islamaumaroc

الجوانب الاقتصادية والاجتماعية في موضوع تصفية الوضع العسكري النووي في العالم

  دعوة الحق

العددان 81 و82

السياسة الدولية في ميدان تحديد التسلح : تطوراتها فيما قبل الحرب وما بعد ذلك – العوامل الجديدة التي أصبحت توثر على مجرى الأمور بهذا الشأن في الوقت الحاضر – الحقائق السياسية والفكرية والاقتصادية التي تنبثق عنها التطورات الأخيرة في هذا الميدان – الصلة بين السياسة الدولية لنزع السلاح وسياسة الأمم المتحدة في هذا الميدان – الصلة بين السياسة الدولية لنزع السلاح وسياسة الأمم المتحدة في ميدان الإنماء الاقتصادي العالمي – ما يعني أقطار العالم الثالث بالنسبة لهذا الموضع على ضوء المصلحة العالمية المتكاملة.

لا ينفرد عالمنا الراهن – عالم ما بعد الحرب – بشدة العناية بقضية نزع السلاح، على المستوى الدولي العام، وما تشيره  القضية من ذيول وتعقيدات سياسة فنية، واقتصادية وغير ذلك، فمنذ أواسط القرن الماضي – ولا نرجع إلى ما هو أبعد من ذلك – كانت هذه القضية من بين القضايا الأكثر إلحاحا على الأذهان، وقد حقل بها جو المباحثات الدولية زمنا غير يسير، وحبر في شأنها ضافي التقارير ووضعت حولها نظريات ومشروعات لم يكتب لأي منها أن يرى التطبيق أبدا، فقد حاول نابليون الثالث خلال العقد السادس من القرن الماضي – حاول شيئا من هذا القبيل ولكن في نطاق أوربي محدود، بيد أن محاولاته لن تلق النجاح الذي كان ينشد، وعند نهاية القرن الماضي وجه القيصرالروسي نيقولا الثالث نداء إلى الدول الكبرى بهذا المعنى لكن قيام الحرب الأولى بعد ذلك، وما تمثل خلالها العالم من أهوال جعل مسألة نزع السلاح أشد إلحاحا على الأذهان أكثر من أي وقت سابق، وجعل الرغبة في تحقيقها أكثر سعة وأبعد مدى مما كان عليه الأمر من قبل، بحيث لم تعد المبادرات في هذا الميدان تصدر عن جهات دولية محدودة كما وقع أحيانا خلال القرن الماضي، بل إن الأمر بهذا الصدد أصبح ذا صبغة دولية واسعة النطاق جدا، ولذلك فقد أصبحت القضية تشغل مختلف الدول الكبرى، واحتضنت عصبة الأمم القضية هذه من أساسها - شأن هيئة الأمم المتحدة الحالية – وبذلت العصبة آنئذ جهودا ملحوظة في هذا السبيل وقد تنبه واضعوا ميثاق العصبة إلى الأهمية التي تكتسبها قضية نزع السلاح في العالم، فضمنوا الميثاق إشارة إلى  الموضوع، تضمنها الفصل الثامن، حيث ذكر أنه من اللازم العمل على التخفيض من حجم الأسلحة التي تتملكها مختلف الأمم، وذلك إلى الحد الأدنى الذي توجبه الضرورات الدفاعية، ويقتضيه كذلك القيام بتنفيذ الالتزامات الدولية، وقد عقدت في خلال العشرينات وأوال الثلاثينات عدة مؤتمرات دولية إما تحت الإشراف المباشر لعصبة الأمم، وإما بمجرد موافقتها الضمنية وذلك لبحث المقتضيات التي يمكن أن تؤدي إلى تحقيق اتفاق دولي حول نزع السلاح وتقريب وجهات النظر الدولية المتباينة، حول ذلك وقد كانت الأحلاف الدولية – حينذاك – غير ما هيعليه الآن بالطبع، فكنت تجد بولونيا مثلا تخذ فيما يخص موضع نزع السلاح، نفس الموقف الذي تتخذه بلجيكا، وفرنسا، بينما تتمسك انجلترا بموقف مناقض لذلك، وهذا ما حدث بالفعل في حظيرة المؤتمر الدولي لنزع السلاح الذي انعقد في جنيف خلال ربيع سنة 1932، وضم أعضاء عصبة الأمم للاتفاق على طريقة لتخفيف التسابق نحو التسلح، طبقا للسياسة التي كانت العصبة تتبناها في هذا المضمار، فقد تقابلت خلال المؤتمر وجهتا نظر أساسية في موضوع نزع السلاح، وكانت النظرية الأولى، التي تتبناها فرنسا إلى جانب بولونيا وبلجيكا ودول أرى –كانت هذه النظرية تقضي بعدم وضع حد أدنى للتسلح، تفرض نسبته على جميع الدول بغض النظر عن حاجياتها الدفاعية وأوضاعها الدولية، بل يجب وضع هذه الحاجيات في الاعتبار عند إقرار نظام دولي لنزع السلاح بحيث تحدد نسبة التسلح عند كل دولة، ولكن طبقا لما يقتضيه الحفاظ على أمنها وما يتطلبه ذلك من عدة وعدد، أما النظرية الأخرى، فقد كانت تأخذ بها انكلترا وبموجب النظرية هذه يتعين إقرار نظام عام لنزع السلاح، تشمل مقتضياته جميع الدول بدون استثناء، وعلى الرغم من تناقض النظريات على هذا النحو، فقد أمكن لمؤتمر جنيف ذاك أن يتوصل إلى قرارات مهمة تتعلق بمنع الحرب الجرثومية