islamaumaroc

المسألة الشرقية في خلال الربع الأخير من القرن الماضي [تر. عبد الحق بنيس]

  دعوة الحق

80 العدد

يعد العلامة المؤرخ «بييررونفن« من الباحثين الأفذاذ في العلوم الإجتماعية والساسية، ومن العلماء الذين امتازوا بالنزاهة في إصدار الأحكام، وبعدم التحيز والتعصب للحقائق العلمية.
ولهذه الخصال، فقد عهد إليه بالإشراف على نشر  سلسلة لتاريخ العلاقات الدولية..
ويقدم لنا اليوم صديقنا الاستاذ عبدالحق بنيس برا بالوعد الذي كان قد ضربه لقراء مجلة «دعوة الحق« فصلا لآخر مترجما من كتاب «اوج اوربا» الذي يشكل الجزء السادس من هذه السلسلة التاريخية الهامة.

ابتداء من سنة 1875 استيقظت المسألة الشرقية من رقادها، وظهورها في هذا التاريخ لم يكن ولا شك بالأمر الغريب. فمنذ بداية القرن التاسع عشر وأمام ما حصل من تقدم هنا وهناك، في الحركات القومية، صارت السيطرة العثمانية على جزيرة البلقان تضعف يوما بعد يوم. ذلك أن الاقتطاع الجزئي الذي رسمت معالمه نتيجة لإنشاء امارتي صربيا والمونتينيكرو، ومملكة اليونان وإمارة رومانيا(1)  لم يتم دون أن يزيد في خطورة المصاعب بالنسبة للمناطق التي ظلت خاضعة للسيادة العثمانية والتي كانت آهلة بعناصر صربية وبلغارية ويونانية ورومانية ولذلك أضحت هذه الإمارات وتلك المملكة بمثابة مركز انجذاب لهؤلاء  السكان. وكان البلغاريون دون سواهم من مسيحي الدولة العثمانية، هم الذين لا يجدون في الخارج أسرة مستقلة أو شبه مستقلة يتوجهون بأنظارهم إليها، فضلا عن أن «يقظتهم» القومية أتت متأخرة جدا عن باقي يقظات السكان المسيحيين الآخرين. بيد أن هؤلاء البلغار استطاعوا بمساعدة الروس أن يحصلوا اعتبارا من ابريل 1870، من السلطان على نظام ديني جديد، فبدلا من تبعيتهم للأسقف الأرثوذوكسي بالقسطنطينية، وهو يوناني، أصبح لهم الآن كنيسة مستقلة على رأسها أسقف بلغاري. وكانت هذه الكنيسة عاملا مساعدا على ترعرع العاطفة القومية في هذه البلاد.
إن هذا الاستياء من الدولة العثمانية، هذا الاستياء المزمن فسح المجال لظهور حركة عصيانية كبرى في سنة 1875، ابتدأت من البوسنة والهرسك وامتدت بعد اشهر عدة الى بلغاريا. فكيف نعلل هذه الحادثة؟ بالنسبة للبوسنة والهرسك حيث أغلبية السكان تتكلم الصربية وتدين بالأرثودوكسية، بينما النبلاء المحليون يعتنقون الاسلام للمحافظة على امتيازاتهم، يبدو أن العوامل الاقتصادية والاجتماعية هي التي لعبت الدور الحاسم، ذلك أن عموم الفلاحين، وخاصة المشتغلين في أراضي الأسياد، كانوا قد رفعوا عقيرتهم بالشكوى من الفداحة المتزايدة للواجبات التي يطالب بها هؤلاء الاسياد، ناهيكم عن الزيادة الجديدة في الأعباء الجبائية.  وفي سنة 1875 انضاف الى بؤسهم هذا محصول فلاحي رديء.
وفي المدن رأى الصناع التقليديون كأصحاب الأحذية وحائكي الثياب أن وضعيتهم تؤول الى الخراب، ولا سيما بعد أن ألغي النظام الحرفي في سنة 1851 وتكاثرت البضائع التي كانت ترد من الخارج لتزاحم الصناعة المحلية. ومما لا شك فيه أن رجال الدين الأرثودوكسيين الادنين قد استغلوا هذا التذمر إلا أن العامل الديني هنا لم يلعب سوى دور ثانوي باعتبار ان السكان الأرثوذوكسيين كانوا يعيشون بجانب طوائف كاثوليكية كان يوجد على رأسها أناس لا يعطفون على الحركة الوطنية، أما اليهود فكانوا يساندون السلطة العثمانية. وأهم من ذلك ما لعبته حكومة صربيا من دور حاسم في الحركة، ففي سنة 1867  فكر أمير صربيا ميخائيل أوبرينوفيتش في تكوين اتحاد فيديرالي في البلقان، مضاد لتركيا. وكان في مشروعه هذا يعتمد على عون مملكة اليونان وإمارة رومانيا. وإذا كان هذا المشروع لم يتحقق الا أن البوسنة والهرسك كانت مركزا دعائيا للحركة القومية الصربية 1873 هدفت هذه الدعاية كما لاحظ ديبلوماسي نمساوي إلى جعل صربيا تلعب في جزيرة البلقان ما لعبته البييمونت في إيطاليا.
