islamaumaroc

نقد مقال العوائق النفسانية للتخطيط -6-

  دعوة الحق

80 العدد

جوانب السفارة البريطانية بالرباط عن عدد الملحدين في بلادنا.
الرباط في 25 مارس 1965


سيدي استاذ الدكتور نقي الدين الهلالي.
بناء على زيارتكم، أؤكد لكم في هذه الرسالة المعلومات التي أعطيت في مسألة الملحدين في بريطانيا العظمى. ومن دواعي الأسف، أنه لا يوجد إحصاء حقيقي في هذا الصدد، إلا أن الجمعية الإنسانية البريطانية أعلنت في دعايتها الالحادية أن عدد الملحدين التابعين لها يبلغ عشرة آلاف في جميع البلاد البريطانية.
ثم قالت الجمعية: ان هذا العدد يرجح أنه غير دقيق، ولكن كثيرا من الناس لا يصدقونها في هذا العدد.
ومن دواعي أسفي أنني لا أستطيع أن أساعدكم بأكثر من هذا.
أما عدد سكان المملكة المتحدة حسب الإحصاء الأخير سنة 1961 فإنه يقل بقليل عن 53  مليونا من النفوس.
وثقوا يا سيدي بعواطفي الطيبة نحوكم.
                                                                         التوقيع: أ.ف.وارد

تعليق على هذا الجواب.
والآن يا ريني الحبشي، ويا من يروجون دعاية الإلحاد المنتنة في البلاد الاسلامية والعربية ألا  تستحون، ألا تخجلون؟؟ فهذه البلاد البريطانية، ولا يستطيع أحد في الدنيا كلها أن يتردد في الشهادة لها بأنها  في مقدمة البلدان التي بلغت في المدينة أوجها، وفي العلوم والأعمال والسياسة والحرب والسلم الغاية القصوى فهذه جمعية ال‘لحاد فيها، ومنها طبعا- جوليان هيكسلي، الذي سرق ريني  الحبشي كلامه الأعرج وادعاه لنفسه، تدعي أن عدد أفرادها بلغ عشرة آلاف من مجموع 53 مليونا، ثم لا يصدقها الناس، كما يقول الملحق الصحفي في السفارة البريطانية بالرباط. ولنفرض، أنها صادقة في دعواها. فما هي نسبة عشرة آلاف من ثلاثة وخمسين مليونا يا مسيو ريني الحبشي ومن يعمل على شاكلته من المتهوكين؟

والدعاوي ما لم يقيموا عليها         بينات ابناؤها أدعيــــــــاء

                                              
شهادة عالم انكليزي كبير وهو ارنولند توينبي
                                                                  (Arnold Tonynbee)

بينما  أنا أفكر في كتابة هذه الحلقة ذكرت أني قرأت كلاما مهما في الموضوع للعالم الانكليزي الكبير ارنولد توينبي في مجلة البعث الإسلامي الهندية اللكناوية بقلم الأستاذ أبي الحسن علي الندوي فأحببت إثباته هنا صفعة إضافية لريني الحبشي ومن لف لفه من المدلسين والغوغاء. نشر الأستاذ أبو الحسن النووي في مجلته (البعث الإسلامي) مقالا قيما تحت عنوان « الأقطار الإسلامية والحضارة العصرية» الجزء السادس من السنة التاسعة تاريخ ذي القعدة 1384 الموافق مارس سنة 1965م جاء فيه ما نصه:
«إن مستقبل الإنسانية يتوقف على إخوة روحية لا يمنحها غير الدين، وهو الشيء الذي يحتاج إليه النوع الإنساني في هذا الوقت. الشيوعية تزعم أنها تستطيع أن توحد النوع البشري، كما أن الإسلام يثبت صلاحيته كقوة موحدة للإنسان في إفريقيا. المسيحية أيضا تستطيع أن تعلب هذا الدور إذا علمت بمبادئها. ولكن القومية لا تستطيع أبدا أن توحد الإنسانية، بل إنها توزعها وتشتت شملها. ومن أجل ذلك ليس لها مستقبل، إنها لا تستطيع إلا أن تدفن الإنسانية في ركامها.
إنه يجب علينا أن نختار إحدى النتيجتين في عصر الذرة وأننا إذا أردنا أن ننقد أنفسنا من الهلاك والدمار، فينبغي لنا أن نحتضن الانسانية كلها من غير استثناء ونتعلم كيف نعيش كأسرة واحدة».
انتهى. نقل هذا الكلام من مجلة  إسلامك رفيو Islamic Review- Mars 1961.
عود الى حجج الفلاسفة على وجود الباري وعموم ربوبيته سبحانه.

