islamaumaroc

التعليم، الثقافة، البحث العلمي

  دعوة الحق

العددان 81 و82

من الصفات الأساسية التي يتسم بها عصرنا أنه عصر الجماهير. المزايا الأخرى إنما هي نتيجة لهذه الصفة الجوهرية. فهو عصر العلم، عصر التقدم، وعصر المذاهب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتشعبة والاتجاهات الفكرية والثقافية المختلفة، وهو عصر الذرة والصواريخ وارتياد الفضاء، هو كل ذلك لأنه عصر الجماهير. ولم تكتسب هذه الصفة مظهرا ديمقراطيا كاملا في عصرنا وفي جميع الأقطار تقريبا إلا في انتشار التعليم واعتباره حقا لجميع المواطنين. وقد أصبح التعليم بسبب ذلك مؤسسة إنسانية واجتماعية لها الكلمة الأولى في تقرير مصير الشعوب المادي والمعنوي. ذلك، لأن هذه المؤسسة هي المسؤولة قبل غيرها عن :
- إبراز كرامة الفرد تحريره من أمية والجهل والعبودية الفكرية.
- خلق الوعي الفردي والجماعي.
- تحسين مستوى الفرد وظروف معيشته عن طريق تزويده بالحد الأدنى من التعليم والتأهيل.
- توفير وسائل الاتصال بين مختلف الجماعات الإنسانية.

إن حاجات المجتمعات العصرية – سواء في الدول المتقدمة أو في الدول النامية – تزداد وتتسع بسبب سيطرة الآلة واتصال العالم وتعقد أساليب الحياة وتعدد مطالبها مما يفرض على كل دولة أن تنفق قسطا كبيرا من ميزانيتها عل تعليم أبنائها لتنتفع بهم غدا في مختلف مرافق الحياة الاقتصادية والسياسة والثقافية والاجتماعية التي لا تقوم دولة بدونها. لذلك فالتعليم، منظورا إليه من هذه الناحية، يعتبر استثمارا لرؤوس أموال تنفق في مجال تحقيق الإنماء الاقتصادي والاجتماعي المطلوب، وهو بلا جدال وسيلة هامة م وسائل تقوية الإنتاج. وقد توصل السيد ستروميلين (STROUMILINE) عضو الأكاديمية السوفياتية(1) – في محاولة قام بها لتقدير النتاج الاقتصادي لنمو التربية – توصل إلى أن العامل الذي يجتاز أربع سنوات من الدراسة الابتدائية أكثر فعالية من العامل الأمي بمقدار 43% والذي يجتاز المرحلة الثانوية يكون أكثر فاعلية بمقدار 108% والذي ينهي دراسته العليا يحقق 300% من الفعالية. وبناء على هذا التقدير يتضح أ الأموال التي تنفق في سبيل التعليم يمكن أن تدر في سنوات قليلة أرباحا مضاعفة (مثلا 3 ملايير تجلب 70 مليار).
لقد كان من سوء بعض الدول التي تخلفت عن ركب الحضارة وابتليت بالاستعمار أن وجدت نفسها – بعد الحصول على استقلالها السياسي – تجاه مشاكل ضخمة في مقدمتها مشكلة الإطارات. وجدت نفسها في حاجة إلى مهندسين وأطباء وأساتذة وخبراء وفنيين وعملة مؤهلين في جميع المرافق. وبما أن التعليم هو الوسيلة الأساسية لإعداد الأطر الضرورية فقد صرفت كثير من حكومات الدول النامية كل جهودها في توجيه التعليم نحو هذا الغرض.
المستعجل، وأدخلته كثير منها في خطة الإنماء
الاقتصادي والاجتماعي. ولا مرية من هذا العمل معقول ولازم تفرضه حاجة الدول المتخلفة؛ ومنفعته محققة ما لم تقع التضحية بقيم جوهرية لا يمكن أن يقوم نظام تربوي صالح بدونها. هذه القيم هي التي تحدد للتعليم مبادئه الثابتة وأهدافه الشاملة البعيدة. ذلك أن التضحية بهذه القيم إنما يعني التضحية بعديد من المواهب التي تقولبها الحاجة الملحة إلى الإطارات فتمسخها، كما يعني التضحية بالمثل التربوية أثرا الراسخة التي تعتبر الإنسان كائنا حرا وعضوا في جماعة إنسانية ذات حقوق وواجبات، ولا تنظر إليه كمجرد أداة إنتاج. هذه المثل وتنظيم الفكر وإنماء المخيلة والقيم الجمالية ند الفرد وتزويدها بمهارة ما – فكرة أو يدوية – ليتم تناسق ملكاته الذي يؤدي إلى تناسق المجتمع وتآلفه.
