islamaumaroc

نظرة على أديان العالم -2- (تع. ع. ل. السعداني )

  دعوة الحق

80 العدد

إن موازنة الأديان ومقارنة تعاليمها وأصولها مع بعضها البعض يجب أن تتعدى كذلك نطاق الدين السامي والهندي وغيرهما وان تكتسي كلية شاملة، ومن المؤكد أن هذا العمل ليس بالشيء الهين إذ أنه يستلزم الانتقال من عالم ديني وروحي وجنسي الى عالم يغايره ويباينه كل المغايرة والمباينة، فتفهم المسيحي للإسلام والمسلم للمسيحية أسهل من تفهمها للدين البوذائي، وبالمثل فان تفهم البوذائي لحقائق الدين الهندي أسهل عليه من تفهم أصول الدين اليهودي، لكن بالغرم من هذه الصعوبة فان مثل هذه الموازنة والمقارنة ضرورية من كل الوجوه، وبالنسبة للإسلام فقد هيأ الجو المناسب لذلك اذ أن بعض عظماء هذا الدين بالهند في بلاط «أكبر» و «جهان كير» وبعض ملوك الجورجا نيين لتلك الديار قد حققوا الاتصال  الروحي المباشر بالمعنويات الهندية فنبغ أشخاص  مثل « دارا الشكوة»(1)  ترجموا من اللغة السانسكريتية الى الفارسية كتبا هندية مهمة في التصوف  والدين مثل:
1- «باكا واكيتا» Bhaghava-Gita وكتب أوبانيشاد Upanishad وترجموا من الناحية الأخرى من الفارسية الى السانسكريتية «حكمة الإشراق» لشيخ الإشراق شهاب الدين السهروري(2) فنتج عن ذلك أن ظهر عارف من مثل «كبير» الذي كان مرشدا للمسلمين الهنود على السواء متضلعا في معنويات كل من الدينين، وبما أن الحاجة لم تكن لم تكن ماسة لمثل هذه البحوث في بقية البلدان الاسلامية في ذلك العهد

 

