islamaumaroc

صورة باسمة من الطفولة الملائكية

  دعوة الحق

العددان 81 و82

يا سلام الطفولة – أيها السكون السماوي – كأين من مرة وقفت صامتا بإزائك، متأملا في شغف عاشق، ناشد التفكير فيك، غير أننا لا تملك أفكارا إلا عما كان رديئا حينا، ثم أصلح شأنه من جديد مرة أخرى، أما عن الطفولة والبراءة، فما لدينا منها شيء. إن الطفل كائن سماوي وسيظل كذلك حتى اللحظة التي يموه فيها نفسه بطلاء الناس الزائف، وهو لم يرزح بعد تحت عبء القانون والقدر، فليس في لطفل غير الحرية. وفي السلام، وهو لا يزال بمعزل عن أن يكون في شقاق مع نفسه، فيه الثراء، ولا يعرف انقسام الحياة.. يا لها من أيام مقدسة، يمتحن فيها القلب أجنحته لأول مرة، وفي توثب النماء السريع نكون في العالم العجيب كأبنية الوليدة، حينما تتفتح لشمس الصباح، وتمد أذرعتها اللطيفة إلى السماء اللامتناهية".
                                                                    عن الشاعر هليد رلن
                                                                    ترجمة الدكتور عبد الرحمن البدوي


كنت يومئذ حيوانا صغيرا، يزحف على أربع كسلحفاة، ومع ذلك فقد كنت شيطانا يعتو في المطبخ فسادا.. وجدتي العزيزة ذات الشعر الفضي والوجنتين الموردتين، كثيرا ما يروق لها أن تروي عني هذه الحكاية، وتعيد روايتها في شكل جديد، في مناسبة ملائمة، والغريب أنني في هذه اللحظة، لا زلت أعتقد أنني نفسي أتذكر صور هذه الحادثة، مع أن لي ذاكرة خشبية، لا تتذكر حتى الأشياء القريبة العهد بالحدوث.. ولا زلت لهذه اللحظة إذا أردت أن أتذكر سيئا ما، فإنه يتعين علي أن أضع أشياء ملفتة للنظر في طريقي داخل البيت، ابتداء من غرفة النوم، إلى نهاية مدخل الباب، وأنقل جهاز الراديو وأضعه في الصالة، وعلى بعد نصف متر منه أضع مخدة حمراء من التل، كرداء مصارع الثيران،وبقربها آنية مطبخ، وسبحة خشبية ذات حبوب غليظة، وساعة منبهة.. فتصبح أرض الصالة، كطريق السفر، تنتشر على مداه علامات المرور، من نصف الكيلومترات، وعلامات الخطر في الطريق المنحرف أو الضيق.
كل ذلك من اجل تذكر شيء تافه. وأحيانا رغم وضع هذه الأشياء المثيرة، فإنني في الصياح أقف أمامها مندهشا ومتسائلا : لماذا وضعت هذه الأشياء ؟ لا بد لكي أتذكر شيئا ما.. لعنة الله على الشيطان.. وأظل حائرا أضرب أخماسا في أسداس، وأسداسا في أخماس، فأضرب جبهتي، فقد تكون الذاكرة أصابها خلل ميكانيكي، وفي الأجهزة الإدارية.. وقد حفظت قاعدة الضرب هذه من بعض أجهزة الراديو.. وفي بعض الأحيان يقف الراديو فجأة عن الإرسال، فلا يعود يتكلم، إلا إذا نزلت عليه بضربة كالجمار.. ولله في بعض في امخاخ عباده، ورديوهاته شؤون.. وحين وجدت أن وضع كل هذه الأشياء لم يفد في عملية التذكر قررت أن أضيف إليها منبها آخر، ورقة بيضاء، في حجم إعلانات السينما، أدون عليها بخط "سكوب" الأشياء التي يجب تذكرها، وأعلقها في الواجهة الداخلية للباب، فحين أهم بفتح الباب أجد التعليمات المكتوبة تواجه نظري :

1- تذكر شراء أمواس "جيلت" للحلاقة.
2- لا تنس أن تقفل باب الشقة بالمفتاح
3- مر على الجزار أثناء العودة لشراء مائتين جرام من الكبد
4- تأكد من انك أقفلت موقد البوتاجاز..