وكيميائية، وأساليب الحرب التي تعتمد على الإحراق المنظم مع إقرار مقتضيات فنية وتنظيمية تتعلق بذلك، وقبل هذا التاريخ بكثير. وبالضبط في شهر دجنبر من سنة 1921 توصل عدد من الدول الكبرى هي انجلترا والصين واليابان وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة إلى اتفاق عرف في حينه بوفاق المحيط الهادي لأن موضوعه الأساسي كان هو العمل على التخفيف من شدة الاحتكاك بين اليابان والولايات المتحد في منطقة المحيط، وما يقتضيه ذلك من تخفيض للسلاح بالنسبة لدول تلك المنطقة وفي سنة 1922 تم التوقيع على ما يعرف باتفاقيات واشنطون بين الدول الآنفة الذكر، وبموجب هذا الاتفاق أمكن التوصل إلى قرارات دولية مهمة تتعلق بتحديد التسلح، ومن بين هذه القرارات تعهد الدول الموقعة بعدم بناء مزيد من السفن الضخمة مع المحافظة على ما هو موجود بالفعل، واستبداله في حالة بلي أو عطب أو ضياع بل وقع التعهد –أكثر من ذلك – بتحديد من حمولات السفن بالنسبة لكل دولة، وتعيين مدى متفق عليه للقذائف التي تملكها الدول على حدة، وقد تولد عن هذه الاتفاقيات الكبرى اتفاقيات ثانوية، عقدت بين بعض المشاكل الخاصة، ومن ذلك الاتفاقية بين فرنسا وانكلترا "يوليوز 1928" وقد ضبطت هذه الاتفاقية مشاكل قانونية في الموضوع بين الدولتين وقد عرفت سنة 1930 المؤتمر الدولي الشعير المعروف بمؤتمر لندن البحري، وقد وقع انعقاد هذا المؤتمر الهام بين نفس الدول الموقعة على اتفاقيات واشنطون، وانبثقت عنه معاهدة دولية عقد عليها أمل كبير فيما يخص تحديد التسابق نحو التسلح، وخاصة التسلح البحري،الذي كان له – قبل استراتيجية العصر النووي – الصاروخي الحاضر – شأن كبير في حساب الدول واستعداداتها العسكرية.

لم يكن لسياسة التهدئة الدولية على هذا النحو، أن تحول دون اشتداد التوتر بالعالم طوال الثلاثينيات وانجراره بعد ذلك إلى الملحمة التي ابتدأت سنة 1939، والتي شملت آثارها جميع القارات تقريبا، فعلى الرغم من جهود عصبة الأمم، التي كان من مهامها الأساسية العمل على التخفيف من وطأة التسلح في العالم، وعلى الرغم من الاتفاقيات الثنائية والجماعية بين الدول الأوروبية بهذا الشأن فإن الجو النفسي والسياسي الذي خلقته في أوربا معاهدة فرساي، ثم معاهدة "لوكارنو" بعد ذلك لم يكن من شأنه أن يعطي لمحاولات من هذا النوع حظوظا حقيقية، هذا إلى ازدياد تعقد المشاكل الدولية بآسيا نتيجة السياسة اليابانية في المنطقة، في نفس الوقت الذي كانت فيه المنافسة وتصادم المصالح على أشده بين الدول الأوروبية الإمبريالية، ولم تكن هذه العوامل هي أهم ما في الأمر، بل إنها كانت مجرد أعراض لحالة العالم المزمنة قبل نشوب الحرب الأخيرة، هذه الحالة التي تسللت عن عهود التوسع الأوربي الأولى بما صاحبها من حروب ومنازعات إلى أن بلغت قمة فورتها، عند مطلع العقد الرابع من هذا القرن، حيث اصطدمت المصالح الدولية، على عتبة الحرب، وكان من الحتميات التي انبثق عنها ذلك، أن دخل العالم في فترة التحول الكبيرة التي تعيشه الآن، تحول الأوضاع السياسية والدولية، تحول في القيم والأخلاق والمسالك والنظريات، تحول في أشكال الاستعداد الحربي والتخطيط الاستراتيجي، وما يتعلق بذلك من وسائل مادية وتنظيمية ونفسانية،وهذا النوع الأخير من التحول هو الذي يعنينا في هذا المجال بصورة أخص، إن سياسة نزع السلاح الدولي، لا تزال لها أهميتها التي كانت لها منذ عهود مضت، وجهود الأمم المتحدة يمكن اعتبارها مجرد استمرار لجهود عصبة الأمم بهذا الصدد، كما أن الاتفاقات الدولية التي توصلت إليها بعض الدول الأوروبية قبل الحرب بخصوص هذه المسألة تجد مثيلات في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية الحالية، كمعاهدة موسكو لحظر التجارب النووية "1963" والاتفاق الدولي الضمني حول اجتناب استخدام القطب الجنوبي للأعراض العسكرية، أو إرسال صواريخ أو سفن إلى الفضاء محملة بالمقذوفات الحربية، وخاصة منها الأجهزة النووية والعناصر الجرثومية وما هو من نوع ذلك، أن عناية الملأ الدولي هكذا بقضية التسلح في العالم، وحرصه على تحديد التسابق بين الدول في هذا الميدان، واصطناع الظروف السياسية والنفسية والعلمية، المساعدة على ذلك، كل ا يشكل