islamaumaroc

وهذه الأزمة

  دعوة الحق

80 العدد

أزمة القراء ليست ظاهرة يختص بها المغرب أو غيره من البلاد التي هي في مستواه الاجتماعي والفكري.
بل إنها أيضا أزمة تشتكي منها حتى البلاد المتقدمة وجاء المؤتمر الدولي للناشرين فأكد وجود هذه الأزمة بتلك البلاد.
فالبنسبة المئوية في عدد الأفراد الذين يترددون على المكاتب العامة في بعض البلاد الأوربية تثبت تلك الحقيقة وتثبتها مع شيء غير قليل من الغرابة وعلامات التعجب !
وإذا كانت الأمية في البلاد النامية تشكل العامل الأساسي في وجود أزمة القراء، فإن هذا التعليل لا يصح بالنسبة للبلاد المتقدمة التي انهزمت فيها الأمية أو تكاد.
والواقع أن أزمة القراء تتفرع إلى صنفين اثنين. فهناك أزمة للقراء ناتجة في معظم جوانبهاعن الأمية التي ما تزال أصولها مستحكة في بعض البلدان النامية، ويبدو أقرب ما يكون الى الكيف منه إلى الكم.
ويكاد يكون من المسلم به أن (الزبناء) من القراء سواء في البلاد النامية أو المتقدمة لم تعد فيهم قابلية استهلاك الانتاج الدسم الذي يبعث فيهم حالة مما يمكن أن نسميه (بفقدان الشهية).
ولكأن هذه الحقبة من القرن العشرين تشكل حقبة التزم فيها عموم القراء بمتابعة (رجيم فكري) أو (حمية فكرية) حتى لا يغضب مكتب التعريب.
وتشهد الاحصائيات على اذأن ما يستهلك من الاإنتاج الفكري ويكسب كثيرا من الزبناء هو الإنتاج الخفيف الذي يشبه الاكلة الخفيفة، وذلك ناتج –فيما يرجح- الى أن القراءة أصبحت تتحكم فيها سرعة العصر الحاضر فأصبح الناس يقرأون بسرعة مثل ما يأكلون بسرعة.
وهذا مما أدى الى طغيان الإنتاج الخفيف المسلي على الانتاج المثقف الأصيل الإفادة فكان من أثر ذلك هذا الاقبال الذي نشاهده على الإنتاج السطحي من طرف الجمهور، في حين وقع الإعراض عن الإنتاج الذي يتسم بعمق الدراسة وطابع البحث والاستقصاء، حتى أن هذا اللون الأخير من الإنتاج أصبح لا يستهلك إلا من طرف زبناء خصوصيين أو أخصائيين ما تزال أذهانهم قادرة على هضم هذا النوع من الانتاج.
وبحكم هذا المنطق الواقعي، فإن الثقافة انقسمت على نفسها الى شعبتين اثنتين: شعبة الخواص، وشعبة العوام. وهذه الطبقية الثقافية والتلقائية. هي التي أصبحت ظاهرة بارزة في عصرنا هذا، وتشترك فيها البلاد المتقدمة مع التي هي في طور النمو وبنسبة متفاوتة طبعا.
ومما لا شك فيه أن الحالة النفسية لجماهير العصر الحاضر هي التي كيفت أذواقهم بهذا الكيف، وجعلتهم ينصرفون أكبر الانصراف أو معظمه الى الإقبال على الانتاج الفكري الخفيف السريع الهضم الذي يناسب –كما يقولون- عهد الفضاء والصواريخ.
الا أن الشيء الذي يؤسف له جدا، هو أن هذا الاتجاه الذي اقتضته نواميس التطور كان من شأنه أن أتاح الفرصة للكثير من أنواع السخف والهوس، التي سهل عليها ان تقتحم السوق محاولة انتحال صورة الانتاج الفكري الخفيف الذي يتسم بالفائدة وان لم يكن عميقا في كنهه، فكان مما لا بد منه أن يقع شيء غير قليل من هذا الخلط والالتباس الذي تشهد عليه بعض البضاعات المعروضة في الأسواق.
وهو تداخل وتضارب لابد من التغلب عليه، حتى يتميز الإنتاج الثقافي من الكلام الرخيص السخيف
ويبدو أن تدخل الدولة في هذه الحالة يصبح ضروريا وخصوصا بالنسبة للدول النامية تفاديا لما منيت به الدول المتقدمة من انحلال تسبب فيه الإنتاج الرخيص والفاجر الداعر في بعض الأحيان.
وتدخل الدولة الذي نعنيه ليس معناه الكبت أو التحجير، ولكن معناه الإشراف على شؤون التثقيف حتى لا يتسرب الخبيث في أحشاء الطيب، ولا يتسلل الكلام الرخيص البذئ والفاجر الداعر وهو ينتحل اسم الإنتاج الخفيف الذي يجد إقبالا من طرف جمهور القراء.