وأحيانا، ورغم كل هذه المنبهات المثيرة، فإنني لا أكاد أخرج من البيت، وأنشغل بالنظر إلى واجهات المتاجر، والعربات والناس، حتى أنسى كل شيء..لذلك قررت أن ألقي شراء الحاجيات على كاهل بواب عمارة السكنى "عمي عبده" النوبي..
- عمي عبده
- نعم يا بيه
- والنبي، وانت رايح على السوق، تبقى يجبلي وإياك، واحد عيش فينو..
رطل أوطه.. نصف رطل لحم ضاني مشفى.
- على راسي وعيني يا بيه.. بس وإنت خارج من البيت تيقى تقكرني.
- يا دهوتي.
هيه، لا علينا... فلأحدثكم عن الشيطان الصغير، الذي ارتكب جريمة المطبخ..حدث ذلك ذات صباح من أيام الربيع، كان أفراد العائلة مجتمعين حول مائدة الفطور، وهم يثرثرون، بينما أغفوا عن وجودي.. فقد زحفت في مت كدودة هلامية، عبر وسط الصالة، ثم اتجهت إلى باب المطبخ.. وفي ركن منه لمحت سلة ذهبية مليئة بالبيض فراعني منظرها ذي الشقوق الدقيقة المنفرجة.. فزحفت نحوها متطلعا إليها، والدهشة الجمالية تملأ عيني، ثم اقتربت منها أكثر فأكثر، حتى مسكت أطرافها بقبضة يدي اللينة.. وحاولت أكثر من مرة أن أجدبها إلي، ولكنها كانت ثقيلة بالنسبة لقوتي الرخية، وفي  المرة الرابعة استطعت أن أتشبث بأطرافها، وأقف مستندا عليها، وحين لم تقو قدماي الرخيتين على الوقوف، جدبتها معي، فهوت على الأرض، وتدحرج من داخلها البيض..انطلق يخرج، ويدور هنا، وهناك، كفرقة "باليه" خرجت من أحد أركان المسرح.. شعرت بلذة النصر، وأنا أرى أمامي رقصات البيض الإيقاعية، فأهم بمسك واحدة، فتفلت من قبضتي وأضغط على أخرى فلا أستطيع، وبعد عدة تمرينات عملية موصوفة بإصرار عنيد، استطعت أخيرا أن أمسك بواحدة صغيرة وأعها في فمي.. وحين وجدت أنها صلبة لا تصلح للأكل قذفت بها على الأرض، فانشقت وسال منها الصفار.. يا للروعة، لقد اكتشفت أن كل هذا البيض يحتوي على هذا اللون الجميل، لذلك انهمكت بكل نشاط في عملية تكسير جميع البيض..ثم أخذت أخوض بأصابعي في مادة هذه الألوان.. وبعد لحظات جرت معدتي فنزلت منها مادة صفراء مشوبة بالخضرة.. ثم شعرت بسائل دافئ ينزل من بين حجري..واختلط بهذه المواد.. ولم تفتر همتي.. كنت كفنان ساعة الوحي، فأخذ يخلط الألوان، ويرسم الصور.. رسمت بأصابعي وقدماي عدة صور، تعد من آيات الفن التجريدي والتكعيبي والسوريالي، حتى أن "بيكاسو" نفسه ليعجز عن إبداع صور فنية كهذه .. ولا يقوى نقد "خروتشوف" – المشبع بالروح الإيديولوجية – على النيل من قيمة هذه الصورة، وإنزال قيمتها إلى "ذيل حمار" ..ولما سئمت من العمل، عدت زاحفا إلى قواعدي، فعبرت الصالة متثاقلا فوق الزربية الصينية الملونة، إلى أن استقر بي الزحف تحت سرير جدتي في الغرفة الجانبية من الصالة.. وفي هذه الأثناء تنبهت العائلة إلى غيابي، فقامت الخادمة تنادي علي.. وتبعتها جدتي.. وشيء واحد أرشدهم على وكر المجرم المختفي، هو هذه الآثار التي طبعتها بأصابعي وقدماي على رخام المطبخ، وزربية الصالة، من هذه المادة العجيبة التركيب والرائحة، الممزوجة بصفار البيض، ومعجون المعدة وسوائلها..وعندما رفعت الخادمة ذيل مفرش السري وجدتني قابعا في الظلام، لا يظهر مني سوى بريق عيني.. كبريق عيني قط سرق سمكة أو شريحة لحم، وجرها تحت السرير.. فأخرجتني.. وحملتني جدتي إلى صالة الحمام، لتخلصني من هذه المادة اللزجة التي لطخت بها جسمي بما في ذلك أهداب عيني وشعر رأسي..
وعندما اكتشفوا نهاية آثار الجريمة في المطبخ، بعضهم تنهد آسفا لضياع هذه الكمية الوافرة من البيض، والتي لا شك أنها سببت نقصا ملحوظا في مخزون المواد الغذائية.. والبعض الآخر ضج بالضحك المثير..
ومنذ ذلك اليوم، وحتى وأنا كبير، فإن جدتي عندما تراني أدخل المطبخ للسطو على فاكهة خبز مع الزبدة.. تصيح في :
- ابتعد عن سلة البيض أيها الشيطان.
فأقول لها : هل أنا مجنون ؟ مغفل.. لأكسر البيض على الأرض.. البيض يا جدتي العزيزة يحتوي صفاره على فتامين "ج".
فتصيح مستغربة : شنو كاتقول العايل "طيطامين "ج"".
- ليس طيطامين "ج" أن قلت لك فيتامين "ج"فتصيح ضاحكة : الله ينزل عليه البلاء أنت والطيطامين دياليك.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here