حالة دولية مستمرة، لم تنقطع مظاهرها – كما رأينا – سواء قبل الحرب العالمية الأخيرة، أو فيما بعدها، غير أن الأهمية التي أصبحت تكتسيها هذه القضية العالمية الشائكة، بعد نهاية الحرب، لا يمن أن تقاس بما كان لها من أهمية فيما قبل ذلك، أي في خلال الفترة بين الحربين العالميتين "طوال العشرينات والثلاثينات" فالأمر  في هذا المجال لم يعد توازن في القوى، والمصالح بين الدول الأوروبية ذات الممتلكات الواسعة، فيما وراء البحار، ولم يعد للاعتبارات السياسية في هذا الموضوع ما كان لها من قبل من أهمية غلابة، تطغى أحيانا عن كل اعتبار،إن القضية الآن صارت قضية عالمية بكل ما في الكلمة من معنى أي أن الاعتبارات العامة التي تشمل أمن العالم كله وسلامته وتطوره هي التي أصبحت تؤثر بهذا الشأن تأثيرها الجوهري القاطع، ومن الطبيعي أن يحدث تطور من هذا القبيل في معطيات نزع السلاح كما حدثت تطورات عظيمة الشأن فيميدان التسلح نفسه، وفي كل مرافق الحياة الدولية نتيجة المرحلة الجديدة التي دخلها العالم عقب الحرب، إن العوامل التي غدت تؤثر في مشكلة نزع السلاح تأثير جديا فعالا، وتضفي عليها صيغتها العالمية الراهنة، هذه العوامل هي متعددة بدرجة كبيرة، ولها جوانب السياسية والاقتصادية والتقنية والفكرية وغيرها، فمن الناحية السياسية نلاحظ ما يلي :
1- الأمن العالمي أصبح متشابكا بصورة لا تقبل الانفكاك مطلقا، فالقوى السياسية الفعالة في العالم بما تحمله من أفكار ونوايا ونزعات – قد أصبحت موزعة خلال كل مناطق العالم تقريبا، ولم تعد أوربا إلا منطقة واحدة من هذه المناطق، فهناك إلى جانب غربي أوربا، وهي مركز الثقل التقيدي في العالم قبل الحرب – هناك الآن ثلاث مناطق أساسية أخرى هي قطاع الشمال الأمريكي، والشرق الشيوعي، وقطاع الشرق الأقصى، الذي تعمره الآن القوة السياسية الصينية المتزايدة، وثمة مناطق أخرى ذات فعالية أقل، ولكن ينتظر أن تزداد فعاليتها في المستقبل، بحيث تصبح ذات تأثير مباشر على مستوى السلام العالمي، ومن هذه المناطق، منطقة الأوقيانوس، ومنطقة أواسط آسيا، ومنطقة العالم العربي، ومنطقة الجنوب الأمريكي، وهناك بهذا الصدد نقطتان جديرتان بالملاحظة : أولاهما أن تمركز القوى السياسية في العالم الراهن، غير قار قطعيا، فالفاعلية السياسية التي تتميز بها المناطق بعضها عن بعض، هي في تغير مستمر، والتحولات بهذا الشأن سريعة متلاحقة ولهذا فمن المحتمل جدا أن نهاية هذا القرن يمكن أن تشهد أوضاعا جديدة في توازن القوى السياسية بالعالم من شأنها أن تثير الاندهاش الآن، وثاني الملاحظتين أن المناطق التي يمكن اعتبارها في الوقت الحاضر ذات أهمية أقل من حيث خطر شأنها السياسي في العالم مثل هذه المناطق تكتسب في بعض الأحيان أهمية مفاجأة بهذا الشأن وذلك حينما تصبح عرضة للتأثر بحدة المنافسات الدولية كما كان الشأن في الكونغو أو تدخل فجأة في اعتبارات الأمن القومي المباشر لإحدى الدول النووية، مثل ما أصبح عليه الأمر بالنسبة لازمة كوبا أواخر سنة 1962، أو تتعفن فيها مشكلة مزمنة تختفي وراءها مصالح وأهواء دولية متشابكة كما هو الحال بالنسبة لفلسطين.
وهكذا فالأمن العالمي – نتيجة الأحوال المتشابكة التي تسود التوازن السياسي في العالم – قد صار ذا حساسية مرهفة جدا، بحيث أن المشاكل المباشرة بين الدول الكبرى لم تعد وحدها تصل إلى المس بهذا الأمن بل أن المناطق التي تبدو الآن ذات أهمية أقل يمكن أن تكون مجالا لانفجار التفاعلات الدولية العامة بشكل ربما تشمل نتائجه العالم عموما(1).
هذا من الناحية السياسية، أما من الناحية التقنية، فإن قضية نزع السلاح ترتبط أيضا شديد الارتباط بالتطورات الحادثة بهذا الصدد، فمنذ نهاية الحرب العالمية الأخيرة برزت في أواخرها صواريخ (ف2) الألمانية التي ذاقت منها انكلترا الأمرين، ثم اختتمت بظهور القنبلة الذرية الملقاة على "هيروشيما" سنة 1945 منذ نهاية هذه الحرب ما فتئ التسابق التقني على أشده بين الأمريكيين والسوفييت، كطرفين ثانية، وقد اجتاز التسابق هذا مراحل أساسية هي كما يلي :
أ- مرحلة تخلف الروس عن الأمريكيين في ميدان صنع القنبلة الذرية البسيطة، وقد امتدت هذه المرحلة من نهاية الحرب إلى حوالي سنة 1949.
