islamaumaroc

توحيد اللغة العربية

  دعوة الحق

العددان 81 و82

الألفاظ كائنات حية تولد وتنمو ويشتد عودها ويبقر جمالها ثم يدركها الوهن فتمرض وتموت كسائر الكائنات على حد سوء، وهي كالكائنات أيضا تولد ميتة أحيانا وتموت في صباها أحيانا أخرى وقد تطول فترة حمالها وحياتها أيضا.
ولما كانت  هذه الطبيعة سائر اللغات – لا اللغة العربية – عمد مدونوها إلى مراجعتها بين الآونة والأخرى وتنظيفها من الألفاظ الميتة وتسجيل الألفاظ الجديدة التي ولدت على لسان المتكلمين بهذه اللغة، ولدلك فإن اللغة لا يضعها المدونون ولا يبحثون عنها في المعاجم القديمة، وإنما يسجلونها بالضبط كما تسجل أسماء المواليد والموتى في سجلات معينة، وهذا هو المعنى الحديث لتدوين اللغات، بينما تسيطر علينا نحن فكرة إحياء الألفاظ القديمة والتنقيب عليها في بطون معاجم مرت على وضعها مئات السنين، بالضبط كما لو كنا نبحث عن مواليد في مقبرة . .
ولأجل أن أوضح ما أرمي إليه يحسن أن أشير إلى اسم "مصر الجديدة" التي تطلق على إحدى ضواحي القاهرة وكيف ولد على لسان حوذي، وكان يطلق عليها قبل ذلك اسم "هيليوبوليس" ذلك أن المرحوم "أنطوان الجميل" حينما كان رئيسا لتحرير جريدة الأهرام استوقف عربة ولما ركبها سأله الحوذي إلى أين ؟ أجابه "الجميل" "هيليوبوليس" فقال الحوذي : تقصد "مصر الجديدة" فأعجب رئيس التحرير بهذه التسمية وروج لها حتى أصبحت أسماء الضاحية ومات اسم "هليوبوليس".
ولما كانت هذه الديمقراطية –الديمقراطية السياسية – في حاجة إلى تربية وثقافة وأخلاق وذوق، فإن وقت تطبيقها ما يزال بعيدا، ولكن قبل أن نفكر في سبيل تنمية اللغة العربية وتنقيبها وطبعها بطابع الدقة التي تحمل إلا المعنى الواحد،يحسن أن نفكر في موضوع توحيد اللغة العربية وإنقاذها مما هي معرضة إليه من التصدع الذي وجب أن نقف في وجهه ونقاومه.
واللغة العربية قابلة للتشتت وكادت تتحول إلى لغات عربية ولا أقصد اللغات العربية الدارجة وإنما أقصد الفصحى، فهي كثيرة المترادفات التي ولع العرب بها إلى حد أنهم كانوا يحولون الصفات والنعوت إلى أسماء ليضاعفوا م ثروة هذه اللغة، وكانوا يفخرون بأن لهذا الشيء أو ذاك عديدا من الأسماء،ويصرف أطفالهم وقتا طويلا في استقصالها والإلمام بها،ولما تقادم العهد على هذه اللغة التي كانت في يوم من الأيام حديقة منسقة منظمة، تحولت إلى غابة شجراء لم تشذب أعوادها منذ مئات السنين ولم تمتد إليها يد العناية إلى في أواخر القرن الماضي.
ولتصدع اللغة العربية أسباب أخرى، غير كثرة المترادفات التي أشرنا إليها، ومنها ترامي أطراف العالم الذي يتكلم اللغة العربية، ووجود عدد من الصحاري فيه، كانت تقطع أطرافه وتعزل بعضه عن بعض، مع انعدام وسائل المواصلات، ثم سيطرة مختلف الأجانب عليه وتمزيقها له وعزل أطرافه بعضها عن البعض الآخر، بل والذهاب إلى محاربة اللغة العربية بأسرها، فعزلته الصحاري أولا ثم ساندهاالاستعمار.
ومنها اختلاف البيئات المتراوحة من الثلوج إلى الفيافي، وقد مكنت كثرة المترادفات هذه البيئات
من أن يكون لها مفعولها الكبير، لأن لكل بيئة ذوقا يختار اسما غير الاسم الذي تختاره البيئات الأخرى،كلها أو بعضها.
ثم إن نشوء اللغات الدارجة وتباعدها في اللفظ واللهجة والأسلوب كان له تأثيره على،
اللغات العربية في اللفظ واللهجة والأسلوب أيضا، وإذا كانت اللغة العربية الفصحى قد أخذت تؤثرعلى هذه العاميات فإن هذه العاميات أيضا بدأت تشق طريقها إلى اللغة العربية الفصحى، وأخذت تطل برأسها في الصحف والمجلات.
هذه حقائق تاريخية قمينة بالتأمل ووضعها موضع الاعتبار، ولكنها لا تعني على وجه التأكيد أن
