islamaumaroc

على هامش المعركة؛ رحمة -4-

  دعوة الحق

العددان 81 و82

استدعى القائد شاشون ابنته رحمة وقال لها :
- ابنتي المحبوبة! لقد قبلت رغباتك، واستغنيت عن حياة المسيحيين. سيرافقوني عدا إلى فاس وسأسلمهم إلى السلطان الذي يمكن – إذا كانت تلك رغبته – أن يفنيهم أو يبقيهم- وسيفنيهم بالتأكيد إذا ظهر أن جؤاو محتال نصاب.
عانقت رحمة والدها، غير أنها لم تنبس ببنت شفة، وابتهجت وانشرح صدرها، لأنها كانت متأكدة أن جؤاو لم يكن محتالا! ولكنها في الوقت نفسه، شعرت بالحزن العميق، لأن جؤاو سيغادر القرية فلا يستطيع أن تراه مرة أخرى.
قال الوالد :
 - لا يساورك الحزن على فراقي يا نور عيني فبفضل الله ومشيئته سأعود قريبا، فأهيئ حفلة زفافك بصديقي القديم القائد عماد زازور.
- أبتاه! الآن فقط أشعر بأن السرور يزاول قلبي لأني لا أستطيع أن أتزوج وأتركك.
- لا تكني طفلة حمقاء! اذهبي واخبري مبارك والعبدين الآخرين أن يستعدوا لرحيلنا عدا، وان يجهزوا بغلين ببردعتين كي يحملا هؤلاء الأسرى، يمكن لاثنين منهما أن يمتطيا بغلا بكبليهما، أما جؤاو فسينزع عنه الكبل ويركب لبغل الآخر. وهكذا سيعامل المسيحي بمنتهى الرأفة كما تهوين.. ولكن يجب أن يحلف بالله أنه لن يحاول الفرار.. هيا مري وصائفك أن يوجهن الحراس ليحضروا جؤاو، وقومي ألبس (الحايك) وانتقبي حتى يمكنك أن تمكثي معنا في الحجرة فتسمعي ما يقوله الكافر، وما سأصدره من أوامر.
وعندما دخل جؤاو تصنع القائد روح الصداقة، وعلت وجهه ابتسامة وقال :
- جؤاو لقد قررت أن آخذك إلى المشور السعيد، حيث أن مولانا وسيدنا طبقا للمرسوم الذي قرأته يفضل أن يأخذك في خدمته كصانع أسلحة.
وأريد منك أن تنسى ل ما حدث،وأن نصبح منذ الآن أصدقاء ثم قال للعبيد :
- انزعوا عنه هذا الكبل الذي يعرقل حركته.
ثم التفت إلى جؤاو وقال :
- اذهب لا حاجة بنا إلى حارس يحرسك، لأنك الآن حر طليق إذا حلفت بالله العظيم أنك لن تحاول الفرار.
ونزع الكبل عن جؤاو الذي كان على وشك أن يجيب إجابة ثائر متعجرف، لكن رحمة التي كانت تقف وراء والدها خفن لثامها ووضعت أصبعها على شفتيها ملتمسة منه إلا يعارض. حينئذ اجاب مبتسما :
- شكرا أيها القائد. إني أقبل صداقتك وسأنسى الماضي. وكذلك أحلف بالله الذي أومن به – كما قلت – حقيقة وصدقا، أني لن أحاول الهرب. لكني أراني ملزما أن أطالب بتحرير رفيقي في الأسر، وبأن يعامل برفق مثلما أعامل.
انحنت رحمة على أذن والدها وهمست :
- لتأخذك الرأفة والشفقة على المسيحيين المسكينين يا أبتاه، والله تعالى يبارك خطواتك ويجازيك أحسن الجزاء.
عندئذ التفت القائد إلى جؤاو وأجاب :
سيكون الأمر وفق ما تريد.. وعلي أن أرى هذين الأسيرين في الحال.
وعندما قال ذلك، صفق بيده، لكن لا مبارك ولا أي ءاخر سمع التصفيق أو استجاب للنداء. ونهض القائد بسرعة، وخطا خطوات في فناء الدار وهو ينادي بصوت عال. واغتنم جؤاو خلو المكان فصب بصوت منخفض تشكراته القلبية لرحمة اللطيفة. وانتزع من عنقه الشيء الوحيد الذي كان بملكه ءانئذ، وهو سلسلة فضية علق بها صليب فضي صغير وقال :
- اقبلي هذا التذكار ممن هو مدين لك بحياته. وهو يأمل من أعماق قلبه أن يراك مرة أخرى في هذا العالم.
أحجمت رحمة أولا عن قبول الهدية حينما رأي الصليب، لكنها قبلتها أخيرا وكأنها اعتزمت أن تحتفظ بالسلسة دون الصليب أو أن تحتفظ بالاثنين دون أن تجرؤ على لبسهما، ثم قالت :
- لن يكون ذلك أبدا، لسنا مثل المسيحيات، بل نحن متحجبات مقيدات الحركة، قد نعامل معاملة الأسيرات فلا يسمح لنا بإبداء الرأي فيما هو أخص خصائصنا.. لقد أخبرني والدي مثل قليل أنه عند عودته من فاس سيزفني إلى العجوز القائد عمار، إني بائسة أشعر بالشقاء كلما فكرت في مغادرة والدي الذي يحبني، وفي السكنى تحت سقف واحد مع من لا يمكن أن أحبه.