أما في بلغاريا فالحركة العصيانية لم تظهر كنتيجة مباشرة للمصالح الاقتصادية أو الأحوال الاجتماعية، بل كانت المقاومة من صنع الاكليروس وأساتذة المدارس، والشبيبة النيرة هي التي كانت تدبر شؤون هذه المقاومة، ولهذا يمكن القول بأن هذه الحركة القومية أتت نتيجة لشعور وطني فياض. وبالرغم من كونها لم تشمل إلا فيئة قليلة من السكان إلا أنها كانت أحسن تنظيما من حركة البوسنة: فابتداء من سنة 1873 قام  ليفسكي (Levski) مؤسسها بتنظيم 200 خلية ثورية. ولكي ينضم الفلاحون للحركة حاولت اللجنة المركزية للثورة إقناعهم بأنه في الاستطاعة الاعتماد على عون خارجي وكانت لا تتورع أحيانا من اللجوء الى العنف:  أعني التهديد بإحراق القرى إذا رفض أهلوها الساهمة في النشاط الثوري. إلا أنها لم تستطع الحصول على مساعدة كلية وفعالة إلا في جزء معين من البلاد. ولذلك لم تكن هذه الانتفاضة البلغارية «حركة جماهيرية». بيد أن هذه المحاولات المحلية لم تكن كافية لإثارة العصيان اللهم إن استطاع مؤسسها الحصول على مساعدة خارجية. وكان من المنتظر ان تأتي هذه المساعدة من روسيا أو من النمسا أو هونغاريا. وقد يكون السفر الذي قام به الإمبراطور فرانسوا جوزيف الى دالماسيا على تخوم البوسنة والهرسك، في ربيع سنة 1875، من العوامل التي نفخت في  صربيي هذه المقاطعة روح الخروج على طاعة السلطان. وأكثر منه احتمالا ما جعل الصرب والبلغار يفهمون من الأعوان في القنصلية الروسية، انهم بادروا الى القيام بثورة على السيطرة العثمانية فان روسيا  سوف لا تتركهم   وحدهم في الميدان.
وهكذا  بدأ العصيان في غشت 1875 في البوسنة والهرسك، ثم ما لبث أن امتد الى المناطق البلغارية في ربيع 1876. كان القمع في الحين وبدون هوادة وعلى الأخص في البلاد البلغارية التي ازهق الأتراك بها ما  يقرب من 000 30 روح، وعندئذ أعلنت صربيا والمونتينيغرو الحرب على الدولة العثمانية. ولو لم ينقد الموقف بتدخل خارجي لاصاب الامارتين – طبعا من أصاب البلغار من سحق وذمار.
هذا ما أثار من جديد «المسألة الشرقية» وفي هذه المرة كانت المسألة تهم روسيا بالدرجة الأولى ثم النمسا –هونغاريا، فبريطانيا العظمى. فما هي الشواغل التي كانت آنئذ تشغل بال كل واحدة؟
بالنسبة لروسيا استطاعت هذه الأخيرة ان تجد في هذه الأزمة سبيلا الى إضعاف شوكة الدولة العثمانية، وبالتالي طريقا لتعزيز نفوذها على السكان السلافيين في البلقان. ومن أجل الوصول الى هذا الهدف، كان كافيا أن تساند مطامح هؤلاء السكان في الاستقلال الذاتي أو في الاستقلال التام. بيد أن روسيا كانت تدركأن الاصطدام بمعارضة كل من النمسا –هونغاريا وبريطانيا العظمى أمر متوقع، لذلك تبصر غورتشاكوف في بداية الأمر، ولم يرد أن يخاطر قبل العمل بالاتفاق مع الدول الأخرى ما استطاع الى ذلك سبيلا. ولكن اينياتييف « Ignatief »  سفير روسيا في القسطنطينية- وقد كان على اتصال بالعناصر القائلة بالجامعة السلافية- نادي بالعمل «المستقل»، خلافا لما كان يراه غورتشاكوف. قال السفير الروسي: لو تدخلت روسيا منفردة لصار في وسعها أن تقبض على زمام الحركة السلافية في البلقان، وتحصل في الجزيرة على نفوذ شامل. أن هذا الخلاف هو الذي أخر لعدة أشهر اتخاذ كل قرار حاسم في الموضوع. ومع ذلك اعترف غورتشاكوف  في خريف 1876 ان اليد لو اطلقت للأتراك في محق صربيا والمونتينيغرو لاصيب نفوذ الروسي في البلقان بضربة في الصميم. وهكذا صرحت الحكومة الروسية أمام الملأ أنها سوف لا تتردد في التدخل بمفردها إذا لم تنفق الدول على ضرورة فرض برنامج للإصلاحات على السلطان لصالح السكان المسيحيين.
أما النمسا –هونغاريا فإنها كانت تراقب عن كثب «طريق سالونيك»، وباتت تحلم بإقامة نفوذ لها في البوسنة والهرسك لأنها اعتبرت هذه المنطقة بمثابة امتداد طبيعي للمقاطعة النمساوية دالماسيا.
وكانت أنظارها متجهة كذلك الى سنجق نوفيبازار التابع للأراضي العثمانية. ويقع هذا السنجق بين صربيا والمونتينيغرو. وتلكم كانت شواغلها المباشرة ولكن من نافلة القول الإشارة إلى أنها لم تكن تحبذ نمو حركة سلافية في البلقان برعاية روسيا.