إن أي نظام للتعليم، لكي يكون صالحا يجب أن يراعي الكم والكيف معا، وأن يوفق بين احتياجات المجتمع المادية ونزعاته الإنسانية ومطالبه الروحية والعاطفية.
ولهذا فإن الحكمة أن تحذر الدول النامية الوقوع في أخطاء قد تؤدي بها إلى إقامة مجتمع آلي مفكك تنعدم في أفراده روح الأصالة والابتكار وتعوزهم الدعامة الفكرية والتربوية اللازمة فسيصبحون بلك مجرد رؤوس محشوة بمعلومات جافة. وأجسام تحركها مطالب العيش المادية الصرف.
"يجب تخطيط التربية للزيادة من فعاليتها. على أن نراعي في هذا التخطيط جميع العوامل الاجتماعية والاقتصادية والديمغرافية والجغرافية والإدارية وغيرها، بمعنى أن يكون تخطيط التربية وثيق الارتباط بالتخطيط العام للإنماء الاقتصادي الوطني(2)".
وهذا يقتضي، بطبيعة الحال تحديد المبادئ والأهداف المتوخاة من التربية والتعليم في شكل ميثاق وطني تعليمي شامل يحدد الشكل والجوهر ويبرز العناصر الروحية والخلقية والفكرية والعقائدية ووكل المقومات الوطنية والإنسانية التي يجب أن يتوخاها كل نظام تربوي صالح.
إن المدرسة ليست مجرد مكان يلقن فيه النشء أكداسا من المعلومات ويتعرض فيها التلاميذ لامتحانات  قاسية، بالمدلول اللغوي الحقيق لكلمة الامتحان التي تشترك في الجذر مع كلمة محنة؛ بل يجب أن تكون المدرسة حقلا لتجارب الغاية منها إبراز مواهب الأطفال وقدراتهم الفكرية أو اليدوية، وتدريبهم على الملاحظة والاستنتاج وتزويدهم بالعدة اللازمة لمواجهة الحياة في مظاهرها المختلفة. ووسائل تحقيق هذه الغاية هي : الهيأة التعليمية والمناهج والكتب الدراسية والأساليب التربوية المتبعة وتوجيه الناشئة في أوقات الفراغ عن طرق تربية روحة وفنية وبدينة ملائمة.
ولا بد من إعطاء أهمية خاصة، في مناهج التعليم، للمواد الدراسية التي تؤلف التراث الفكري والحضاري للأمة كاللغة والدين والتاريخ والجغرافية والأدب وتاريخه، هذه المواد التي يجب أن تلقن للتلاميذ بكيفية سليمة تبرز مفاخر بلاده من غير تعصب ولا عنصرية، وتحبب إليهم – دون استعلاء زائف – أوطانهم وتجعلهم يؤمنون بالعلم والتطور وبقداسة الروابط الإنسانية وبالتراث الثقافي والحضاري المشترك.
ومن الأهمية بمكان كبير تنظيم أوقات الفراغ عند التلاميذ والطلاب سعيا في تنمية مواهبهم وتهذيب أخلاقهم وملكاتهم الفكرية وقواهم العاطفية والجسمية. يحتل تعويد الناشئة على المطالعة الحرة مكانة بارزة في هذا السبيل، ولأجل ذلك لا بد من فتح مكتبات للأطفال في كل مكان توجد به مدارس، وتشجيع الناشئة على ارتيادها حتى يتعودوا القراءة في سن مبكرة فتصبح عنهم عادة يحرصون عليها في الكبر. فالتعليم كما قال أندري موروا ليس إلا مفتاحا يفتح أبواب المكتبات. والحقيقة أنه لا قيمة نهائيا لتعليم لا يبعث في النشء حب الاستطلاع والعمل الدائب من أجل تنمية المعلومات وتوسيع الآفاق الثقافية عن طريق القراءة بصفة خاصة.
وإننا لنشاهد، بكامل الحسرة والألم، أزمة القراء وانعدام الاهتمام بما ينشر من كتب ومجلات في أوساطنا المتعلمة، ووقوف معلومات كثير من "المتعلمين" عند الشهادة الدراسية مرد ذلك بدون شك، إلى خلو "النظام التربوي" الذي تعلم في ظله هؤلاء من كل عناية بالمطالعة واهتمام بالكتاب ما لم يكن الكتاب المدرسي.
إن الثقافة ليس بالمسألة الكمالية حتى بالنسبة لذوي الاختصاص المهني أو التقني الصرف، بل هي أمر ضروري ولا تكمل بدونه شخصية الفرد، سواء كان هذا الفرد مهندسا أو لحاما وميكانيكيا أو جراحا أو ملاحا جويا.