قال جؤاو وكأنه وجد فرصة لكي يضرب ضربته :
- رحمة هل تستطعين حب نصراني يؤمن بالله ويحبك أكثر مما يحب حياته هو ؟
تلعثمت الفتاة، ثم قالت وهي تخفي وجهها الذي علته حمرة الخجل :
- أستطيع، وفي الحقيقة إني أحبك.. ولكن حبي عبث في عبث، قال جؤاو :
- لن يكون عبثا في عبث، تأكدي أني عندما أسر السلطان بصناعتي وقني، وأفوز برضاه، سأرتمي عند أقدامه متوسلا أن يطلب يدك من والدك، وأن يزوجني بك إذا كنت تحبينني حقيقة.
وفجأة طرق سمعيهما رنين سلاسل الكبلين لذا نشلت رحمة من أصبعها خاتما فضيا صغيرا وأعطته جؤاو قائلة :
أرجو أن تكون بركة الله ورحمته معنا كلينا. ثق بالله يكن لنا أمل في اللقاء ثانية.
ثم انسحبت قليلا وغطت وجهها باللثام عندما اقترب والدها متبوعا بمبارك والأسيرين، ووجه القائد الخطاب إلى الأسيرين فقال :
- بناء على شفاعة جؤاو الذي ءاخذه غدا إلى البلاط السلطاني ليدخل في خدمة مولانا وسيدنا كصانع أسلحة، فإني قد استغنيت عن حياتكما، وتنزع عنكما أغلالكم، وستؤخذان مع جؤاو إلى السلطان، وعلى قرار جلالته يتوقف مصيركما، وكيفما كان الأمر أقسم لكم – إذا ما حاولتما الفرار – أنكما لن تريا مني أية شفقة أو رحمة. ثم وجه بالخطاب إلى العبد قائلا :
خذهما إلى دورتك واقفل عليهما، ولكن انزع عنهما أغلالهما، واجلب لهما الطعام من مطبخي كي يستشعرا الصحة والعافية والقوة وهما مقبلان على الرحلة غدا، أما جؤاو فضع له مضربة في ساحة الدار، إنه ضيفي، حر يذهب ويجيء كما يشاء له هواه. ثم التفت نحو ابنته رحمة وقال مبتسما :
- فعلت كل هذا من أجلك يا فلدة كبدي، وما حيلتي وقد سبق أن سميتك رحمة، أليس من الرحمة العفو عند المقدرة، وإعتاق أرواح هؤلاء الأسرى ؟
صاح جؤاو : بارك الله فيها – هي رحمة ونعمة في ءان واحد.
وأمن رفيقاه على قوله بالإشارة، لأنهما لم يكونا يعرفان العربية مثل صاحبهما.
وفي صباح اليوم التالي امتطى القائد متن بغل *، وامتطى الأسرى دابتين أعدتا لهما، بينما كان العبد يقود هدية ثمينة إلى السلطان تلك الفرس الرمادية اللون التي تشبه البرق في سرعتها وقد زينت بلجام جميل، وسرج مذهب لطيف.
بدت رحمة على عتبة الدار متشحة بحائكها، وقبل أن يغادر الموكب المكان، وفي غفلة من والدها الذي قد أدار لها ظهره وهو يستعد للمسير، كشفت رحمة عن وجهها وسحبت السلسلة والصيب الفضيين من جيبها، وأمرتهما على شفتيها إشارة حب ووداع، فرد عليها جؤاو بأن رفع إلى السماء أصبعه التي بها خاتمها.
وأوفد القائد شاشون إلى القصر السلطاني مبعوثا على وجه السرعة، كي يعلن قدومهم، ولكيلا يدع أية فرصة لمن يعاديه أن يدس له عند السلطان،يحمل المبعوث رسالة منه إلى الوزير يعلمه أنه ءات بجؤاو صانع السلاح وبمسيحيين ءاخرين أسيرين، ليسلمهم إلى السلطان فيتصرف فيهم جلالته كيفما شاء.
وحينما بقي على انتهاء الرحلة إلى العاصمة بضع ساعات، استقبلهم القائد من قواد الحرس الشخصي للسلطان، وأبلغ رسالة إلى القائد شاشون يأمره فيها جلالته أن يعتني كل العناية بجؤاو فلا ينبغي أن يتعرض لأية إهانة أو سوء معاملة وأمره كذلك أن يخبر هذا الأخير بأن دارا وحانوت حدادة قد أعد له، وأن الأسيرين الآخرين سيسكنان معه في نفس الدار، ثم أخبر قائد الحرس السلطاني القائد شاشون أن جلالة السلطان قد أثنى على وفائه وسلوكه الطيب حين أحضر جؤاو سالما، وأنه يعتبر محظيا لدى جلالته، ومن خدام العرش الأوفياء.
وعند الوصول، أخذ جؤاو ليمثل أمام السلطان، فعلم عند المقابلة أنه سيخصص له راتب شهري ودار قريبة من القصر السلطاني، وإن ءالات الحدادة، وأكواما من أحذية قديمة للخيل قد أعدت، وإن كل مأسورة بندقية يصنعها جؤاو يكافأ عليها بعشرة مثاقيل وأضاف جلالة السلطان :
- وإذا أصبحت واحدا من رعايانا المؤمنين، فإني ءامر الآن بأن تعطى كسوة مسلم.
شكر جؤاو السلطان وأجاد :
- أقبل بكل سرور هدية جلالتكم لتي ستحل محل ثيابي الممزقة.
