islamaumaroc

أبيات المعاني

  دعوة الحق

العددان 81 و82

الشعر أشكال وألوان، فيه السهل القريب المنال، والصعب البعيد المرتقى، وفيه المألوف المأنوس والغريب الوحشي، الذي لا يفهمه إلا الوحشي من الناس – كما يقول الجاحظ.
فالشعر الذي يقال على المشاهدة، فيستخرج الشاعر المعنى الغريب من شيء رآه، ويكون اللفظ إبهام لا يتعين معه أصل المعنى لا سبيل إلى معرفته، إلا عن طريق قائله أو من أخذه منه وإلا ذهب العلم بحقيقته، واضطرت الظنون في معناه(1)، وكذلك الشعر الذي يتعلق بعادات العرب في جاهليتهم، أو يتصل بعلومه ومعارفها التي أخذوها عمن قبلهم من الأمم – لا بد لتفسيره من المعرفة بها وخصوصا منها ما يرتبط بقبيلة الشاعر، إن كان من ذلك شيء، وكل ذلك يسمى بأبيات المعاني(2 )، لأنها تحتاج إلى أن يسأل عن معانيها، ولا تفهم من أول وهلة، أو لأن ظاهرها يخالف باطنها، لما فيها م تعمية وألغاز عن المعنى المراد، ولذا تسمى أيضا ألغازا، من ألغز اليربوع : إذا عمى على طالبه، ومن الألغاز ما قصدته العرب، ومنها ما قصدته أئمة اللغة، ومن الأبيات ما لم  تقصد العرب الألغاز بها، وإنما جاءت مصادفة، وأكثر أبيات المعاني من هذا القبيل( 3)  ولك أن تسميها ملاحن من اللحن وهو الفطنة قال الشاعر :  "ولقد  لحنت لكم لكيما يفهموا"
والعربي ذكي بطبعه، سيلقى في لغته ومحاوراته، يروي أن رجلا من بني العنبر كا أسيرا في بكر بن وائل، فسألهم رسولا إلى قومه فقالوا له لا ترسل إلا بحضرتنا، لأنهم كانوا أزعموا غزو قومه، فخافوا أن ينذر عليهم، فجيء بعبد أسود، فقال له – بعد أن اختبر ذكاءه، أبلغ قومي التحية، وقل لهم ليكرموا فلانا، يعني أسيرا كان في أيديهم من بكر ابن وائل، فإن قومه لي مكرمون، وقل لهم أن العرفج قد أدبني، وقد شكت النساء، وأمرهم أن يعرفوا ناقتي الحمراء، فقد أطالوا ركوبها، وأن يركبوا جملي الأصهب باية ما أكلت معكم حيسا، واسألوا الحارث عن خبري.
فلما أدى العبد الرسالة إليهم، قالوا لقد جن الأعور، والله ما نعرف له ناقة حمراء، ولا جملا أصهب ثو سرحوا العبد، ودعوا الحارث فقضوا عليه، فقال قد أنذركم، وأخذ هذه المعنى رجل من بني تميم كان أسيرا فكتب إلى قومه :

حلو عن الناقة الحمراء أرحلكــــــــم      والزل الأصهب المعقول فاصطنعوا
إن الذئاب عن أحضرت براثنــــــــها      والناس كلهم بكــــــــر إذا شعبـــــوا