وأما بريطانيا العظمى فكانت ترى أن مصلحتها تدعوها لأن تحافظ على سيادة الدولة العثمانية، وهو نفس الموقف الذي وقفته في الأزمات السابقة، ذلك أنها كانت تخشى أن تقدم روسيا- في حالة انهيار العثمانيين- على احتلال المضايق. بيد أنه لم يكن للأوساط السياسية أي رأي قار وواضح فيما يرجع لممارسة ضغط على السلطان وإجباره على تحسين أحوال السكان المسيحيين، فمعارضة الأحرار نقمت على السلطان نتيجة لنداء غلادستون الذي ندد في كتاب شديد اللهجة «بفضائح بلغاريا»، الى درجة أن المحافظين أنفسهم تأثروا لهذا النداء. الا أن ذزرائيلي، الوزير الأول، ما كان ليولي «الحركات التحريررية» لمسيحي البلقان أي اعتبار. وبعدما عاد من أسفاره في الشرق أتى بانطباعات حسنة عن الأتراك حيث لم يفرق بينهم بين العرب. كان يرى أن إشراك بريطانيا العظمى في الضغط على الحكومة العثمانية قد يؤدي الى زعزعة ذلك النفوذ الذي تتمتع به الديبلوماسية الانليزية في القسطنطينية، لذلك لم يدخر ذزرائيلي أي جهد في التقليل من شأن مذابح بلغاريا وأن يتحاشى كل ضغط على السلطان لأن ذلك –على حد تعبيره- سوف لا ينفع الا روسيا.
ارتسمت معالم الازمة الدولية حينما القي القيصر في موسكو خطابا في 11 نونبر 1876، صرح فيه أنه سيوطد العزم على التدخل بقوة السلاح إذا لم تقرر الدول الأخرى أن تشترك معه في الضغط على الحكومة العثمانية. وستظل هذه الأزمة قائمة الذات ما يقرب من سنتين، وستظل أوربا خلال هذه المدة في حالة من الاستعداد للطوارئ.
ولتفادي أي تدخل روسي كان من اللازم إقناع السلطان عبد الحميد من أجل أن يتبنى على الفور برنامجا للإصلاحات، ولهذا الغرض التأم مؤتمر السفراء في القسطنطينية في دجنبر1876، وخرج هذا المؤتمر ببرنامج يحصل البلغاريون والبوسناينون الثائرون بمقتضاه على استقلالهم الإداري في نطاق الدولة العثمانية. وللتملص من هذا الخطر الداهم أصدر السلطان دستورا ثم أعلن أنه سيدعو البرلمان الى الانعقاد، وعندئد سيصبح في إمكان المسيحيين –ما قال- تقديم مطالبهم. وبهذه الوسيلة أمن تسوية مسألة  «الشعوب الخاضعة» كان ذلك عبارة عن مهزلة  لم تنطل  فصولها على الدول الأوربية. والواقع أن الحكومة التركية لم تكن تفكر في أخذ بنظام دستوري حقيقي ولم تكن ترغب في التعاون مع طائفة المثقفين الراغبين في الاصلاح. ناهيكم عن «الشبيبة العثمانية» التي ما كانت تريد أن تفكر في منح قانون خاص بالسكان المسيحيين.
وسوف تظهر الخلافات من جديد، عند تحديد التدابير الواجب اتخاذها من أجل إلزام السلطان بالعدول عن خطته. ذلك أن مجلس الوزراء البريطاني رفض توجيه انذار واضح الى تركيا. أما الحكومة العثمانية فسوف تستفيذ في مستقبل قريب من هذا الموقف حيث ستنزع الى التخلي عن مشاريعها الإصلاحية. وهكذا أحبطت سياسة ذزرائيلي مشروع العمل الجماعي للدول العظمى.
إن هذا الفشل سيتيح لروسيا فرصة التدخل بقوة السلاح. وقبل أن تخوض حكومة القيصر غمر الحرب اخذت الاحتياطت اللازمة، كانت تريد ألا تصطدم في آن واحد بمصالح كل من النمسا – هونغاريا وبريطانيا العظمى. ولهذ دخلت  في مفاوضات مع النمسا – هونغريا في 1876. وبعد ما توقفت هذه المفاوضات أثناء مؤتمر السفراء وبعد الفشل الذي أصاب هذا المؤتمر استؤنفت المحادثات للتي انتهت في 15 يناير 1877 بالتوقيع على معهدة سرية. وفي هذه المعاهدة تعهدت النمسا – هونغاريا لروسيا بأن تحافظ، إذا ما وقعت حرب روسية- تركية، على«حياد فيه حسن التفات» بل أخذت على نفسها عهدا بالعمل، عن طريق النشاط الديبلوماسي على تفادي تدخل محتمل «لدولة ثالثة» ما استطاعت إلى ذلك سبيلا والمقصود بالدولة الثالثة انكلترا. ولقاء هذه الوعود سيكون للنمسا – هونغاريا الحق في احتلال البوسنة والهرسك، فضلا عن تعهد روسيا بعدم نقل العمليات العسكرية الى الجزء الغربي من الجزيرة. وبالإجمال أدركت الحكومة النمساوية- الهونغارية أنها لاتستطيع الحيلولة دون تدخل روسي ففضلت حلا وسطا يكون كفيلا بتحديد الخسائر وقمينا بتحقيق عوض ذلك.
ولما رفضت الحكومة العثمانية من جديد قبول الإصلاحات التي عرضتها الدول عليها في مستهل أبريل 1877- وكان السلطان ما يزال يعتقد أن بريطانيا العظمى ستعارض في كل ضغط  فعلي عليه – انتقلت الحكومة الروسية الى ميدان العمل. قالت بأنها ستحارب من أجل إلزام السلطان بتحسين أحوال السكان المسيحيين في دولته، ولكنها أكدت أنها لا تنوي احتلال القسطنطينية، ولا إجبار السلطان على مراجعة قانون بالمضائق باتخاذ قرار انفرادي، ولا نقل العمليات العسكرية الى مصر الخاضعة للدولة العثمانية. وقد فعلت كل ذلك لتهدئ مخاوف بريطانيا العظمى.