وبقبوله الهدية، فهم جؤاو لا يلبث أن يعتنق الإسلام، ويقطع كل صلة له بماضيه الديني أو الوطني غير أنه ربما كان يسر جبوا في ارتقاء، ومن يدري ؟ عله ندر في قلبه أن يتظاهر بالزن المغربي ليفوز فقط برحمة زوجة له، ولعله كان يأمل في ذلك اليوم الذي ينبغي أن يعود فيه إلى أرض أسلافه ومسقط رأسه لشبونة.
كان جؤاو صانعا ماهرا حقا، وقد استطاع أن يصنع عددا من مواسير البندقيات، حتى قبل أن يغادر القائد شاشون مدينة فاس، وكان البرتغاليان الآخرين هما الوحيدان اللذان يساعدان جؤاو في عمله الجديد، فلم يسمح لغيرهما أن يعمل معه، وكأنه عزم إلا يطلع أحدا من المغاربة على سر مهنته وفنه.
كان مولاي أحمد المنصور مولعا بكل أنواع الميكانيكا، ومهتما بالصناعة أشد الاهتمام، لذا اعتاد أن يذهب بين الفينة والفينة إلى مصنع جؤاو ليراه وهو يشتغل، فيظهر له ارتياحه ورضاه بعمله، ولا أدل على ذلك الرضى من أنه ذات يوم منحه درجة ضابط في الجيش.
وعزم القائد شاشون على الرجوع إلى "تتمسيلة" فأهداه السلطان حصانا مطهما بسرح ولجام لطيفين وقبل أن يغادر المشور، ذهب ليرى جؤاو ويودعه، ويخبره عن الحظوة التي نالها عند السلطان، فوجد جؤاو مسلما "في الظاهر" ومتزينا بالزي المغربي، وضابطا ذا مكانة عالية.
صافح جؤاو القائد شاشون بحرارة وهو يودعه ثم قال له :
- أنت تعرف أني مدين بحياتي ومكانتي هذه لابنتك، إني أرى أن أتزوج وأسكن هنا في  فاس، فهل تمنحني شرف مصاهرتك .
أجاب القائد :
- طلبت مستحيلا، ذلك إني قد زوجتها لصديقي القائد عمار زازور.. إن السلطان – وقد أصبحت في مثل هذه المكانة سيزوجك إذا طلبت ذلك من جلالته وصائف القصر، وسيجهزها بشوار أفخم مما أستطيع أن أقدمه أنا لابنتي.
ثم غادر المكان تاركا جؤاو غريقا في بحر لجي من البؤس والشقاء وانقباض النفس، وانكسار الخاطر وبعد أيام قليلة من رجوع شاشون إلى قريته ببني مصور، زار السلطان مصنع جؤاو، فوجد الصانع منكبا على عمله، حريصا على إنجاز مهامه، غير أن السلطان لاحظ عليه أنه شاحب اللون * تكسوه مسحة من الحزن والكآبة، لذا سأله عما إذا كان يحس بألم، أو كانت له أية شكاية من أي كان في القصر، أو عما إذا كان الطعام الذي يرسل إليه من القصر غير كاف أو ليس كما ينبغي..
لكن جؤاو أجاب بأن ليس لديه أية شكاية ضد أي كان، وكل ما في الأمر أنه يحس حزنا يخالج نفسه، ولا يريد أن يطلع عليه السلطان مخافة أن يسبب لجلالته كدرا وعدم سروره، قال السلطان :
- تكلم يا جؤاو، لا تخش شيئا فكل واحد أساء إليك سيعاقب، وكل ما تسأله ستمنحه، والذي أعدك به سينجز، تكلم بصوت عال وبجرأة.
امتثل جؤاو لأمر السلطان وقص عليه قصة أسره، والحكم عليه بالإعدام، ثم العفو الذي صدر في حقه بعد تدخل ابنة القائد.. وعندما ختم قصته صاج جلالة الملك السلطان :
الله أكبر! لو كان القائد شوشون أخذ حياتك لخسر هو حياته. إن ابنته هذه التي كانت السبب في حصولي عليك سليما، لصنع البندق للمسلمين ستكافأ من لدن جنابنا الشريف. ماذا تريد ؟
هنا قام جؤاو بحركة تمثيلية بارعة، وقذف بنفسه عند أقدام جلالة أحمد المنصور، وقال :
"هي التي أنقدت حياتي، وكنت آمل أن تصبح لي زوجة، لكن، واحسرتاه!! لقد علمت أنها مخطوبة، لعجوز هو قائد قبيلة مجاورة لقبيلة والدها، هذا الذي يجعلني يا مولاي بائسا حزينا... قال السلطان :
- قبل مضي عشرة أيام بلياليها، إن لم تكن هذه الفتاة قد زفت إلى بعلها، فإن أباها سيحضرها إلى هنا وستصبح زوجتك، وسنجهزها بمهر وبشوار لطيفين.
وفي الحين صدر الأمر بسفر مندوب سلطاني إلى قائد بني منصور، وكان يحمل رسالة تنص على أن القائد وابنته يجب أن يحضرا في الحال إلى المشور السعيد بفاس. ومن التعليمات المعطاة لهذا المندو وجوب التأكد قبل تنفيذ الأمر السلطاني من أن بنت القائد لم يتم زفافها بعد، لأنه في مثل هذه الحالة لا ينبغي تنفيذ الرغبة السامية.
وصل المندوب السلطاني إلى قرية تمسيلة، فوجد أن حفلة الزفاف لم تحصل ولن تحصل لأن القائد عمار قد مات فجأة بمجرد ما ارتحل القائد شاشون إلى فاس رحلته الأخيرة. ولذا صدع الرسول بالأمر وقام بتبليغ رسالته فتأهب القائد وابنته للرحيل إلى فاس وهو لا يعلم من أمر السفر وغايته شيئا.