فقد اكتفى العرفاء والحكماء بالقول بوحدة الأديان وتوقفوا عن البحث في جزيئات الموضوع إلا قليلا، فان محققا كابن الريحان البيروني قد حاول في كتاب «تحقيق ما للهند» المقارنة بين عقائد الهنود والمسلمين.
يجب أن تبنى المقارنة العامة بين الاديان على هذا الأساس، وهو أن حقيقتها الأصلية واحدة وأن كل دين يظهر تلك الحقيقة الواحدة وفق قابليات أتباعه وطبيعتهم من دون أن ينقص من أسسها شيء، فكل هذه الطرق تؤدي إلى مبدأ واحد وحقيقة واحدة، تلك الحقيقة التي لا يستطيع رؤيتها في عالم التجرد وراء كل تعين وكثرة إلا العارف، وقد بين «مولانا» (جلال الدين الرومي) بوضوح هذا الموضوع في كتابه «فيه ما فيه» يقول: « كنت أتحدث يوما في جماعة كان بينهم نفر من الكفار وكانوا يقطعون الحديث بالبكاء منفعلين فسأل(3) ماذا يفهم هؤلاء وماذا يعرفون ؟ إن مثل هذا الكلام قد اختير للمسلمين يأخذونه بألف اعتبار فماذا أدرك هؤلاء حتى بكوا؟ قال(4): ليس المهم أن يفهموا هذا الكلام إذ أنهم يدركون أساسه، أليسوا مقرين جميعا بوحدانية الله وبأن الله خالق رازق يتصرف في كل شيء وإليه المآب وأنه مصدر الغفران والعقاب؟ فما إن سمع هذا الكلام، هذا الكلام الذي وصف الحق (سبحانه) وذكره حتى اضطر الجمع وأخذ بهم الشوق والوجد كل مأخذ فإن روح معشوقهم ومطلوبهم كان يضوع في هذا الكلام، فالهدف واحد وإن اختلفت الطرق، ألا ترى أن الطرق إلى الكعبة كثيرة، طريق البعض من الروم وطريق البعض من الشام وطريق البعض من بلاد العجم، وطريق البعض من الصين وطريق البعض البحر من ناحية الهند واليمن فلو نظرت إلى الطرق لوجدت اختلافا عظيما وتباينا لا حد له، ولكنك -عندما تنظر إلى الهدف فإن الكل متفق واحد تأتلف سرائرهم حول الكعبة وتكن لها رابطة وعشقا ومحبة عظيمة فلا مجال هناك لأي اختلاف، فلا تسمي هذه الرابطة كفرا ولا إيمانا أي أن تلك الطرق المختلفة التي ذكرناها لا تمس هذه الرابطة، وعندما يصلون هناك يتضح أن ما كان بينهم من الجدال والحرب والاختلاف في الطرق حيث كان يقول هذا للآخر إنك من أتباع الباطل والكفر وكذلك الآخر يقول له مثل قوله، يتضح أن تلك الحرب إنما كانت حول الطرق وأن مقصودهم واحد»(5).
يجب أن نجعل نصب أعيننا أن كل من يرى الحقيقة من مرئ خاص وأنه يثبت ناحية خاصة لتك الحقيقة من غير أن يفرط في مجموع الحقيقة وكليتها، وأن كل دين يفترض سؤالا يتبلور في ثنايا الجواب عليه أساس عقائده وأسلوب تفكيره، فمثلا ينبني الدين الهندي على التمييز بين الحقيقة والأمور الوهمية الخيالية، ففي كتب « أو بانيشاد» التي هي آخر أقسام الكتب السماوية الهندية بعد بحيث طويل حول ماهية الحقيقة، يصل الحكيم إلى هذه النتيجة وهي أن الحقيقة ليست مادية وجسمانية، وليست نفسانية ولا خيالية ولا وهمية، بل الحقيقة الصرفة، وما هو وراء كل نوع تعين ومحدودية مع كونها مختفية في قلب الإنسان وأنها ضميره الحقيقي أو كما