التي ترادف العلم، وإن كانت تشمل ما يدرك بالتعليم وما يدرك بالتجربة الذاتية حيث ينتهي جميع ذلك إلى تكوين معارف شؤون الحياة كلها.
وبما أن الإسلام في حاجة دائما لمعالجة مقتضيات الحياة، فالضرورة تفرض عليه أن يتعلم ويعرف، وأن يطور معرفته ليتجه دائما إلى الأكمل والأحسن فهو ينقب بفكره عن المشاكل والمعضلات ليواجهها بصراحة.
وبما أن الإسلام يأخذ معارف السابقين ليركز على يقينها تجربته، أو ليزن مقدار فهمه وعمقه لإدراك الأشياء ومقدار عمق تفكير من سبق، فهو بطبيعة الحال يعتقد مسلمات لا سبيل لمناقشتها بل يجب عليه فهمها واستيعابها كما يعشق آراء تتغير وتتبدل لأنها في حاجة ماسة إلى التطور... وقد سجلت المعارف المكتسبة بالتجربة وأخذت تعطي من السلف للخلف على أساس أخذها مسلمة ومناقشتها من لدن لأكفاء أو ما يسمون في الإسلام بالمجتهدين.
وضمن الإسلام بطريقة الصدفة الزمانية ظهور مجددين عظماء من عباقرة الفكر الإسلامي يتناولون المعارف الماضية بتجديدها وتركيزها من جديد.
وإن من الطبيعي أن تكون هناك معارف مسلمة تدرس بصفة مدرسية كما هو الشأن في تاريخ الحضارات الفكرية البشرية.
وهناك معارف في مناقشة دائمة وإذا كانت العقيدة الإسلامية نفسها بدأت بتحرر العقل، فهي تنكر الجمود لخطره على طبيعة المعرفة ذاتها وجمود المحترفين لتحجير الأفكار كان عاملا أساسيا لقتل كل محاولة تجديدية في التفكير استنادا على الخوف من التحريف.
وفات هؤلاء البسطاء أن الجمود هو أساس التحريف، وانتهى بهم ذلك إلى فصل (المعارف) و(التعليم) عن الثقافة فأصبحت الدراسة تنتج متعلمين عارفين لا مثقفين واعين، لضرورة حرية التفكير في الثقافة، وبذلك أصبحت المعرفة مجموعة من المعروفات التي تداولها الناس، لا ما يجب أن يكشفه المعقل ويعرفه الإنسان، كما أصبحت مجموعة ما يروي وما قاله المتقدمون، لا ما يواجه معضلات الفكر المتجدد وشاع على المعلمين المتأخرين محاربتهم لحوار والنقاش إمعانا في تعطيل الفكر وتنويم المواهب وبذلك فقد الفكر ديناميكية العمل، وخمد الذكاء الذي لا يمكن أن يواجه القضايا إلا بحرية، وكانت بداية ظاهرة غير مسايرة لنقطة بداية الإسلام... وإذا رجعنا إلى نقد المعرفة في الإسلام عن طريق التحليل الفلسفي فيجب أن نشير إلى ما تعارفت عليه المدارس الفلسفية من أن المعرفة إنما يمكن الوصول إما عن (طريق اليقين، أي مذهب اليقين (Dogmatism) أو ما يمكن أن يسمى بالمذهب الواقعي (Réalisme)، وهو يرى أن المعرفة مستمدة من الخارج، أي من الأشياء الخارجية عن الذات.
وأما المذهب المثال : (Idialisme) حيث يرى أنها تنبعث  من الفكر الخالص ، أي تكونت داخل الشخص المفكر.
ومن جهة أخرى يختلف تطبيق مبادئ علم المعرفة على شؤون الحياة العلمية سواء في الميدان الميتافيزقي أو الأخلاق أو الحقوق.
ففي الميدان الفلسفي يظهر أن الحقائق التي تواجهها في الحياة المتطلبة بحلها عن طريق معرفتها، يعالجها الفكر بطريقتين، إما أن يستخدم عقله وتفكيره لتحليلها ومعرفتها وذلك بلم شتاتها وأشباهها ومحاولة وضع مقياس فكري خاص يتفق مع جميع المهتمين بقضية المعرفة.