وأخيرا وصلا إلى القصر السلطاني، فلقيا ترحيبا وأنزلا منزلا مريحا قريبا من القصر. وبدأت الفتاة تعمل فكرها لتتسلى أو لتفسر ما حدث : لماذا كان هذا السفر؟ وهل كان من اللازم أن ترفق والدها في هذه الرحلة ؟ لقد تذكرت خطة جؤاو وكلماته الأخيرة التي وجهها إليها قبل رحيله إلى فاس وعلمت من والدها حين رجوعه من العاصمة أن جؤاو يتمتع بمكانة عالية عند السلطان، لذا لم تر داعيا للخوف على والدها، بل هي ترى بالعكس من ذلك علائم وتباشير تنبئ بتنفيذ ما تصبو إليه من حلم لذيذ. أليس هذا الترحيب والإكرام دليلا على الإرادة الحسنة والخير الطيب ؟ توصلت إلى هذا القرار، لكنها لم تستطع أن تفضي بشيء من ذلك إلى والدها، ولاذت بالصمت.
وما علم جؤاو بوصول القائد شاشون وابنته، حتى هب لتحيته. وعلى الرغم من أن رحمة كانت محجرا عليها فلم يسمح لها بدخول الحجرة التي تم فيها اللقاء، فإنها استطاعت بطريقة ما أن ترى جؤاو وأن تسترق السمع لما يجري بين الرجلين من حديث. وأمكنها أن تسمع جؤاو يحيي والدها ويقل :
- هل ابنتك التي أنقذت حياتي في صحة حيدة ؟ أما زالت غير متزوجة ؟ إذا كان الأمر كذلك فلا أكتمك أني طلبت يدها من السلطان. ومن أجل ذلك أمر جلالته بقدومكما إلى البلاط.
وكانت الجملة الأخيرة بردا وسلاما على القائد شاشون، لأنه أحس أنه قد وصل إلى شاطئ النجاة بعد أن كان خائفا يترقب، ويحسب ويقدر،  ويفرض الفروض المختلفة وأن الاحتمال الذي كان يشوش باله هو أن السلطان ربما سمع شيئا عن النية التي كان قد بيتها يوما لقتل جؤاو ورفيقه البرتغاليين، فاستدعاه الآن ليحاسبه على ما فرط عنه. ولكن الاحتمال المخيف، قد اختفى إلى الأبد، واتضح الصبح لدى عينين بفضل هذا الشاب الذي أسرع إليه محييا وخاطبا.. أجاب القائد :
- اسمع يا بني، بما أن هندامك ينبئ أنك واحد من المؤمنين، وبما أنك تتمتع بمكانة لدى سيدنا ومولانا السلطان، فإن أوامر جلالته – كيفما أمكن أن تكون – ستطاع بمزيد من الغبطة والسرور.
ولم يكد يلفظ القائد هذه الجملة الأخيرة، حتى أقبل عليه جؤاو يعانقه ويشكره على حسن القبول وما رأت رحمة هذا العناق الحار، حتى اعترتها هزة من الفرح والاطمئنان، لأنها علمت أن حلما من أحلام صباها قد تحقق أو كاد.
وبعد أن أوفد السلطان وزيره إلى القائد شاشون ليطلعه على الأمر السلطاني بأن ابنته ستزوج لجؤاو في الحال، بدأت الاستعدادات لإقامة حفلة الزفاف الضخمة، وأخذت رحمة العروس إلى حريم قائد المشور، حيث أعدت النسوة هناك حفلة شيقة أخرى وقدم السلطان صداقا طيبا كان مقداره ألف مثقال، كما أرسل جلالته، ملابس جميلة وجواهر كريمة على رحمة، وقد كتب العدلان رسم الزواج وأمضاه قاضي المدينة وكانوا جميعا حاضرين في الحفلة.
وفي النهاية زفت العروس إلى عريسها، فأدخلت في "بوجة" مغطاة بأردية حريرية مزينة بأعمال التطريز، وحملت البوجة على متن بغل إلى دار الزوجية دار جؤاو. وصحبت الموكب عدة فرق موسيقية – وفرقة من الجيش والحرس السلطاني، وجمهور غفير من أبناء الشعب الذين كانوا يطلقون النار من بناديقهم بينما كانت زغاريد النساء تشق عنان السماء بين الحين والآخر.
بلغ الموكب الدار، وتولت إنزال البوجة أربع من الإماء وأخذت إلى حجرة مفروشة بالزرابي الجميلة والأثاث الفاخر، حيث كان جؤاو ينتظر عروسه على أحر من الجمر. ساعدت الإماء العروس على الخروج، ثم انسحبن. وبمجرد ما اختلى الزوجان تعانقا عناقا طويلا حارا، ثم قالت العروس :
- يا حبيبي لقد استجاب الله دعواتنا. إنه رحيم. الآن سأكون ما بقيت حية زوجتك السعيدة الوفية.. لكن يا جؤاو، أسألك أن تعيد على مسامعي أنك مؤمن بالله وبيم البعث. إني مبتهجة لرؤيتك في زي مسلم، وءامل من صميم قلبي لأن تكون الآن واحدا من المؤمنين. قال جؤاو وقد رفعها بين ذراعيه : رحمة إني مدين لك بحياتي هذه التي أضعها الآن تحت تصرفك، تفعلين بها ما تشائين، لأنها حياتك أنت، أنت التي مننت علي بها.  لكن يجب أن لا أخدعك – لست مسلما – إني مسيحي كاتوليكي. لقد تزينت بالزي المغربي ليعتقد القوم أني مسلم مثلهم، ولكي أستطيع من السلطان أن يزوجني منك.
