islamaumaroc

لمحة تاريخية وأدبية عن الحمامات في المجتمع الإسلامي -1-

  دعوة الحق

العددان 81 و82

رفع الإسلام شأن النظافة،وأعلى قدرها، حتى جعل المتطهرين المتنظفين أحباء الله إذ قال جل جلاله :"إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين" فالمشرع الإسلامي يعتبر الطهارة شطر الإيمان، ويعدها من شروط صحة العبادات كالصلاة والطواف ومس المصحف كما يلزم على الواقف بين يدي الله أن يكون طاهر النفس طاهر البدن، طاهر الثياب، حيث يجب التطهر على كل جنب وحائض ونفساء، وذلك بالاغتسال وإفاضة الماء مع الدلك، بل يجب غسل الميت قبل أن يوارى التراب حتى يعود إلى ربه طاهر البدن. وقد رويت أحاديث كثيرة في فضيلة الغسل يوم الجمعة، منها قوله صلى الله عليه وسلم : "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" وقوله عليه الصلاة والسلام : "يا معشر المسلمين، هذا يوم جعله الله عيدا للمسلمين، فاغتسلوا ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمسمنه وعليكم بالسواك".
وبما أن المسلم، رجلا كان أو امرأة، ينبغي أن يكون نظيفا، حسن المظهر، كان الحديث عن المياه وعن التطهر بها، الباب الأول في جميع الكتب الفقه، وكان اهتمام المسلمين بإنشاء الحمامات الخصوصية والعمومية يضاهي اهتمامهم ببناء المساجد والمدارس والمستشفيات التي هي بمثابة مراكز للصحة الروحية والصحة العقلية والصحة البدنية.
عرفت جميع الأمم المتحضرة القديمة الحمامات واعتنت بتشييدها وزخرفتها، كما اعتنت بتسيير مجاري مياهها، وإتقان أحواضها وصهاريجها، وتزيين مجالسها، غذ كان يتخذها مترفوها وموسروها أماك للنظافة والاستحمام، وأندية للهو والتمتع بألوان الملاذ، ومن تلك الأمم، البابليون والآشوريون والمصريون والحبشيون واليونانيون الخ.. يروي المؤرخ اليوناني بلوترك أن إسكندر المقدوني لما دخل حمامات "دارا" ملك الفرس بعد أن هزمه، اندهش غاية الاندهاش مما شاهده فيها من أنابي ومبار وأواني أكثرها مصنوع بالذهب والفضة.
إننا لا نكاد نجد في دواوين الشعراء العصر الجاهلي والشعراء المخضرمين ذكرا للحمامات، ومن المؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يغتسلون في الغدران، إلا أن جل المسلمين الأولين الذين نزحوا إلى الشام، عرفوا الحمامات العامة والخاصة، ومنهم من استطابوا الاغتسال بها، كما أنن منهم من استنكروا دخولها وبالخصوص التشاغل بها عن مصالح الأمة. وقد ورد ذكرها في أقوال كثيرة منسوبة لبعض الصحابة، منها قول عبد الله بن عمر رضي الله عنه : "الحمام من النعيم، الذي أحدثوه" وقول الإمام علي كرم الله وجهه : "بئس البيت الحمام، تكشف فيه العوراتـ وترفع فيه الأصوات، ولا تقرأ فيه آيات من كتاب الله" وروي أن معاوية قدم من الشام على امير المؤمنين عمر بن الخطاب، فضرب بيده على عضده فتكشف له عن عضده بضة ناعمة، فقال له عمر : "هذا والله لتشاغلك بالحمامات، وذوي الحاجات تقطع أنفسهم حسرات على بابك"
وأما حديث دخوله صلى الله عليه وسلم حماما بالجحفة فهو موضوع باتفاق الحفاظ/ لأنه لم يكن بها، زمن النبي صلى الله عليه وسلم حمامات (1).
وذكر البلاذري أن الحمامات المبرزة بلغت بالبصرة في عهد زياد ابن أبيه وابنه عبيد الله تسعة، ثلاثة منها يملكها نساء، وكان الأول منها لعبد الله بن عثمان بن أبي العاص، والثاني لفيل(2) مولى وحاجب زياد ابن أبيه، والثالث لمسلم ابن أبي بكرة.
وكان يضرب المثل بحمام فيل قال أبو عبيدة : حدثني يوسف بالسبابخة(3)، عمل طعاما لأصحاب زياد، ودعاهم إلى داره، وأدخلهم حمامه، ثم غذاهم وخرج معهم، فركب على برذون هملاج. فقال أبو لأسود الدؤلي :