ب- مرحلة التسابق في ميدان القنبلة الهيدروجينية، وقد شملت هذه المرحلة أوائل الخمسينات، وكان العمل عند الجانبين يجري في تطوير الصواريخ العابرة للقارات، ففي نفس الوقت الذي ترامى فيه الغربيين أنباء الأبحاث الروسية في ميدان الصواريخ كان الغربيون أنفسهم يقومون هم أيضا بنشاطهم في هذا السبيل، فمنذ سنة 1949 والأمريكيون يعملون على تطوير صواريخ (ف2) وادى بهم ذلك إلى صنع صواريخ "فينكج" التي جربت النماذج النهائية سنة 1952، فأعطيت نتائج مشجعة، وكان الفرنسيون منكبون في نفس الوقت على تطوير الصاروخ "فيرونيك" بينما بلغ الروس مراحل متقدمة، في بناء صواريخهم الخاصة.
ج- مرحلة التسابق نحو الفضاء : وقد بدأت في أواخر سنة 1957 "".أكتوبر ولا يزال يتركز في نطاقها محور التسابق الاستراتيجي بين الشرق والغرب، وإن كان التسابق هذا يكتسي لحد الآن صبغة علمية مضافا إلى هذا أن الطرفين ما فتئا يعبران عن نيتهما في عدم استخدام الفضاء للأعراض العسكرية أو شبه العسكرية، على أنه وإن استبعد الفضاء عن مجال التسابق العسكري بين الكتلتين فقد جرت تطورات تقنية مهمة دفعت بالتكتيك الحربي أشواظا بعيدة معها الأوضاع الاستراتيجية رأسا على عقب، فقد قضى تطور الصواريخ العابرة للقارات على الأهمية التي كانتا تناط من قبل بالقواعد التي تنطلق منها المقنبلات الذرية، والمنبثة في أنحاء العالم أما الآن فإن غواصات "البولاريس" والغواصات الروسية المماثلة لها، قد قلصت هي الأخرى من الأهمية التي كانت تعطي لمحطات الإطلاق وقضت أيضا على احتملات الخطر الذي تتعرض له الدولة المهجوم عليها إذا ما دمرت وسائل دفاعها من طرف الصواريخ المعادية، لقد كان كل جانب يخشى أنه ما فوجئ بغزو مفاجئ يقوم به العدو، فإن هذا الغزو لا بد أن يشل القدرة على المقاومة، ورد العدوان، لأن محطات الإطلاق الصاروخي ستكون هي نفسها قد دمرت، ولم تعد قادرة على القيام بشيء، ولهذا فإن الطرفين كلنا يعتقدان أن الحرب مكسوبة في الساعات الأولى لمن يبدأ الهجوم المفاجئ لكن ظهور البولاريس الغواصات المحملة بالسلاح النووي، قد قلب الأوضاع الاستراتيجية من هذا النوع قلبا واسعا وبعيد المدى، فقد أصبحت هذه الغواصات عبارة عن محطات لإطلاق الصواريخ المحملة بالمقذوفات الذرية، ولكن هذه المحطات تمتاز بأنها متخفية ومتحركة، وقابلة لأي اتجاه ولهذا ففي نفس الوقت الدي تمتنع فيه على سلاح العدو الذي لا يستطبع أن يضبطها بدقة مضمونة دائما داخل أعماق البحار، فإنها تستطيع من جهتها أن تنفذ إلى أي مكان يمكنها من إصابة الأهداف الاستراتيجية المرسومة لها داخل أراضي العدو، وإصابته هكذا بضربات انتقامية قد تكون أشد من ضرباته الأولى المفاجئة، وهكذا يلاحظ أن معركة التقنية – في الميدان الاستراتيجي – تدور في حلقة مفرغة قابلة للاتساع دائما، ولا يظن أن لسعتها حدود ممكنة.