وهذه هي الطريقة العقلانية، وإما أن يسلك الطريقة الوجدانية الذاتية وهي المعرفة الصوفية المركزة على التلقينات والمعتمدة على الحدس والبصيرة، وضروري أن تكون المعرفة أيضا على هذا المنوال، لأن المعرفة هدف يتطلب الوصول إليه استخدام العقل أو استنزاف الوجدان، ولا بد للوصول إليها إما عن طريق التعلق بالجزئيات وتسلسل المراحل والقدرة على التحليل والتركيب والموضوعية الصرفة، أو بطريق العاطفة، والإحساس، والمخيلة وتقمص ذلك في ذاتية صرف.
 ومن نتيجة ذلك فالبشر إذا فكروا ليعرفوا، لا بد أن يصنفوا في أنواع متعددة، ويبدو أن هناك فريقين واضحين متمايزين نجدهما ظاهرين في المعارف الإنسانية كافة.
(الأول) : أصحاب الذهن الهندسي العلمي الذي يعتمد على برهان العقل واستنتاجات المنطق.
(الثاني) : أصحاف الذهن المرهف المعتمد على الإدراك بالكشف الباطن والبصيرة والحدس.
ففي الأول تكون الآراء واضحة ملموسة، وليست في متناول الناس جميعا، وأما الثانية فتكون غامضة دخيلة وتكون في متناول الجميع، وليس في حاجة إلى بذل المجهود لإدراكها وقد بسط (باسكال) الفرق بين الذهن الهندسي والذهن المرهف في كتابة الأفكار Les pensées ص 63 وما تزال نظريته في الموضع جديرة بالاعتبار.
فالفئة (الأولى) تأخذ العقل أو الإدراك الصرف وسيلة للمعرفة ويغلب على هؤلاء المنطق، وعليهم عبء ما في المنطق من مزايا وأخطاء، مزية الصلابة ووحدة النظر، وأخطاء الاختلاف والتغير والتطور تبعا لنتائج التجربة المعتمدة على تطور وسائلها، فمن هؤلاء أرسطو وابن رشد وابن خلدون وديكارت وكانت هجل وسبنسر.
والفئة (الثانية) لا تعتمد على المنطق ومقاييسه ومفاهيمه وإنما تبحث عن المعرفة ذاتها بأية وسيلة، ويفضلون الوصول إليها عن طريق الإحساس والهوى العميق، ومن هؤلاء أفلاطون وبلاتون الغزالي وابن العربي، والشادلي واقبال وباسكال وجاكوبي وبوهمه وفختة.
والفرق بين الفئتين واضح، فالأولى تعتمد على المعاني الكلية والآراء الشمولية والبراهين العقلية، فعالها الآراء المنسقة، وحجتها تحليل الأفكار وتجمعها، وكأنها في مخبر علمي، وتهدف إلى وضوح الفكرة وصدق التجربة ووحدة الرأي ولا تهتم إ بما يسلمه العقل.
أما الفئة الثانية فهي ذات استنتاجات متنوعة، شاعرة، ومؤمنة تتجاوب مع الإحساس فتراها تنمو أو تضعف معها تبعا لمعظم الإحساس أو ضعفه، ولا تستطيع أن تتنقل نفسها للغير وإنما على كل واححد أن يعتمد على تجربته الشخصية.
وكما يظهر الفرق بين الفئتين من وجهة المعرفة الفلسفية يظهر واضحا كذلك من الوجهة الاجتماعية والأخلاقية، فالفئة الأولى تعتمد على القانون في تنظيم المجتمع، والثانية تعتمد على الأخلاق، والفئة الأولى تقيم المجتمعات على أسس قانونية مدروسة من تجاوزها تجاوز حدوده، يترصد به القانون ليحاسبه ويعاقبه، أما الفئة الثانية أما الفئة الثانية فتعتمد على التصوف الخلقي، حيث تشجع الفرد على أن يعود نفسه استحضار القوة الإلهية لتراقبه في سره ونجواه.
