islamaumaroc

معلومات جديدة عن حياة الطبيب المغربي عبد السلام العلمي

  دعوة الحق

80 العدد

كان من أبرز الشخصيات التي تناولتها رسالة «مظاهر يقظة المغرب الحديث»(1) شخصية عبد السلام بن محمد بن عمر العلمي الفاسي، كمغربي لمع بين طليعة اليقظة المغربية لحديثة، وتخصص في علمي الفلك والطب، وذكرت –الى جانب مؤلفاته الفلكية- الجهازين اللذين اخترعهما في هذا العلم، وهما: «جعبة العالم» و«ربع الشعاع والظل» ثم تحدثت عن رحلته إلى مصر القاهرة لدراسة الطب الحديث، وأسماء أساتذته الشرقيين في هذا العالم، مع مؤلفاته الطبية»(2).
وهنا أود أن أذيل هذه الترجمة بمعلومات جديدة عن هذه الشخصية، يتعلق الأمر –أولا- بتقديم نص الإجازة(3) التي أحرز عليها الطبيب العلمي من «المدرسة الطبية المصرية»(4) بقصر العيني بالقاهرة وهي صادرة عن حسين بن مصطفى عودة الدمشقي(5)، أحد أساتذة هذه المدرسة ومكتوبة بخط شرقي نسخي سنة 1291ه 1873م، وفيها يشهد بحضور الطالب المغربي على أساتذة المدرسة الطبية المصرية، ويذكر مواظبته واجتهاده، ويعترف بتفوقه بالنسبة لأقرانه.
وقد توسط اعالي صك الاجازة – طابع صغير بيضوي الشكل، ومكتوب بداخله اسم المجيز وتحت هذا الطابع رسم شكل هلال كتب بداخله خمسة أسطر كالتالي:
«تذكار مودة – طبية -  من حسين أفندي عودة الحكيم من دمشق الشام، الذي تلقى العلوم الطبية بمصر- بالمدرسة الطبية من إحسانات خديوي مصر وعزيزها – أسماعيل باشا».
وأسفل هذا جاء نص الإجازة التي ذيلت – في آخرها ومن جهة اليمين – بطابع مماثل للذي صدرت منه، يتصل به توقيع المجيز الذي وضع تحته طابع أصغر.
والإجازة محررة بأسلوب علمي عربي تتخلله بعض تعابير تركية، حيث تضاف كلمة «لو»  لبعض التحليات، وتكتب متصلة بتائها الأخيرة، مثل سعادتلو، وحضر تو، ودولتلو.. كما  أنها لم تسلم من بعض الأخطاء النحوية التي سيقف عليها القارئ.
وتتجلى قيمة هذه الشهادة فيما تقدمه من معلومات عن دراسة الطبيب العلمي للطب بالقاهرة، وفيما تلقيه من ضوء على فترة من حياته، وهي –أيضا- تقدم نموذجا لإجازات هذه المؤسسة الشرقية الجديدة، كما تقدم لونا من العلاقات العلمية بين المغرب ومصر في مطلع عصر اليقظة المغربية.
وأخيرا فإن من محاسن صك هذه الإجازة ان ألصق باعلاه  -من جهة اليمين- رسم «ربع الشعاع والظل»(6) الذي ابتكره صاحب الإجازة، وللتعريف بهذا الرسم –كتب بأعلاه بخط شرقي مماثل في أربعة أسطر هكذا:
«هذه صورة «ربع الشعاع والظل» – لمخترعه الشريف عبد السلام- العلمي المغربي الفاسي اخترعه سنة 1283 للهجرة النبوية، على صاحبها  أزكى التحية».
وبعد: فها هو نص الإجازة الطبية:
«الحمد لله الذي أطلع من شاء على عوارف سره، وأظهر كل معدوم من خزائن علمه، اللطيف الشافي الذي جعل لكل داء دواء تفضلا منه ورحما، وامر بتعاطيه على لسان أنبيائه الذين بينوا من أصول الطب  وفروعه قسما جما، والصلاة والسلام على طبيب القلوب سيدنا ومولانا محمد المفضل عن كل ما سواه من خلقه، وعلى آله وأصحابه وحزبه وجنده.
اما بعد: فلما كان في أيام خديوية من غمرني بالإكرام، وعمني بالجود والإنعام، صاحب العزم الذي عز من يحاوله والكرم الذي علا ان يكون في الكرام من يطاوله، وأضحت في زمنه حدائق العلم يانعة الأزهار، كأنها جناب تجري من تحتها الأنهار، وعذبت بالديار المصرية موارد فضله، وأمطر على الصغير والكبير وافر كرمه وعدله، فأضحى وه وقبلة المجد التي لما تزال حولها الآمال طائفة، ولا تبرح تسعى طائفة بعد طائفة، أفندينا المعظم المحروس بعناية ربه العلي، خديوي مصر وعزيزها اسماعيل بن ابراهيم بن محمد علي، ولا  زال سعده  باقماره منشورا، وجيش عزه بأنصاره منصورا.
