islamaumaroc

ابن حوقل في المغرب والأندلس

  دعوة الحق

80 العدد

من الحقائق التاريخية في تاريخ الحضارة والفكر الاسلاميين أن البحث الجغرافي نشأ مسايرا للبحث التاريخي واللغوي، فمنذ نشأة الدولة الإسلامية كانت الحاجة ماسة الى البحث عن طرق المواصلات الحربية والبريدية وأسماء البلدان والأقاليم داخل بلاد العرب والإسلام وخارجها.
فرواة الشعر واللغة شغلوا بجغرافية جزيرة العرب الوصفية فبحثوا عن الجبال والأودية والاحساء والدارات ومضارب القبائل فغي الصحراء . والمسافات . والمفازات وغيرها...
وقواد الحرب شغلوا بجغرافية بلاد الفتوح في فارس وتخوم الروم وبلاد الشام ومصر والمغرب ليتسنى لهم تنظيم المواصلات الحربية وتموين الجيوش ومعرفة الثغور.
كما أن رجال الخراج والجزية وكتاب الدولة اهتموا بالبحث عن المسالك والمسافات لتنظيم شؤون البريد والاتصال بالولاة والعمال والتقاط الأخبارو إرسال التعاليم والأنباء الرؤسمية من مركز الخلافة في بغداد إلى الأقاليم...
وكان هذا البحث الجغرافي يعتمد على الرحلة والمشاهدة في أول الأمر. فكل من رجال الحرب والإدارة لم يجدوا أمامهم دراسات جغرافية مكتوبة يعتمدون عليها. فلذلك كانت الرحلة والمشاهدة هي طريقهم الى الجغرافية قبل أن تترجم الى العربية كتب اليونان والسريان. وقبل أن ترسم الخرائط وتحدد المسافات.
ولا ننسى الى جانب هذا تلك الأسباب الدينية والاقتصادية التي جعلت كثيرا من المسلمين يضربون في الأرض طولا وعرضا لأداء فريضة الحج. وطللب العلمن والتماس الرزق من التجارة والاحتراف...
ومرت مرحلة كانت المعلومات الجغرافية فيها تروى كما تروى أخبار التاريخ، فيها الحقيقة والخيال. والوقائع والأساطير.. بل إنه ظهر فن (العجائب والغرائب) ذلك الفن الذي ابتكره بعض التجار والرحاليين إلى بلاد الهند والصين وجزائر المحيط وبلاد السودان.
ومنذ القرن الثالث الهجري أصبح البحث الجغرافي يستقل عن المباحث الأخرى. وأخذت معلومات الباحثين تنضج وتتبلور فيما كتبه الجاحظ عن (البلدان) وفيما كتبه غيره عن الأطوال والعروض والمسافات والبروج والأفلاك والنجوم...
وظهر إذ ذاك تأثير الكتب المترجمة على الباحثين فستروا في اتجاهين اثنين:
- اتجاه البحث في الأفلاك والنجوم والكواكب
- اتجاه البحث في المسالك والممالك والمسافات.
ويطل القرن الرابع الهجري وقد عرفت المكتبة العربية عددا من الأبحاث الموضوعة والمترجمة. وعددا من الرحلات والرحالين. وما زالت تحتفظ ببعضها الى الآن...
ويوجد ابن حوقل الموصلي في مقدمة الرحالين الذين ضربوا في الارض واخترقوا المسالك والممالك  والمفازات في آسيا وإفريقيا وأوربا طيلة ثلاثين سنة من القرن الرابع الذي كان عصرا فريدا في تاريخ الإسلام تقاسمت فيه بغداد والقاهرة وقرطبة النفوذ السياسي والاقتصادي والمجد الحربي والعلمي.
وبدأ ابن حوقل رحلته من بغداد سنة 331ه - 943م واتخذ التجارة وسيلته ومعاشه كما ذكر في مقدمة كتابه – المسالك والممالك- ويظهر من مقدمة الكتاب أنه كان غير مطمئن الى الحالة السياسية التي كانت تعيش عليها مدينة السلام.
وبضميمة ذلك الى ما في كتابته من ميل إلى تأييد سياسة الفاطميين واستخفاف بشأن الأمويين في الأندلس، اتهم بأنه كان يعمل لحساب الجاسوسية الفاطمية التي كانت إذ ذاك طامحة الى مزيد من التوسع والنفوذ في أرجاء العالم الإسلامي.
وقد دون ابن حوقل معلوماته في كتابه المسالك والممالك جامعا بين المشاهد والدراسة والأخبار وتخطيط الخرائط على الاصطلاح القديم الذي كان يجعل الجنوب أعلى الخريطة والشمال أسفلها. والغرب يمينها والشرق  يسارها.
فزار بلاد العرب وفارس  والسند وسجستان ثم انعطف إلى أوربا فشاهد  بلاد البلغار ووصل الى أعلى نهر الفولكا. وشاهد مصر والمغرب وقسما من الصحراء. والأندلس وصقلية ثم رجع الى بغداد...
وقد طبع كتاب ابن حوقل مرتين في ليدن عاصمة الاستشراق كان عنوانه في الاولى كتاب المسالك والممالك.. وكان عنوانه في الثانية:  كتاب "صورة الأرض". وكل من العنوان الأول والثاني ليس إلا اسما لرحلة ابن حوقل البغدادي.
واليوم يطبع هذا الكتاب من جديد في مدينة بيروت بعنوان كتاب "صورة الأرض" ويأخذ طريقه إلى رجال البحث والدراسة ليجددوا العهد بقسم من تراث الأجداد في ميدان الرحلة والجغرافية.
والذي يهمنا في هذا الحديث بالخصوص هو المعلومات القيمة التي احتفظ لنا بها ابن حوقل فيما يرجع للمغرب والأندلس، فقد زار المغرب في القرن الرابع. أي في ذلك العهد المظلم من التاريخ  المغربي الذي لا نكاد نعرف عنه إلا معلومات غامضة لا تشفي غليلا ولا تطفء على الباحثين ، كما زار الأندلس وكانت إذ ذاك في أوج حضارتها وعزتها وازدهار عمرانها على عهد الناصر  وابنه المستنصر...