يريد أن الناس كلهم إذا خضبوا – عدو لكم كبكر بن وائل(4).
ومن منا لا يستهويه مثل الأسلوب في غرابته وبراعته، وطلاوته وطرافته : "خير الحديث ما كان لحنا" وهذا نمط م الأدب، أغفله مؤرخو الأدب  العربي في العصر الحديث، على كثرة ما كتبوا(5).
وقد تناوله أدباء العرب القدامى بالشرح والتحليل، والجمع والاستيعاب، فألف الأصمعي كتابه "أبيات المعاني" وتلميذه ابن خاتم كتاب "المعاني" والأخفش الأوسط "شرح أبيات المعاباة" والأشناتداني في كتاب "معاني الشعر وابن دريد "الملاحن" والمفجع "الترجمان في الشعر ومعانيه" وابن قتيبة "المعاني الكبير". ومنهم من اتجه إلى ناحية خاصة، فألف في الأبيات الملغزة الإعراب، كالأبيات المشكلة في الإعراب – لأبي علي الفارسي، وتوجيه إعراب أبيات ماغزة الإعراب للرماني وسواها، ولكننا مع الأسف لا تملك من هذه المؤلفات إلا أسماؤها، فأكثرها قد ضاع، والموجود منها لا يزال مبعثرا في مختلف مكاتب العالم لا يحظى بأي اهتمام.
ويجب إن نشير إلى أن أدباء المغرب قد أسهموا بقسط وافر من هذا الميدان وكانت لهم عناية خاصة بهذا النوع من الأدب، وقلما يخلو ديوان لشاعر مغربي أو أندلسي وألغاز وأحاجي، ومن المكثيرن في هذا الباب أبو الربيع سليمان الموحدي، وقد أفرد به ديوان شعره بابا أتي فيه بأشياء بديعة ومثله أبو الحسن بن الجياد أستاذ لسان الدين بن الخطيب، ولعل هذا لباب من الشعر هو الذي يعنيه بن أبي الأصبغ في كتابه "تحرير التحبير" عندما عد المناحي، التي يقول بها الشعراء – بباب السؤال والجواب، وبلغ من ولعهم بها أنها كانت ترد على دواوين الإنشاء من الأقطار، وكانوا يجرون فيها على طريقة العرب، ويزيدون على ذلك الإشارة إلى الملغز بالتصحيف والقلب، والحذف والتبديل وما أشبهها، وجملوها بالتروية فزادوها إبداعا، حتى صارت من زينة الشعر(6)  كقول بعضهم في القلم :
 وهناك نوع من الألغاز عجيب، وهو أن تلغز في اسم، وتأتي في اللغز بما يطابق صورة أو أحرفه في الرسم من الأشياء(7).
ومن أطرف ما كتب في موضوع أبيات المعاني كتاب "أبيات المعاني" لأبي الحسن مصباح الزرويلي ضمنه أزيد من أربعمائة بيت، قال أنه جردها من كتب الأدب، وقد توسع في رشحها والاستشهاد على مضامينها، ومما يمتاز به أنه لا يقتصر على الشرح اللغوي فحسب، بل يذكر ما يتصل بكل بيت من حكايات وطرائف، ويحاول أن يشارك القارئ معه في حل المشكل وإدراك مغزى اللغز، وربما عرض للروايات، فاختار منها ما هو أنسب بالمقام، وأوفق بالمراد، ويبدو أن المؤلف اخترمته المنية قبل أن ينتهي منه، ونجد بعض فصول هذا الكتاب، ضمن كتابه "سنا المهتدي إلى مفاخر البحمدي"(8) أما أصل الكتاب فيعتبر مفقودا إلى الآن.
ولعل أوسع كتاب في الموضوع، هو كتاب "المعاني الكبير" لابن قتيبة، وقد طبع في حيدر أباد بالهند سنة1949 في جزئين، تحقيق عبد الرحمن بن يحيى اليماني، والكتاب تنقصه بعض أجزاء،لكن مثل هذه الطباعات تسمع ولا ترى، فهي إنذار من نادر وأعز وجودا من المخطوط الغريب، ونشر الكتاب "الملاحن" لابن دريد في القاهرة سنة 1347ه وطبع أخيرا بسوريا كتاب "توجيه أعراب أبيات ملغزة الإعراب" بتحقيق سعيد الأفغاني، ويعمل الآن مجمع العلمي العربي بدمشق على نشر كتاب "معاني الشعر" لأبي سعيد الاسنانداني نشرا علميا(9).
وعلينا أن نتساءل : ما قيمة هذا الأدب ؟ وما رأي النقاد فيه ؟
يجب أولا أن نفرق بين وضوح المعنى الذي اعتبره النقاد شرطا لجودة الأسلوب، وبين ما قالوه من أن المعنى إذا وصل إليه المرء بعد الكد والتعب، كان ألذ وأشهى، فالوصول إلى المعنى بعد الطلب والبحث، لا يقتضي أن يكون الكلام معتقدا، وإنما يعني أنه طريف غير مبتذل، والتعقيد يقتضي جهدا شاقا في الوصول إلى المعنى، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا(10)،وفي هذا الصدد يقول عبد القاهر الجرجاني :
"من المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له، والاشتياق إليه، كان يله أحلى، وبالميزة أولى، فكان موقعه من النفس أجل وألطف، وكانت به أضن وأشفق، قال فإن قلت : على هذا أن يكون التعقيد والتعمية، وتعمد ما يكسب المعنى غموضا مشرفا له، وزائدا في فضله" وهذا خلاف ما عليه الناس، فالجواب: إني لم أرد هذا الحد من التعب والفكر، وإنما أردت القدر الذي يحتاج إليه في نحو قوله "فإن المسك بعض دم الغزال" وقول النابغة : "فإنك كالليل الذي هو مدركي"(11)
وعلق الدكتور أحمد بدوي على قول عبد القاهر الجرجاني بقوله :
"وعلى هذا نستطيع أن ندرك لماذا عد من الأدب الرفيع الكلام المشتمل على المجاز والتشبيه والاستعارة ولم كانت الكناية والتورية، مما يزيد الكلام جمالا، ولم كانت الألغاز بابا من أبواب الشعر، لأن الكلام في ذلك كله ليس معقدا، بل واضحا مشرقا"(12).
ومن البين أن عبارة الجرجاني في تساؤله تكاد تكون صريحة في أن الألغاز والمعميات تدخل في باب التعقيد ولا تعتبر من جملة الأدب الجيد.
وقد دفع قدامة بن جعفر في كتابة "نقد الشعر" عن هذا بما لا يبقى معه أي التباس إذ يقول : "ومن هذا النوع "الأرداف" بعني الكتابة – ما يدخل في الأبيات التي يسمونها أبيات المعاني، وذلك إذا ذكر الردف وحده، وكان وجه اتباعه لما هو ردف به غير ظاهر، أو كانت بينه وبينه أرداف أخر كأنها وسائط،وكثرت حتى لا يظهر الشيء المطلوب بسرعة إذ غمض ولم يكن داخلا في جملة ما ينسب إلى جيد الشعر، إذ كان من عيوب الشعر الانغلاق، وتعذر العلم بمعناـــه(13) وفصل ابن الأثير القول في الموضوع تفصيلا جيدا فذكر أن العرب استعملوه "الغز" في أشعارهم قليلا، ثم جاء المحدثون فأكثروا، وربما أتى منه بما يكون حسنا، وعليه مسحة من البلاغة، وذلك عندي بين بين فلا أعده من الأحاجي، ولا أعده من فصيح الكلام، فمما جاء منه قول بعضهم :