لعمر أبيك ما حمام كســرى      على الثلثين من حمام "فيل"

فقال الجرود بن أبي سمرة متذمرا عن الغبار الذي كان يثيره برذون ذلك المولى :

ولا أرقاصنا خلف المـــولى      بسنتنا على عهد الرســــول(4)
 
وأشار يزيد بن مفرغ إلى ما كان لهذا الحمام من شهرة، قوله لطلحة الطلحات :

متمنيني، طلحة، ألــف ألــف      لقد منيتي أمــــــــلا بعيــــــــدا
فلست لماجد حر ولكـــــــــن      لسمراء التي تلد العبيــــــــــــد
ولو أدخلت في حمام فيــــــل      وألبست المطارق والبرودا(5) 

وكانت الحمامات في ذلك العهد – كما هي في زماننا هذا باب واسعا من أبواب الكسب والارتزاق، قال أبو بكرة لابنه مسلم "يا بني والله ما تلى عملا قط وما أراك تقصر عن إخوتك في النفقة" فقال : "إن كتمت علي أخبرك ؟"قال : "فإني أفعل" قال : "فإني أغتل من حمامي هذا، في كل يوم ألف درهم وطعاما كثيرا" ثم إن مسلما مرض، فأوصى إلى أخيه عبد الرحمن بن أبي بكرة وأخبره بغلة الحمام، فأفشى ذلك، واستأذن السلطان في بناء حمام، واستأذن غيره، فأذن له وكثرت الحمامات. فأفاق مسلم من مرضه وقد فسد عليه، حمامه فجعل يلعن عبد الرحمن، يقول : "ما له ؟ قطع الله رحمه!" يتجلى مما سبق أن الحمامات كانت منذ ذلك الوقت لا تبنى إلا بإذن من الولاة. وهذا مفهوم لأنه من الضروري أن تختار لبها المواقع اللائقة لئلا يلحق دخانها الضرر بالجيران، وأن يراقب بناؤها لئلا تهوي على داخليها، وأن يكون أصحابها من ذوي العفة والأمانة. ويتجلى أيضا أن المقبلين على الحمامات كانوا كثيرين، وأن أجرة الدخول إليها كانت "دراهم وطعام" وإن كان هناك حمامات يشرف عليها النساء.
لم يغفل الأدباء الرحالون ومؤلفو كتب المسالك والممالك، عن الإشارة إلى ما شاهدوه من حمامات أثناء تجوالهم. ومنهم من اعتنى بعد ما عرف منها بالمدن والحواضر لأنها أضافت إلى "فن العمارة"كثيرا من الفن والجمال، وإلى الآداب الاجتماعية ألوانا من العادات والتقاليد، واتخذها بعض الشعراء والكتاب موضوعا طريفا أطلقوا فيه العنان لمخيلاتهم، متنافسين في تشخيص ما بها من زخارف، وصور، وزجاج ملون، وأثاث ورياش الخ ومن التعبير ع أحاسيسهم بجانب أحواضها السخينة ووسط أبخرتها الحارة.
قال الخطيب البغدادي في تاريخه : "أنها "أي بغداد" أربعون مدينة وأن الحمامات بلغ عدده أيام المامون 000 65 حمام" وقد أراد صاحب سير الملوك بيان مقدار عمارة بغداد فقال : "وكان عدد الحمامات في ذلك الوقت ببغداد ستين ألف حمام، وأقل ا يكون في كل حمام خمسة نقر : حمامي، وقيم وزبال، ووقاد، وسقاء، ويكون ذلك ثلاثمائة ألف رجل، وذكر أنه يكون بإزاء كل حمام خمسة مساجد ويكون ذلك ثلاثمائة ألف مسجد، وتقدير ذلك أن أقل ما يكون في كل مسجد خمسة نفر، يكون ذلك ألف ألف وخمسمائة إنسان(6).
إن طريقة الإحصاء هذه تبدو مضطربة، إذ بني تقدير عدد السكان على الذكور، اللهم إلا إذا كانت هناط مساجد وحمامات لا يشرف عليها ولا يدخلها إلا النساء. والطريقة التي ذكرت في دائرة المعارف الإسلامية الفرنسية "في المقال الخاص ببغداد" .
تظهر أصح، وإن وقع تطابق بين نتيجتي الحسابين " جاء فيه : "عدت الحمامات ببغداد سنة 383ه 993م فإذا بها ألف وخمسمائة حمام، فماذا كان كل حمام مقصود من لدن سكان مائتي دار، وكان بكل خمسة نفر، فإن سكان بغداد يكونون حوالي مليون وخمسمائة ألف".
وزار ابن جبير بغداد سنة 81 ه 1185م، فذكر أن جانبها الشرقي "كانت العمارة به محدثة، ومع استيلاء الخراب عليه كان يحتوي على سبعة عشر محلة، كل محلة منها مدينة مستقلة، وفي كل  منها الحمامان والثلاثة والثمانية" وقال : "والشرقية فهي اليوم دار الخلافة، وهي حفيلة الأسواق، عظيمة الترتيب، وأما حماماتها فلا تحصى عدا، ذكر لنا أحد أشياخ البلاد أنها بين الشرقية والغربية نحو الألف حمام، وأكثرها مطلية بالقار، مسطحة به، فيخيل للناظر أنه رخام أسود صقيل".