وفي 24 أبريل 1877 دخلت الجيوش الروسية رومانيا بمساعدة حكومة بوخاريست، ولم تلبث هذه الجيوش أن وصلت الى الدانوب دونما صعوبة تذكر، لكن، بعدما شن الأتراك هجومهم المضاد تراجعت جيوش روسيا الى شمال النهر، واضطرت أن تتوقف بسبب مناعة حصن بليفنا (Plivna) ولم تتحطم المقاومة التركية نهائيا إلا بعد سقوط المدينة في يد الروس في نهاية نونبر 1877 وهكذا عبرت الجيوش الروسية بلاد البلقان، وفي يناير 1878 فتحت ثغرة في سهل اندرينوبل (Andrinople)  فاستولت عليه ثم صارت صوب القسطنطينة، وعندئد طلب الترك الهدنة، فاظهرت القيادة الروسية عدم تسرعها في قبول هذا الطلب.
كان الروسيون، حتى سقوط بليفنا، يحاربون دون أن يجدوا معارضة فعالة من الدول الأخرى، ولكنهم عندما ساروا في اتجاه القسطنطينة استولى الخوف على كل من بريطانيا العظمى والنمسا- هونغاريا. وكيف لا روسيا لم تحترم العهود التي قطعتها على نفسها قبيل الشروع في القتال وفي بدايته؟ ولذلك وجه ذزرائيلي، على الرغم من تردد الأوساط المالية والاقتصادية انذارا الى الحكومة الروسية. ومما جاء في هذا الإنذار إن الحكومة البريطانية سوف لا تقبل مطلقا احتلال القسطنطينة، وأنها سوف تتخذ، إن اقتضى الحال، التدابير الصارمة لحماية مصالحها. اما اندراسي فقد وجه بدوره في 15 يناير 1878، مذكرة طلب فيها من روسيا أن لا تجعل أوربا أمام الأمر الواقع، ويعني بذلك ألا تقدم روسيا على فرض بنود الصلح مع تركيا قبل الاستشارة في هذا الشأن مع الدول الأخرى. وإزاء هذه التهديدات أعطت حكومة القيصر الى القائد الأعلى أمرها بالتوقيع في 31 يناير 1878 حيث كانت الجيوش الروسية أمام خطوط تشاطالجا على قاب قوسين أوأادنى من القسطنطينية.
فهل يمكن أن تقول بأن روسيا ستتنازل، وتأخذ بآراء الدول الأخرى قبل إبرام معاهدة الصلح ؟ إن المناضرين لانتهاج سياسة جزئية قد فضوا النزعة التوفيقية التي سادت في الأوساط الرسمية الروسية. وأعني بها نزعة غورتشاكوف التي انتصرت أثناء التوقيع على الهدنة.
وهكذا أخذ السفير إينياتيف – وقد عاد من جديد إلى القسطنطينية بزمام مفاوضات الصلح مع تركيا ضاربا عرض الحائط بأراء الدول الأخرى. إنها لساعة حرجة، نعم في 15 فبراير قرر مجلس الوزراء البريطاني إرسال أسطوله الحربي في البحر الأبيض المتوسط الى بحر مرمرة ذلك الأسطول الذي رسا بضعة أيام قبالة جزيرة الامراء بحيث صار بوسع الخطوط الروسية أن تراه بأم أعينها: كان الوزير الأول يرى أن لا مندوحة من هذا التهديد ليطمئن قلب السلطان، وأن الأخير قد يفكر في الارتماء في أحضان روسيا أو ظهرت بريطانيا بمظهر الضعف. وفي 28 فبراير أعلنت حكومة النمسا-هونغاريا أنها ستعد العدة للتعبئة، إلا أنها ظلت تتردد في تجديد تاريخ هذه التعبئة بالرغم من الاقتراح البريطاني القاضي بوضع الوسائل المالية اللازمة رهن إشارتها. وبعد ما تبين أن النمسا –هونغاريا لم تكن عازمة على مساندة بريطانيا العظمى الى النهاية، تمادى إينياتيف في خطته فأعد بنود المعاهدة دون أن يصادق عليها، فيها يبدو، غورتشاكوف نفسه. وفي 3 مارس 1878 وقع بالاأرف الأولى على معاهدة ستيفانو بين روسيا والباب العالي.
تنص معاهدة ستيفانو على أن مدن قرص وبايزيد وباطوم الواقعة في الجزء الأسيوي من الدولة العثمانية ستضم الى روسيا، وبالنسبة للجزء الأوربي نص على إلحاق دوبرجة. ووعدت هذه المعاهدة كذلك بتوسيعات أرضية في صربيا والمونتينيغرو وبمقتضى هذه الوعود ستأخذ صربيا وادي المورافا الأعلى،  والمونينيغرو منفذا على بحر الأدرياتيك. وأقرت هذه المعاهدة لصالح البوسنة والهرسك قانونا يخولها الاستقلال الذاتي. ثم وافقت على منح رومنيا الاستقلال التام وقد كانت من قبل مستقلة استقلالا ذاتيا. إلا أن البند الأساسي في المعاهدة هو الذي يخص الأراضي البلغارية التي ستنفصل عن الدولة العثمانية لتكون إمارة مستقلة استقلالا ذاتيا اسمها «بلغاريا الكبرى». ويجب أن تمتد هذه الامارة من الدانوب الى بحر إيجه وهذا يعني أنها ستضم مقاطعة الرومللي وجزءا كبيرا من ماكيدونيا. وبمقتضى نصوص المعاهدة فإن الدولة العثمانية ستظل محتفظة، بدون منازع، بمملكاتها الأوربية على الرغم من فقدان البوسنة والهرسك والمناطق البلغارية. إلا أن هذه الممتلكات ستنقسم الى شطرين تتحللها «بلغاريا الكبرى». ويضم الشطر الأول تراقيا الشرقية، والشطر الثاني ألبانيا وسهول الفاردار. أما في إمارة «بلغاريا الكبرى» فسيكون النفوذ الروسي مخيما على جميع جميع أجزائها، وكيف وهي التي أنشئت من لدن روسيا ولصالح روسيا؟ نعم أصبح الجيوش الروسية الحق في أن تقيم معسكرات داخل الإمارة لمدة سنتين، وهذا الحق خول للقصير شيئا آخر وهو تنصيب الحكومة حسب هواة في «بلغاريا الكبرى».