والمعارف الإسلامية الاجتماعية تضم بين العنصرين تعاليمها، حيث تسمى المجموعة المعارف (بالشرعية) ليدخل فيها عمل القانون الوضعي وعمل الأخلاق والتنظيمات السماوية، على أن كل فئة ترتكز على ما يناسبها ولهذا طفح المجتمع الإسلامي بالفقهاء ذوي ا لأحكام الفقهية والفتاوى القانونية، ورجال التصوف الذين يغمرون أتباعهم بمحبة الله والسير في طريق التعبد، فالتصوف يقابل القانون، والمجتمع إنما يسير بالاتجاهية ما داما غير مبالغين ولا متطرفين فإذا تطرف أحد الاتجاهين أصبح مخالفة تستوجب النكران، ويظهر ذلك واضحا في قصة الحلاج الذي بالغ في شطحاته، ووضع نفسه ضد السلطة الاجتماعية وعرض المجتمع لفوضى أخلاقية فقتل سنة 309 وفي قصة عن القضاة المعتزلة 525 كما يظهر في الموقف القانوني الصرف الذي يتنكر للأخلاق وسلطة الضمير الديني والاجتماعي فيتعرض لنقمة المجتمع.
ويمزج الإسلام بين الفئتين فيما يسمى (بالشريعة) التي هي ليست الأخلاق الصرفة ولا القانون الصرف، وإنما هي مزيج بين الأخلاق والقانون، فمواد القانون الإسلامي لا تفصل عن الأخلاق، فيلاحظ مثلا في (الزواج) و(الطلاق) و(الميراث) كيف أن القوانين ليست صارمة فحسب، بل هي تمتزج بالوعظ والأخلاق، فالزواج مبدأ يجب تقريره في المجتمع، ومن استطاع الباءة فعليه بالزواج وإلا فعليه بالصيام، والتناسل ضروري لتكاثر المجتمع، وفي الطلاق تلاحظ مبدأ بغض الطلاق عند الله، كذلك في الفرائض الاجتماعية كالزكاة تتخللها توجيهات خلقية صارمة، كما أن الصدقات، والهبات تصيغ في الوقت بتقنيات قانونية، وبذلك يجتمع القانون والأخلاق فيما يسمى (بالشريعة) التي هي صورة اجتماعية متكاملة لحياة الأمم، تظهر فيها صور العدل وطريقة حفظ التوازن، وهي تعتبر عما وصلت إليه الحياة فيها من تطور اجتماعي وإدراك جماعي للمسؤولية.
ويمكن في الإسلام وضع خط فاصل بين ما هو مبدأ أخلاقي، وما هو قانون اجتماعي حتى يضع الإنسان حدودا بينهما، نعم وضع علماء التشريع مبادئ لتحقيق ملاءمة بين التطور الاجتماعي والشريعة الإسلامية تستند على الإجماع والقياس والاستحسان، وهي في الواقع تشمل الأخلاق والقانون وتظهر في تطبيقات الزكاة والصوم والحج والمطبوعة بأوامر لا يسودها تغيير، كما يظهر بالأولوية في مسائل القانون الذي هو عرضة للتعديل، وفي تغير الظروف للتاريخ (التحرك الديني) ومن هذه الوحدة في الشريعة عن فصم الدولة عن الدين في الإسلام وأصبح ضروريا (تدين الدولة، كما أن هذه الوحدة الاجتماعية وحدت بين المعرفة الفلسفية والأخلاقية والقانونية في عقلية المسلم، الذي يدعوه الإسلام إلى مبدأ (التوحيد) ومعرفة التوحيد، والإيمان به، سواء في المسائل ذات الاتصال بالعقيدة (الإلهية)، أو ذات الاتصال بالأخلاق والقانون ليتم الانسجام في شخصية المسلم.