"الثقافة هي نشاط التفكير وتقبل الجمال والإحساس الإنساني" كما قال ألفرد نورث وابتهيد – أحد كبار رجال الفكر والتربية في العالم – لذلك يجب أن تعنى المناهج المدرية في جميع مراحل التعليم بتزويد الطلبة بالثقافة الضرورية التي تنمي فيهم روح الاستطلاع والبحث الحر وتقربهم من التجربة الإنسانية الكرى وتساعدهم على فم العالم ومشاكله المعقدة.
"إن التقدم الاقتصادي لا يمكن تصوره ما لم تتطور العلوم الرياضية والطبيعية والمعارف التقنية في كل نظر، وما لم تؤد هذه العلوم والمعارف إلى تطبيق عملي سريع... إن معرفة الموارد الطبيعية أمر ذو أهمية خاصة بالنسبة لبلاد النامية التي بدأت التصنيع وتطوير الفلاحة...
"يجب على كل قطر من الأقطار السائرة في طريق النمو أن يمتلك مراكز للبحث العلمي خاصة به..."(3).
من هنا تتجلى أهمية تشجيع البحث العلمي الذب يعتبر في العصر الحديث جزءا رئيسيا، من رسالة الجامعات والمعاهد العليا التي لا يمكن أن تكون بحال م الأحوال مجرد "مصانع" لتكوين لتكوين الإطارات بل معاهد لإنماء البحوث العلمية في مختلف المجالات وإعداد علماء وباحثين قادرين على المساهمة في التقدم العلمي ومؤهلين لأداء رسالة فعالة في تطوير الاقتصاد الوطني وتدعيم أسس الصناعة واستكشاف موارد البلاد الطبيعية واستخدامها استخداما رشيدا نافعا.الخلاصة أن كل نظام تعليمي وتربوي لا يستهدف أعداد المواطنين، عقليا وروحيا وبدنيا، ولا يساعد على اكتشاف مواهبهم واستعمالها، ولا ينمني فيهم روح البحث والاطلاع، ولا يزود البلاد في نفس الوقت بما هي في حاجة إليه من خبراء وفنين وعلماء ومفكرين، لا يمكن أن يكون إلا نظاما ناقصا ظاهر الخلل وعديم الجدوى.
وعندي أن أسرع الوسائل لاستدراك ما فاتنا في حقول التقدم العلمي والصناعي والثقافي، واللحاق العاجل بالأمم المتقدمة هي العمل على خلق فئة من الباحثين والمفكرين وتشجيعهم على الدراسة والابتكار ومساعدتهم على التضلع في العلوم والمعارف، ذلك عن طريق إيفاد الموهوبين المتفوقين من حملة الشهادات العليا إلى الخارج للتخصص في مختلف فروع العلم والتقنولوجيا، وفتح أكاديمية للعلم، ومراكز للأبحاث العلمية التي لها صلة مباشرة بالصناعة والفلاحة والاقتصاد وموارد الثروة والطاقة.
ومن الأهمية بمكان كبير كذلك إيجاد جهاز قوي فعال للإشراف على شؤون الثقافة وتركيزها يكون في طليعة مهامه تخطيط سياسة رامية إلى نشر الثقافة والوعي الفني والاجتماعي عن طريق الإذاعة والتلفزة والصحافة ونشر الكتب والمجلات وإحداث دار وطنية للكتب ومكتبات شعبية، إقليمية ومحلية، وغير ذلك من الوسائل المجدية.
لا جدوى للتعليم، في مختلف مراحله وفروعه، ما لم يكن عاملا أساسيا في نشر الثقافة بين المواطنين، وتشجيع البحث العلمي والابتكار. وبطبيعة الحال لا مجال لانتشار الثقافة إلا بنشر التربية والتعليم على أوسع نطاق شعبي ممكن. ولا تنمو الثقافة ولا يزهر البحث العلمي إلا حيث تكون النظم التربوية والمناهج التعليمية هادفة إلى ذلك، وموضوعة على أسس قويمة ومدروسة.
إن موضوع الترابط * بين التعليم ونشر الثقافة وتشجيع البحث العلمي موضوع يحتاج إلى دراسة أعمق وأكثر تفصيلا. وإنما أردت في هذا المقال أن أبرز أهمية هذا الترابط الذي يجعل النظام التعليمي وسيلة أسمى وأمل لا تهدف فحسب إلى "سد الثغرات" وملء الوظائف والأعمال، بل ترمي كذلك إلى خلق جيل واع مثقف واعد بالعطاء والمساهمة الفعلية في إناء الحصيلة الإنسانية في حقل العلوم والآداب والفنون.