وهكذا وضعت أوربا أمام الواقع بالرغم من الإنذارات التي وجهتها كل من بريطانيا العظمى والنمسا-هونغاريا. وستطلب حكومتا لندن وفيينا عما قريب مراجعة معاهدة سان ستيفانو بواسطة عقد مؤتمر دولي. وسوف لا تمتنع حكومة روسيا من الاستجابة لهذا الطلب: اذ في 6 مارس 1878 يأخذ غورتشاكوف من جديد بزمام الأمور، وكان إينيايتيف قد ضغى عليه ردحا من الزمان. ولذلك فلا غرابة إذا قبل غورتشاكوف بمبدأ عقد المؤتمر. إلا أن هذا القبول لم يهدئ مطلقا الشواغل التي كانت تستولي على الأذهان ما دامت روسيا  قد استفادت من الوضعية المكتسبة. وهل سبيل الى إبعادها من الأماكن التي احتلتها؟
وللوصول الى هذه الغاية بذلت كل من بريطانيا العظمى والنمسا –هونغاريا جهودا تجسمت في أجراء مفاوضات مباشرة وعلى انفراد مع الحكومة الروسية. كان لهذه المفاوضات التي سبقت المؤتمر شأن حاسم. والواقع أن الحكومة الروسية كانت على علم بالانهيار الذي أصاب جيشها من جراء الحرب مع تركيا، الأمر الذي لا يمكن من مجابهة أي نزاع مع أوربا. زد على ذلك أن هذه الحكومة كانت تتخبط في مشاكل مالية، وظلت تطلب عقد قرض مالي من السوق المالية الفرنسية بدون جدوى لهذه الأسباب اضطرت الى التراجع وأذعنت أمام الملأ للتهديد البريطاني «قرر ذزرائيلي في 27 مارس استنفار احتياطي الجيش الإنكليزي»، إلا أنها في الحقيقة كانت تعلم جيدا أنها لو خاضت غمار حرب مع إنكلترا لتدخلت النمسا – هونغاريا في الحين. وفي أعقاب المفاوضات التي كانت مرة كالحنظل أبرمت روسيا تسويات في 30 مايو مع ابريطانيا العظمى وفي 6 يونيه مع النمسا –هونغاريا، وترمي هذه التسويات إلى الضرب صفحا عن «بلغاريا الكبرى» لتحل محلها إمارتان ستدعى إحداهما بلغاريا وستعطي استقلالها الذاتي، والثانية هي إمارة الرومللي، ستظل خاضعة للسيادة العثمانية بشرط أن يعين على رأسها حاكم مسيحي. وفي جنوب الرومللي تبقى المنطقة المصاقبة لبحر إيجه عثمانية دون أن أن ينقص منها شبر واحد. ويشمل الاتفاق الروسي – الإنكليزي بالإضافة إلى ذلك، بندا يتعلق بالإلحاقات الروسية في تركيا الأسيوية: اذ ستبقى روسيا محتفظة بمدينتي قصر وباطروم دون بايزيد التي توجد على رأس الطرق المؤدية الى نهر الفرات، وتعهدت روسيا  تعهدا كليا بأن لا تحاول التوسع أكثر من هذا الحد، في المستقبل.
وعليه فقد توصل الى ما هو أساسي. ولم يكن من شأن المؤتمر الدولي المنعقد ببرلين ما بين 15 يونيه و13 يوليوز برئاسة بيسمارك، إلا أن صادق على الاتفاقات التي أبرمت فيما قبل. بيد أن بعض التفاصيل قد أضيفت الى هذه الاتفاقات، ويتعلق الأمر بالتقليل المحسوس من المساحات الأرضية التي منحت لصربيا والمونتينيغرو بموجب معاهدة سان ستيفانو وإعطاء الوعد لليونان بتوسيع أراضيها في تيساليا، وإلزام رومانيا بالتخلي عن بصارابيا الجنوبية لصالح روسيا مقابل أخذ اقليم دوبرجة الذي اقتطعته معاهدة سان ستيفانو من أراضي الدولة العثمانية. إلا أن المؤتمر منح على الخصوص للنمسا-هونغاريا التعويضات التي كانت تنتظرها أعني الحق في إدارة البوسنة والهرسك «بصفة مؤقتة» دون أن تباشر الحاقهما بالإمبراطورية، كما خولت حق الاحتفاظ بمعسكرات في سنجق نوفيبازار لحراسة «طريق سالونيك» وهكذا سويت هذه القضايا تبعا لمصالح الدول العظمى، دون الالتفات لمصالح الشعوب البلقانية وآمالها.
ما هي نتائج هذه الأزمة الطويلة لامد، بالنسبة للعلاقات بين الدول العظمى؟ أما النمسا –هونغاريا فقد أحرزت على نجاح لا يجادل فيه أحد، ما دامت قد ضمنت لنفسها السيادة الشاملة على القسم الغربي من جزيرة البلقان، عن طريق احتلالها للبوسنة والهرسك، وتمتعها بحق إقامة معسكرات في السنجق، فضلا عن المساعي التي بذلتها للتنقيص من التوسع  الارضي الذي كانت تطالب به كل من صربيا والمونتينيغرو. وقد حصل آندرسي على هذه النتائج بلباقة ودون اللجوء الى تدابير التعبئة ودون اللجوء الى تدابير التعبئة: فقد ترك بريطانيا العظمى تتقدم الى الأمام واقتفى هو «الطريق الذي شقته إنكلترا».