ألف يوسف عبد الهادي، وهو من رجال القرنين التاسع والعاشر، كتابا سماه "عدة الملمات، في تعداد الحمامات"(7) خصه لحمامات دمشق الكثيرة، وورد في كتب التاريخ أن عدد حمامات القاهرة، في القون السابع الهجري، بلغ ثمانين حماما فقط، في الوقت الذي كان بالفسطاط أكثر من ألف حمام(8) قال جرجي زيدان في كتابه تاريخ التمدن الإسلامي "2 ص 174" "ذكر مؤرخو العرب من مقدار عمارتها "الفسفاط" أنه كان فيها 37.000 مسجد و8.000 شارع مسلوك و1.170 حماما/ وقد يستعبد ذلك ولكن أبراده يدل على كل حال، على العظمة والعمران".
وفيما يخص الحمامات بالمغرب فقد جاء في كتاب "صبح الأعشى" رواية عن أبي سعيد، أحد مؤلفي كتاب "المغرب في حلى المغرب" و"قد ضاع الجزء الخاص بهذه البلاد" أنه قال : لم أر قط حمامات داخلها عين تنبع إلا في فاس"(9) وقال "وهي أكثرها مياه من دمشق.
وقال ابن أبي زرع في كتابه "الأنيس المطرب بروض القرطاس"أثناء وصفه لمدينة فاس، "في أيام زناتة.. فبنيت بها الفنادق والحمامات والارحاء والمساجد.. وبلغت مدينة فاس في أيام المرابطين والموحدين، من بعدهم من العمارة والغبطة والرفاهية ما لم تبلغه مدينة من مدن المغرب وأحصيت الحمامات منها المبرزة الناس، في تلك المدة، فكانت 93 حماما" "وذلك في عهد المنصور وولده الناصر(10).وأحسن المؤلف هنا حينما أكد أنه لم يذكر إلا "الحمامات المبرزة للناس، ولم يتعرض للحمامات الخصوصية، وهي حسب ما أخبرني الأستاذ إبراهيم الكتاني كثيرة ولا زالت ماثلة للعيان في جل البيوتات العريقة بفاس، وبعضها يسع عددا وافرا من الناس.
كتب الأستاذ محمد المنوني في مجلة البحث العلمي "عدد 1" بحثا عنوانه "وصف المغرب أيام السلطان أبي الحسن المريني" ذكر فيه معلومات استقاها من كتاب "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار" لابن فضل الله العمري "700-74ه 1300-1348م" جاء فيه، أثناء الكلام عن فاس : "وغالب أغنيائهم يعملون لهم حمامات في بيوتهم، أنفة من الدخول مع عامة الناس، لأن حماماتهم صحن واحد لا خلوة فيه تستر الناس من بعض" زفيه عن مراكش : قال ابن سعيد "وحضرة مراكش –سكنت بها وعرفتها ظاهرا وباطنا ولا أدري هل العبارة تفي بما تحتوي عليه، ويكفي أن كل قصر من قصورها مستقل بالديار والبساتين والحمام والاصطبلات والمياه وغير ذلك".
ونشر بمجلة تطوان "عدد 3 - 4" للأستاذ محمد بن تاويت حول كتاب لأبي عبد الله محمد بن القاسم الأنصاري عنوانه "اختصار الأخبار عما بثغر سبتة من سنى الآثار" وأبو عبد الله من أعيان سبتة، وقد هاجرها لما غزاها البرتغال، انتهى من تأليف كتابه سنة 825ه وسجل فيه، كما يقول الأستاذ ابن تاويت، سبتة في مرحلتها الأخيرة الإسلامية قال : "... وعدد الحمامات المبرر للناس اثنان وعشرون حماما، أعظمهما هيكلا وأشهر ذكرا حمام القائد، وهو لقائد أبو علي ناصح الدين الذي كان بناؤه على يده رحمه الله. ها الحمام الغاية في الكبر يسع المئتين من الناس مرتفع السمك، طيب الهواء، قائم على أعمدة الرخام بعروش، بالواحة الساطعة البياض. والمسلخ(11) متسع الساحة له بابان اثنان، وسقفه قبة مرتبة متقنة على أربع جنبات، وبالصحن صهريج كبير مرتفع على الأرض، وفي وسط الصهريج سارية مجوفة فوقها طيفور من الرخام الموصوف، يصعد الماء في جوف السارية إلى أن يفور في الطيفور، وفيضه يملأ الصهريج.. هذا وبكل دار من ديار سبتة حمام ومسجد إلا القليل. ولقد كان بمنزلنا حمامان اثنان ومسجد، طهر الله تلك المنازل من عبادة الأوثان والأصنام، وأعاد إليه بمنه وفضله كلمة الإسلام.. ولنذكر الآن ما جمعته قرية "بنيونش" "جوار سبتة" المشهورة في الآفاق، التي أربت على القرى وفاقت شعب بوان في أقصى العراق، فعدد العيون والأنهار التي بها ستة وثمانون وأرفعها قدرا أشهرها في النفع ذكرا، نهر ءامزار، وعدد الحمامات بالأربعة المبرزة للناس، مائة وستة وعشرون حماما "أي يوجد ضمن هذا العدد الأربعة المبرزة للناس".