تقول الكتب الهندية المقدسة الضمير الإلهي أو آتمان فإنها هي الحقيقة المطلقة أو براهمان، والنتيجة النهائية للسلوك المعنوي هي أن تلك الحقيقة باطنية فأساس الدين الهندي إذا مبني على التمييز بين الحقيقة وغير الحقيقة، والتفكير والغور في ماهية الأشياء وطبيعتها، وفي موجودات عالم الوجود، وبالتالي اكتشاف حقيقة ما وراء كل عوامل التعينات والتنزلات(6) وعلى العكس في الدين البوذائي فقد ابتعد عن التفكير في الحقيقة المطلقة ومبدأ وجود عالم الخلق اهتم بوذا مؤسس هذا الدين بوجود الألم والعذاب في حياة الإنسان وعمل على علاجه وكان السؤال الذي وضعه بوذا هو كيف يتمكن من القضاء على الألم والبأس والفقر التي تعم سائر موجودات العالم والوصول إلى نيل السعادة ؟ ومن أجل البحث في حل هذه المسألة ولجواب على هذا السؤال كان أن ترك بوذا هذه الحياة الدنيوية وانصرف أعواما إلى الرياضة الروحية إلى أن وصل في الأخير إلى درجة الإشراق وتمكن من اكتشاف حقائق تعد أساس المذهب البوذائي تنبني تعاليم بوذا على القضاء على الألم والعذاب والبؤس، وقد توصل بوذا الى هذه النتيجة وهي أنه ليس بالإمكان الحصول على هذا الهدف والوصول الى مقام الفناء «نيروانا» واحتضان السعادة الأبدية إلا بالقضاء على الشهوات النفسانية والأهواء والنزعات ومن بينها رغبة كسب المال ومتاع الدنيا وطلبه والتهافت عليه،  وتجنب اللذات الجسمية وكذلك محو التمييز بين «الأنا»  و «الغير» ولهذا السبب يحترم البوذائيون كثيرا جميع الموجودات الحية حتى لقد بلغ بهم الأمر أن رهبان هذا الدين يضعون حجابا على وجوههم خوفا من أن تخجل أنوفهم وأفواههم حشرة فتحرم الحياة، ويعتقد كذلك اتباع هذا الدين وبالخصوص أولئك الذين يتبعون تعاليم مدرسة الشمال أو «ماهايا نارا« أن بوذا هو مبدأ ومنشأ الرحمة والمحبة والمساعدة والرأفة ويؤمنون بملك يطلق عليه «بالسانسكريتية» أو «اكيلوتشوارا» أو «كوان يين» باللغة الصينية وهو ملك الرحمة الذي قطع جميع مراحل التكامل ووضع  قدمه الأولى في عالم «نيروانا» ولكن لما له من التعلق والمحبة التي لا نهاية لها نحو سائر الموجودات وبما أن رحمته تشمل جميع الكائنات فقد أقسم بينه وبين نفسه أن قدمه الأخرى لن تترك عجلة عالم الطبيعة وأنه لن يدخل «نيروانا» نهائيا حتى ينجى الى الأبد  آخر عشب صحراوي.
إن الدين البوذائي –على الرغم مما كتب عنه البعض-لاينكر الآلاء والمبدأ غير أن بوذا وقف همه على وسيلة نجاة الخلق ولم يخص في التفكير في الخلق والخالق، لا أنه ينكر وجود الخالق، وقد اختار السكوت حتى عن ماهية «نيروانا» التي يعتقدها البوذائيون غاية الكمال والمقام المطلوب والهدف النهائي لحياة الأنسان، واكتفى بتشويق الاتباع للوصال بها متجنبا للتفكير في الحقيقة الصرفة، وقد بين العارف الشهير محمود الشيستري في غاية الوضوح هذا  العجز عن التفكير في مقام ذات الباري تعالى في كتاب «كلش راز» :