وأما بريطانيا العظمى فإنها حالت دون اهنيار الدولة العثمانية، وهذا شيء عظيم في حد ذاته، إلا أنها لم تستطع أن تجنبها ما كانت تعانيه من الضعف المحسوس الذي رافقه فقدان كثير من الممتلكات. والحقيقة أن بريطانيا العظمى كانت مضطرة للقيام «بتراجع استراتيجي» على الرغم من الموقف المهدد الذي وقفه ذزرائيلي. بيد أنها استفادت من الظرف عندما نالت امتيازا كان على الدولة العثمانية أن تؤدي ثمنه، فحينما كان التفاوض المريجي مع روسيا في ما يو 1878، عرض مجلس الوزراء الإنكليزي على الحكومة العثمانية حلفا دفاعيا لحماية تركيا الاسيوية مشترطا أن يجعل السلطان رهن إشارة بريطانيا العظمى قاعدة بحرية من شأنها أن تساعد الاسطول البريطاني على التدخل بأسرع ما يمكن من الفعالية يوم يكون على الحلف أن يقوم بالتزاماته. أما السلطان فإنه قد أذعن لهذا الشرط لأنه كان في حاجة إلى نجدة مالية من إنكلترا لأداء مرتبات الجنود. وهكذا وضعت جزيرة قبرص قيد «الادارة الموقتة» لبريطانيا، وتم ذلك باتفاق 4 يونيه 1878.
وفيما يخص روسيا فإنها نالت نتائج أقل مما كانت تنتظره. ليس من شك في أنها زعزعت أركان الدولة العثمانية بدعوى حماية السلافيين، وهذا ما لا يجب إغفاله لما سيكون له من أثر  في الحوادث المقبلة، إلا أنها الآن تكبدت ضربة إصابت نفوذها في الصميم، وذلك بتراجعها عن إنشاء «بلغاريا الكبرى» والحقيقة أن السياسة الروسية لم تكن موجهة كما يجب أن تكون، ولم يجعلها في هذا المأزق سوى تصرفات إينياتييف الشخصية. ومع ذلك فإن القادة الروس لاموا –بالطبع- الدول الأخرى بدلا من الرجوع الى الأخطاء التي هوقعوا فيها. وهؤلاء القادة لم يصبوا حقدهم فحسب على بريطانيا العظمى والنمسا –هونغاريا، إذ هاتان الدولتان عدوتان  لذوذتان في هذه المسألة الشرقية – بل حقدوا كذلك على ألمانيا ءاخذين عليها كونها شجعت «تألب أوروبا» عليهم.
فهل أتى هذا اللوم في محله؟ تلكم بلا ريب، أهم نقطة في تفسير الأزمة. الواقع أن السياسة البيسماركية تجنبت المساهمة في النزاع، ما استطاعت لذلك سبيلا، لأنها كانت ترغب في عدم تعريض حلف الأباطرة الثلاثة للخطر. كان بيسمارك، قبل كل شيء يرى أن الواجب يحتم على ألمانيا أن لا تفضل روسيا على النمسا – ولا أن تصبح حكما في خلافاتهما. وقد كتب في أكتوبر 1876 يقول: «لنعلم، بخصوص التعقيدات الشرقية، أن عدم دخولنا في منازعات طويلة الأمد مع انكلترا أو  مع النمسا - هونغاريا وهو الخطر، أو مع روسيا وهو الأدهى من ذلك كله، لأهم بكثر، بالنسبة لمستقبل المانيا، من كل العلاقات مع تركيا ورعاياها أوبينها وبين الدول الأخرى. ونتيجة لذلك ما كان بسمارك ليوافق غليوم الثاني على اقتراحه الرامي الى توجيه «إنذار»  لروسيا. واتخذ نفس الموقف عند ما عقد السفراء مؤتمرهم بالقسطنطينية في دجنبر 1876، فلقد كان ممثل ألمانا في هذا  المؤتمر يردد ائما  قوله «لاتلقوا بصوت المانيا في الميزان». وحينما أبرم الاتفاق النمساوي الروسي في ينار 1877، استقبله بيسمارك بارتياح. وفي بداية الحرب الروسية التركية أكد للحكومة الروسية حيادة المنطوي على حسن الالتفات، وأبعد كل احتمال بعرض وساطته التي قد تأخذ على حد تعبيره «طابع ضغط مناوئ لروسيا» ولم يقف موقف المتشدد إزاء السياسة الروسية الا أثناء معاهدة سان ستيفانو باعتبار أن إنشاء «بلغاريا الكبرى» كان أمرا «غير مقبول» من جانب النمسا – هونغاريا.
ولكن بمجرد ما أعلنت حكومة القيصر تراجعها عن هذا الهدف، نصح بيسمارك لحكومة النمسا – هونغاريا أن تقبل باتفاق مع روسيا. أما النظرية التي يقول عدد بها من المؤرخين من أن المستشار وقف موقفا معاديا تمام المعاداة للسياسة الروسية فهي على ما يبدو لا ترتكز على أساس. إذ لماذا يقع اهمال رأي شافالوف، المنذوب الروس الثان في مؤتمر برلين؟ أن هذه الشخصة اعتبرت أن سياسة بسمارك كانت في الأساس لصالح روسا. حقا إن القيصر اعتقد أن ألمانيا كانت لها نوايا سيئة. وبالرغم من أن هذا الانتقاد لم يكن مرتكزا على الواقع فإنه كان كافيا لجعل الاتفاق المبرم في سنة 1873 بين روسا وألمانيا في خبر كان.