2- ومن الجوانب الأخرى التي تذكر بهذا الصدد، أي العوامل التي أصبح لها تأثير ما في إبراز عيث التسابق نحو التسلح، وضرورة التوصل إلى اتفاق دولي في هذا المجال، ومن هذه العوامل : العامل الاقتصادي والمالي وما يتعلق بذلك، فقد دلت التقارير المنشورة أخيرا أن مجموع المصاريف العالمية في ميدان التسلح قد بلغت سنة 1962 رقما مثيرا يساوي 120 مليار من الدولارات سنويا، ثم قفزت خلال السنوات التالية لتبلغ الآن ما يتراوح بين 130 و140 مليارا من الدولارات، وتقول إحدى نشرات الأمم المتحدة بهذا الصدد ، أن القنبلة واحدة من المقنبلات الحديثة، يكلف بناؤها نفقات لو صرفت في الميدان الاقتصادي والاجتماعي بالعالم فإنها تساوي حينئذ أجور 000 250 أو تستطيع إقامة ثلاثين كلية، يتسع كل واحد منها لألف طالب، أو تؤدي إلى تشييد خمسة وسبعين مستشفى يؤوي كل منها مائة سرير مجهز على أحسن النظم العصرية، أو عوض ذلك يستطاع بها شراء خمسين ألف حصادة، وليست الدول المتسابقة في مضمار التسلح هي وحدها التي تخسر كل هذه الإمكانيات المالية الضخمة، علاوة على المجهودات التنظيمية المعقدة، والطاقات البشرية المبذولة، والخامات والآلات والأمكنة التي يتطلبها كل ذلك بصورة واسعة لا تكاد تعرف لها حدود، أن بقية العالم وخاصة عالم الدول المتخلفة، وشبه المتخلفة يخسر هو نفسه باستمرار هذه الحالة كما تفتقد بذلك أوساط الأمم المتحدة والمصالح التابعة لها، وتعتقده كذلك بالطبع مختلف الدول النامية هنا وهناك، ويقوم اعتقاد دولي من هذا القبيل على أساس التقديرات التالية :
1- أن السباق نحو التسلح يخلق في العالم وضعية مليئة بالتوتر الدائم، وهذه الوضعية تنتج عنها دائما أحوال نفسية واستراتيجية وسياسة، يضطر معها عدد مهم من الدول الصغيرة والنامية إلى مضاعفة حرصها هي أيضا على التسلح، خوفا على سلامة حدودها أو اتقاء تسرب خارجي إلى داخلها أو مجرد الرغبة في الإبقاء على توازن القوى في منطقة من المناطق للحيلولة دون حدوث إنكانيات من هذا القبيل، ومن المعلوم مقدار التضحيات الاقتصادية والمالية التي يحملها ذلك لدول فتية لا تزال في حاجة إلى استخدام كل مصادرها لأغراض التنمية والتطور.
2- يحدث السباق العالمي في مضمار التسلح أحيانا بعض الأضرار المباشرة للدول الصغيرة في ميدان آخر غير الميدان الاقتصادي وما فيبابه، فالتفجيرات النووية التي تعاقبت هنا وهناك في الشرق والغرب منذ نهاية الحرب العالمية قد تسببت – بعض الأضرار المهمة لبعض المناطق العالمية وخاصة منها منطقة الشرق الأقصى حيث كانت ترتفع نسبة الإشعاع أحيانا إلى درجة يخشى معها على تسمم الأسماك والمياه والمزروعات، علاوة على الضرر الذي كان من شأنه أن يلحق السكان لو استمرت هذه التجارب طويلا، وكم كان لسياسة القواعد ومناطق التطويق للعدو – من نتائج مأساوية على الصعيد العالمي، حيث كانت إقامة هذه القواعد تفرض أحيانا على الدول الصغيرة إن لم يكن مباشرة فبطريق غير مباشر، وجرت أحدا وتقلبات سياسية داخل بعض بلدان العالم الثالث، وكان سببها الأساسي رغبة هذه أو تلك من الدول الكرى في تأسيس قاعدة أو المحافظة عليها أو الحيلولة دون وقوع تطورات محتملة تؤدي إلى العمل على تصفيتها وقد قلل حقا تطور الصواريخ والمقذوفات ذات المدى البعيد من فاعلية القواعد المبثوثة في أنحاء العالم، ولكن سياسة المحافظة على الأسلحة الكلاسيكية قد أبقى لهذه القواعد قدرا من الأهمية موجودة لحد الآن.
3- تتميز الاقتصاديات العالمية – في دور تطورها الراهن – بأنها أصبحت في حاجة إلى التفاعل والتكامل فيا بينها، فالاقتصاد المتعلق لم يعد له كبير حظ في النمو والازدهار، وقد استقلت الآن معظم المستعمرات والمحيطات السابقة وقد كانت من قبل مصادر التاج للطاقة والمحركة والخامات وغيرها، وتهفو الشعوب – المستقلة حديثا – بدورها إلى تحقيق تنمية اقتصادية صناعية واقتصادية عامة، وهي تحتاج – في نطاق ذلك – إلى قدر غير محدود من المساعدة المالية والتقنية والتخطيطية وإلا فإن الفقر الذي يمكن أن يستمر طويلا بين هذه الشعوب من شأنه أن يبقى على حالة الاختلال في التوازن الاقتصادي العالمي، وذلك ضار في نفس الوقت بالدول النامية، التي ستزداد معاناة للمشاكل من كل نوع، وضار أيضا بمصالح الدول المتقدمة، لأن استمرار ضعف الطاقة الاقتصادية في أقطار العالم الثالث، لا بد أن يحرم الاقتصاد الأوربي والأمريكي وغيره من مناطق دولية مهمة للتعامل والتبادل، وحتى إذا ما رغب دائما في إبقاء الشعوب المتخلفة مصادر إنتاج للخامات فقط لصالح الصناعات الضخمة في الغرب وخارجه، فإن مثل هذه الحالة، لا بد أن تثير في الأجل البعيد مشاكل محلية معقدة، تتمثل في العجز عن مواجهة(2) نتائج التضخم الديموغرافي وارتفاع الوعي الاجتماعي وما تتطلبه هذه المواجهة من إمكانيات لا تطيقها الاقتصاديات البدائية كما هي في كثير من الدول النامية، وليس لذلك من انعكاسات محتملة على الوضع الدولي تتضرر منها أكثر ما تتضرر الدول الكبرى والأقطار المتقدمة صناعيا.