1) «إن التفكير في نعم الله  وهو شرط السلوك      أما في ذات الحق فانه اتم صراح» 

2)  فتيقن أن التفكير في ذات الحــــق لغــــــــو     وان تحصيل الحاصل محــال»(7)

  
كما جاء في قول بوذا أن: «الانسان يشبه طائرا محبوسبا في قفص، سجين عليه أن يسعى في هذا العمر القصير ليتحرر من قيد هذا السجن، فعبثا يضيع هذه اللحظات الثمينة في التفكير في كيفية بناء القفص وماهيته، بل يجب أن يسعى بكل قواه لهدم قيد ذلك الشرك والقضاء عليه، وأن يحاول التفكير في التحرر الحقيقي الذي و الخلاص من دورة الحياة والتعينات الجسمية والنفسية».
وتشبه المسيحية الدين البوذائي في أن أساس وجهة نظرها كذلك هي كيفية نجاة الإنسان من حياة هذه الدنيا المليئة بالعذاب، والموت الذي يسدل ستار النهاية على النشأة، فتضع الإنسان أمام أكثر تجارب الحياة ألما، وذلك كما يعتقد القديس اغوسطينوس أحد الآباء المسيحيين المشهورين، أن مرحلة الحكمة والمعرفة الأولى هي إدراك هذه الحقيقة وفهمها تلك هي أن الانسان سيموت يوما ما(8) ومن المؤكدأن الحديث عن مبدأ الوجود قد ورد مرارا في تعاليم السيد المسيح كما أشير كذلك الى خلق العالم، فقد قال في أول إنجيل يوحنا: (في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة عند الله، هكذا كان في البدء عند الله، كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان).
ولكن المسيحية اهتمت أكثر بتحرر الانسان من حياته المؤلمة في هذه الدنيا، ومن أجل الخلاص من هذه الحالة التي تثير الشفقة، ومن هذا العالم  المليء بالجور والظلم ترى المسيحية أن الطريق والعلاج الوحيد هو المحبة الإلهية والعطف على الجار والقريب ومحبتهما، ولهذا  فان «الله» في اعتقاد المسيحي محبة قبل أي شيء، وأن السيد المسيح قبل خطايا أبناء العالم بتحمله ألم وتعذيب الصلب، ولذلك فإن التوسل إليه –وهو مثال المحبة والرحمة الإلهية بالمخلوقات- يستطيع البشر ان ينجو من هذه الديار المليئة بالآلام والمآسي.
والصليب الذي يصعب فهمه غالبا على إتباع الديانات الأخرى هو مظهر هذه الحقيقة عند المسيحي يستوحي منه تلك الحقيقة التي ضحى بها من أجل هذا العالم عله يستطيع العودة إليها، إن الصليب لا يمثل الانسان الكامل فقط إنه أيضا مثال رحمة الخالق ولطفه اللذين لا حد لهما، الخالق الذي فدى هذا عالم الظلمة هذا  بالحقيقة المقدسة للروح كي تتبدل به هذه الظلمة نورا، وبذلك يذوب القلب المتجمد للبشر، رقة في حرارة المحبة الإلهية، ويتساقط الجدر الذي يفرق الموجودات عن بعضها ويفصل المخلوقات عن الخالق.
وفي الإسلام على الرغم من أن المحبة والمعرفة متلازمان دائما لا انفصام بينهما فإن أصل الروح المحمدي وأساسه هو المعرفة بوحدانية الحقيقة والتمييز بين الوجود والعدم أو بين الحقيقة وغير الحقيقة هذا الأصل الذي يعبر عنه الجزء الأول من الشهادة فأبلغ وجه وأوضحه، وأن معنوية الإسلام في الواقع عرفانية أي مبنية على المعرفة ودعاء أولياء هذا الدين هو: «ربي أرني الأشياء كما هي» (9) فغاية المعرفة إدراك هذا الأمر  بأن لا حقيقة الا الله، وان «لا إلاه« نفي لأي نوع من الأثنينية والكثرة عنه، وما يتراءى للناظر بصورة الكثرة ما هو إلا وهم لا غير، كما يقول «كلشن راز»:
1) هناك، عالمالخلق والامــــــــر واحـــــد      تعــــــــدد الواحـــــــــد وتوحــــــــد المتعدد»
 
2) «صورة الغير هذه، خلقية وهمك لا غير   فإن النقطة تصبح دائرة بسبب سرعة الحركة»
3) «الطريق من البداية إلى النهاية واحــــد      وقد عبره خلــــــــق العالــــــــم جميعا»(10)

 
على الرغم من هذا التباين بين المذاهب في وجهات النظر وفي الطريق الخاص الذي اختاره كل واحد منها للوصول الى الحقيقة، فإنها متفقة في الأسس والأصول والحياة المعنوية، تبرز كل منها الحقائق الأصلية بشكل من الأشكال، والواقع أن أساس جميع الطرق هو إزاحة الستار الذي يبعد الإنسان عن الحقيقة فيحجبها عن بصره، فيجب القضاء على ذلك الحجاب الذي يعبرون عنه بالنفس الأمارة أو الضمير البشري أو إبليس الباطن، وفك عقال الروح والعقل وكما يقول العرفاء: «تسليم إبليس الباطن» (جعله مسلما). أو بعبارة أخرى يجب القضاء على الخطأ الذي ارتكبه البشر بسبب ضعف القوة المعنوية ونقصان قوة الذوق (المعنوي) والنزول من مقام كماله معتقدا أنه حقيقة مستقلة ووجود منفصل، حتى يتأكد له أن وجوده من غيره، وأنه بنفسه وذاته لا شيء كما يقول عبد الرحمن الجامي في مناجاة «تحفة الأحرار«(11):