نزلت هذه الجمل على رحمة كالصاعقة، وسحبت نفسها من بين ذراعيه، وشعرت بخيبة أمل، وعلمت في ءاخر لحظة أنها مخدوعة، فما العمل ؟ قالت :
- لا أستطيع يجب أن لا أقبل، يجب أن لا أغضب ربي بتزوجي من مسيحي.ألا تعرفين أن نبيكم محمد "صلى الله عليه وسلم" قد تزوج بمسيحية.
- بلى، أعرف أنه تسرى بجاريته ماريا القبطية، لكنها أسلمت فهلا أسلمت أنت ؟
- ءاه يا زوجتي الحبيبة – سأكون لك زوجا وفيا، وحينما أطلعك على عقيدتي وشعائر ديني، ستعرفين أن لنا نفس القوانين الربانية، باستثناء أن المسيحية لا تبيح التزوج بأكثر من زوجة واحدة، فهل مثل هذا القانون يكدر صفو عيشتك معي يا رحمتي ؟
ويظهر أن جؤاو، استطاع بكلامه الحلو الجذاب أن يمس قلب هذه الأنثى، وان يبعثها على التفكير والتأمل، غير أنه لم يلبث أن ضاف قائلا :
- ثم إن شريعتنا المسيحية لا تبيح الطلاق، مثلما تبيحه شريعتكم.
وهنا أحست رحمة أنها ليست أمام زوج فحسب، بل إنها أمما مبشر حقيقي يجيد الدفاع والهجوم في وقت واحد، ورأت من الحكمة أو من سوء حظها أن تعلن موافقتها فقالت :
- احلف أنك لن تتزوج علي امرأة أخرى، وأنك لن تطلقني. أجابها فرحا :
- أقسم لك ألا أتزوج غيرك، وأن لا شيء غير الموت يستطيع أن يفرق بيننا.
حينئذ ارتمت رحمة –ثانية – بين ذراعي جؤاو وصاحت :
- إني زوجتك المحبة إلى الأبد، وسأصون عرضك وأطيعك.
عاشت رحمة وجؤاو فترة من الزمان تغمرهما السعادة الزوجية. وفي كل مساء يرجع فيه إلى منزله، كان يعمد إلى زوجته إلى تعليم بادئ اللغة البرتغالية. وقد وجدها ذكية وسريعة الفهم والتعلم، فسره ذلك وأطمعه في تعليمها مبادئ الدين المسيحي. ولم تعارض في ذلك، وكأنها وجدتها فرصة لتعلم ما تجهله، ولتتزود بما يزيدها ثباتا على مبادئها ودينها. ولو كانت أخرى في غير فهمها وذكائها لسهل التغرير بها وثم ارتدادها بسهولة، غير أن رحمة التي جادت بالحياة على جؤاو، تراه الآن – غير خجل أو وجل – يسعى جادا ليحول بينها وبين عقيدة ءابائها، وأجدادها. دين التوحيد الخالص، والإسلام الصحيح. وتذكرت قول الله تعالى : "إن الدين  عند الله الإسلام" فصممت على الثبات والبقاء على دينها، وكثيرا ما كانت تتناقش زوجها بعض الأفكار المسيحية كعقيدة التثليت التي لم تكن تستسيغها عقليا، فكان يحاول أن يفهمها عبثا أن مسألة الدين هي مسألة القلب لا العقل.  وكثيرا ما قالت له أن القرآن الكريم لا يفتأ يحث الناس على استعمال عقولهم في كل شيء فلا يكونون كالبهائم يساقون ولا يعقلون.. ومما أثار الجدل بين الزوجين ذات يوم ما سمعته من أن المسيحية تحرم على رهبانها أن يتزوجوا وينسلوا فعجبت كيف يحدث ذلك والمسيحيون يدعون أن لله ابنا، أي كيف يبيحون لله الولد ويحرمونه على رهبانهم ؟ أليس هذا تناقضا ظاهرا ؟
واستمر الحال على هذا المنوال، إلى أن أنبأها ذات مرة أنه يأمل وينتظر ذلك اليوم الذي يستطيع أن ينتحل فيه سببا لمغادرة البلاط المغربي، ويهرب إلى البرتغال، لقد تعودت رحمة على حياة المدينة بفاس، ولم تكن حياة المدينة شيئا جديدا عليها، فقد عاشت كثيرا في مدينة طنجة مع أسره خالها، بيد أن الحياة في العاصمة لاءمتها، فلم تكن ترى مبررا للرحيل أو الهروب.
وبعد مرور حول كامل على قرانهما، رزقا بنتا جميلة أرادت رحمة أن تسميها فاطمة الزهراء، تيمنا بابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وباسم والدتها الشريفة المتوفاة، ولكن جؤاو عارضها في ذلك وسماها "مريم" باسم والدة منقذ البشرية كما قال وأسرتها في رحمة نفسها، ولم يجدها نفعا قولها :
- دعني أسمي ابنتنا هذه بالاسم الذي أريد، حتى إذا ازداد لنا ولد ذكر، تركت لك الحرية في تسميته كيف تشاء.
