islamaumaroc

أبو المطرف أحمد بن عميرة المخزومي -1-

  دعوة الحق

80 العدد

ودع ابن عميرة الأندلس وعبر بحر الزقاق يحدوه أمل قوي في الحصول على عمل في بلاط الموحدين بمراكش، وقد كانت مدينة سبتة أول مرحلة في سفره هذا فأقام فيها في أول سنة 637 ه زمنا يسيرا في رعاية صديقه الرئيس أبي علي ابن خلاص البلنسي الذي كان واليا على سبتة يومئذ1 ، ولا نعلم عن نشاطه بهذه المدينة في هذه الفترة شيئا سوى ما ذكره في إجازته من أنه كان يتردد على شيخه أبي الحسن بن واجب الذي أصابته زمانة في طريق عودته الى الأندلس اثر سفارة قام بها في تونس واضطر الى البقاء بسبتة الى أن توفي بها، ويقول ابن عميرة في ذلك: «وبها اجتمعت معه في أول سنة سبع وثلاثين وستمائة، فكنت أغشاه كثيرا وآتيه من الأحاديث بما كان يستطرفه، أاجد عنده من حلاوة الفكاهة مكا كنت أعرفه، وبعد أن فارقته مثيرا بفرقته لوعة الغربة، أدركته منيته رحمه الله بتلك التربة»2 ، وقد كان وجوده في سبتة فرصة طيبة لبعض الراغبين في الأخذ عنه، ومنهم ابن رزين التجيبي الذي ذكر أنه لقي ابن عميرة بسبتة وسمع منه3  وكانت سبتة في هذا الوقت تغص باللاجئين الأندلسيين الذين تقاطروا عليها من مختلف الجهات المفتوحة وخاصة من شرق الأندلس، ويبدو أن اكتظاظ المدينة بهم واستفحال الغلاء وانتشار المجاعة الكبرى التي كانت تجتاح سبتة في هذه السنة4 . جعل الوالي البلنسي المذكور يهتم بأحوال هذه الجالية من أهل بلده ويسعى لدى الخليفة الموحدي الرشيد  بقصد إبلاغه ما أصابهم من الجلاء وتوابعه،5
ولا نستبعد أن يكون هؤلاء اللاجئون ندبوا ابن عميرة للاتصال بالخليفة الرشيد الذي كان موجودا يومئذ برباط الفتح، ولما كانت الطريق البرية من سبتة الى الرباط غير مأمونة فيما يبدو  فقد سافر إليها عن طريق البحر، وهذا ما يستفاد من رسالة له وجهها الى صديقه القاضي أبي عبد الله بن يعقوب الشاطبي  يقول فيها: (كتبته الى سدي ... من ساحل رباط الفتح، وسفر البحر قد انتهى سبيله، وبقيت عقابيله)6

وقد أشار الى ذلك أيضا في قصيدة قالها  بهذه المناسبة يشكو فيها فراق الأندلسويحن إلى أهلها جاء فيها:

وركبنا متن الخضم بأحشــــــا         ء حكته في زخرة واصطفاق
هال بحر الزقاق حتى ركبـــنا         بسواة فهان بحر الزقــــــــاق
هل سلا  من نأي بمن هو لاق7         وحللنا سلا فسل عن فـــؤادي