وعلى ما يظهر أن بيسمارك لم يكن ينتظر من روسيا رد فعل كهذا، وقد مني بخيبة أمل، وغضب لهذه النتيجة. وإذا اخذنا بما رواه شاهد عيان، فإنه سيعود في المستقبل للتعقيب على ذلك بقوله: إن مؤتمر برلين «كان أكبر خطأ ارتكبه» في حياته، وأن الواجب كان يدعوه الى ترك روسيا وإنكلترا يفترس بعضهما بعضا» وأن سلوكه في 1878 كان كسلوك «مستخدم بلدي».

ظلت القضية البلقانية، بعد أن سويت على الصعيد الدولي في سنة 1878، مصدرا دائما للمصاعب بين النمسا –هونغاريا وروسيا، واستمرت هاتان الدولتان تواصلان جهودهما لبسط نفوذهما المتنافر. أما نجاحهما في هذا الصدد فكان متفاوتا في درجاته.
فالنمسا –هونغاريا نالت في صربيا ورومانيا نتائج هامة بين سنتي 1881 و 1883، ولم تفلح في استمالة حكومة صربيا إلا بمعونة ظروف استثنائية محض. فقد كان أمير صربيا ميلان اوبرينوفيتش شغوفا بحب المال، وصارت فضائح حياته الخاصة حديث الرأي العام الذي كرهه حتى فقد كل سلطة معنوية له. وللمحافظة على سلطانه لم يتردد في البحث عن سند حكومة فيينا، على الرغم من أنه كان يعلم علم اليقين ان التقرب من النمسا –هونغاريا لا يتفق ومطامح الأغلبية الساحقة من السكان الصربيين، وبالأخص حينما وضع صربيو البوسنة والهرسك قيد الإدارة النمساوية – الهونغارية. وفي 28 يونيه 1881 وقع ميلان على معاهدة سرية لم يخبر بها رئيس مجلس الوزراء إلا بعد التوقيع عليها. وفي هذه المعاهدة تواعدت كل من صربيا والنمسا – هونغاريا على الوقوف موقف «الحياد المتفرع بحسن الالتفات» إذا وجدت إحداهما في حالة حرب. وتعهدت حكومة صربيا بأن لا تسمح بإعداد ترتيبات فوق أراضيها تكون موجهة ضد النمسا – هونغاريا أو ضد القانون الجديد الخاص بالبوسنة والهرسك، ثم تعهدت فوق ذلك بعدم إبرام أي معاهدة سياسية دون سابق اتفاق مع النمسا – هونغاريا ولقاء ذلك تساند النمسا - هنغريا السلالة الحاكمة في صربيا، صحيح أن ميلان، إزاء احتياجات رئيس المجلس الوزاري الذي رأى في المعاهدة أنها تكتسي صبغة «حماية» أحرز من النمسا – هونغاريا على تخفيف من قيود هذه المعاهدة، كالاحتفاظ بحق إبرام المعاهدات مع الدول الأخرى بحرية على أن لا يمس ذلك «بروح المعاهدة النمساوية – الصربية»  الا أن ميلان أخذ على نفسه عهدا شخصيا، بواسطة رسالة سرية بأنه سوف لا يوقع اية معاهدة سياسية إلا إذا وافقت عليها مقدما حكومة فيينا. على نفس الأسس سيجري في سنة 1889 تحديد هذه المواثيق لمدة ست سنوات أخر، وهكذا فالسياسة الخارجية لصربيا أصبحت تابعة لسياسة النمسا – هونغاريا. وجزاء لميلان على ليونة جانبه فانه نال، بمعونة فيينا لقلب ملك، في سنة 1882.
ومع ذلك لم يخل التعاون الشخصي بين الملك الجديد وبين النمسا - هونغاريا من عواصف، فقد كان ميلان، في بعض الأحيان، يتعاطى لمناورات يضغط بها على النمسا –هونغاريا، حدث مثلا في سنة 1885 أنه هدد بالتنازل عن العرش لما رفضت الحكومة النمساوية – الهونغارية أن تقرضه المبالغ اللازمة لإنشاء السكك الحديدية وفي اعتقاده أن تصرفا من هذا القبيل قد يؤدي إلى «توجيه السياسة الخارجية الصربية وجهة أخرى»، وأحيانا أخرى كان يقف مواقف طائشة« الم يعرض على الحكومة النمساوية – الهونغارية، في سنة 1886 أن يتخلى إن اقتضى الحال عن «حقوقه في العرش» للامبراطور فرنسوا جوزيف، مقابل تعويض نقدي يعطى له أو لولده؟ أما الديبلوماسيون النمساويون الذين اندهشوا لهذا العرض فإنهم لم يعيروا له أي اهتمام لأنهم أدركوا مدى خطورته، وقد علق أحدهم على ذلك بقوله: ان ميلان مصاب في أعصابه. إن النمسا -  الهونغارية، لم تدخر جهدا في الاستفادة من هذه الحالة الاستثنائية ولكنها كانت تدرك إن هذه الفائدة إنما هي ظل زائل.