وقد كتب ابن حوقل عن المغرب أكثر من أربعين صفحة تحدث فيها عن طرابلس وإفريقية والمغرب  الأوسط والأقصى وهذا ما كان يعرف عندهم بالمغرب إذ ذاك.
وحديث ابن حوقل الرحال الجغرافي التاجر.
فهو يصف الطرق والمسالك والموارد الاقتصادية وحالة الاسواق وحالة الانتاج مع تتبع الآثار ومظاهر المدينة والعمران ويشير الى الحالة السياسية باقتضاب.
وأهم ما ينفرد به ابن حوقل هو هذا التتبع الدقيق لأسماء المدن والقرى وما تمتاز به من أسواق  ومتاجر ومعاهد، فهو يذكر لنا في المغرب مثلا مدنا هي:
مدينة اقلام. والبصرة. وكرت . وأزيلا. واغمات. وسجلماة. وفاس . وطنجة. وسبتة. ومليلية. ويذكر عن رباط سلا. أنه كان رباطا لجهاد كفار برغواطة.
وعلى هذا فتكون مدينة الرباط موجودة ققبل التاريخ الذي حدده المؤرخون، وهو عصر  المنصور الموحدي...
ويذكر أن الناحية الغربية كانت متوفرة على حقول واسعة لزراعة القطن واصداره الى الصحراء والأندلس، ثم يتابع رحلته الى سجلماسة فيصف لنا عمرانها العظيم وأنها كانت مفتاح الصحراء وسوقها الكبرى بسبب التجار الذين قصدوها من العراق وفارس والسودان.
وهذه المعلومات التي أشرنا إلى بعضها اشارة عابرة في هذا الحديث لها أهمية قصوى في دراسة تاريخ المغرب على عهد الأدارسة ومغراوة حينما كان الصراع حوله مشتدا بين الفاطميين والأمويين ... وكم كنا نود أن يحدثنا ابن حوقل عن الحياة السياسية كما حدثنا عن الجغرافية والاقتصاد والعمران .. ولكنه يبدو متحفظا، كأنه يخشى رقيبا عتيدا على قلمه ولسانه.
وكلما جاءت مناسبة اثنى على الفاطميين باختصار واقتضاب.
ويمكننا أن نقول أن المؤرخين الذين كتبوا عن القرن الرابع في المغرب ولم يدرسوا كتاب ابن حوقل  كانوا بعيدين عن الحقيقة من التاريخ المغربي، فقد فاتهم شيء كثير من المعلومات والأخبار والآثار.
ثم يتصدى المؤلف لوصف بلاد الاندلس، وهنا يظهر ابن حوقل متعصبا حاقدا على الأمويين وسياستهم وحضارتهم فعبد الرحمن الناصر أعظم ملوك الأندلس وأشهر ملوك الاسلام، لا ينال عنده لا لقب  أمير .. ولا ملك ولا خليفة ولا أي شيء من ألفاظ التشريف، كأنه أقل من رجل عادي في نظره.. وكذلك ابنه الحكم المستنصر...
هذا عن الأمويين، أما عن الأندلس نفسها فقد وصف مدنها باختصار ومعادنها ومنتوجاتها ومعالم حضارتها ومسالكها وموانيئها التجارية والحربية، كل ذلك بما عهدناه فيه من استقصاء واطلاع غريبين..
وبعد فإذا كان لنا أن نلاحظ على نشر هذا الكتاب فإننا نلاحظ أولا وقبل كل شيء أنه نشر نشرة لا أثر فيها للتحقيق العلمي ولا تتصل بفن نشر المخطوطات، فلا تحقيقات ولا تعليقات ولا فهارس متنوعة ... وإنما هو كتاب ابن حوقل على ما فيه.. وهذا في نظرنا نقص كبير فينشر مثل هذا الأثر الفريد .. فنرجوا أن يعاد نشره نشرا علميا مدققا محققا لتكون فائدته أتم ونفعه اعم.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here