على الرغم من التحاق الصين بالقافلة الذرية وإجرائها التجارب الآن نتيجة لذلك، وعلى الرغم من إمكانية التحاق دول أخرى في  العالم بالركب الذري والهيدروجيني، فإن الفكر الدولي المضاد للتسلح، قد بلغ لحد الآن مرحلة ذات فاعلية ملحوظة، فبعد الموافقة العالمية شبه الاجتماعية على اتفاقية موسكو لحظر التجارب النووية "صيف سنة 1963" وبعد الاتفاق الضمني بين الأمريكيين والسوفييت حول موضوع استبعاد الفضاء ومناطق القطب الجنوبي عن الأغراض العسكرية وشبه العسكرية، وبع أن مرت هكذا فترة طويلة نسبيا دون أن يفكر طرف أو آخر في خرق اتفاقيات من هذا النوع أو تحريف مدلولها عمليا وضمنيا، فإن قضية التحديد من التسلح، لم تعد نتيجة لذلك، مجرد آراء تدور حولها المناقشات في المحافل الدولية، وإنما أصبحت لها صورة عملية خارج الدهن، يمكن أن تكون مقدمة الخطوات أكثر أهمية ن هذا القبيل، وتعتقد المراجع الدولية أن العوامل المضادة للتسلح من سياسية واقتصادية وفكرية وغيرها، توشك أن تحمل الدول المعنية بالأمر مزيد من الخضوع لمنطق الأشياء، وحقيق قدر أكبر من التراجع في مضمار السباق، التي ما انفكت تخوضه إلى حد الآن، وقد ازداد هذا الاعتقاد تمكنا في الفترة الأخيرة، بحيث أنه قد غدا يساعد على تغذية بعض الآمال التي لها صلة بهذا الأمر من جوانبه الإنسانية والاقتصادية ذلك أن مصالح الأمم المتحدة، بالأخص منظمة اليونيسكو التابعة للهيئة قد زادت عنايتها في الفترة الأخيرة بالإمكانيات الإيجابية، التي يمكن أن يسفر عنها نزع حقيقي للسلاح في العالم بل إنها قد باتت تضع التقديرات الدقيقة لما يمكن أن يؤدي إليه  الأمر بهذا الصدد، من مساهمة عملية في حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المعقدة بالعالم، ومساعدة الأقطار المتخلفة هكذا على توفير الموارد المالية الضخمة التي تتطلبها حلول من هذا القبيل، وقد شرعت اليونسكو بالفعل في محاولة سبر غور الرأي العام بالبلاد المعينة حول هذا الموضوع، وهكذا، فتحت أشراف المنظمة الآن المركز الأوربي لتنسيق الأبحاث والمستندات المتعلقة بالعلوم الاجتماعية – يجري هذا المركز الذي يوجد مقره في فيينا – بحثا لدى الرأي العام الاشتراكي وهي بولونيا، وتنتمي الأخريان إلى المجتمع الغربي وهما فرنسا والنرويج، أما محور الاستطلاع الذي يجري بهذا الصدد فهو عبارة عن ثلاثة أسئلة أساسية، تدور جميعها حول إمكانية التجرد من السلاح، وخاصة النووي منه، والممكنات التي يجوز أن تنبثق عن وضع هذا القبيل.
وسوف لا تعرف النتائج إلا في خلال السنة القادمة لأن القصد ليس هو مجرد الحصول على نتائج لاستفتاء عابر، وإنما يتعلق الأمر بدراسة جد عميقة يراد بها معرفة كثير من الحقائق الجوهرية التي يمكن أن تساعد على وضع سياسة دولية لاستغلال نتائج التجريد من السلاح النووي على نطاق عالمي واسع، ولا تكتفي الأمم المتحدة بإجراء الاستطلاعات العامة حول هذا الموضوع الحيوي من حياة العالم المعاصر، فقد عمدت أخيرا إلى تنظيم حلقات دراسية بهذا الصدد تجري ضمنها الأبحاث الواسعة حول طريقة استغلال الممكنات المادية والمعنوي التي سيوفرها التجريد من السلاح الذري، وكيف يمكن صرفها من أجل البحث العلمي، وإقرار نظام التعاون الدولي بهذا الصدد. وتجري علاوة على ذلك اتصالات بين اليونسكو والمراكز الموجودة في كثير من الدول الأوروبية والمعنية بمشاكل السلام المنظمة بهذا الشأن والاستفادة من نتائجها على مستوى دولي بعيد المدى.