1) يا من صغر معـه العلم بوجــــــودنــــا               كل موجود، معدوم بنفسه موجـــود بـك»
2) «ذاتك مـــــوجــــــودة مــــوجـــــــــدة              هي الموجدة للعالم الحـــادث والقديــــم»
3) «أنت، أنت الموجودة، وانت الوجود المطلق        وانت الموجود الذي كـــان وجـــــــودا»
4) كلما في دار الفنـــــاء من الوجـــــــــــود            مفتقر بلا ريـــب الى وجـــــــــــــــود»
5) «من هو الإنسان نفسه، واي عالم يعتبران معـك     اذ ليس لغيــــرك رسم الا الاســـم»
6) «مع أن الأغيار قد ظهروا فــــــــي كثــرة          فليس في هــــذه الدار ســـــــــــــــواك»

7) «أيخفـــــــــى عـــــنــــــــــــه وجـــــتوده         من وجدك فــــي هذا العالــــــــم؟»(12)

من الأصول الأخرى التي تتفق فيها الأديان، الوحي والنبوة التي يحملها الرسول والنبي في الأديان، السامية وتكتسي في الأديان الهندية شكل «آفاتار« الذي هو مظهر الأولوهية فيها من دون أن يغير ذلك من أساس هذه الحقيقة شيئا، وجميع الأديان تعتقد أيضا أن البشر سينحط من الناحية المعنوية والأخلاقية عند آخر كل عهد تاريخي، وبما أنه بالفطرة في حالة نزول وبعد عن المبدأ فهو يتحرك الى الأسفل كالحجارة (الملقاة من أعلى) فانه لا يستطيع من تلقاء نفسه أن يوقف هذه الحركة النزولية والانحطاط المعنوي واأاخلاقي، فمن الضروري إذا أن تظهر يوما ما شخصية معنوية عالية المقام تستقي من مبدأ الوحي والإلهام فتحرر العالم من ظلمة الجهل والغفلة والظلم والاستبداد، وقد أشير حول هذه المسألة في تعاليم كل دين بكيفية رمزية الى حقائق تناسب الأديان الأخرى وتتلاءم معها ملائمة كاملة وتلك إحدى الأدلة القاطعة على وحدة الأديان .
وبالطبع فإن الحقائق لا تظهر على وثثيرة واحدة في سائر الأديان، فبالرغم من أن المعنى واحد فإنه جاء في بعض الحالات بصور وأشكال مختلفة، فالكلام الإلهي مثلا هو في الدين اليهودي التوراة وفي الإسلام القرآن الكريم وفي الدين الهندي كتب «فيدا» في حين أن المسيحية تعتبر الكلام الإلهي هو حقيقة السيد المسيح، وهو شخصية بوذا في الدين البوذائي ولهذا يجب أن لا يقارن بين الكتابين المقدسين لهذين الدينين أي الإنجيل ومجموعة الـ «سوترا« البوذائية، وبين القرآن الكريم فان منزلتهما في هذين الدينين أشبه بالأحاديث والروايات في الإسلام ولذلك فإن لكل من الدين اليهودي والإسلامي والهندي لغة مقدسة هي صورة الكلام الالهي وبوتقته وهي العبرية، والعربية والسانكسريتية، أما في الدين المسيحي والبوذائي فلا وجود للغة مقدسة بالمعنى الحقيقي فيمكن قراءة الكتب المقدسة البوذائية باللغة السانسكريتية أو بالي أوتميل(13)، أو باللغة الصينية أو اليابانية، ويمكن أداء الطقوس المذهبية وتلاوة الكتب الدينية المسيحية في الكنيسة باللغة اللاتينية أو اليونانية أو بلغة من اللغات الأوربية الحديثة كما هي العادة في إحدى كنائس باريس أو حتى باللغة العربية، ففي هاتين الحالتين تظهر الشخصية الرئيسية لذلك الدين وهو مؤسسه وبانيه بصورة الكلام الإلهي فلا تبقى حاجة إلى اللغة المقدسة.