وإزاء تصميمه وعزمه، لم تر بدا من القبول وقالت في نفسها :
ليت أطماعه تقف عند هذا الحد، فلا يطالب إذا أو بعد غد بتعميدها، على انه إن حاول ذلك، عرفت كيف انصرف وكلت له الصاع صاعين،ولو اقتضى الأمر بتبليغ ذلك إلى مسامع الجلالة الشريفة.
كان جؤاو صانعا ماهرا، وظل يتمتع برعاية السلطان مدة، صنع خلالها مواسير كثير للبندقيات وكان ينقش على تلك المواسير كلمة سيدي بحروف عربية إلى جانب اسمه هو بحرف لاتنية وذلك للدلالة على أن هذه صنعت خصيا للسلطان، ولم يكن هذا المسيحي هو الذي يصنع وحده الأسلحة، لقد كان هناك مغاربة أيضا، لكن صناعتهم كانت أدنى درجة من صناعة جؤاو، لذا قبل السلطان على صناعة هذا، وأهمل أو كاد صناعة أولئك، وأحس المغاربة بأن وصول جؤاو إلى فاس كان وبالا على صناعتهم، وأحسوا إلى جانب روح الابتكار لديه، ذلك أن لم يشأ أن يستخدم معه أي مغربي بل إنه لم يشأ أن محله أي مسلم، وهكذا حرم على المغاربة دخول مصنعه، حتى لا يطلعوا على طريقة صنعه، فيفقد بذلك مكانته لدى السلطان.
وذات يوم اجتمع صناع الأسلحة المغاربة للتشاور في الأمر، ماذا يصنعون وقد فقدوا كل ما كان يحبوهم له السلطان من عطف ورعاية بمجرد ما قدم هذا الأجنبي إلى فاس، واتفقوا فيما بينهم على وجوب كشف سر صنعته. لكن كيف ينمكن ذلك وهو لا يسمح بدخول مصنعه إلا للسلطان.
وأخيرا اهتدوا إلى طريقة، ذلك أن البرتغالي كان معتادا على تنظيف مصنعه دوريا، فكان يعني بتبييضه كل شهر. لكن ما الحيلة واليهود هم الذين كانوا وحدهم يشتغلون بحرفة التبييض في جميع انحاء المغرب ؟ وتقدم أحد الحدادين باقتراح أن يتنكر بثياب يهودي، ويقدم نفسه لجؤاو كي يبيض له حانوته كل شهر بثمن معتدل. وحصل الاتفاق وظل الصانع المغربي يتردد على الحانوت بقصد التبييض كل شهر. ولم تكن عملية التبييض تحول دون استمرار الصانع في صناعته. لذلك كان المغربي البياض يقوم بعمله وفي نفس الوقت كان يسترق النظر ويتمعن في الصنعة، إلى أن حذقها وأصبح قادرا على التقليد والمحاكاة. وقد نجح في ذلك نجاحا كبيرا وصنع ما سورة بندقية من الحديد المبروم وقدمها لجلالة السلطان فاعتبرها من الجودة والمتانة بمثابة ما يصنعه جؤاو نفسه.

واستدعى هذا الأخير إلى المشور السعيد، وسئل كيف تمكن الصناع الوطنيون من صنع المواسير المبرومة،
فلم يحر جوابا وأيقن في النهاية أنه قد خدع، وأن شخصا ما كان يراقبه أثناء العمل فتمكن م حذق صناعته وإتقان حرفته. وبما أن أحد المغاربة لم يكن يدخل لمصنعه، فإنه اعتقد أن اليهودي البياض هو الذي قام بدور التجسس وبنقل إرسال صنعته إلى الصناع المغاربة المسلمين.
تمكن الصناع المغاربة من فن جؤاو وصنعوا المواسير الجيدة من الحديد المبروم وصارت البنادق تباع بأثمان بخسة في فاس، وصار السلطان يشتري كميات كبيرة. وشعر جؤاو بالمضايقة وأن مهمته قد انتهت وأن الاحتكار لم يبق له مجال الآن تدبر أمره وقرر مغادرة العاصمة غير ءاسف لأنه تمكن في هذه الفترة من جمع أموال طائلة.
التمس إذن السلطان لكي يزورمع زوجته وابنته صهره، ومنح الإذن، فاشترى بهائم حمل عليها أثقاله التي لم يكن م الممكن التصرف فيها بالبيع أو الترك في فاس، وابتدأ رحلته مع عائلته تجاه قرية تمسيلة من قبيلة بني منصور.
وبعد قضاء بعض الوقت مع زوجته في منزل والدها حيث لقيت الأسرة الصغيرة ترحيبا فائقا، استأذن جؤاو أصهاره في الرجوع إلى فاس حيث ينتظره عمله الرسمي، فوافق القائد وسائر أفراد العائلة بشق الأنفس، وبعد لاي.. وذات صباح غادر جؤاو وعائلته القرية ، لكن بدل أن يتجه إلى فاس، اتجه إلى طنجة، وأوقفت حراسة الحدود القادمين وبعد صعوبة تمكن جؤاو من أن يفهم العسس البرتغالي بأنه برتغالي مثلهم، وأنه جؤاو صانع الأسلحة، وأنه الآن متنكر فقط في ثياب مسلم، وسمح له في النهاية بالمرور، وأخذ هو وعائلته إلى الحاكم البرتغالي بطنجة، وقص عليه مغامراته وقدم له زوجته وطفلته مري، وفرحت عائلة الحاكم بعائلة جؤاو التي ظلت في ضيافتها معززة مكرمة طيلة إقامتها في هذه المدينة الجميلة.