وعلى هذا الإحساس فالدين ليس طريقة إلى المعرفة، وإنما هو المعرفة ذاتها وهو نظام متكامل، لا يعتمد على الشعور والبصيرة ليست بين الحقيقة، وموضوع معرفته تحديد الحقيقة، وبيان رسالة الإنسان، وهو يسلك طريق القلب وطريقة العقل معا ويأخذ من الطرفين والمعرفة الدينية ليست شعورا بالحقيقة وإنما هي شعور وشرح وتوضيح ولأن المعرفة قائمة الذات يعرفها الإنسان بواسطة العمل المسلم فكل فرد يولد على (الفطرة) قابلا ليكون نموذجا صالحا وليتحمل عبء ما سبقه من الأحداث البشرية، وطبيعي أن الخصائص البيولوجية والفسيولوجية الوراثية مهما كانت عظيمة الأثر في تكوين الإنسان، فهي لا تجعله (قابلا) لتحمل عبء الخطيئة الإنسانية على نهج بعض المذاهب القديمة، ويقول النبي عليه السلام (كل مؤمن يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) ... (الفطرة) تجعله كاللوح الأبيض قابلا لتحمل كل ما يكتب عليه أو (كالعجين) يتكيف كما يريده صاحبه، وهذه الاستعدادات الفطرية أو الغريزية تجعله إنسانا مسلما والإسلام كدين يعطي لكل ذي كفاءة ما يمكنه أن يتحمل من التعاليم ولكن لهذه التعاليم وحدة متناسقة لا يظهر فيها فرق بين إنسان وآخر، مهما اختلفا فكريا وجسميا ووجدانيا، ونحن نرى في المجتمع الإنساني المسلم ذلك الفيلسوف العظيم بجانبه ذلك الرجل الساذج تحت قبة المسجد يتفاهمان كأشد ما يكون التفاهم، ويمكن أن نلخص المعارف الإسلامية في نظرية الإسلام، (للإنسان) الذي تنبع منه المعرفة وتخدمه  (فالإنسان) في الإسلام أرقى المخلوقات وأسماها، ذو مواهب عظيمة، واستعدادات متناهية فإذا استطاع أن يسمو بنفسه ومواهبه واستعداداته كان أسمى المخلوقات وإذا قصر في جهوده أو أضاع مواهبه أصبح أكثرها شرا، ولذلك تقول الآية الكريمة : "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم"، فالإنسان خلقه الله وقد توفر على عناصر الكمال، في وسعه أن يصل بمواهبه العقلية والوجدانية إلى الخلود، وهو في نفس الوقت رد إلى أسفل سافلين، إلى مكانة أحط من مكانة الحيوانات بما يقدم من شر ما حق إفساد متلاحق وهذا الاستعداد لتحمل مسؤولية العمل الإنشائي قد تحمله الإنسان وحده، وقد بسط القرآن الكريم ذلك بقوله (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنه، فأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوما جهولا) فالإنسان تحمل الأمانة في الأرض، أمانة تحقيق العدل والخير والسمو ليصل بنفسه وبعناصر الحياة إلى درجات سامية، فعليه أن يعرف مكانته في الكون ليكون عنصر الرشاد لا عنصر الضلال، فقد خلق الله الروح الإنسانية وجعلها قابلة للسمو أو للانحدار فقال تعالى : "ونفس ومن سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح  من زكاها وقد خاب من دساها" وبم تكون النفس سامية إلا بالعمل الصالح ؟ ثم بم يكون انحطاط النفس إلا بعدم كفاحها ضد وساوس الشر، وأمارات النفس الأمارة بالسوء ؟ إن الإنسان في الإسلام، عنصر تام الاستعداد للبناء والتسامي إذا استجاب لدعوة الخير، وبم يستطيع الإنسان أن يستجيب لدعوة الخير ؟ لقد زود بحاسة التفكير ليتطلع إلى المعروف والحسنى، فقد جعل في الاستعداد لتقبل أعلى المراتب الروحية العليا، ولذلك نصت عدة آيات قرآنية أن الله خلق الإنسان ليكون في الأرض خليفة، كما نصت أحاديث شريفة أن الله (خلق آدم على صورته). فهذا الإكرام في الخلق هو وسيلة ترقية الإنسان إذا أدى أمانته أحسن الأداء ليكون النموذج الكامل للاتحاد بالمثل العليا ليصل إلى أعلى درجات الكمال، وإذا كانت هذه النظرة الدينية صادقة من خلال كلمات القرآن الخالدة، فالفلسفة المعاصرة تؤيدها، ويقول الفيلسوف (برجسن) أن الحياة كنت في أوليتها تشبه المادة في جمودها فكانت تظهر في النبات ولا شك أن النبات  أقرب في خصائصه إلى الجمادات لاستحالة سعيه وحركته، ولكن الحياة في النبات لم تلبث أن * الحياة المتحركة فانطلقت من النبات في شكل الحيوان الذي زودته الحياة بشتى الأعضاء التي يمكنها أن تحقق شيئا من الحركة، ولكن سمت لتحقيق حرية الخلق الفكري في الإنسان، فالإنسان هو هدف الحياة، وهذا الإنسان أخذ يصفو ويجاهد بمواهبه لتحقيق الخلود، والتغلب على الموت، وسوف بخلد الإنسان لأنه جزء من الحقيقة الكبرى.