وقد أشار في الرسالة السابقة الى سبب قدومه الى الرباط قائلا: (وكان اختيار هذا المكان عسى أن يكون للجملة دارا، ولفل بلادها قرارا)8  وقد اتصل ابن عميرة بالخليفة الرشيد في الرباط وصحبه في عودته الى حاضرة مملكته9 ، وترك لنا وصفا مطولا لهذه الرحلة نجد فيه صورة واضحة عن النظام الذي تكون عليه محلات الموحدين والترتيب الذي يسيرون عليه أثناء تحركاتهم لغزو أو سفر، فقد أشار الى أنهم كانوا يجعلون أمام الخليفة بمقربة منه راية بيضاء كبيرة عالية تبين موقعه من العسكر ليهتدي بها من يريد قصده، ويليها المصحف العثماني10  موضوعا في قبة من الحرير ومحمولا على أضخم جمل ويلي جمل المصحف كما كانوا يسمونه بغل من أفره البغال يحمل ربعة مربعة تحتوي على كتب الحديث الصحاح، ويليه الخليفة في صدر الجيش والعساكر عنيمينه وشماله وخلفه11  وقد وصف أيضا  محلة الخليفة عند نزولها وارتحالها كما وصف أفراق  المحلة وقبة الخليفة الحمراء، وأخبية الجند البيضاء فقال: «وانتهينا الى المحلة وهي روض يثمر خيلا واعنة، وبحر يزحف قنا واسنة، وذوائب الأعلام تخفق وألسنة عذباتها تكاد بالنصر تنطق، والأحوال قد استقامت، والأخبية على القاعدين فيها قامت، وهي مبيضة كسقيط الثلج، مصطفة كبيوت الشطرنج، وأطللنا على أفراق فراق12، واعار ذلك الجو الإشراق، وقيل هوام لتلك البنات، مدينة لم تشدها بل لم تشنها أايدي البناة، قصر ما ابصرته بصري، وإيوان كم تمنى كسره كسرى، وصنعة أعيا أمرها المهندسون، وأخفى صاحبها الحندس، سور باطنه وظاهره رحمة، وحاضره يكتنفه فضل من الله ورحمة»13  ويقول عن قبة الخليفة الحمراء: «وضربت هناك القبة الحمراء، حديقة هي قيد الحدق، وعروس جليت في مرط من الشفق، ومنزل بالبركة يعمر، ومنظر فيه يقال الحسن أحمر، فيا لا ديم يروق لونه القانئ، وعنوان على ضخامة الملك لا يرتاب فيه القارئ»14  وقد عدد المراحل التي قطعتها المحلة من الرباط إلى مراكش مشيرا إلى المدن التي تمر بها أو تنزل فيها، وقد حذف جامع رسائله أو ناسخها أسماء هذه الأماكن مكنيا عنها  بفلانة ولكننا نعرف من صاحب المعجبان المسافة بين سلا ومراكش كانت تقطع في تسع مراحل15 . وكأن ابن عميرة قد كلف من قبل الخليفة بتدوين هذه المرحلة، ومن هنا نراه يعني بتسجيل مختلف جوانبها فهو يصف  لنا هذا النشاط الذي يدب بين الناس في المحلة وخصوصا حين إعداد الطعام أوأداء الشعائر الدينية كما يصور استقبال أهل الحضرة للخليفة خارج البلد، ودخوله اليها في الوقت المناسب الذي أشار به الفلكيون، ويصف موكب الخليفة وهو يدخل البلد مارا من «الباب العجيب في شكله ومقـــــداره»16  الى المسجد الجامع لأداء سنة صلاة السفر، ويختتم الرحلة بوصف دخول الخليفة الى قصره وجلوسه في قبة العرش لاستقبال كبار الدولة، كما وصف حفلة الاستقبال الفاخرة التي أقيمت بهذه  المناسبة17  وأغلب الظن ان ابن عميرة دون هذه الرحلة ليبرهن للرشيد وحاشيته على طول باعه في الإنشاء، ويذكر ابن عبد الملك 18  أنه رفع إليه أيضا رسالة  التزم في جميع كلماتها حرف الراء، ولا شك أن الرشيد الذي كان يقدر أهل الأدب قـد أعجب ببلاغته فاتخذه كتابا له، وقد كانت شهرته الأدبية من الأسباب التي مهدت له الدخول إلى البلاط الموحدي. يقول ابن سعيد في ذلك: «ثم جاز إلى بر العدوة، فكان له بها تميز وخطوة، إذ يسبقه حيث سار من شهير اسمه رائد، فلا يزال ناجح المصادر والموارد»19 . ولما ولى الكتابة عن الرشيد كتب إليه صديقه أبو بكر بن البناء من إشبيلية يهنئه بهذه الخطوة التي أدركها في المغرب فراجعه برسالة طويلة يشكره ويمدح بلاغته وترسله ويذكر أيام إشبيلية، ومما جاء فيها قوله: «والعمر كما أشار إليه مثل الكأس بأواخره. رسوب القذى، وفي أعقابه رسوم الضراء والاذى، وقد قرأت كما قرأ أسطره، وحلبت كما قال أشطره، فلم أر إلا حلفا ليأس، أوخلفا لا يدر على البسباس، إلى أن بلغت حرم الإمامة، ونزلت دار السلام