لم تكن طنجة جديدة على رحمة، فقد عرفتها من قبل، وعاشت بها في دار خالها مدة من الزمان وكان في استطاعة رحمة لو طال بها المقام في طنجة أن تبعث إلى أخوالها سرا تعلمهم بوجودها بين ظهرانيهم، ولكن الوقت لم يطل إذ أن حاكم المدينة سرعان ما أخرج لهم جوار سفر إلى لشبونة حسب رغبة جؤاو.. ولم تشأ رحمة ان تبدي أي معارضة، بل رأتها فرصة سانحة أن تغامر بدورها، وأن تسافر إلى أوربا لتطلع وتسافر وتشاهد ءاثار المسلمين، ولتزداد علما ومعرفة بالمجتمعات والناس.
وقدر لرحمة لأول مرة في حياتها أن تركب سفينة شراعية تحملها مع زوجها وابنتها الصغيرة إلى عاصمة البرتغال، وزود جؤاو برسائل توصية حصل بمقتضاها على وظيفة مربحة، وكتبت رحمة إلى والدها تخبره بأنها مع زوجها في بلاد النصارى، وأنها اضطرت إلى هذه الهجرة لأن جؤاو لقي منافسة خطيرة في فاس من أجل الصنعة، وكان يخشى انتقام المغاربة بعد أن فشا سرهم بينهم، وبعد أن لم يعد يشعر بأية رعاية من قبل السلطان، وشفع جؤاو هذه الرسالة بهدية إلى والدها هي عبارة عن بندقية جميلة نقشت على مأسورتها اسم القائد شاشون واسمه هو بحروف من ذهب، جؤاو ناردا عام 1582.
ونزل الخبر على عائلة شاشون وأفراد القبيلة نزول الصاعقة، وبدأت الإشاعات والأراجيف وصار القائد شاشون وابنه محمد يحسان بشرف العائلة بلطخة العار، ويختمه بخاتم الاحتقار والشنار، واعتقد الكثير أن رحمة لم تعد مسلمة كما كانت، وكيف يمكنها أن تقوم بتأدية الشعائر الدينية وهي في مجتمع مسيحي كلة لا يراعي للإسلام والمسلمين إلا ولا ذمة، ؟أم كيف يصبر البرتغاليون الذين فقدوا زهرة شبابهم ونبلاءهم في معركة ودي المخازن، فلا يسعون سعيا حثيثا في الانتقام من المغاربة ولو في صورة تكفير رحمة وتمسيح ابنتها ؟
فكر القائد شاشون في السفر إلى فاس كي يتصل بالسلطان، ويعلمه خبر هروب جؤاو بابنته وحفيدته إلى البرتغال، وهو ما كان يفكر في تزويجه لولا الرغبة السامية التي اعتبرها أمرا واجب تنفيذه في الحين، حقا لقد قيل : اتق شر من أحسنت إليه. هذا الذي لقي من المغاربة كل عطف، ومن السلطان كل رعاية، يكفر بجميع النعم، فيغادر المغرب فارا وسارقا مع – ألم يسرق أموال المغاربة التي منحوه إياها بكل سخاء ؟ أم يخطف جوهرة مكنونة من جواهره المصونة هي رحمة ؟
وبينما كان يفكر قائد القبيلة على هذا المنوال، سمع طرقا على الباب، وعلم في النهاية أنه علي التاجر النشيط الذي طالما قم بالرحلات بين طنجة وبعض المدن الرئيسية مارا بتمسيلة، إن هذا التاجر عرف مصيبة القائد من خلال الإشاعات الرائجة فأحب أن يعرج على هذه القرية المنكودة، وكان مجيئه في الوقت المناسب، ذلك أنه بعد أن اطمأن به المقام وبعد أن أفضى إليه القائد بمخاوفه قال :
- دع هذه القضية لي، إني كفيل بأن أجد لها حلا. أجاب القائد :
- ماذا تقول ؟ هل تستطيع أن ترجع لي ابنتي ؟ أراك تخرف وتهرف بما لا تعرف لو كانت ابنتي في طنجة لكان في إمكانك الاتصال بها أو إغراؤها حتى تأتي معك.
- قلت لك دع المسألة في يدي و عليك. ألا تدري أن طريق التجارة مفتوح الآن بيننا وبين البرتغال إلا تدري أني قد سافرت مرارا وتكرارا إلى لشبونة بقصد الاتجار، فصرت أعرف عاصمتهم كما أعرف طنجة ذاتها ؟
- كيف ما كان الأمر فإني مسافر إلى فاس، قال التاجر :
- سافر على بركة الله، أما أنا فوجهتي طنجة ثم بعدها لشبونة.
وتطورت الأحوال تطورا سريعا وعجيبا فقد تأثر القائد تأثرا عميقا لمغادرة ابنته أرض الوطن وأصبح يشعر بخطر ارتدادها عن دينها أكثر من أي وقت مضى فحينما كانت في فاس كان يشعر كأنها معه، أما وقد فرت مع ذلك الملعون الذي تظاهر بالإسلام غشا وخداعا وتدليسا، فإن المسؤولية كلها تقع على عاتقها، أنها لا تستحق منه إلا الازدراء أما كانت تستطيع المعارضة ؟أما كانت تستطيع أن تنبئه عن نيتها حينما كانت معه منذ مدة وجيزة، إن هذا يدعو إلى الاعتقاد بأنها موافقة لزوجها كل الموافقة، وأنها نسيت كلما يتعلق بشيء اسمه الأب والعائلة أو التقاليد أو الوطن أو الإسلام.