الهوة لا تزداد إلا اتساعا، وأن المشكل لا يزداد إلا تفاقما، بل على العكس من ذلك بذلت جهود فردية جبارة خلال المائة سنة الماضية، بذلها العلماء والأدباء والشعراء والمترجمون أعادت إلى اللغة العربية بريقها، وجعلتها قادرة بصفة عامة على التعبير عن أدق المعاني بأجمل الألفاظ، بل أضافت إلى بريق اللغة العربية القديمة بريقا جديدا استمد من اللغات الحية والثقافات الأجنبية الحديثة.
وكان لنشأة الصحف والمجلات السيارة وانتشار ذلك الاختراع وسائل المواصلات السريعة، ولقيام محطات الإذاعات في البلاد العربية تتساند في وقت التساند، وتتهاتر وقت التهاتر، ويهمها في كلتا الحالتين أن تكون مفهومة على أوسع نطاق في سائر البلاد كلها،  وقد كان لكل هذا أثره الفعال في لم شتات الأقطار الأجنبية، إن لم يكن فيها جميعا، موجهة إلى العالم العربي باللغة العربية، ويهم واضعي هذه البرامج هم أيضا أن تكون مفهومة على أوسع نطاق في هذه البلاد كلها، وقد كان له أثره الفعال في لم شتات هذه اللغة وإنقاذها من خطر التشتت الذي كانت معرضة له بحيث يمكن القول بأن نجاتها قد تحققت.
وقد تحررت اليوم معظم البلاد العربية وأصبحت الحدود التي أقفلها الاستعمار بصفة عامة مفتوحة اليوم في معظم الأحيان إن لم يكن في جميع الأحيان، وتحققت وسائل التغلب على العوائق الطبيعية، كما أصبح لكل بلاد عربية سلك ديبلوماسي في البلاد العربية الأخرى، ويعيش بذلك مجموعة أو مجموعات عربية من كل قطر في هذه الأقطار، ويختلط هؤلاء العرب الوافدون ومن جميع الأقطار العربية كل قطرعربي، ويساعد ذلك على تبادل التفاهم بين أفراد مجموعة عربية مصغرة في كل قطر، ما تلبث أن تعود إلى بلادها لتحدث تقاربا لم يكن متاحا من قبل.
وهنا يجب أن ننوه بحركات التعريب التي قامت وتقوم في كل بلد عربي حاول الأجانب طمس معالم اللغة العربية فيه، ولكنه كافح إلى أن تحقق استقلاله، كما نشاهد هنا في المغرب.
ولكن هذا لا يعني على الإطلاق أننا نتكلم لغة عربية واحدة لها معجم واحد مدقق يمكن الرجوع إليه، للعثور على اللفظ الواحد، الذي يعني المعنى الواحد دون سواه في سائر أنحاء العالم العربي، وهذا هو المجهود الذي يجب أن يقوم به اللغويون العرب مجتمعين لا منفردين، على مبعدة من المشاكل السياسية وفي جو تغمره محبة اللغة العربية والغيرة على وحدتها، والعمل على إبرازها كلغة موحدة نهائيا، وإعادة المعاجم القديمة إلى رفوف التاريخ لتكون مصادر تاريخية، أما أن تكون مصادر لغوية فلا، لأن اللغات تستمد من الناطقين بها، في الوقت الحاضر، لا من التاريخ، فتاريخ اللغة العربية شيء واللغة العربية الحديثة شيء آخر، كما لا أحتاج أن أقول.
إن الوحدة العربية الصحيحة لا يمكن أن تتم على الصعيد السياسي أولا، وإنما يجب أن تتم أولا
عن طريق الثقافة، وأول ما يجب أن يتم عن طريق الثقافة هو توحيد اللغة وتدوينها من جديد حسبالقواعد المرعية الحديثة، وبتعاون مجد مخلص بين جميع البلاد العربية، ولست أريد أن أخوض الآن في موضوع الطرق الكفيلة بتحقيق ذلك، وإنما أكتفي بتسجيل الفكرة، ولكن لماذا ؟
لأن مواد تفكيرنا هي الألفاظ وأسلوب تفكيرنا مستمد من أسلوبنا اللغوي، فإذا لم نستعمل ألفاظا
واحدة، وإذا لم نتبادل التفاهم بأساليب واحدة واضحة الدلالة، صعب علينا التفاهم في أي شيء، كبيرا كان أو صغيرا، لأن التفاهم يبدأ بتحديد الألفاظ وتوحيدها وقديما –وليس قديما جدا - قال فولتير "إذا أردنا أن نتفاهم لنحدد معنى كل كلمة نستعملها".
لقد تقدمت اللغة العربية في طريق التوحيد وهي ما تزال تتقدم إلى اليوم هذا أمر لا شك فيه، ولكن هل تتقدم بالسرعة التي تتطلبها إمكانيات السرعة في العصر الحديث ؟ هذا هو السؤال.

    

      


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here