عرفت الحمامات بالمغرب بواسطة الرومان إلا أن الأدارسة المرابطين والموحدين قد استفادوا كثيرا مما شاهدوه بالأندلس من حمامات إسلامية فبنوا مثلها في المغرب.
يروى عن ابن عذارى المراكشي أنه بقرطبة في عهد عبد الرحمن الناصر، نحو الثلاثمائة حمام خاصة بالنساء. وورد في كتاب نفخ الطيب : كان بقرطبة في "عهد الناصر" وحدها من الدور العامة 000 103 ومن الدور الخاصة 630 ومن الحمامات 800 ومن المساجد 3837".
وآثار الحمامات، بل هياكل الكثير منها لا زالت شاهدة إلى الآن، بما شيده المسلمون من حمامات خصوصية وعمومية في كافة مدن الأندلس وقراها، كما لا زالت كتب التاريخ والجغرافية حافلة بذكر الحمامات ووصف ما فيها من زخارف وما أوحت به من أشعار وقصص للشعراء والأدباء.
والاهتمام بالنظافة وبالاغتسال هو الذي لفت أنظار رجال الكنيسة إلى المسلمين المدجنين، في الفردوس المفقود، أيام تأجج نيران "محاكم التفتيش" فأوقعوا بهم الشنائع والفظائع.
ومهما يكن من أمر فإن حمامات المغرب، ولا سيما تلك التي بنيت منذ عهد المرينيين، تمتاز بهندسة تكاد تنفرد بها حمامات إفريقية الشمالية، وذلك من حيث التصميم لا من حيث ما تتسم به بعض الحمامات المشهورة من زخاريف وأعمدة رخامية وفسيفساء الخ.
فإننا نجد مثلا كثيرا من أوجه الشبه(12)  في تخطيط الحمام القديم بوجدة "696ه - 1296م"وحمام سيدي بنعباد بسلا "باسم بانيه الذي ولد سنة1338م ومات 1390م" وحمام المخفية بفاس. فكل هذه الحمامات بنيت في العهد المريني، وكذا حمام شالة والحمام الجديد بالرباط المعروف بحمام العلو الذي بناه أبو عنان المريني وجعله من جملة الأوقاف التي حبست على إطعام الطعام لمن يأوي إلى شالة من فضلاء وعظماء "كما وجد ذلك أثرا لأبي عنان في مضمون التحبيس المنقوش على الرخامة التي اكتشفت بجدار القوس الوسط في صحن الجامع الأعظم الرباطي، ونص ما وجد :الحمد لله حق حمده، مما حبسه مولانا الخليفة المتوكل على الله.. أبو عنان بن أبي الحسن بن أبي سعيد بن يوسف يعقوب بن عبد الحق" تقبل الله عمله وبلغه في نصر الإسلام أمله، الحمام الجديد برباط الفتح حرسه الله، على ضريح مولانا المرحوم والدهم رضوان الله عليه، وإطعام المساكين بشالة عمرها الله تعالى وذلك في عام 755 عرف الله خيره(13) وذكر مولاي عبد الرحمن بن زيدان في كتابة "إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار مكناس" حمامات بنيت بها في عهد الموحدين وما ءالت إليه اليوم، وقال "وعدد حمامات المدينة اليوم أحد عشر "وذكر أسماؤءها – ويقصد طبعا الحمامات الأثرية" وذكر أن عدد حوماتها تسعة وعشرون وعدد سكانها الأهالي المسلمين 207 28 إلا أنه شك في ضبط الإحصاء، "طبع الجزء الأول من هذا الكتاب سنة 1348ه 1992م".
والحمامات سواء منها الخاصة والعامة المبرزة للناس كان يعتني بها في كل عهد غاية في كل عهد غاية الاعتناء، فيختار لها الموقع اللائق والمواد البنائية الملائمة ويهتم بمجاري الماء ووسائل التسخين، وفي الحمامات المبرزة كان يعتني على وجه الخصوص بالمسلخ، وهو المكان الذب تنزع فيه الثياب ويستراح فيه بعد الاستحمام وقد يتخذ منتدى تقام فيه الحفلات العائلية ويتباهى فيه بأنواع الملابس الفاخرة، وتوزع فيه المشروبات.
قال أبو عبد الله محمد بن غالب "وهو من كتاب المملكة البلنسية – توفي سنة 572ه بمالقة" على لسان حمام :