ظل القائد يحاور نفسه هكذا أثناء اليقظة وأثناء المنام ومن يسمعه يهذي بمثل هذه الأحاديث يحسب أنه قد مسه الجنون. وهكذا ظل فترة من الزمن والصدمة لم يخف لها وقع، حتى أصابه الهم والكدر وحطم نفسه اليأس والكمد، فلم يصبح ذات يوم إلا وهو جثة هامدة واعتقد جميع الناس أنه مات نتيجة الكارثة التي المت به.

سافر التاجر "علي" إلى لشبونة وبحث بمختلف الطرق عن اسم جؤاو وعمل جراو، وعائلة جؤاو ولكن دون جدوى، لم يتمكن من التوصل بأي خبر يقين، وكاد اليأس يصرعه، وبينما هو يفكر في العودة، ويسير في أحد الشوارع إذ لمح امرأة في ملابس أوروبية وملامح مغربية فظل يقترب منها ويتفرسها، ويحاول الكلام معها، ولكنه خشي أن يكون جهاده في غير ميدان، وأخيرا تأكد من هذا الشخص الذي أمامه إنها قطعا رحمة، فملامحها وقسمات وجهها تشبه ملامح أخيها محمد وقسماته، وصار يحدث نفسه أن لابد من مفاتحتها بالكلام، ولكن هل إذا تجر في الحديث تستجيب له ؟ ولماذا ؟ أليس في بلاد العجم ؟ أليست هي في ثياب أوروبية؟ فلتفعل إذن كما تفعل الأوروبية.
وهكذا بدأها بالحديث  فاستجابت له بل عرفته، إنها قوية الذاكرة. ألم يزر أخاها ورحى معركة وادي المخازن تدور ؟ إنها لم تلقه حينئذ، ولم يرها هو، لكنها كعادة النساء رأته بطريقة ما.. وعرف منها أشياء، عرف أن زوجها قد تغير عليها وأنه حقيقة لم يتزوج عليها كما وعدها من قبل لكنه اتخذ خليلة تعتبر كالضرة أو أشد ضرارا، وأبدت له ندمها على ما فرط منها من اتباعها هذا الذي كانت تعتقد أنه يحبها حبا جما، بينما كان في الواقع يقضي بزواجه منها مآربه ليس إلا.
وأنبأها علي من جهته بما تركه هروبها من أثر سيء في والدها الذي يحبها وفي جميع أفراد العائلة وأصدقاء العائلة. واظهر لها أن والدها يتطلع لذلك اليوم الذي تكتحل فيه عيناهبمرأى ابنته الوحيدة. وناولها رسالة منه في هذا الشأن. وعاود رحمة الشوق والحنين إلى مسقط الرأس، وودت لو تجد جناح طائر تطير به نحو أبيها وإخوتها الأعزاء. وهنا أبدى التاجر استعداده لتدبير طريقة للعودة إلى أرض الوطن إذا كانت هي راغبة في ذلك حقا :
- هيا بنا إلى الدار لتعرف طفلتي الصغيرة وليستأنس بك الجيران.
- وزوجك جؤاو ؟
- ذهب في سفرة بعيدة، ولن يعود.
- هل هرب أيضا ؟
- هربت روحه إلى العالم الآخر. قتل في حادثة عفوية.
- وكيف ؟
- وضع رصاصة في بندقية جديدة دون علم من مساعديه وحينما جاء أحدهم يجربها، انطلقت الرصاصة فأصابته.
- مسكين هل كان مسلما ؟
- لم يكن مسلما يوما ما، رغم أن الجميع كان يعتقد أنه مسلم، في ليلة الزفاف أطلعني على الحقيقة، فلم أجد بدا من الرضوخ للأمر الواقع، والآن لا يعرف أحد سواك هذه الحقيقة.
- إذن، لم يكن زواجكما صحيحا من الناحية الشرعية.. هيا.. هيا، دبري أمر السفر وحاذري أن يكشف لك أمرا، وإلا بطلت خطتنا.
- سأكون حذرة، ومتى نعتزم الإبحار إن شاء الله ؟
- بعد غد ستقلع سفينة إلى سبتة كوني على استعداد.
ونجحت خطة علي ورحمة في العودة من لشبونة إلى المغرب، وفرحت عائلة شاشون بهذا النصر الذي حققه التاجر علي صديق الأسرة. لكن رحمة وعلى لم يجدا القائد شاشون على قيد الحياة فتأثر لذلك، ووجدا بدلا منه وفي منصبه ابنه محمدا الذي تزوج أخبرا بابنة عمه طامة، رفيقة صبا رحمة.
وفرحت عائلة شاشون فرحا كبيرا وشارك أفراد القرية هذه العائلة فرحها غير أن هذا الفرح لم يكن ليتم لو لم يأخذ التاجر أجره على عمله، إن للتجارة لغتها الخاصة لذا طالب علي بأن يتقاضى ثمنه عاجلا، ولا ثمنا يرضيه غير رحمة نفسها، وهكذا أبدى للقائد محمد رغبته في الزواج من اخته لقد عاشرها في السفر، فأعجب بها، وخابت لبه بلطافتها وذكائها، فأيقن أنه بزواجه منها سيرضي الله والضمير.
ولم يجد الخاطب ممانعة، لا من طرف رحمة ولا من طرف ولي أمرها وأخيها محمد، فتم الوعد بالزواج واحتفلت القرية بالأملاك. وتعهد علي بالسكنى في تمسيلة حتى يبقى شمل العائلة مجتمعا، فلا خوف من فرار يحضر أو مؤامرة تدبر وكفى الله المؤمنين القتال.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here