والسلامة، حضرة الملك السعيد، والخليفة الرشيد، الأول بشرف الصفات والأسماء، والثاني بما يحيى الأرض من قطر السماء، وثالث القمرين  في النور والضياء، والخامس  في نسب آبائه الكرماء، والسابع عند نسق الأئمة الخلفاء، أظفر الله بالسنى عليا يمينه، ونصر لواءه المعقود لنصر دينه، ولا أخلاء من الحسنى في تمليكه ومن الزيادة في تمكينه، فحينئد ساعد الجد، وأقبل الحظ المستجد، وجاء الزمان معتذرا، وحصل الأمان لمن كان منه حذرا، فلذ الكرى وكان العهد به بعيدا، وحمد السرى ويصبح الأمل حميدا، وقلت: أحلما نرى أم زمانا جديدا»20   بيد أن هذا الحظ الذي أقبل عليه لم يلبت أن أدبر عنه إذ أنه كما سنرى لم يمكت في هذا المنصب إلا زمنا يسيرا، وقد بقي لنا مما كتبه عن الرشيد خلال هذه الفترة ظهيران21  أحدهما أنعم به هذا الخليفة على أهل شرق الاندلس الذين لجأوا الى المغرب بعد سقوط بلدانهم في يد المسيحيين، وهو يخولهم بموجبه سكنى رباط الفتح وتعميرها، وقد جاء في آخره أنه: «كتب في الحادي والعشرين لشعبان المكرم من سنة سبع وثلاثين وستمائة»22  وينص هذا الظهير على أن  الخليفة الرشيد بعد المساعي التي قام بها لديه ذو الوزارتين ابو علي الحسن بن خلاص قرر أن يأذن لهؤلاء  اللاجئين من أهل بلنسية وجزيرة شقر وشاطبة ومن جرى من سائر بلاد الشرق مجراهم في الانتقالالى رباط الفتح «بقضيضهم وقضهم، وأن يتخذوا مساكنه وأرضه بدلا من مساكنهم وأرضهم، ويعمروا منه بلدا يقبل منهم أولى من قبل، ويخملهم إن شاء الله تعالى وخير البلاد ما حمل» ويصف الظهير مدينة الرباط بأنها: «مناخ التاجر والفلاح، وملتقى الحادي والملاح، والمرافق من بره وبحره موجودة في فصول السنة، مؤذنة لقاطنه بالعيشة الهنية والحال الحسنة» وهو يعطيهم كامل الحق في أن يتوسعوا في الحرث ويتبسطوا في مختلف وجوه المعاش «ويغرسوا الكروم وأنواع الشجر على عادتهم ببلادهم، ويتأثلوا الأملاك لأنفسهم وأولادهم وأولاد أولادهم« كما يتعهد لهم بحمايتهم والدفاع عن حوزتهم ويأمر الولاة والعمال: «بأن يحفظوهم من كل أذى يلم بجانب من جوانبهم، أو يعوق عن مأرب صغير أو كبير من مآربهم، وأن يكرموا غاية الإكرام نبهاءهم وأعيانهم، ويولوهم من حسن الجوار ما ينسيهم أوطانهم، حتى تدفع عنهم كل شبهة من شبه الحيف، ويجمع لهم بين الرعاية لحرمة البلدي والعناية بحق الضيف»23  وهذا الظهير يعتبر وثيقة ذات شأن في تاريخ المغرب وبخاصة تاريخ الرباط من حيث أنه يدلنا على أقدم جالية اندلسية استوطنت الرباط، إذ أن جميع الذين ارخوا لهذه المدينة يقتصرون على ذكر الجالية التي نزحت اليها سنة 1018ه 1609م بعد القرار الذي أصدره فيليب الثالث بطرد الموريسكيين من إسبانيا، أما هذه الجالية التي يحدثنا عنها هذا الظهير فلم يشر إليها المؤرخون اطلاقا24 والظهير الثاني مما أكتبه ابن عميرة عن الرشيد يتعلق باحد أعيان اللأندلسين اللاجئين وهو الشيح القائد أبو بكر بن المشرف أبي الحسن بن خالد25 ، وهو عبارة عن ظهير توقير وإكرام لهذا الشخص الذي كان يخدم فيها يظهر دولة الموحدين في الأندلس، والظهير يرتب له جراية طعام ومرتبا شهريا وإسهاما سنويا26.
ولم يلبث ابن عميرة في ديوان الرشيد إلا قليلا حتى صرفه عن الكتابة وقلدة قضاء بلد هيلانة27من نظر مراكش الشرقي، ولسنا نعلم هل كان قصوره عن الكتابة الديوانية كما يدعي ابن عبد الملك28هو السبب في هذا الإقٌصاء أم أن مصدره حسد الحاشية له كما يفهم من رسالة أبي الحسن الرعيني التي كتبها إليه بهذه المناسبة، ولربما كنا نفهم الظروف التي تم فيها عزله عن ديوان الإنشاء لو وصلتنا الرسالته التي بعث بها الى صديقه ابن الجنان في هذه الأثناء29 ، وقد كان لهذا الفشل الذي أصيب به أثر عميق في نفسه إذ نجده يكتب إلى صديقه الرعيني شاكيا إليه مصابه نادبا حظه في هذه القصيدة التي تفيض بالحزن والأسى رغم ما فيها من تهالك على استعمال المصطلحات والاشارات:

يا صاحبي والدهر لولا كـــــــــرة      منه على حفظ الذمام ذمـيـــــم
امنازعي أنت الحديث فإنـــــــــــه      ما فيه لا لغو ولا تأثيـــــــــــم      
ومروض مرعى مناي فنبتـــــــــا      من طول اخلاف الغيوم هشيــم      
طال اعتباري بالزمان وانمــــــــا      داء الزمان كما علمت قديـــــــم
مجفو حظ لا ينادي ثــــــــــــم لا      ينفك عنه الحذف والتـــرخيـــــم
 وارى إمالته تدوم وقـصـــــــره      فعلام يلغى المــد والتفـــخيــــــم
وعلام أدعو والجواب كأنـمــــــا      فيه ينص قد أتــى التـــحريــــــم
فلدي منه مقعد ومقـيــــــــــــــــم      لم ألق الا مقعدا غير الاســـــــى
وشرابي الهم المعتق خالـصــــــا      فمتى يساعدني عليه نــــديـــــــم
غارات أيامي علـى خـــــــوارج      قعديها في طبعة التــحكيــــــــــم
ولواعــــــج يحتاج صالى حـرها      امرا به قد خص إبـراهــيــــــــم
ولقــــــد أقول لصاحب هو الـذي      أدركت من علم الزمان عـــليـــم
 لا يأس من روح الإله وان قست       يوما  قلوب الخلق فهو رحيـــم
ولعل ميت رجائنا يحييــــــــه من      يحيى عظام الميت وهي رميــــم 
 