إن الفكرة التي تحذو الأمم المتحدة بموضوع نزع السلاح والإمكانيات الإيجابية التي يمكن استخلاصها من ذلك، هذه الفكرة ليست كمالية أو شبه كمالية، وضروريتها ليست آتية فقط من خطورة الحرب النووية على مستقبل الإنسان بل أن ما و أهم من ذلك، هو صلتها بقضية التوازن المختل بين الاحتياجات العالمية في الميدانين الاقتصادي والاجتماعي، وما ينبغي فعله لتدارك هذا الاختلال قبل أن يفضي إلى نتائج لعلها أخطر بكثير من مجرد قيام حرب بكتريولوجية أو نووية، وقد اشتد إلحاح مصالح الأمم المتحدة على هذا الموضع خلال السنوات الأخيرة، وهذا من بين مظاهر التحول الكبرى في حياة المنظمة الأممية، وعلاقتها بالعالم الذي تسهر على الإسهام في إعادة تنظيمه، وضمن هذه الحالة أصبح أمام الأمم المتحدة الآن هدف جوهري تحرص على تحقيقه، وهذا الهدف يتمثل في مساعدة مجموع الأقطار المتخلفة على تنمية دخلها القومي كل سنة، بمعدل خمسة في المائة إلى حدود سنة 1970، وليس من العسير على اختصاصيي المنظمة الأممية أن يضعوا التخطيطات اللازمة لذلك بمساعدة الأقطار المعنية بالأمر معتمدين على جملة الإحصائيات والكشوف والتقديرات المعدة لهذا الغرض، غير أن المشكلة التي تعترض أكثر في هذا المجال هي مشكلة الموارد المالية الواسعة التي لابد من اعتمادها بهذا الصدد لتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية بهذه الدرجة من الضخامة، إذ أن المقصود ليس هو العمل على تحقيق تنمية اقتصادية، ضيقة المفهوم، بل أن الأهداف المتوخاة ترمي إلى تحقيق تطور عام يشمل أهم الميادين الحيوية كالفلاحة والصحة والتعليم والصناعة والتشغيل وأعمال التخطيط والتجهيز وما إلى ذلك، وعلى المنظمات المتخصصة التابعة للأم المتحدة مهام كبيرة تؤديها في هذا السبيل، بالتعاون طبعا مع الدول المعينة بالأمر، التي تقع عليها بدورها مسؤوليات جسيمة بهذا الصدد، أما الموارد المالية التي يتعين اعتمادها لتحقيق الأهداف هذه فتكون – كما تقدم – المعضلة الأهم في هذا الموضوع، وقد أشير منذ عدة سنين في تقرير نشره الأمين العام إلى أهمية الدور الذي يمكن أن تقوم به الجمعية الدولية للتطوير، وهي مؤسسة تابعة للبنك الدولي وتمنح قروضا في مثل هذه الأحوال، وهناك مؤسسات أخرى ذات صبغة دولية، يمكنها أن تساهم في تمويل مبادرات من هذا القبيل، غير أن التفكير أصبح يتجه منذ سنين إلى إنشاء بنك عالمي للتنمية علاوة على المؤسسات الإقليمية من هذا النوع كالبنك الإفريقي للتنمية الذي ما إذا نجحت فكرته فإنه قد يصبح مثالا لمشروعات إقليمية على هذه الوثيرة يمكن إقامتها هنا وهناك في أنحاء العالم للمساعدة على الإسراع بتطوير الاقتصاديات البدائية والمتخلفة، وتقترح الأمم المتحدة أيضا – ضمن تقرير نشر منذ سنوات – الاعتمادات على رؤوس الأموال الأجنبية الخاصة في تمويل مشاريع التطور في البلاد النامية غير أنه على الرغم من ضخامة الموارد التي يمكن استخلاصها من مؤسسات دولية وخاصة من هذا النوع فإن مشكلة التخلف بالعالم تتطلب مواجهتها من الموارد والإمكانيات ما يفوق ذلك بكثير، وقد اقترح منذ سنوات مراجعة النظم المعمول بها في مضمار التجارة الدولية بصورة ترفع الميز الذي تعاني منه بهذا الصدد جماعة الأقطار المتخلفة، واقترح أيضا بهذا الشأن الرفع من أسعار المواد الأولية في السوق العالمية، وهذا ما من شأنه أن يمكن البلدان النامية وهي النتيجة لهذه المواد في الغالب من الحصول على مداخيل أكثر ارتفاعا تستعين بها على تنفيذ مشاريع التنمية التي تخطط لها، وقد أخذ مؤتمر القاهرة الاقتصادي الدولي المنعقد خلال شهر يوليوز 1962 – أخذ بهذه الفكرة ودعا إليها بإلحاح في إحدى مقرراته، وبحثها كذلك مؤتمر التجارة العالمي الذي اجتمع بعد ذلك في أوربا وضع مختلف الأقطار متقدمة ونامية، وسواء في خلال جلسات هذا المؤتمر أو قبل ذلك فإن التفكير الدولي يتجه علاوة على هذا إلى مطالبة الدول المتقدمة صناعيا، وهي في الغالب دول أوربية وأمريكية – بتخصيص نسبة من دخلها القومي تتمثل في واحد في المائة من هذا الدخل لمساعدة المجهود الدولي المبذول ضد وجود التخلف في العالم. غير أن مما يلفت النظر في هذا المقام أن المتطلبات الاستراتيجية والسلاحية التي تفرض نفسها على الدول الكبرى في الشرق والغرب، تستنزف بالفعل قدرا من الدخول القومية لهذه الدول، وهذا من شأنه إلا يؤثر فقط على طاقتها المالية الأساسية بل أنه يختزل كذلك من قدرتها على الإسهام في المعركة المضادة للتخلف في العالم ويجعل استعدادها الذاتي لتحمل نتائج هذه المساهمة أضيق نطاقا مما يتصور، وقد ازداد اهتمام أوساط الأمم المتحدة بهذه القضية الحيوية، وأبرز أهميتها الأمين العام الحالي في أحد تقاريره الرسمية، ومنذ اتفاقية موسكو لسنة 1963 اتسعت الآمال بهذا الشأن وازداد الاعتقاد في إمكانية التوصل لإقرار نظام دولي لنزع السلاح النووي والنظر بعد ذلك في احتمال الاتفاق على تصريف بعض النفقات المخصصة للتسلح في تنفيذ المشاريع الإنمائية الدولية، وعلى الرغم من تجمد الوضع الدولي بهذا الصدد منذ 1963 وعدم تحقق أية خطوة إيجابية بعد ذلك في موضع نزع السلاح فقد عرفته بداية الصيف الحالي مباداة مهمة قامت بها الولايات المتحدة في هذا الموضوع، فقد دعت فيه إلى إعادة عقد مؤتمر جنيف للدول السبع عشرة من جديد، وذلك للنظر في إمكانية توسيع الحظر الدولي على التجارب النووية وجعل هذا الحظر يشمل أيضا التجارب تحت الأرضية، وقد كانت هذه مستثناة من اتفاقية موسكو لسنة 1963 واحتمال الوصول كذلك إلى اتفاق دولي حول منع إنتاج المواد المؤدية إلى صنع أجهزة عسكرية نووية، ومحاولة العمل على عرقلة انتشار السلاح النووي في العالم عن طريق الحيلولة دون أن تستطيع إنتاجه دول أخرى غير الدول النووية الحالية، هذا إلى مسائل عديدة من هذا القبيل، وقد عبرت بريطانيا والسوفييت عن وجهات نظر من هذا النوع، الأمر الذي يمكن من الاعتقاد بأن مفاوضات دولية جديدة حول توسيع نطاق الحظر الدولي على إنتاج الأسلحة الذرية يمكن إلا تطول وتتعقد كثيرا، بالشكل الذي جرت عليه الأمور فيما مضى أثناء مؤتمرات جنيف قبل التوصل إلى اتفاقية موسكو لسنة1963.