هذه نظرية الفيلسوف (برجسن) التي شرحت التفكير الإسلامي في (الإنسان) من طريق بحث فلسفي محض لا يعتمد إلا على العقل، وهكذا أدعمت الفلسفة الجديدة نظرية قرآنية خالدة، وإذا رجعنا إلى أصل المعرفة الحق وهي التي تحقق وعي الإنسان لذاته ولمكانه في العالم وإعطاء معتقداته أفكارا واضحة متميزة فلن يكون الإنسان عنصرا واعيا إيجابيا ما لم يكن معتمدا على أسباب صحيحة عنده وعند الناس أجمعين، ولن يصل الإنسان إلى ذلك ما لم يبحث عن الحقيقة ببداهة العقل وبوضح ينتفي معه كل شك.
 وقد استطاع الفيلسوف ديكارت في (تأملات في الفلسفة الأولى) أن يثبت براهن عقلية مجردة وجود الله وخلود الروح عن طريق المعرفة العقلانية وحدها، واستطاع أن ينصر العقيدة والدين براهن قاطعة أخرست ألسنة الملحدين، ولم يستطع ديكارت أن يخرج عن المنهاج القرآني فقد بدأ فلسفته بالميتافيزكيا أي الفلسفة الأولى، والفلسفة عبارة عن دراسة الحكمة التي ليست هي التبصر في الأمور فحسب وإنما هي معرفة نظرية كاملة ناتجة عن طريق العقل والمبادئ وكما نص القرآن  (على التدبر والتأمل) فقد وجد ديكارت نفسه مضطرا لأن يشك أي يصطنع الأناة ويرفض التصديق ول كان منها شديد الرجحان ما لم يتبين بالبداهة يقينه وذلك ليتخلص الإنسان من ظروف الأحكام السابقة ويتجرد عن الحواس، حتى يصطنع الأداة الصحيحة للمعرفة، والواقع أن شك ديكارت كانت فرضية عرضية لا يمكن أن تواجهها البديهيات، أما المنهج القرآني (هو التدبر) الذي قد يكون شكا اتجاه بعض الفرضيات وقد يكون رفضا، وقد يكون أقل من ذلك (فالتدبر) أقرب مسايرة المنهج العام للعقل البشري، والتدبر في القضايا هو عين ممارستها، أو بالأحرى هو معاناة تجربتها، فالتجربة في الإسلام والتدبر متساويان وتلك هي بداية المعرفة ويرجع الفضل للقرآن وحده في إعطاء المعرفة صبغتها العقلانية باتزان لم يباعدها عن التجربة النفسية والروحية، فالمعرفة مفروضة على عقلنا من تجربتنا والأحرى من ذاتنا، ومحكمها هو النموامس الخالدة المستمدة من التعاليم الدينية، فكانت هذه التعاليم تشابه في الفلسفة الإغريقية عالم المثل الأفلاطوني، فعقلنا في الدين الإسلامي متجرد باحث عن الحقيقة، ولكنه في نفس الوقت متجه إلى صوابات التعاليم القرآنية التي يجوز لنا بل يجب علينا فهمها، فهما عقلانيا، حتى لا تكون مملاة علينا، والحقيقة أن الإسلام دعا العقل إلى المعرفة، وخط طريق هذه المعرفة في التجربة والتعلم.