وقد جاء به الرعيني برسالة طويلة ضمنها قصيدة من البحر والقافية، وهو يواسيه ويشير الى حادثة تأخيره عن الكتابة وتقديم من هو دونه كما يشيد بنسبه وأدبه وفضله ويذكر بأن الزمان حظوظن وما جاء فيها قوله.

أعزز على الخطط التي بك فخرهــا          أن يستبد بها عليك لئــــــــــيم     
تعسا لأقلام الكتابــــــــــة ليتـــــــها           لم يعتمدها البري والتقليــــــم
لهجت بتأخير السبوق وقدمـــــــــت          من لا يحق لذاته التقديــــــــم
قعدت وقامت في اغتصاب حقوقهم           ومن الحسادة مقعد ومقــــــيم
 أيفوت مثل أبي المطرف حظـــــه           وينال قوما بالفهاهة ذيمـــــوا            
ما ضرها أن لو تولى أمرهـــــــــا            منه كفيل بالبيان زعيـــــــــم
ياسابق البلغاء غير مزاحــــــــــــم            لك دون غيرك ينبغي التسليم

والرعيني يذكر في هذه الرسالة أن الاطماع والرغبة في الثروة والجاه هي التي أغرت ابن عميرة بالهجرة الى المغرب، وذلك إذ يقول: «ولحا الله الاطماع فإنها تستدرج المرء وتستجره، وتسترج حين تعرفه ما يسره، ما زالت تفتل في الذروة والذروة، وتختل بالترغيب في الجاه والثروة، حتى أنأت عن الأحباب والحبائب، ورمت بالغربأاقصى المغارب، فيا لوحشة ألوت بإيناسه، ويا لغربة أحلته في غير وطنه وناسه» . أما المدة التي ولى فيها قضاء هيلانة فقد كانت قليلة كما يقول ابن عبدالملك  ويبدو أنه قد عبر عن تبرمه بهذا الإقليم لدى بعض أصدقائه من حاشية الرشيد فسعوا لديه حتى نقله الى لدى بعض اصدقائه من حاشية الرشيد فسعوا لديه حتى نققله إلى قضاء الرباط وسلا   حوالي سنة 639ه   ونجده في قصيدة بعث بها إلى الوزير ابي زكرياء بن عطوش يشكره على نهوضه به ومساعدته على هذا الانتقال  كما نجده يشير في بعض رسائله الإخوانية إلى أنه استقر في الرباط  (بعد قلقلة ،وأحوال منتقلة)  ونظن أنه هو الذي اختار هذه المدينة كي يكون بجوار مواطنيه من جالية شرق الأندلس التي أشرنا إليها فيما سبق، ويبدو أن قضاء العدوتين كان من الوظائف المهمة في عهد الموحدين، فقد سبق أن شغله أندلسيون في دولة الموحدين قبل ابن عميرة كشيخه أبي محمد بن حوط الله المالقي وابي العباس احمد بن محمد الشريشي  وأبي جعفر احمد ابن فرقد الاشبيلي ، وقد طاب له المقام في هذه المدينة برغم الغارات التي يقول أنها كانت تجتاح نواحيها في بعض الأحيان وهو يعبر عن اغتباطه وسروره بالرباط في رسالة كتبها إلى صديقه  أبي الحسين بن مفوز في شاطبة إذ يقول: (ولعمري ما زاد الثواء إلا غبطة في المثوى، ورغبة في أشياء أتت على ما أهوى)  ونجده يكتب الى إخوانه وأصدقائه بالأندلس يرغبهم في القدوم عليه ويصف لهم (الأحوال وحقائقها، والبلدة ومرافقها) ويذكر(مافيها من تجارة وفلاحة، وحولها من غارة مجتاحة) . وهو إذ يشجعهم على الهجرة يضمن لهم (كل شيء هني، وبال رخي)  ونجده يخاطب صديقه ابن مفوز متمنيا أن لو كان معه بالرباط قائلا: (ولا شك أن سيدي لو سكنها لغرس وزرع، واغتل ورفع، وفعل وصنع، ولكن كيف السبيل، وبيننا غبر الفجاج وخضر الأمواج) ، وقد سبق أن أشرنا الى الحاحه في طلب أخته وأولادها للقدوم عليه بالرباط، ومن الأشخاص الذين عبر عن استعداده لإيوائهم في الرباط، ومن شخص يدعى بأبن الحسن، كتب في شأنه إلى ابن مفوز قائلا: (واحد ابني الحسن  الذي ذكرتم أنه يتظلم من الزمن ويحرص على الظعن، إن عول فهاهنا له مراد ومراد، وعندي له في كل ما يحب إسعاد) . أما الغارة المجتاحة التي يتحدث عنها في رسالته السابقة فإنه يشير بها  الى ما كان يقوم به بنو مرين يومئذ من غارات على نواحي الرباط، وقد صرح هو نفسه بذلك في رسالة كتبها الى صديقه الرعيني يقول فيها:  (وحال أخيكم هنا على ما يرضى كمالكم عافية، ونعمة ضافية، ولولا تولع المرينيين وأشباههم بالجهات، وإلحاحهم عليها بالنكايات، لكان الحرث بها أفسح مجالا، والجالب الى البلد أكثر إقبالا) .
ومع كل هذا فإننا نجد في معظم رسائله الإخوانية التي كتبها من الرباط حنينا شديدا الى الأندلس وتطلعا الى أنبائها وتفجعا على مصيرها. فهندما تناهى إليه الخبر بقرب سقوط شقر من بعض أصدقائه كتب يقول: (وعرف أن المسقط قريب الاجل، وساكنوه شديدو الوجل، وكيف لا يوجلون، وما الذي إليه يلجأون، اللهم اجعلهم في ذمتك، وحطهم بكفايتك وعصمتك، وابلغهم المأمن، واسمع فيهم صالح الدعاء، ممن دعا  وآمن)  وتبلغه  نكبات إشبيلية من جراء فيضان نهرها وهجوم الروم عليها فيكتب إلى بعضهم قائلا: (واخبر عن سبيل حمص  الجارف للأصل والفرع، الذاهب بالزرع والضرع، وان الروم شربوا ما أسأر، وذهبوا بما لا يمكن أن يحصر، فيا لله لحزون أعيت الاستدراك، ومزون أمطرت الهلاك، وكم ذا يبقى العليل مع قوة منهدة، وحدة من المرض في زيادة وشدة، وهل بقى للمدافعة اسم، أو سلم ما يكون عليه أو به حرب أوسلم، ولأجل هذه الزلازل، وما  يتوقى من هذه النوازل رضى اصحابنا بالدون، وركنوا  الى الهدون)  وهو هنا  لا يرى فائدة من تمسك أهل إشبيلية بالدفاع عن مدينتهم أمام قوات القشتاليين إذ ليس هناتك تكافؤ بين القوتين ومن ثم ينصحهم بأن يسلكوا السياسة التي سلكها أهل شرق الأندلس الذين ركنوا الى الهدون ودجنوا تحت حكم المسيحيين..
 وفي رسالة أخرى كتبها الى أبي علي بن خلاص نجده يتحدث عن هذه القضية المزمنة فيقول: (ذكر أخبار بلادنا، وذلك ذماء كذماء الضب ، وداء لا دواء له في كتب الطب، فليت القوم أراحهم اليأس، واستقام لهم الطرد أو العكس  وتدلنا هذه المراسلات التي كان يتبادلها ابن عميرة وهو بالرباط مع إخوانه بالأندلس  على استمرار العلاقات والتنقلات بين البلدين برغم الأخطار التي كان يتعرض لها هؤلاء الرقاصون ، وقدصأبح ابن عميرة أثناء توليه القضاء في الرباط وسلا ملجأ يأوي إليه الوافدون ممن نكبوا بالجلاء أو لزمهم دين من جراء افتكاك أنفسهم أو ذويهم من الأسر فكان يتعهدهم برعايته وما أكثر رسائله في هذا الباب. وسنقوم بتحليلها والاتيان بنماذج منها أثناء الكلام على أغراض رسائله الإخوانية.
ومن بين الذين قصدوه في الرباط رحالة مشرقي من الاأراف كان يزور المغرب والأندلس يومئذ ويدعى نجم الدين يونس بن مهذب الدين المازندراني ، وقد استقبله بحفاوة بالغة، وبعد أن أقام لديه برهة من الزمن تشوف الى زيارة مراكش لرؤية الخليفة الرشيد (فأصحبه ابو المطرف كتب تعريف وإعلام، الى بعض من بها من السراة والأعلام)  وهؤلاء الأعلام الذين كتب إليهم في الوصاية بهذا الشريف هم رئيس الكتاب أبو العلاء بن حسان ، وقاضي القضاة أبو إسحاق المكادي، ونقيب الطلبة أبو زكرياء الفازازي، وأخوه القاضي أبو عمران الفازازي، والكاتب أبو الحسن العشبي، وقد كتبت هذه الرسالة في 24 ربيع الأول سنة 639ه   (59) وقد شيعه ابن عميرة عند فرضة الرباط بقصيدة تقتطف منها هذه الأبيات:

يا  سيدا يزهــــــى بـــــه         حزب الهدى وفريقـه
في البحر سرت فهان في         دعة عليك طريقـــــه
وأمنت فيه ما يحمــــــــــ         ــــل من أدنى ويذيقه
لك من سميك يونـــــــس         منجاته لا ضيقــــــــه60
وجميل عقباه التـــــــــي         فيها أقام طليقـــــــــــه61 

 ونلاحظ أن هذه الفترة التي قضاها بالرباط مليئة بالمكاتبات الإخوانية الى أصدقائه في الأندلس ومراكش وسبتة، وقد وصلنا عدد منها، وأشار هو نفسه الى كثرة إنتاجه الأدبي في هذا العهد، إذ يقول في رسالة بعث بها إلى ابن مفوز: (والأشعار في هذا الوقت كثيرة، والرسائل في كل فن شهيرة، والوقت لا يسع تقييدا ما أردت أن تقفوا عليه منها، ولعل ذلك يكون والدار صقب، والمزار كتب)62  وقد بلغ من نشاطه الكتابي بالرباط أن استنفد ما كان معه من ورق فكتب إلى صديقه  ابن مفوز الشاطبي يرجوه أن يبعث إليه شيئا من هذا الورق الذي كانت شاطبة أشهر مركز لصناعته في الغرب الاسلامي فيقول: (والكاغد الذي وعدتم به بلغت منه حد الإفلاس، وتكفف من يضن به من الناس، فاحسنوا به العون، وامدوا منه بما ترون)63 .