أنظر إلى تفشي البـــــــديع      يسليك عن زهرة الربيـــــع
لو جنى البحر من ريــاض      كان جنى روضي المربـــع
سقاني الله دمع عينـــــــــي      ولا وقاني جوى ضلوعي !
فما أبالي شقاء بعـــــضــي      إذا تشفيت في جميعــــــــي
كيف تراني – وفيت ما بي      ألست من أعجب الربوع ؟!

كان الأندلسيون يتسامحون  في إقامة التماثيل في قصورهم وفي ميادينهم العامة. كان منها ثمانية على باب الزهراء. قال بعضهم في تمثال أقيم في ساحة من ساحات شاطبة.

كأنه واعظ طال الوقوف بــه      مما يحدث عن عاد وعــــن أرما
فانظر إلى حجر صلد يكلمنا       أشجى وأوعظ من قس لمن فهما
  
وكان بحمام الشطرة بإشبيلية، في عهد ابن عباد عدة تماثيل المرمارية ومنها تمثال امرأة بيدها صبي وصفه الشاعر أبو تمام غالب بن رباح، المعروف بالحجام وهو من قلعة رباح، غربي طليطلة قال :

ودمية مرمر تزهو بجيـــد      تناهي في التورد والبيــاض
لها ولد ول تعرف خليـــلا      ولا ألمت بأوجاع المخـاض
ونعلم أنها حجر ولكــــــن      تتيمنا بألحــــــــاظ مــراض  