براهين فنيلون
فنيلون من كبار فلاسفة القرن السابع عشر،  قال في كتابه «وجود الله وصفاته»:
إنما علمت ببحثي في نفسي أني لم أخلق ذاتي، لأن إيجاد الشيء يقتضي الوجود قبله، فيلزم على ذلك أني كنت موجود قبل أن أوجد، وهو تناقض صريح. فهل أنا موجود بذاتي. فلأجل أن أجيب على هذا السؤال يلزمني أن أعرف ماذا يجب أن يكون عليه الكائن الموجود بذاته. يجب أن يكون أزليا ثابتا لأنه يكون حاصلا من ذاته على علة وجوده، ولا يكون محتاجا لشيء من الخارج عنه. فكل ما يمكن أن يأتيه من الخارج لا يعقل أن يتحد به  ولا أن يكمله، لأن الحادث المتغير لا يمكن أن يتحد مع الوجود بذاته الذي لا يقبل التغيير. فالفرق بين هاتين الطبيعتين يجب أن يكون لا نهاية له. إذن فلا يمكنهما أن يؤلفا مجموعا حقيقيا. إذن فالموجود بذاته لا يمكن أن يزاد شيء على حقيقته ولا على رحمته ولا على كماله. فهو في ذاته كل ما يمكن أن يكون ولا يجوز عليه أن يكون أقل مما هو عليه. فالموجود على هذه الحالة هو على أرقى درجات الوجود.
بقي على أن أسأل هل لشيء الذي أسميه (أنا) الذي يفكر ويعقل ويدرك ذاته هو تلك الذات غير المتغيرة أم لا؟؟. إن الشيء الذي أسميه (أنا) بعيد جدا عن الكمال المطلق. فأنا أجهل وأنخدع وأشك، ويكون أحيانا هذا الشك الذي يعد نقصا من أحسن ما يجب على الاتصاف به. ومما هو أشد من ذلك أني قد أريد ولا أريد فإرادتي تتذبذب ولا تستقر على حال، فتناقض نفسها بنفسها.  فهل يصح أن أعتقد في نفسي الكمال المطلق، وأنا في وسط هذه التقلبات والنقائض، في وسط هذه الجهالات والأضاليل غير الإرادية، بل والإرادية أيضا. اذن فلست أنا الكامل كمالا مطلقا،ولست أنا القائم بنفسي، فلا بد اذن من قيوم أوجدني. وإذا كان غيري أوجدني فلا بد أنه يكون موجودا بذاته، ويلزم من ذلك أن يكون كاملا كمالا مطلقا. فهذا الكائن القائم بذاته، والذي أنا قائم به هوالله.
وله برهان آخر مؤذداه: إني وإن كنت محدودا منتهيا، إلا أني أحمل في ذاتي شعور بلا نهاية وبكمال لا حد له. فمن أين حدث لي هذا الشعور الذي يعلو مداركي ويدهش لبي أحيانا؟ هل حدث من العدم؟ لاشيء مما هو محدود يستطيع أن يبعث في هذا الشعور، لأن المحدود لا يشعر بغير المحدود. ومما لا شبهة فيه أني لم أوجو لنفسي هذا الشعور، لأني أنا أيضا محدود ومتناه فلا مناص اذن من أن نستنتج من هذا أن الذي أوجد لي هذا الشعورهوالكائن الذي لا نهاية لكماله، وهو الله.