1- البيان المعرب ج 4، ص 399.
2- الرسائل، ص 69/70 مخطوط 232.
3- رحلة ابن رشيد ورقة 64 مخطوط الاسكوريال رقم 1737.
4- البيان المعرب، ج4، ص 406.
5- مخطوط الاسكوريال رقم 520 ورقة 115.
6- مخطوط الاسكوريال ورقة 114.
7 - الرسائل ص 132 مخطوط 233. وبحر الزقاق هو مضيق جبل طارق.
8- مخطوط الاسكوريال رقم 520 ورقة 114.
9- الذيل ج1، ص90.
10- انظر قصة هذا المصحف وما قيل فيه من اشعار في الذيل ج1، ص 77، وما بعدها، والمعجب ص 253، ونفح الطيب ج2، ص 135.
11- الذيل ج1 ص 83.
12- افراق أوفراك: بالكاف التي بين الكاف والقاف كلمة بربرية ومعناها: سياج من الكتان يديره السلطان على فساطيطه وفازاته ليتميز به عن غيره من الجند، قد وردت هذه الكلمة في مقدمة ابن خلدون بهذا المعنى.
13- الرسائل، ص 182 مخطوط 233.
14- المصدر نفسه.
15- المعجب، ص359.
16- لعله يقصد به الباب الرئيسي  للقصبة الذي كان يدعى بباب الكحل وباب القصر، ويعرف اليوم بباب اكناو، وهو ما يزال قائما على شكله الموحد العجيب.
17- الرسائل، ص 184.
18- الذيل ج 1، ص 89.
19- اختصار القدح، ص 42.
20- الرسائل، ص 246 مخطوط 233.
21- يبدأ هذان الظهيران هكذا: هذا ظهير كريم أمر به امير المؤمنين الخ.. واستعمال كلمة ظهير قديم في المغرب يرجع إلى عهد الموحدين وأقدم نص وردت فيه هذه الكلمة فيما نعلم هو الظهير الذي كتب في عهد الخليفة الموحدي يوسف المستنصر لرهبان بوبلات (Poblet) وهو يبدأ هكذا:هذا ظهير كريم أمر به أمير المؤمنين لرهبان بوبلات... وقد نشر هذا الظهير في: Memorial Historico Espanol- Madrid 1851-VI-115.
 وقد وردت الكلمة مرارا في البيان لابن عذارى، وانظر كذلك حول كلمة ظهير: R.Dozy- Supplément… T.II, P.88.
22- مخطوط الاسكوريال رقم 520 ورقة 116.
23- المصدر نفسه ورقة 115/116 والرسائل ص 118 وما بعذها مخطوط 232.
24- اذكر منهمعلى سبيل المثال: الفقيه محمد بن علي الدكالي في كتابه: الاتحاف الوجيرز مخطوط المكتبة العامة بالرباط رقم 1320 د، والفقيه السايح في كتابه: سوق المهر ، والفقيه بوجندار في كتابه: مقدمة الفتح، وتاريخ الرباط لكايي ومادة الرباط في دائرة المعارف الإسلامية.
25- لم أقف له على ترجمة.
26- مخطوط الاسكوريال 520 ورقة 116.
27- وردت هذه الكلمة في طبعتي الاحاطة لابن الخطيب كذا: مليانة وهو تحريف واضح لم ينبه عليه ناشر الطبعة الثانية وقد نقل هذا الخطأ كثيرون ممن نقلوا أو اقتبسوا ترجمة ابن عميرة من الاحاطة، ومن العلوم ان مليانة تقع في الجزائر الحالية، اما هيلانة فهي القبيلة التي كانت تضاف اليها احدى المدينتين المعروفتين بأغمات، وقد ذهب الفقيه عباس بن اثراهيم الى أن بلد هيلانة المذكورة هوبلد كلاوة اليوم (الإعلام ج1، ص 121).
28- الذيل ج1، ص 91.
29- الذيل ج1، ص 90، وقد وعد ابن عبد الملك في ترجمة ابن عميرة بالإشارة إلى ههذ الحادثة والإتيان برسالة ابن عميرة إلى ابن الجنان وجوابه إياه في الموضوع أثناء ترجمة ابن الجنان ولكن هذه الترجمة غير موجودة في الأجزاء التي بين إيدينا من الذيل.
30- الترخيم: حذف أواخر الأسماء المفردة تخفيفا وهو لا يكون إلا  في النداء.
31- القعدية:فرقة من الخوارج ترى الخروج وتامر به وتقعد عنه، وأول من استعمل  هذا المعنى أبو نواس في قوله من قطعة:
               فكأني ومــا أزيـــــن منـهــــــا    قعــدي يزيــن التحكيمـــــــا
                كل عن حمله السلاح الى الحر   ب فاوصى المطيق الا يقيما