وصف ابن بطوطة(14) في رحلته أحد حمامات بغداد "وذلك في منتصف القرن التاسع الهجري" قال "وحمامات بغداد كثيرة وهي من أبدع الحمامات، وأكثرها مطلية بالقار مسطحة بها، فيخيل لرائيه أنه رخام أسود.. وفي كل حمام منها خلوات كثيرة كل خلوة منها مفروشة بالقار، مطلي بالقار نصف حائطها مما يلي الأرض به، والنصف الأعلى مطلي بالجص الأبيض الناصع، فالضدان بها مجتمعان متقابل حسنهما وفي داخل كل خلوة حوض من الرخام فيه أنبوبان أحدهما يجري داخل بالماء الحار والآخر بالماء البارد، فيدخل الإنسان الخلوة منها منفردا لا يشاركه أحد إلا إن أراد ذلك، وفي زاوية كل خلوة أيضا حوض آخر للاغتسال، فيه أيضا أنبوبان يجريان بالحار والبارد. وكل داخل يعطى ثلاثا من الفوط أحدهما يتزر بها عند دخوله، والأخرى يتزر بها عند خروجه والأخرى ينشف بها الماء عن جسده ولم أر هذا الاتفاق كله في مدينة سوى في بغداد، وبعض البلاد تقاربها في ذلك(15).