قد سقيت آبالهم بالنـــــــار      والنار قد تشفي مـــن الاوار
 
وأي غموض نجده أكثر من الذي في هذا البيت، وقد جمع بين الشيء وضده فالنار تحرق ولا تسقي، فضلا عن أن من تشفي من الاوار، ومع ذلك يقول فيه ابن الأثير أنه من محاسن ما يأتي في هذا الباب، وقال في الألغاز التي ترد على حكم المشاكل الفقهية، كالتي أوردها الحريري وغيره : "وهذا النوع قد يأتي منه ضروب وألوان، فمنه الحسن، ومنه المتوسط، ومنه ما دون ذلك"(14).
وأورد ابن رشيق في "العمدة" طائفة من الألغاز والأحاجي، وقال إنها من مليح الشعر(15) وعبارة "مليح" قد تكون أقل درجات الجيد، وإذا رجعنا إلى كتب البلاغة – وجدنا أن الألغاز والأحاجي وبعبارة أدق أبيات المعاني، ترجع عند أرباب هذا الفن إلى الكنايات الخفية والإشارات البعيدة، وهي عندهم لا تخلو من تفنن في الكلام، واتساع في القول واقتدار على توليد المعاني(16) قال الشاعر العربي يلفز في الضرس :

وصاحب لا أمل الدهر صحبتـــه      يسعى لنفعي ويسعى سعي مجتهد
ما إن رأيت له شخصا فمذ وقعت       عيني عليه افترقنا فرقة الأبــــــد

ومن أروع ما قيل في هذا الباب قول أبي الطيب المتنبي يصف السفن وهي تشق عباب الفرات :

ومشاة حادية بغير قوائـــــم      عقم البطون حوالك الألـــــوان
تأتي بما سبت الخيول كأنــا      تحت الحسان مرابض الغزلان 
 
ومثله قول الشاعر في الخلخال :

ومضروب بلا جـــــــرم      مليح اللون معشـــــوق
لد قدر الهـــــلال علــــى      مليح القد ممشـــــــوق
وأكثر ما يرى أبــــــــــدا      على الأمشاط والسوق

ويذكر ابن الأثير أن الألغاز قد تشبه بالكناية تارة، وبالتعريض أخرى، وطورا بالمغالطات المعنوية ووقع في ذلك كثير من أرباب هذا الفن.
أنشد أبو الفرج الأصبهاني بيتي الاقيش الأسدي في جملة الألغاز، وهما :