براهين بوسويت
بوسويت كان معاصرا لفنيلون المتقدم ذكره وهو فرنسي مثله. له برهان خاص به مؤداة: (ليس علينا إلا أن ننظر الى أنفسنا لنتحقق أننا صادرون من أصل رفيع. نرى أنفسنا أهلا لأن نفهم الاشياء وندرك الموجودات. وأنها قد تجهل بعضها فنشك فيها، أونرى الأحوط لها أن لا نحكم عليها بحكم حتى نصل منها الى حقيقة ما، وما ذلك إلا لأنها  تعتقد أن بها نقصا يمنعها الوصول الى الحقيقة المطلقة. وإذا كان في الوجود عقل ناقص يشك ويتردد ويجهل، هو مع ذلك موجود، فمن باب أولى يكون موجودا عقل كامل ليس عقلنا منه إلا قطرة من بحر أوشعاع من شمس، لأنه مما لا يعقل أن نكون نحن وحدنا المتمتعين بعقل وادراك، ويكون الوجود العظيم كله خاليا منهما إذ يقال أنه إذا كان الوجود كله مكونا من مواد صماء عمياء لا عقل  لها ولا إدراك، فمن أين نشأ  للإنسان هذا العقل  والادراك، وفاقد الشيء  لا يعطيه كما هو معلوم؟ اذن فلا بد أن يكون في الوجود عقل  مطلق وإدراك لا حدله.
نقول، هذا كلام جيد، فان الانسان معلوم أنه خلق من طين، والطين لا يعقل ولا يدرك، فمن أين ينشأ للإنسان هذا الإدراك إن لم يكن فوق طبيعة الطين طبيعة أرقى منها الإدراك مظهر من مظاهرها. 

ولبوسويت برهان آخر فحواه:
كل ما هو ثابت في العلوم الرياضية وفي العلوم الاخرى يجب أن يكون من النظام الأزلي الثابت. هذه الحقائق كانت، وستكون على ممر الأحقاب حقائق مقررة، ولو رآها الإنسان في أي زمان وفي أي مكان  لاعتبرها كذلك على الإطلاق، لأنه ليست حواسنا هي التي تريناها على هذه الصفة، بل لأنها هي في الواقع كذلك. ولو اتفق تلاشي الوجود كله وبقيت أنا وحدي فلا أزال أتصور تلك الحقائق وأعتقدها حقائق، وأنها كانت حسنة نافعة. ولو زلت أنا أيضا، وزال كل عاقل في العالم، فلم ينقص ذلك من قدر تلك الحقائق، ولم يخرجها عن كونها كانت حقيقة ونافعة، فإذا بحثت عن الذات التي تتركز فيها هذه الحقائق أزلية أبدية كما في الواقع كنت مضطرا للاعتقاد بوجود وجود كائن مستقرة فيه كل هذه الحقائق ومدركة لديه. وهذا الكائن يجب أن يكون هو الحقيقة بعينها، بل منه تشرق الحقيقة ذاتها في كل وجود.

إذا تقرر هذا، فمن بين الحقائق المقررة الأزلية التي أدركتها حقيقة جليلة القدر، وهي أنه يوجد في العالم شيء موجود بذاته، وهوأبدي لا يدركه  تحول ولا يعتريه تبدل. لأنه إذا فرضنا أنه كان وقت ليس فيه شيء مطلقا في العالم، أي لا شيء قائم بغيره ولا شيء قائم بنفسه من القدم، فلم يكن غير العدم، والعدم لا يصلح لايجاد شيء. فلا يصح أن يقال إن العدم حقيقة أبدية، وأن لاحق إلى الأبد إلا العدم، إذن فلا بد أن يكون في الوجود شيء كان قبل كل شيء فيه من الأزل، وفيه تركزت جميع الحقائق الكونية. وأن تلك الحقائق الأبدية التي تدرك بالنظر في الوجود بلا تحول ولا تبدل هي صادرة من الله، أو بعبارة أحسن، هي الله نفسه، لأن جميع الحقائق الأبدية ليست في الواقع إلا حقيقة واحدة.