والمعرفة في الإسلام هي كل ما يجب معرفته لا ما عرف وتجمد في الكتب، أي أن الإسلام يريد عقلا شغوفا بالمعرفة والبحث فديناميكيته لا تعمل إلا بالحجة واليقين، وبذلك توجد بنفسها نقط ارتكاز فكرية ومع الأسف الشديد فالمعرفة جمدت عند كثير من المسلمين، فيجب أن تكون ثورة في مفهوم المعرفة ذاتها لأن المعرفة في الإسلام كما قلت معرفة ما يجب معرفته ويقتضي ذلك التنقيب عن المجهول، وتطوير ما هو معلوم، فكل معلوم يتعرض للتبديل والتغيير حسب تطور الفكر وما يعتمد عليه الفكر، وجمودها يظهر في فهم المعرفة في تجديدها على أنها تكديس ما هو معلوم وشرح ما هو معروف، وبذلك فقد التفكير عنصر احركة، وعندما تتقدم الحركة الفكرية تعرض الفكر للجمود والمعرفة للركود، حتى يصبح من لبديهي خلق النشاطات الفكرية،وقد ظهر هذا في اصطلاحات الفقهاء وبعض المحدثين الذين لا يهتمون غلا بروايات المتن وعدم دراسته رغم أن المفكرين المسلمين كابن خلدون – والغزالي أثاروا الانتباه إلى خطر هذا الجمود على الإسلام، ولا يستطيع مؤرخو الحضارات الإنسانية أن يتجاوزوا عن طريقة المعرفة التي انبثقت منهجيتها عن القرآن مباشرة من غير تسلسل في تاريخ الأديان، وتلك هي المعجزة وقد ظلت المعرفة (كما رسم الإسلام خطها) عاملا تقدميا لتطوير الحضارة الإسلامية، فالمعرفة القرآنية هي ممارسة التفكير الصرف لينسجم مع المعطيات الخارجية بصورة استقرائية مستندة إلى مقدمات تحققت بالتجربة وقورنت بمثل التعاليم الإسلامية، هذه المعرفة بقيت النموذج الصادق المحتدي في التفكير الإسلامي  كما بقيت نموذجا صادقا للتفكير الإنساني، وبهذه المعرفة الفطرية المنطقية في نفس الوقت استطاع الغزالي، ومحمد عبده، واقبال، أن يواجهوا تطورات الحياة وما يثيره الفكر من مشاكل في مختلف العصور والبيئات مستمدين قوة حجتهم وسلامة منطقهم من النموذج القرآني، وما تزال إلى عصرنا هذا تعتز بهذا النموذج، وهو في الواقع يتفوق  على التفكير الغربي المعاصر لأنه بدأ من نقطة سليمة مركزة، أما التفكير المعاصر فهو حصيلة تيارات عديدة وتجارب متعددة في الاجتماع والاقتصاد، وما وراء الطبيعة تتنافر لأقصى حد، فهي تارة متولدة عن عقلية مسيحية مغرقة في الخيال، والبعد عن الواقع الحياتي لا تشد صلتها بالإنسان إلا بحبال واهية، وهي تارة عقلانية صرف وتجريدية ملحدة، لهذا فهي متنافرة والفرق بين معرفة الغرب ومعرفة الشرق، إن الأولى معتزة بنفسها مسلحة بالعلم قوية في تعبيرها معتمدة على عناصر ذات فكرة متحركة، أما الثانية فهي رغم قوة منطقها مهلهلة الشخصية محتشمة لا تجد من يؤمن بها متعصبا، ولا من يساند حجتها بالفلسفة والمنطق، ولا من يخلو غرضها في تعبير حي وأخاذ، ولولا بديهيتها وقوتها وسلامة منطقها لعفى عليها الزمان، وهكذا وهنت المعرفة الإسلامية لأنها لا تجد مجالا حيا، أما المعرفة الغربية فقد استطاعت أن تحلل وتشمل وتتموضع أي استوعبت أساليب العلم وبذلك تجددت واستمرت.
إن المعرفة الموضوعية يمكن للجميع أن يعرفها، والفكر يستطيع أن يعكس أثر صورة المادة الموجودة في عقولنا بصورة تكاد أن تكون مستقلة عنا أي أن يصلنا بالحقيقة المطلقة التي هي مجموعة من الحقائق المعتمدة على التجربة والعلم.