أما بالنسبة للإسلام أو الدين اليهودي والهندي فإن اللغة المقدسة ضرورية للحياة الدينية والمعنوية، وتعد صورة الكلام الإلهي ومظهره الخارجي فلا يمكن أداء الصلاة باللغة الفارسية أو التركية أو الكردية ولا أداء ال«فيدا« باللغة الأردية أو الهندية الحديثة، ولا ترتيل التوراة باللغة الإنجليزية، إذا كان القصد هو القيام بالعبادات لا مطالعة الكتب السماوية من الناحية الأدبية أو التاريخية، لذلك فإن أولئك الذين يسعون للقضاء على هذه اللغات المقدسة متعللين بتسيير العبادة، أو بسبب تعصبات مختلفة يهيئون الجو للقضاء على الأديان التي ظهر فيها الكلام الإلهي بهذه اللغات.
بناء على ما ذكر فإن بعض الحقائق كالكلام الإلهي والوحي موجودة في سائر الأديان، أما وإن الفرصة محدودة، والتحقيق في هذا الميدان يستلزم بيانات وإيضاحات ضافية فإننا اكتفينا في هذا البحث بالمقدمات فقط، وذلك بذكر عدد من هذه المناسبات، ونأمل ألا نكون قد اقتصر في هذا المقال المختصر -الذي يعد كمدخل للبحث في الأديان والمقارنة بينها-، على كسب اطلاع مجمل حو الشرائع المهمة في العام فقط، بل أن تكون قد اتضحت جميع ضرورة هذا النوع من البحوث وتبادل المعومات بين الأمم من الناحية المعنوية والعقلية والدينية.
يسعى الكثيرون اليوم لإيجاد تفاهم أكثر بين أمم العالم ومدنياته، فيعرفنا كل قوم بتاريخ القوم الآخرين وجغرافيتهم وأدبهم وأحوالهم السياسية والاقتصادية، غير أن هذه المطالعات لا تكفي وحدها لنيل هذا الهدف، بل يجب السعي بادئ ذي بدء لفهم الأديان والمذاهب المعنوية للأمم التي لبثت قرونا منشأ إلهام المفكرين والفنانين، والدليل الأخلاقي والاجتماعي لسائر سكان العالم، وهي اليوم كذلك ترسم خط التفكير العام لكثير من أفراد كل قوم وأمة، وتعتبر الدافع الأصلي لهم، كما يجب الاهتمام بإيجاد التجانس بين هذه المذاهب، ولن يكون هذا الأمر ميسرا إلا بالاعتقاد بالوحدة السماوية والمعنوية للأديان فيجب العمل بهذه الحقيقة التي كان العظماء يعتقدونها منذ القديم أكثر في عصر تلح فيه حاجة التعايش للتفاهم بين الأمم والمدنيات لأن بقاء المعنويات وتماديها في عالم يزداد بعده كل يوم عن عالم المعنى، مرتبط بسعة أفق التفكير والبعد عن التعصب وقبول الحقيقة الشاملة للمذاهب المعنوية كلها وتعاضد الأديان وارتباط بعضها ببعض.

دعشق خانقاه وخرابات فرق نيست         هرجاكه هست برتوروي حبيب هست
ادين بدين الحب اني توجهـــــــــت         ركائبه فالحـــب ديني وايمــــــــانــــي

الغني بغير الأخلاق
كان لمحمد ابن الحسن بن سهل صديق، قد نالته عسرة، ثم ولى عملا، فأتاه محمد زائرا،
ومسلما عليه، فرأى منه تغيرا !!!، فكتب إليه:
لئن كانت الدنيا أنـالتك ثروة           وأصبحت ذا يسر، وقد كنا ذا عسـر
لقد كشف الاثراء منك خلائقا         من اللؤم، كانت تحت ثوب من الفقـر