والعالم، وخصوص العالم  المتخلف بعينه نوع المصير الذي تنتهي إليه سياسة التسلح أو عدم التسلح الدولي، وقد ساهمت الدول الحيادية كثيرا في الأعمال مؤتمرات جنيف السابقة، وكانت خلالها عاملا إيجابيا ملحوظا، غير أن  عناية الدول المتخلفة والحيادية بأمر نزع السلاح ليس صادرا عن مجرد رغبتها في حفظ السلام الدولي العام فقط، بل إن عنايتها بمصير سلامتها الذاتية كذلك له دخل كبير في الأمر، وعلى هذا فهناك نقطتان أساسيتان لا بد من مراعاتهما في كل سياسة دولية من هذا القبيل لكي تؤدي إلى بلورة إرادة دولية جماعية، تحافظ على هذه السياسة وتقوم كإطار لاستمرارها حية فعالة، فهناك أولا ضرورة العمل على تحديد نشاط المغامرين الدوليين الذين – وإن كانوا لا يستطيعون إنتاج السلاح النووي بمواردهم الخاصة – فإن من الممكن جدا أنهم يبذلون جهودا غامضة ويرمون طرقا ملتوية لامتلاكه على شكل من الأشكال، وذلك لتنفيذ أغراض توسعية ضد العرب مثلا أو ضد غيرهم من الأمم تحت ستار التهديد النووي وما في نوعه "إسرائيل مثلا" أما النقطة الثانية فتتعلق بالصلة الضرورية  بين نزع السلاح وقضية التخلف في العالم، فهناك تلازم دقيق بينهما وإن كان غير بارز سطحيا، إلا فهل يجدي النجاح في إقرار نظام دولي لنزع السلاح بحيث يؤدي ذلك إلى تصفية عوامل التوتر في العالم الموجبة للتسلح دون القضاء على وجود التخلف الذي هو عامل رئيسي في تعقد جو الاضطرابات النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسة داخل كثير من النقط الحساسة بالعالم والقابلة للالتهاب بأسرع ما يمكن ؟ وقد كانت الولايات المتحدة من بين الدول التي ألمت كثيرا بهذه الحقيقة فكان من ذلك برامج المساعدة الدولية كبرنامج النقطة الرابعة، ومشروع التحالف من اجل التقدم، وغير ذلك من المبادرات التي – بغض النظر عن نجاحها أو عدمه فإنها تدل في عمومها على حالة الاقتناع بأهمية العامل الاقتصادي والاجتماعي في تكييف مصير العالم نحو الارتباك أو الاستقرار، إلا أن التطور الذي وقع أو يجب أن يقع بهذا الشأن هو الخروج بسياسة المشاريع هذه من نطاق إقليمي كأمريكا اللاتنية مثلا والتعاون في إقرار سياسة لتصفية التخلف  على أساس عالمي شامل ومتكامل، والذي يبدو واضحا أن الموارد المخصصة للتسلح إذا ما تحررت نتيجة التوصل لنزع محتمل للسلاح، فإنها يمكن أن تسهم في إنجاح سياسة إنماء عالمي من هذا القبيل، وإذا كان غير ممكن – عمليا – صرف الموارد هذه كلها من أجل التنمية العالمية فإن قسطا من هذه الموارد الضخمة يمكنه أن يؤدي دورا مهما في هذا المجال، والواقع أن سياسة من هذا النوع لا يمكن أن تعتبر مجرد عبء ثقيل على الدول المتقدمة لا غير، فهي – إذا ما نجحت وأصابت اعترافها الإنمائية العالمية، فإن من شأنها أن تخلق حالة من الازدهار الاقتصادي على مستوى العالم كله، تستفيد من نتائجه مختلف الدول الكبرى والصغيرة على السواء.

      
  1- لا يعترض بأن الحربين العالميتين الأخيرتين كان منشؤهما النزاع بين الدول الكبرى، ولم يكن للأقطار الصغيرة شأن في ذلك، فتلك ظروف تعتبر الآن قد انتهت والحقيقة العالمية البارزة حاليا هي أن الدول الصغيرة قد صارت ذات شأن في تكييف الأحداث
  2- بريد اليونسكو.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here