32- يشير إلى الأمر الوارد في قوله تعالى من سورة الأنبياء : «قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم».
33- نفح الطيب ح 1، ص 290 والذيل،ج 4 ورقة 85. وفي النسخ المطبوعة من نفح الطيب أن ابن عميرة خاطب الرعيني بهذه القصيدة سنة 634ه وهو وهم لأن الرعيني يذكر في رسالته أن ابن عميرة نظمها بأزمور أي لما كان في طريقه إلى الرباط بعد تعيينه قاضيا بها  على ما يبدو (انظر الذيل ج4 ورقة 84) وفي التاريخ الذي ذكره المقري لم يكن  ابن عميرة قد دخل إلى المغرب  بعد، ولا شك أنه وقع خلل في هذا التاريخ المكتوب بالأرقام لا بالحروف.
34- الذيل ج4 ورقة 84.
35- المصدر نفسه.
36- المصدر نفسه، ج1، ص 90.
37- الذيل ج1، ص 90،  وبعض المصادر تذكر انهولي قضاء الرباط وبعضها الآخر قضاء  سلا، ولكن ابن عبدالملك يؤكد انه ولي قضاء الرباط وسلا معا، وهذا يفيد أن العدوتين كانتا على عهد الموحدين متصلتين من حيث النظم العامة، ويبدو أنه كان يسكن في الرباط أثناء توليه قضاء العدوتين.
38- نستفيدهذا التاريخ من رسائل الوصية التي بعثها مع الشريف السائح نجم الدين وهي مؤرخة في 24 ربيع الثاني سنة 639هـ (الذيل الجزء الأخير ص 232).
39- الرسائل ص157/158 مخطوط 232.
40- مخطوط الاسكوريال رقم 520 ورقة 102.
41- التكملة ج2، ص 885 والرسائل ص 71مخطوط 232.
42- التكملة ج1، ص 105.
43- المصدر نفسه، ص 114.
44- مخطوط الاسكوريال رقم 520 وقة 101.
45- المصدر نفسه ورقة 100.
46- المصدر نفسه ورقة 101.
47- المصدر نفسه ورقة101.
48- المصدر نتفسه ورقة 100
49- الرسائل ، ص 66 مخطوط233.
50- المصدر نفسه ص 38
51- لم أجد في المصادر التي بين يدي اشارة إلى هذا السيل الذي اقترن بهجوم المسيحيين على اشبيلية، وقد ذكر ابن عذاري سيلا شنيعا وقع في سنة 597هـ وقال انه تقدمته  سيول كثيرة (البيان المعرج ج4، ص 196) وقد أصبح هذا السيل حدثا يؤرخ به فقد ذكره ابن عبدالملك أثناء ترجمة بعضهم ووصفه (الذيل ج5، ص 317)كما اشار إليه صاحب الروض المعطار، ص 21 واحال في خبرة على كتاب جالي الفكر. وسيل اشبيلية مشهور وكان اذا طمى اتى على المنارة والدور وفيه يقول شاعر اشبيلية ابو المتوكل  الهيتم:
لله حمـص ايمـــا بلــــــدة   لو أننا نأمن ثعبانهـــــا
طاف بها والريح روح له  فابتلع الارض وسكانها .
52- الرسائل ص 107 مخطوط 232.
53- الذماء ما بين القتل وخروج النفس وقيل في تفسيره غير ذلك. ويضرب المثل في الطول بذماء الضب. انظر ثمار القلوب ص 331 ومجمع الامثال ج1، ص437.
54- الرسائل، ص95 مخطوط232. وفي السجعة الأخيرة تورية لطيفة بالمطرد والعكس كمصطلحين من مصطلحات أهل المنطق والأصول. انظر كشاف اصطلاحات الفنون ج2، ص904.
55- وردت كلمةالرقاص في رسائل ابن عميرة وهي كلمة اندلسية ومغربية وما تزال مستعملة في اللهجة المغربية، وهي توازي ساعي  البريد في لغة اليوم.
56- انظر ترجمته في الذيل والتكملة لابن عبدالملك، الجزء الأخير، ص 226 وما بعدها.
57- الذيل والتكملة لابن عبدالملك، الجزء الأخير، ص 227.
58- انظر ترجمته في اختصار القدح، ص 126، وذكره في نفح الطيب ج4، ص 288.
59- انظرها في الرسائل، مخطوط 232 ص 53 وما بعدها والذيل الجزء الأخير ص 229 وما بعدها.
60- يونس اسم هذا الشريف وسميه يونس بن متى نبي الله وهو شير الى قصته المعروفة.
61- انظر هذه القصيدة في الرسائل، ص 61/62 مخطوط 232.
62- مخطوط الاسكوريال، رقم 520 ورقة 102.
63- مخطوط الاسكوريال، رقم 520 ورقة 100.

 

 

 

 

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here