ولي رجعة بعد هذا إلى الموضع لإيفائه حقه، وسأكتفي فيما يلي باقتراح الخطوط العريضة لما يمكن أن يحويه الميثاق المدرسي المرتقب، مستمدا ذلك من المقومات المغربية ذاتها، ومستعينا بما سبق أن اقترحه لجان وشخصيات منذ قيام اللجنة الملكية للتعليم (سنة 1957) إلى الآن :
- الغاية الأساسية للتربية والتعليم هي تشجيع روح الابتكار والبحث الحر والتطلع عند أبنائنا، وتمكينهم من اكتشاف مواهبهم وتنميتها،وذلك بتزويدهم، إلى جانب الثقافة والمعرفة الضروريتين، بتخصيص عملي أو نظري، حسب ميولهم وقدراتهم، يؤهلهم للحياة والعمل، ويكفل سد حاجات البلاد حيث الإطارات، ويساعد على خلق مجتمع تسوده العدالة والاكتفاء والرفاه والتعاون وتساوي الفرص والحظوظ.
- يجب أن يعنى التعليم بالجانبين : النظري والعملي، بحيث يلقن التلاميذ، وخاصة في المرحلة الابتدائية والإعدادية، تدريبا يدويا ملائما لبيئتهم، ذلك إلى جانب المعلومات الأساسية العامة.
- يحدد جدع مشترك وموحد للدراسة يشمل المناهج والأساليب التربوية والإدارية. ولا يفترق التلاميذ، دراسيا، إلا في دور الإعداد للتخصص وفي التخصص نفسه.
- اللغة العربية وحدها هي لغة التلقين في جميع مراح التعليم، ويشرع في تدريس اللغات الأجنبية – كمادة – في الطور الإعدادي.
التعليم إجباري في المرحلة الابتدائية، ومجاني في جميع المراحل (وفي حالة توفر العدد الكافي من مدارس التعليم الخاص تمنح الأسبقية في الالتحاق بالمدارس العمومية للأطفال الذين تسمح موارد عائلاتهم بالإنفاق على تعليم أبنائهم).
- يكون التعليم إجباريا بالنسبة لجميع الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين السادسة والثانية عشر (مع التساهل في مسألة السن خلال فترة انتقالية تنتهي باستيعاب المدارس لجميع الأطفال البالغين من الدراسة).
- ينظم "سلك الإنقاذ" على أسس تكفل استيعاب جميع الأطفال الذين فاتهم الالتحاق بالمدارس والذين تتراوح أعمارهم ما بين الثامنة والثامنة عشر (ويلقنون في هذا السلك المعلومات الأساسية مع تدريب مهني مناسب).
- تراقب الوزارة التعليم الخاص، تربويا، وتعمل على توسيع نطاق هذا النوع من التعليم بتشجيعه. وعلى جميع المدارس الخاصة أن تطبق المناهج الدراسية التي تضعها وزارة التربية الوطنية.
- تقسم مراحل التعليم كما يلي :
أ) المرحلة الابتدائية (إجبارية – 4 سنوات) وتلقن فيها المعلومات الأساسية العامة مع أشغال يدوية عملية.
ب) المرحلة الإعدادية (4 سنوات) وتقسم إلى تعليم عام وتعليم مهني (ويمكن أن تصبح هذه المرحلة إجبارية في المستقبل).
ج) المرحلة الثانوية (4 سنوات) وتكون مقسمة إلى شعبتين : شعبة للتعليم العام (سنتان من الددراسة المشتركة وسنتان تخصيص في التدريس أو العلوم أو الآداب أو الرياضيات أو الشريعة) وشعبة للتعليم التقني.
د) المرحلة العليا (الكليات والمدارس العليا).
هذا ويجب أن ينص الميثاق المقترح بالتفصيل على المواد الدراسية (العلمية والنظرية) لكل مرحلة من المراحل ولكل نوع من أنواع التعليم وذلك بوضع منهج دراسي قار ومفصل يراعي الأهداف المتوخاة من التربية والتعليم.
والخلاصة أن هذا الميثاق يجب أن يؤلف برنامجا كاملا قارا لسياسة التعليم ونظامه ومناهجه يسترشد به سواء في تخطيط الجوانب المادية لهذه السياسة أو في تطبيقها. ولي عودة إلى هذا الموضع لشرحه وتفصيل القول فيه.


(1)- عدد مارس 1965 – ص 8   LE COURRIER (U.N.E.S.C.O)
(2)- السيد نوران سيساكيان، العالم البيوكيميائي الكبير، ورئيس المؤتمر العام الأخير لليونسكو، في مجلة LE COURRIER (بريد اليونسكو) مارس 1965.
(3)- سيساكيان نفس المصدر.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here