(1)  الأمير العام دارا الشكوه أشهر ملوك الدولة الجورجانية بالهند، ولد سنة 1024ه، وتوفي مقتولا سنة 1069ه، كان لروحه العارفو وفكره المبدع أثر كبير في إظهار الحقائق العرفانية التي تربط بين التصوف الهندي بالتصوف الإسلامي كما يتجلى في كتابه (مجمع البحرين) الذي قابل فيه الاصطلاحات الصوفيه الهندية بالصطلاحات الصوفية الإسلامية. من تآليفه (سفينة الأولياء) و(سكينة الأولياء)  و«حق نما» = (مجلى الحق). وأعظم كتبه ترجمه الكتاب العرفاني الكبير (أوبانيشاد) Upanishad من السانسكريتية إلى الفارسية باسم «سر الأسرار» أو «سر أكبر». (المترجم).
(2)  هو الشيخ شهاب الدين أبو الفتح السهرودي المتولد سنة 549هـ لقب بالمقتول وبالشهيد لكونه اتهم بالالحاد حيث اعتمد في نظرته وفي صفته على عقائد الدين الزردشت الماجوسي واقتبس ذمنه بعض أرائه واصطلاحاته فنتج عن ذلك أن أوزع علماء حلب في صلاح الدين الأيوبي حاكمالشامومصر يومها بقتله وكان ذلك سنة 585هـ فكان شهيدا آخر من شهداء التصوف افسلامي كان الصهرودي وحد عصره ونابغة زمانه بالفلسفة والحكمة وطريقته الفلسفية المسماة حكمة « الاشراق» متأثرة بافلاطون واتباعه من الافلاطونية الجديدة من جهة وبالفلسفة الإيرانية القديمة خاصة الفلسفة العرفانية  في دين  زرادشت من جهة أخرى كما يتضح  في هذا  الرسم  البياني:


رغم أن السهروردي أعدم  وهولا يناهز 38 سنة فقد خلف مؤلفات كثيرة (حوالي49) بالعربية والفارسية اشهرها: «رسالة في اعتقاد الحكماء»  و «قصة الغربة الغربية » موضوعة على غرار قصة حي بن يقضان لاين سينا و «العقل  الاحمر»  و « صفير العنقاء» و «لحن جناح جبريل»  و «لغة النمل» و «الهياكل النورانية». والكتب التي يظهر فيها فلسفته بوضوح هي: «حكمة الاشراق« و «كتاب التلويحات» و «كتاب المقاومات»و «كتاب المشارع والمطارحات». (المترجم).
(3) يقصدأاحد المريدين، وهذه هي الطريقة التي بنى عليها جلال الدين الرومي تأليف كتابه : «فيه ما فيه» (المترجم).
(4) يقصد نفسه يعني مؤلف كتاب « فيه ما فيه» جلال الدين الرمي. ( المترجم).
(5) « فيه ما فيه» تصحيح العلامة السيد بديع الزمان ( فروزنفر) طبع طهران سنة 1330 شمسية هجرية. صفحة 97..
(6) راجع فصل ²THEOLOGY and Antology من كتاب  A.K. Coomaraswamy Hinduism and Buddism
         F.Schuon, Perspectives Spirituelles… ( Vedanta).
  وردت مكررا في الكتب الهندية القديمة  بشكل تاريخي اسطوري ترجمة حياة بوذامنذ عهد الطفولة الى زمن الامارة وحياة البلاط وعيشة السادة ثم ترك الحياة والسفرفي البلاد الهندية والركود في الأخيرإلى ظا الشجرة المقدسة (بودهي) والوصول الى مقام الفناء والبقاء وازاحة حجاب               الجهل ثم بداية اشاعة تعاليمه في (سارنات) قريبا  من حول ترجمة حياة بوذا رجع: A.K. Coomaraswamy  Budha and the  Gospel Of Buddhism.
القسم الأول، صفحة1-78.
   الشيخ محمود الشيستري عارف ايراني كبير، توفي سنة 720 هجرية، اشتهر في زمانه برسوخ قدمه  في التصوف والارشاد كما عرف في تاريخ التصوف  بمنظومته «كلشن راز» )حديقة الأسرار) وهي جواب مختصر ل 15 خمسة عشر سؤالافي التصوف في ألف بيت، جمعت أصول التصوف الاسلامي موضحة بالشواهد والأمثلة. (المترجم).
  «نعم اله» يعني أسماؤه وصفاته.
(7) در الا فكر كردن شرط راهت  ولي ذرذات حق محض كناء است
    بود ذردات حـق انديشـه باطـل  محال محض دان تحصيل حاصل
(8)  أشار «سانت كوستن» مرارا في «اعترافاته» وكذلك في رسالته الأخرى مثل رسالة «الأديان والأمل والمحبة» الى هذا الأمر.
(9) ورد هذا الدعاء المنسوب إلى نبي الإسلام (ص) مرارا في مؤلفات العرفاء كما يقول الجامي: «الهي الهي  خلصنا lن الاشتغال بالملاهي وارناحقائق الأشياء كما هي، وازح غشاوة الغفلة  عن بصر بصيرتنا،واجل لنا كل شيء كما هو، لا تظهر لنا العدم بصورة الوجود، ولا  تخفي جمال الوجود بستار العدم،واجعل هذه الصورة الخيالية مرآة تجليات جمالك، لا سبب الاحتجاب والبعد،واجعل هذه الأشكال الوهية أساسا للعلم و (نورا) للبصر   لا آلة للجهل والعمي، إن كل ما بنا من الحرمان والهجران هو منا فلا تتركنا لأنفسنا، واكرمنا بتخليصنا منها، وامنحنا عطاء معرفتك».
«لوائح». طبع وترجمة ميرزا محمد خان قزويني.
(10) جهان خلق وامر  انجايكي شد
                     همهأزوهم تست أينصورت غير
    يكي خط است زاول تابه آخر
                      يكي بسيار وبسيار ندكي شد
 كه نقطه دائرة است ازسرعة سير
                      برو خلق جهان كشته مسافر
(11) نور الدين عبدالرحمان الجامي خاتم فحول شعراء ايران، جمع بين الشاعرية الرقيقة والتحقيق  الدقيق في مؤلفاته في مختلف الموضوعات والمقام الاسمى في العرفان فهو من أقطاب الطريقة النقشبندية، ولد سنة 817هـ وتوفي سنة 898هـ.
من مؤلفاته: 1) منظومة تحفة الأحرار في 1710 بيتا. 2) نفحات الانس وهو ترجمة مشايخ الصوفية من جميع البلاد الإسلامية، ويشتمل
(12) أي علم هي ما بتويت      نيت بخود، هست بتو هرجه هست
ذات توهم هستي وهم هست كن  حست كن عالم نوي وكهن
هست تؤتي. هستي مطلق توئي  هست كه هستي بودا. الحق توثى
هرجه زهتي براي مجاز          باشدش البته بهتي نياز
باتو خود آدم كه وعالم كدام؟      نيست زغير تونشان غير نام
كرجه نما يند بسى غير تو        نيست درين عرصه كسى غير تو
كيست به ييدائى  تودرجهان      ما نده به بيدائي خويشى نهان
مثلا ف الدينالهندي يوجد في كتب (بورانا) شرح مفصل  حول عهود آخر الزمن كالي
يعني ىخر عهدقبل ظهور أو تاراي ويشنو وفي المسيحية أيضا فان كتاب المكاشفة ليوحنا
هناك أحاديث وروايات كثيرة في هذا الموضوع موثوق بها عند أهل السنة والشيعة معا.
(13)  ان لغتي بالي وتايل اللتين كانتا نتشرتين

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here