وقال الدكتور زكي محمد حسن في كتابه عن فنون الإسلام، بعد كلام طويل عن الحمامات : "ولا ننسى في هذه لمناسبة أن مصر كانت تمتاز على سائر الأقاليم الإسلامية بإبداع حماماتها، وحسبنا ما كتبه في هاذ الصدد، عبد اللطيف البغدادي حين زار مصر في نهاية القرن السادس الهجري "12م" قال : "وأما حماماتهم فلم أشاهد في البلاد أتقن منها وصفا، ولا أتم حكمة، ولا أحسن منظرا ومخبرا. أما أولا فإن أحواضها يسع الواحد منها ما بين راويتين إلى أربع راويا وأكثر من ذلك، يصب فيه ميزابان  ثجاجان حار وبارد، وقبل اختلطا فيه جرى منه إلى الحوض الكبير. وهذا الحوض نحو ربعه فوق الأرض وسائره في عمقها، ينزل إليه المستحم فيستنقع فيه. وداخ الحمام مقاصير بأبواب، وفي المسخ أيضا مقاصير لأرباب التخصيص حتى لا يختلطوا بالعوام ولا يظهروا على عوراتهم. وهذا المسلخ بمقاصيره حسن القسمة، مليح البنية وفي وسطه بركة مرخمة وعليها أعمدة وقبة وجميع ذلك مزوق السقوف، مفوف الجدران، مبيضها مرخم الأرض بأصناف الرخام، مجزع باختلاف ألوانه. وترخيم الداخل يكون أبدا أحسن من ترخيم الخارج. وهو مع ذلك كثير الضياء مرتفع الأزاح، جاماته مختلفة الألوان، صافية الإصباغ بحيث إذا دخله الإنسان لم يؤثر الخروج منه، لأنه بالغ بعض الرؤساء أن يتخذ دار لجلوسه وتناهي في ذلك لم تكن أحسن منه. وفي موقده حكمة عجيبة، وذلك أن يتخذ بين النار وعليه قبة مفتوحة بحيث يصل إليها لسان النار، ويصف على أفاريزها أربع قدور رصاص كقدور الهراس لكنها أكبر منها وتتصل هذه القدور قرب أعاليها بمجار من أنابيب فيدخل الماء من مجرى البير إلى فسقية عظيمة ثم منها إلى القدر الأولى فيكون فيها باردا على حالة، ثم يجري منها إلى الثانية فيسخن أكثر من ذلك، ثم إلى الرابعة فيتناهى حره، ثم يخرج من الرابعة إلى مجاري الحمام. فلا يزال الماء جاريا وحارا بأيسر كلفة وأهون سعي وأقصر زمان.. ويفرشون أرض الأتون التي هي مقر النار بنحو خمسين أردبا ملحا، وهكذا يفعلون بأرض الأفران لأن الملح من طبعه حفظ الحرارة" وجاء في كتاب "نفح الطيب" وصف لحمام خصوصي يشهد للفن المعماري الإسلامي بالبداعة والإتقان ويبين مدى اهتمام المشرفين على الحمامات ومغالاتهم  في زخرفتها وإعداد وسائل الراحة والملة بها. قال : "تذكرت هنا عند ذكر الحمام، ما حكاه بدر الدين الحسين بن زفير الأربلي المتطبب إذ قال : رأيت ببغداد في دار الملك شرف الدين هرون ابن الوزير الصاحب شمس الذين محمد الجوني، حماما متقن الصنعة، حسن البناء، كثير الأضواء، قد اختفت به الأزهار والأشجار. فأدخلني إليه سائسه، وذلك بشفاعة الصاحب بهاء الدين بن الفخر عيسى المنشئ الأربلي. وكان سائس الحمام خادما كبير السن والقدر، فطاف بي عليه، وأبصرت مياهه، وشبابيكه وأنابيبه، المتخذ بعضها من فضة مطلية بالذهب وغير مطلية، وبعضها على هيئة طائر إذا خرج منها الماء صوت بأصوات طيبة ومنها أحواض رخام بديعة الصنعة، والمياه ترج من سائر الأنابيب إلى الأحواض ومن الأحواض إلى بركة حسنة الإتقان، ثم منها إلى البستان. ثم أراني نحو عشر خلوات كل خلوة منها صنعتها أحسن من صنعة أختها، ثم انتهى بي إلى خلوة عليها باب مقفل حديد، ففتحه ودخل بي إلى دهليز طويل كله مرخم بالرخام الأبيض الساذج، وفي صدر الدهليز خلوة مربعة تسع بالتقريب أربعة أنفس إذا كانوا قعودا وتسع اثنين إذا كانوا نياما، ورأيت من العجائب في هذه الخلوة أن حيطانها الأربعة مصقولة صقالا لا فرق بينه وبين صقال المرءاة، يرى الإنسان سائر بشرته في أي حائط شاء منها، ورأيت أرضها مصورة بفصوص حمر وصفر وخضر ومذهبة، وكلها متخذة من بلور مصبوغ بعضه أصفر وبعضه أحمر، وأما الأخضر فيقال أنه حجارة تأتي من الروم، وأما المذهب فزجاج ملبس بالذهب. وتلك الصور في غاية الحسن والجمال على هيئة مختلفة في اللون وغيره.
وخصص الطبي الضرير الشيخ داود الانطاكي في كتابه "تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب" عدة صفحات (ج 1ص 119 وما بعدها) بين فيها كيف ينبغي أن يكون الحمام من حيث الموقع، وهندسة البناء، ومتى ينبغي أن يدخل له معللا ذلك بملاحظات تنم عما كان له من خبره بوسائل علاج الأجسام إنعاش النفوس وتنشيط الحركات قال : "وصورته "أي الحمام" التي ينبغي أن يكون عليها التربيع لقرب هذا الشكل من الصحة. وأفضل الحمام مطلقا حمام عال، مرتفع في البناء، لئلا يحصر الأنفاس المختلفة فيفسد بها، وينحل البخار الصاعد.. فغن اتسع مع ذلك كان أقوى في تفريق الهواء وتلطيفه.. لا سيما إن طال عهده، أي قدم بناؤه، لأن الجديد فاسد بأبخرة الأحجار والطين، وعفونة ما يشرب من الماء في أجزائه... ولا يصدق على الحمام القدم إلا بعد سبع سنين، فحينئذ يكون غاية، خصوصا أن عذب ماؤه ولطف هواؤه وأحكم صانعه مزاجه، وينبغي مع ذلك أن يكون مسلخه الذي تجعل فيه الثياب لطيف الصنعة، واسع الفضاء وهو مع هذا، مصور أكثره بما لطف من الصور الأنيقة كالأشجار والأزهار والأشكال الدقيقة والعجائب لأجل راحة تحصل بالنظر فيها عند الاتكاء، وقد حلل الحمام القوى، وأن يكون فيه ماء كثير قد نظف، فإن الحمام ءاخذ من القوى محلل بلا شبهة، خصوصا إذا طال المقام فيه، والنظر في الأشياء المذكورة منعش قو، والحمام موضوع بأصل وضعه للتنظيف من نحو الأوساخ والدرن والعفونات والعمل، ولدفع أمراض كثيرة كالحمايات والتخم والإعياء وأنواع الهيضة والنزلات ولما كان من العروق ما هو بعيد الأغوار أرق من الشعر،وكان الدواء إنما يجذب الأقرب من المعدة فالأقرب، والدهن إنما يحلل ما في الجلد خاصة، وكانت الضرورة قاضية باجتماع عفونات في أمكنة لا يبلغها الدهن ولا الدواء، وإن اجتماعنا على تطاول المدد لا بد وأن يحدث أمراضا ضارة، جعل الحمام للتلطيف والتحليل لكل ما استعصى ومن تم أمروا به * الدواء، وفيه تنشيط وتخفيف وكان البدن بعده كالذي بدا في الوجود..
"ولكنه مع هذه المنافع غير خال عن ضرر الجاهل بالتدبير، فإن الدخول إلية على الخواء أعني الجوع المفرط.. يصدع بالابخرة وهيجان الحرارة ويرعش بالتحليل واليبس العرضي.. ودخوله على الشبع أيضا مولد للرباح والسدد والتخم الكثيرة..
"واصبر الناس على الحمام *، فالسودانيين، أسرع الناس ضررا، الصفرويون خصوصا على الجوع وزمن الحر.. وليكن الدخول للحمام تدريجيا بأن يمكث أولا حتى يألف الهواء الجار بالنسبة إلى الذي كان فيه، ثم الثاني إنه يشبه الأول بوجه ما، ولا يدخل الثالث إلا عند إرادة الخروج، فنه مخفف قوي التحليل.. وينبغي أن تكون أفعال الحمام مع اعتدال بلا إفراط.. وليترك فيه أنواع الاستقراغ والأكل والحجامة لغليظ خلط، فإن جعل هذه ونحوها مجلبة للسقم والهرم.
فإذا انتهت حاجته خرج تدريجيا بشرط تبريد الأطراف بالماء البارد، وينبغي وحدها الراحة كالنوم"إن ما ذكره الشيخ داود الأنطاكي في الشكل الذي ينبغي أن يكون عليه الحمام النموذجي، وفي لشروط الواجب توفرها لمن يريد أن يستفيد كامل الاستفادة من الاغتسال في الحمامات يؤدي بنا إلى الكلام عن "المستحمين" وما أوحى به الحمام لرجال الأدبي.
دخل أعرابي الحمام، فلما أحس بوهجته أنشأ يقول :