براهين ليبتز
ليبتز هوفيلسوف ألماني مشهور (1646-1716)م ومصلح أسلوب علم الطبيعة وما وراء الطبيعة الذي قررهر ديكارت المتقدم ذكره وبين الجهات الضعيفة منه أحسن تبيين.
ارتضى من براهين ديكارت على وجود الخالق برهانه الذي رمى به إلى ضرورة وجود كائن واجب الوجود. لليبتز برهان جليل القدر على وجود الخالق إليك مؤداه. قال في كتابه (تيوديسيه) : الله هو العلة الأولى لوجود الأشياء، لأن كل ما هو محدود ومتناه ككل شيء تقع عليه أنظارنا وتتأثر له مشاعرنا هو من الممكنات، أي ليس بضروري الوجود، فقد يوجد أو لا يوجد، وليس في أحدها شيء يوجب له الوجود بذاته، والزمان والمكان والمادة المتحدة فيما بينها تستطيع أن تقبل حركات وصورا من نوع آخر غير النوع الحالي.
إذن يجب البحث عن الأولية لوجود العالم الذي هومجموع هذه الكائنات الممكنة، يجب البحث عنها في الهيولي التي تحمل معها علة وجودها، فهي الواجبة الوجود والأزلية. يجب أنت تكون هذه العلة عاقلة، لأن الكون الموجود لما كان ممكنا أي قد يكون ولا يكون، وفي الامكان حدوث دنياوات أخرى من نوعه، فيلزم من ذلك أن تكون علة الوجود محيطة بعلاقات أجزائه قبل أن تتمكن من إحداث  دنيا جديدة فيه، ويكون تحديد تلك الدنيا على حال مناسب للمجموع فعل ارادة واختيار، ولا شيء يجعل تلك الارادة فعالة الا القدرة التي لها هذه العلة الحكيمة يجب أن تكون غير محدودة ولا متناهية من كل وجه وكاملة كمالا مطلقا من حيث من حيث القدر والحكمة والرحمة، ولما كان الوجود كله مرتبط ببعضه ومفرغا في قالب واحد فلا سبيل لفرض وجود على ثانية معها.