ولقد أروح بمشرق ذي ميعة      عسر المكرة ماؤه يتفصد
مرح يطير من المراح لعابـه      ويكاد جلد أهابه يتقـــــدد 
  
 وهذان البيتان من باب الكناية(17)
على ان صاحب كتاب "الإعجاز في الأحاجي والألغاز" عد طائفة من الأسماء هذا الفن.. وذكر منها : المعاياة، والعويص واللغز والرمز والمحاجاة وأبيات المعاني والملاحن والمرموس والتأويل والكناية والتعريض والإشارة والتوجيه والمعمى والممثل، وقال أن معناها واحد، وإنما اختلف أسماؤها، بحسب اختلاف وجوه اعتباره(18).
ومما يلاحظ أن العجم قد برعوا في هذه الألقاب كما برعوا في فنون البلاغة والبيان، وخصوصا منها ما أسموه بالمعمى، فقد تباروا في التأليف فيه واستنبطوا قواعده، وجعلوه في رتبة العلوم والفنون.
وأول من ألف في ذلك شرف الدين علي اليزدي الفارسي "ت830ه" واقتفى من بعده أثره، ووسعوا دائرة هذا الفن، وتعمقوا فيه، وممن نبغ في ذلك ولم يبلغ أحد شأوه – المولى مير حسين النيسابوري فأتى في هذا الفن بالسحر الحلال، وفاق في تعمقه، ودقة نظره سائر الأقران والأمثال، كتب فيه زسالة تكاد تبلغ حد الإعجاز، فسار ملوك خرسان، وأعيانها يرسلون أولادهم إليه ليقرأوا رسالته عليه(19).
ويقال أن قطب الدين المكي هو أول من ترجم المعمى عن الفارسية إلى العربية في رسالة سماها "كنز الاسما في كشف المعمى" وتلاه تلميذه ابن البكاء البلخي فألف رسالة سماها  "الطراز الاسنى على كنز الاسما" ثم توالت المؤلفات في ذلك تترى(20).
ومهما يكن فإن النتيجة التي يمكن أن نخرج بها من هذا العرض السريع – هي أن هناك نمطا من الأدب لقى رواجا في الأسواق الأدبية عبر عصور التاريخ والمكتبة العربية ثرة بأصوله ومصادره، ولكنه لم ينل - في العصر الحاضر – ما يستحقه من عناية الدارسين، فهو في حاجة إلى دراسة هادفة، كفن له مميزته وخصائصة، وكلون من الأدب أثرت بع اللغة العربية في سالف عهودها.

  1- الرافعي، تاريخ آداب العرب ج 1 ص 420.
  2- نفس المصدر.
  3- السيوطي المزهر ج1 ص 578.
  4- أنظر أبا على القالي الامالي ج 1 ص 6.
  5- إذا استثنينا الرافعي الذي يعتبر بحق المؤرخ الواحد الذي تتبع مراحل الأدب وتقصى رواياته، واستوعب فنونه وكل أشكاله، وألوانه، وقد كتب في موضوع أبيات المعاني، وسائر الألغاز والأحاجي صفحات جديرة بالاهتمام. أنظر كتابه : تاريخ آداب العرب ج 1 ص 19-420 وص 417 – 434.
  6- الرافعي، تاريخ آداب العرب ج 3 ص 426.
  7- ومن أروع ما جاء منه ما روي عن أبي الوليد الدقشي، وأبي مروان بن سراج القرطبي وكانا فريدي عصرهما، أنظر "المعمى والألغاز" ص 120.
  8- انظر الباب الخامس منه، وهو مخطوط.
  9- وطبع من قبل بدمشق سنة 1922، وفي القاهرة سنة 1932.
  10- أحمد بدوي "أسس النقد الأدبي عند العرب" ص 473.
  11- أسرار البلاغة ص 118.
  12- أسس النقد الأدبي عند العرب ص 473.
  13- ص 157 – تحقيق كمال مصطفى، وتصحف النص في النسخة التي حققها عيسى بخائل سبا، بما قلب المعنى رأسا علىعقب، أنظر ص 115.
  14- أنظر "المثل السائر" ج 2 ص 223 – 225.
   15- ج 1 ص 309.               
  16- أنظر الإمام يحيى، الطراز ج 3 ص 63.
  17- المثل السائر ج 2 ص 226.
  18- أنظر البغدادي، خزانة الأدب ج 3 ص 416.
  19- أنظر الرافعي "تاريخ آداب العرب" ج 3 ص 443.
  20- الرافعي "تاريخ آداب العرب" ج 3 ص 443.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here