وتجيء الاحصائيات مرة أخرى لتدل على جدوى دورالدولة في الإشراف على توجيه وسائل التثقيف.
كما أنها تبين بوضوح أن لهذا الاشراف تأثيرا واضحا في حل أزمة القراء وفي تربية أذواقهم وحمايتها من الطفيليات الفكرية.
ولقد آثرت أن أستعمل كلمة «إشراف الدولة» على كلمة التدخل حتى تظل الحرية الثقافية متمتعة بكامل حقوقها، ولكن في نطاق التوجيه السليم الذي من شأنه أن يساعد على حل أزمة القراء في كمها وكيفها، وذلك بواسطة العمل على تشجيع الأنتاج الذي لا يعسر هضمه من طرف الجماهير سواء من ناحية الفكرة أومن ناحية الأسلوب.
وتلك وسيلة لا مناص منها لمقاومة داء التسمم الانحلالي الذي تئن منه بعض المجتمعات وحتى المتقدمة وهي شاعرة أوغير شاعرة.
ثم إن إشراف الدولة على حماية الجمهور مما يسمى بالأدب الرخيص أصبح ضرورة تقتضيها تيارات العصر وظروفه وملابساته.
وكما هو الشأن في حماية الجماهير من مضاربة الاحتكاريين والانتهازيين والغشاشين والدجالين فيما يخص الميدان الاقتصادي، فإن من حق الدولة أن تستعمل نفوذها في حماية الجماهير من التدليس والغش والإفساد والدعارة الفكرية بالنسبة للميدان الثقافي.
حتى اذا اكتملت عناصر الوعي ونضج ذوق الاختيار، وأصبح الجمهور على بينة من جودة مواد غذائه الفكري أصبح في امكان الدولة يومئذ أن تتخلى عن إشرافها بيد أنه ينبغي أن تظل في حالة استنفار.
بقي شيء آخر وهو العمل على ايجاد نوع من التقارب والتآلف فيما بين أنواع الثقافتين الدسمة والخفيفة.
وهذا عمل يمكن إنجازه في نطاق إشراف الدولة ورعايتها الشؤون الثقافية بواسطة جهاز يتسم بالمرونة في التوجيه والإرشاد.
وعلى الكتاب والمفكرين ورواد الفكر والثقافة مساعدة الدولة في مهمة الإشراف والتوجيه وذلك بواسطة التبسيط وتجنب التعقيد، فيما يكتب وينشر إلا فيما يخص الثقافة التقنية ومواد التخصص.
وهكذا يصبح لزاما وضروريا أن تتعدد أصناف المكتوب والمنشور وأن تساير أذواق القراء كلما أمكنت المسايرة ولكن في حدود لا تخرج بالثقافة الرصينة والمفيدة إلى جو الأدب الرخيص والثقافة التي تتملق الغرائز بدافع الاتجار. ولو على حساب المستوى الفكري للجماهير.
فالمقالات المطولة يجب أن تختصر وتركز فيها الافكار تركيزا، والشعر يجب أن ينسى عهد المعلقات والمفضليات «والشنفرى» وتأبط شرا، وذل بالنسبة للشعر العربي.
كما أن القصة ينبغي أن ألا يتغلب عليها أسلوب السرد والحكاية وليالي شهرزاد.
وللابحاث ذات الطابع العلمي ينبغي أن تقدم لزبنائها المختصين بواسطة منشورات مختصة وهكذا دواليك فكل إنتاج يجب أن ينشر ويكتب على أن كل ميسر لما خلق له.
وإن تنسيقا كهذا لا يمكن تحقيقه إلا عن طريقة مركزة واعية مطلعة أشد الاطلاع وأقواه على نفسية الجماهير، ونها لمهمة لا يقدر على القيام بها سوى جهاز للدولة يعمل بتعاون وانسجام مع رجال الثقافة والفكر ورواد المعرفة وبإشراف لا يتخذ شكل التدخل إلا في حالات الاستثناء.
وإنني أرجح أن هذا التدبير سيساعد على تخفيف أزمة القراء، فكيف أذواقهم في نفس الوقت.
وإذا قيل لي أن هذا الإشراف يتنافى مع الحرية فإنني أنتهز هذه الفرصة لأردد كلمة الصحافية الفرنسية اللامعة (تابوي) وهي: «إيه أيتها الحرية كم ترتكب باسمك من الجرائم».
إذ الواقع أن (التلصق بالحرية) كان من أهم العوامل التي تسبب في وجود أزمة للقراء في الكم والكيف.

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here