براهين نيوتن
نيوتن أكبر علماء الفلك في عصره من الانجليز، وهو يعتبر من العقول النادرة التي ظهرت في العالم (1642-1727) وهومكتشف قانون الجاذبية العامة وغيره من القوانين الفلكية وأساليب حلول مسائلها مما خلد ذكره في تاريخ النهضة العالمية. الذي يقارن بين مذهب نيوتن في إثبات الخالق ومذهب ديكارت الطبيعي الفرنسي المتقدم الذكر، يجدهما على طرفي نقيض. فإن الثاني كما رأينا أطرح جميع البراهين الحسية المنتزعة من الوجود واعتمد على البراهين النفسانية، فجاء نيوتن على عكسه متخطيا البراهين النفسانية وغير معتمة الا على البراهين الحسية. ذلك لأن بين الفيلسوف الانكليزي والعالم الفرنسي فرقا أساسيا في الواجهة والأسلوب وكيفية التفكر والتعليل والبرهنة.
فديكارت جعل التحقق من وجود ذاته ووجود الله قاعدة بناء فلسفته، ومنهما تحقق من الوجود واستنتج نواميسه وخواص مادته قائلا: إن غرضي من ذلك تفسير المعلولات بعللها لا العلل بمعلولاتها.
ولكن الفيلسوف جعل قاعدة فلسفته النظر الخاص في خواص المادة ونواميس الطبيعة، واسنتج من ذلك عقيدة وجود الخالق ومعرفة صفاته. ولم يتأثر أقل تأثر بذلك النفوذ الكبير الذي نالته فلسفة ديكارت على عقول معاصريه. فكان نيوتن يقول: كل ما لم يستنتج من حوادث الوجود يجب أن يسمى فرضا، والفروض مهما كانت أنواعها لا قيمة لها في الفلسفة الطبيعية. بهذا الاصل أحدث نيوتن انقلابا عظيما في عالم العلم الطبيعي وأهدى للعقول المتعطشة للحقائق أحسن المدركات على الوجود ونواميسه، فلما اشتهر ببعد النظر وقوة الإقناع سأله الناس من كل مكان أن يأتيهم بدليل على وجود الخالق يكون في درجة المحسوسات، فأجابهم قائلا: لا تشكوا في الخالق، فإنه ما لا يعقل أن تكون الضرورة وحدها هي قائدة الوجود، لأن ضرورة عمياء متجانسة في كل مكان وفي كل زمان لا يتصور أن يصدر منها هذا التنوع في الكائنات، ولا هذا الوجود كله بما فيه من ترتيب أجزائه وتناسبها مع تغيرات الأزمنة والأمكنة، بل إن كل هذا لا يعقل إن كان يصدر إلا من كائن أولي له حكمة وإرادة. ثم قال: من المحقق أن الحركات الحالية للكواكب لا يمكن أن تنشأ من مجرد فعل الجاذبية العامة، لأن هذه القوة تدفع الكواكب نحو الشمس، فيجب لأجل أن تدور هذه الكواكب حول الشمس أن توجد يد الأهية تدفعها على الخط المماس لمدارتها. ثم قال: ومن الجلي الواضح بأنه لا يوجد أي سبب طبيعي استطاع أن يوجه جميع الكواكب وتوابعها للدوران في وجهة واحدة، وعلى مستوى واحد بدون حدوث أي تغير يذكر. فالنظر لهذا الترتيب يدل على وجود حكمة سيطرت عليه. ثم إنه لا يوجد سبب طبيعي استطاع أن يعطي هذه الكواكب وتوابعها هذه الدرجات من السرعة المتناسبة تناسبا دقيقا مع مسافتها بالنسبة للشمس ولمراكز الحركة تلك الدرجات الضرورية لأن تتحرك هذه الأجرام على مدارات ذات مركز واحد مشترك بين جميعها. فلأجل تكوين هذا النظام مع جميع حركاته يجب وجود سبب عرف هذه المواد وقارن بين كميات المادة الموجودة في الأجرام السماوية المختلفة وأدرك ما يجب أن يصدر منها من القوة الجاذبة، وقدر المسافات المختلفة بين الكواكب والشمس وبين توابعها وساتورن وجوبيتر والأرض، وقرر السرعة التي يمكن أن تدور بها هذه الكواكب وتوابعها حول أجسام تصلح أن تكون مراكزها.
إذن فمقارنة هذه الأشياء والتوفيق بينها وجعلها نظاما يشمل كل هذه الاختلافات بين أجزائه، كل هذا يشهد بوجوب وجود (سبب) لا أعمى ولا حادث بالاتفاق، ولكن على علم راسخ بعلم الميكانيكا والهندسة.
ثم قال: ليس هذا كل ما في المسألة، فإن الله ضروري أيضا، سواء لإدارة هذه الأجرام على بعضها  وهو الأمر الذي لا يمكن أن ينتج من مجرد قوة الجادبة أو لتحديد وجهة هذه الدورات لتتفق مع دورات الكواكب، كما يرى ذلك في الشمس والكواكب وتوابعها، على حين ذرات الأذناب تدور في كل وجهة على السواء.
ثم قال: وغير هذا، ففي تكون الأجرام السماوية كيف أن الذرات المبعثرة استطاعت أن تنقسم إلى قسمين، القسم المضيء منها انحاز إلى جهة لتكوين الأجرام المضيئة بذاتها كالشمس والنجوم. والقسم المعتم يجتمع في جهة أخرى لتكوين الاجرام المعتمة كالكواكب وتوابعها. كل هذا لا يعقل حصوله الا بفعل عقل لاحد له.
ثم قال: كيف تكونت أجسام الحيوانات بهذه الصناعة البديعة، ولأي المقاصد وضعت أجزاؤها المختلفة؟ هل يعقل أن تصنع العين  الباصرة بدون علم بأصول الأبصار ونواميسه، والإذن بدون إلمام بقوانين الصوت كيف يحدث؟ ان حركات الحيوانات تتجدد بإرادتها، ومن أين جاء هذا الإلهام الفطري في نفوس الحيوانات؟
ثم قال: وهذه الكائنات كلها في قيامها على أبدع الأشكال وأكملها، ألا تدل على وجود إله منزه عن الجسمانية حي حكيم، موجود في كل مكان، يرى حقيقة كل شيء في ذاته ويدركه أكمل إدراك، الخ.
جاء  في كلام العالم الفرنسي بوسويت إيضاح قوله: (او بعبارة أحسن، هي الله نفسه) لا يدل على أنه يعتقد وحدة الوجود، لكن جاء في كلام بعض الفلاسفة ما يوهم اعتقاد وحدة الوجود، كما جاء في كلام أكثره مما هو صريح في بطلانها، فكل ما جاء في كلامهم مما يدل على وحدة الوجود، فأنا أتبرأ منه وأعتقد بطلانه، وإنما أوردته حجة على الخصم الذي ينفي كل شيء غير هذا الوجود الناقص المتغير المحتاج إلى موجد ومدبر.