أما في رومانيا فقد أحرزت السياسة النمساوية – الهونغارية، بمساعدة ألمانيا، على نتائج أكثر استمرارا. إلا أن معظم هذه النتائج ظل مرتبطا بسياسة الأمير الشخصية. كان كارول من آل هوهانزولين يكن للإمبراطورية الألمانية عواطف المحبة والود، وليس من شك في أن هذا العطف لم يكن ليشمل حتى النمسا – هونغاريا، باعتبار أن هذه كانت تسيطر في ترانسيلفانيا وبوكوفين (Bukovine) على ثلاثة ملايين من الرومانيين. بيد الامير كان يضمر لروسيا عداوة أشد لأنها فرضت على رومانيا  في سنة 1878 التخلي عن بصارابيا الجنوبية لقاء عوض بسيط، زيادة على أنها بحكم سيطرتها على الامارة البلغارية، تستطيع أن تضغط من جهتين، على الدولة الرومانية. وعليه فالخطر الروسي في نظرها كان أقرب وقوعا من الخطر النمساوي – الهونغاري وهنا وجدت الديبلوماسية الالمانية مجالا فسيحا للعمل.  ففي 30 أكتوبر 1883 وقع كارول مع النمسا – هونغاريا على معاهدة حلف دفاعي مناوئ لروسيا، ولم تلبث ألمانيا أن أعطت موافقتها على هذه المعاهدة.
ذلكم، فيما يبدو، ما ضمن للنمسا – هونغاريا في البلقان نفوذا متزايدا إن لم نقل مهيمنا.
أما روسيا فإنها كانت في هذه الأثناء تلعب بالورقة البلغارية، فبفضل وجود جيوشها اكتسبت في سنة 1879 نفوذا حاسما. وقد اختار البرلمان البلغاري الذي يعرف باسم «السوبرانيي» الإسكندر الباتنبرغي، إميرا على بلغاريا، ولد هذا الأمير بألمانيا، وكان له ارتباط بالأسرة الملكية الانجليزية عن طريق الزواج، ثم انه ابن أخت القيصر الذي دعم ترشيحه إلى منصب الإمارة. إن هذا الأمير عهد إلى جنرالين روسيين بوزاريت الدفاع والخارجية وهذا يعني أن الإمارة البلغارية صارت تدور في «فلك» روسيا. ولكن السياسة الروسية سوف تكابد،عما قريب بعض الصعاب. فهذه السيطرة لم تلبث أن اصطدمت بمعارضات تجلت في الأوساط البلغارية المتقدمة، حيث أن الروسيين، زيادة على ذلك، احتفظوا بأهم المناصب في الإدارة، وبذلوا عن طريق مد السكك الحديدية، جهودهم للسيطرة على الحياة الاقتصادية. وهكذا ظهرت، بتأثير من كارافلوف (Karavelof) حركة قومية بلغارية تهدف الى التحرر من النفوذ الروسي، آخذة على الأمير ليونة جانبه التامة إزاء القيصر. وقد حسب باتنبرغ  لهذه المعارضة حسابها، وأعار أذنا صاغية للنصائح البريطانية، فحاول في سنة 1883 أن يعفي وزيريه الروسيين الا أنه اضطر أن يحارب متقهقرا امام أمر من القيصر، ومن الآن فصاعدا فقد  ثقة حامية: فقد صرح العاهل الروسي في سنة 1885 لوفد بلغاري بقوله: لا تنتظروا مني شيئا، ما دمتم محتفظين بحكومتكم الحالية».
وانفجرت الأزمة في السنة التالية، فمن ليلة 20 إلى نهار 21 غشت 1886 «اختطف» الأمير من لدن ضباط بلغاريين، وسبق الى الحدود. وقدم الملحق العسكري الروسي في صوفيا سنده في هذه المؤامرة وبالرغم من احتياجات الوطنيين البلغاريين الذين طالبوا بعودة الملك، وبالرغم من أن هؤلاء نالوا، لمدة أيام معدودات، مبتغاهم، إلا أن الأمير أذعن في 7 شتنبر وتنازل عن العرش اعتقادا منه أن الاحتفاظ بالسلطة مع معاندة القيصرأمر غير ممكن. وعليه فالظاهر أن الحكومة الروسية قد فرضت نفوذها من جديد على الإمارة، وشكلت فيها حكومة مؤقتة لا تأتمر الا بأمرها. ولكن المقاومة الوطنية لم تضع السلاح، فحينما تعلق الأمر بتعيين الأمير الجديد أعرض مجلس السوبرانيي، في يوليوز 1887 عن المرشح الذي سبق لروسيا أن قدمته، وعين فرديناند من ساكس كوبروغ، حفيد لويس فيليب من جهة ابنته، الا أنه كان ضابطا في الجيش  الهرنغاري ومؤيدا من جانب حكومة فيينا. كان هذا، بالنسبة للسياسة الروسية فشلا ذريعا: لأنها لم تنجح في الاحتفاظ بالامتياز الوحيد الهام الذي اكتسبته في مؤتمر برلين. وهكذا فلت زمام الأمر من يدها في بلغاريا، وقد حصل لها نفس الشيء في صربيا ثم في رومانيا. فما هي الحظوظ التي ستظل محتفظة بها في الجزيرة البلقانية التي كانت قبل عشر سنوات خلت، محط آمالها في الهيمنة ؟
إن القيصر  الذي كان ذا عقل «ساذج جدا» وأفكار ثابتة أكثر منها بسيطة رأى أن النمسا – هونغاريا قد عاملته «معامة الخنازير» وتلكم هي العبارة التي استعملها في يناير 1888 أثناء محادثة له مع السفير الألماني. ومع ذلك فعلى ما يظهر أنه لم يفكر في الرد، بأكثر مما فعله في سنة 1878.


(1)انظر الجزء الخامس، ص 25 و 107 و 319- المؤلف.

 

 

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here