أدخلت في بيت لم مهنـــدس      قد ضربوه بالرخام الأملس
فسك سمعي واستطار نفسي      وقلت في نفس التوسـوس :
                    
أدخلت في النار ولم أرمس"(16)


 
 
(1)- عن كتاب "علم الحديث ومصطلحه" تأليف الدكتور صبحي الصالح.
(2)- هو عنبسة بم معدان، وكان معدان يروض فيلا لزياد، وكان عنبسة تلميذا لأبي الأسود الدؤلي ويعد من النحويين الأولين الحذاق.
(3)- السبابخة : هو قوم من الهند كانوا بالبصرة، جلاوزة زحداس السجن، وكانت خطط البصرة، كما في غيرها من المدن، وتسمى باسم الطوائف والقبائل النازلة بها.
(4)- معجم البلدان، كتاب الحيوان.
(5)- معجم البلدان.
(6)- تاريخ التمدن الإسلامي لجرجي زيدان ج2 ص 175.
(7)- عن كتاب "ملامح من المجتمع العربي" للأستاذ محمد عبد الغني حسن سلسلة "إقرأ" ولم نعثر على ذلك الكتاب.
(8)- نفس المصدر.
(9)- وهذا الحمام هو حمام سيدي محمد بن عباد.
(10)- يتكلم المؤلف هنا عن فاس في عهد الموحدين. والمعلومات التي ذكرها هنا وردت في مؤلف أبي الحسن علي الجزنائي "زهرة الأس في بناء مدينة فاس" نقلا عن وثيقة للمشرف على مدينة فاس في عهد المنصور، الخليفة الموحدي الثالث.
(11)- المسلخ ما يسمى في المغرب "الجلسة" من سلخت المرأة درعها، نزعته.
(12)- يرجع إلى البحثين التاليين وهما الفرنسية :
أ- نظرة عامة عن حمامات الرباط وسلا – للمسيو بوطي Pauty الذي كان مهندسا بالرباط.
ب- ثلاثة حمامات مرينية للأستاذ هنري تيراس مدير معهد للدراسات العليا سابقا.
(13)- مقدمة الفتح في تاريخ الفتح لأبي عبد الله محمد بوجندار. وقد حذفنا من النص بعض العبارات اقتضابا وتخفيفا.
(14)- خرج من طنجة سنة 726ه وبعد سفرات ثلاث استقر بالمغرب في عهد أبي عنان المريني توفي سنة 779ه.
(15)- تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار.
(16)- ذيل زهر الأدب لأبي إسحاق إبراهيم بن علي الحصري القيرواني المتوفي سنة 453ه.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here