قول نيوتن (لا أعمى ولا حادث بالاتفاق) يعني أن السبب في وجود هذا العالم لا يجوز أن يكون متصفا بالعجز ولا يجوز أن يحدث على سبيل المصادفة، لأنه واجب الوجود، ووجوده من ذاته، لا من غيره، وهو متصف بالعلم الذي لا حد له، وبالقدرة التي لا حد لها، وبالإرادة التي لا نهاية لها. فهذه صفات واجبة له يمتاز بها الصانع عن المصنوع قول الأستاذ محمد فريد وجدي (الذي يقارن بين مذهب نيوتن في إثبات الخالق، ومذهب ديكارت الطبيعي الفرنسي المتقدم ذكره يجدهما على طرفي نقيض، الى قوله (ان غرضي من ذلك تفسير المعلومات بعللها لا العلل بمعلو لاتها).
يقول محمد تقي الدين الهلالي: لم تظهر لي صحة ما قاله، لأن نفس ديكارت التي نظر فيها واستدل بها على وجود الله تعالى هي أيضا معلولة،وليس علة، لأن العلة والسبب هو الله، وما سواه معلول ومسبب. فالفرق بين العالمين في الاستدلال على وجود الله تعالى، هو أن ديكارت اقتصر على النظر في بعض المعلولات، وهي نفسه، ومنها استنبط الدليل على وجود الباري بخلاف نيوتن، فإنه نظر في جميع الموجودات، وخصوصا الأجرام السماوية فاستنبط منها الدليل على وجود الخالق المدبر لها، فليتأمل.


الثناء بعد البلاء
 قال الاحنف لزياد حين قدم البصرة، وخطب خطبته المشهورة.
«أصلح الله الأمير ! إن الجواد بشده، وإن السيف بحده، وإن المرء
بجده، وإن جدك قد بلغ بك ما ترى، وإن الثناء بعد البلاء. ولسنا نثني
عليك حتى نبتليك، فأول خبرا نثن به».

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here