وهذه الحقيقة هي ينبوع المعرفة، (المعرفة) التي تستحيل إلى ثقافة واعية مطبقة اجتماعية ومفهومة من الجميع فهما سليما.
فالمعرفة يجب إلا تنعزل عن طبيعة الإنسان الاجتماعية والفردية وإلا كانت طرق المعرفة إما عقلية لا تؤمن إلا بمنهاج العقل وتفسير الأشياء تفسيرا ميكانيكيا آليا، وإما تجريبية ذاتية تعتمد على الإحساس وحده، دون العقل فإن الواقع أن (الإنسان) يجب أن يعرف بعقله وبحسه معتمد أيضا على تاريخ التجربة الإنساني، فالنظرة العلمية تؤكد أن وجود الواقع مرتبط بالإحساس، فالواقع أولى ولفكر والإحساس من نتائج الواقع الخارجي المفهوم بهما والإنسان يفهم بطريق العلم والفن إما بالتعلم بطريقة التعريف والتجربة وإما بالفن بطريق الإحساس وبالصورة.
لقد اتغل علماء الإسلام كثيرا بشرح طريقة المعرفة، وهو موزعون بين مذهبين :
(الأول) المذهب الفلسفي الإسلامي الذي يرى أن في الإمكان أن يصل الإنسان إلى معرفة الحقيقة الدينية الإسلامية التي هي المعرفة السليمة إذا كان ذا موهبة واستعداد فطري وهذه نظرية ابن سينا وابن طفيل، فابن سينا يؤكد فيما قدمه لنا من بحث في الاستعدادات الفطرية ما يدل على ذلك.
كما أن ابن طفيل شرح في قصته الفلسفية حي بن يقظان أن الإنسان يستطيع أن يصل إلى إدراك الحقائق ولو كان قد نشأ في عزلة تامة غير محتمل لأي أثر من غيره إلا أثر العقل الفعال الذي يثير تفكيره، ويشترط ابن طفيل أن يكون هذا الإنسان مستعدا لذلك بما وهبه الله من ذكاء فطري كحي وصديقه اسال به رواية (حي ابن يقظان) على الفرق بين حي هو انه وصل إلى المعرفة بطريقة التأمل الذاتي أما اسال فقد زاوج بين الحكمة والدين في كونه تلقى المعرفة الدينية أولا بطريقة المحاكاة والدين ثم بطريقة التأمل ثانيا، على أن هناك من الناس من لا يستطيع إدراك المعرفة إذا قصرت مواهبهم كسكان الجزيرة في قصة حي ابن يقظان.
والفرق بين ابن طفيل وابن سينا في طريق تبسط نظرية المعرفة هو أن ابن طفيل كان واقعيا في بحثه، أما ابن سينا فكان منهاجيا أي أنه استمد آراءه من العقل الذي فارق بينه وبين الواقع كما فعل ديكارت من بعد، أما ابن طفيل فقد نقل لنا صورة من الحياة يستنتج منها أن المعرفة الدينية الإسلامية يصل إليها الإنسان بطريق التأمل الذاتي وهو الأساس الذي بني تآليف قصته حسب رأي الدكتور غلاب.
أما المذهب الثاني، وهو مذهب علماء الكلام، والفقه فهم يرون أن الإنسان لا يصل إلى معرفة الدين إلا بطريق وصول الدعوة وتبليغها إليهم من طريق الرسول عليه السلام، لهذا كان من واجب الرسول التبليغ.
ومن واجب التكليف بأوامر الشرع بلوغ الدعوة، والتكليف بوصول الدعوة شرط أساسي ينبني عليه الثواب والعقاب، فالإنسان غير مكلف ما لم تصله الدعوة الدينية التي من المعارف الموجهة.


البادي أظلم
اشتد المطر يوما، حتى تحولت الأزقة إلى برك وخلجان، وفيما الأعمش
واقف اقترب منه أحد الشيوخ، وقال له : "أعبر بي" ثم اعتلى ظهره،
فلما سار الأعمش قال الشيخ :"سبحان الذي سخر لنا هذا، ما كنا له مقرنين"
فسكت الأعمش، حتى توسط به الخليج فقذفه وقال : "وقل ربي أنزلني
منزلا مباركا وأنت خير المنزلين".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here