إنه قد وفد من مدينة فاس المحروسة بالديار المغربية، الى الديار المصرية، بامر سيدنا  ومولانا العالم العادل المؤيد  المظفر سيف الدنيا والدين، ناصر الإسلام والمسلمين، السلطان مولانا الحسن ابن السلطان سيدي محمد بن السلطان مولانا عبد لرحمن، أدام الله ايامه، وقرن بالنصر أعلامه وإجلاله حضرة الخليل الذي تحلى بالمجد، وحصل المعالي بالاجتهاد والجد، الذكي الألمعي والطبيب اللوذعي، السيد الشريف عبد السلام أفندي نجل المرحوم السيد محمد العلمي بل الله ثراه، وجعل الجنة مثواه، لأجل التمرين على نفائس العلوم المستجدة الطبية، بالمدرسة الطبية الخديوية المصرية المتداولة الآن، في جميع البلدان.
وكان دخوله في سنة إحدى وتسعين ومائتين بعد الألف، فحض على حضرات أساتذتنا الكرام، الذين اشتهر فضلهم لدى الخاص والعام، جملة على علوم نذكر طرفا منها، وهي جراحة الصفري على حضرة رئيس الاسبتالية والمدرسة الطبية سعادتلو محمد علي باشا(7) والباتولوجيا الخاصة أي علم الأمراض الباطنية على حضرة عزتلو سالم بيك سالم(8) معلم العلم المذكور وحكيم باشي حضرة دولتلو عصمتلو والدة الحضرة الفخيمة الخديوية، معلم الكيميا والنباتات على كل من حضرة أحمد بيك.
ندى(9) معلم المواليد الثلاث، وعلى حضرة جاستنيل بيك الفرنساوي كشاف باشي ورئيس الاجزاجية، والاقرباذين والعمليات الاقربازينية على حضرة علي افندي رياض(10) رئيس المعمل الكيماوي، وخلافهم، فشمر الأفندي المذكور عن ساعد الجد والاجتهاد، وهجر الأوطان والبلاد، وسهر الليل لنيل المعالي، وغاص البحر لطلب اللئالي، وقد تميز من ابتداء دخوله ومباشرته في الدروس واشتهر بمواظبته الحقيقية والغيرة الكلية، في بذل الجد والاجتهاد، ونال بذلك طريق الرشد والسداد.
ولا يخفى أن مثل هذه الأشغال بها الافندي المومئ إليه: فهي فعل جميل لا تخلو عن إشهار فضل ومنفعة، وكان أحيانا  يحضر مجلسنا للمذاكرة ببعض من العلوم السابق نشرها، والفنون المتقدم ذكرها، فأقول مع الاختصار: أني من منذ ما كلفت بتعليم علم الطب بدمشق الشام المحمية، قبل مجيئي إلى المدرسة الخديوية المصرية، على الاستاذين: الوالد مصطفى أفندي أبو عوده رحمه الله وعلى الأخ سعيد أفندي عودة حرسه الله، فلم أجد أحدا اشتغل  بغيرة شديدة، وطريقة مستمرة حميدة، مثل هذا الطبيب النحرير، الذي هو بالمدح جدير، وأشكر صائب رأي السلطان مولانا الحسن، وفطنته الحميدة العلية، أن جعلت منفعة هذه المعارف العلمية والعملية، المختصة بطبيبها الجديد المحضر من المدرسة الطبية الخديوية المصرية، لإلقاء ما تحصل عليه بتدريس العلوم الطبية، ومن حظي الأوفر أني اجتمعت مع مثل هذا الفاضل الماهر فوجدته في العلم والعمل وحيد «كذا» وفي المعارف بالنسبة لأقرانه فريد، لأنه ذاق من منهل علوم الطب ما فاق وراق، وشرب من سلسبيل الحكمة كاسا دهاق «كذا» لمثل هذا فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، تحريرا في محروسة مصر القاهرة سنة 1291ه.
وأثر هذا طابع بيضوي الشكل، يتصل به إمضاء المجيز –في أربعة اسطر- هكذا: «كاتبه- حسين –عودة الحكيم- الدمشقي الميم الآن – بمصر». وأسفل هذا الإمضاء وضع طابع صغير.
هذه هي الإجازة التي أذيل عليها بفقرة جديدة عن حياة صاحبها وردت في «المفاخــــر العليـــــة»(11)وقد سقط من هذا الصدر اسم العلمي المعني بالأمر،حسب النسخة التي رجعت إليها، وجاء النص – لدى تعداد أطباء السلطان الحسن الأول- وهكذا:
«... كان منهم الشريف الفاضل، العدل، الحيسوبي الكبير، الموقت، استنبط أشياء من علم الهيئة، واعتنى به سيدنا الامام، المقدس، سيدي محمد بن مولاي عبد الرحمان، وأمره بتدريس علم التوقيت بجامع القرويين، وادخله في ديوان المدرسين، ثم اشتغل بعلم الطب، ورحل الى مصر وأخذه هناك، ثم تصدر لكتابة السوم بدكاكين العدول من حضرة فاس.. ثم انتقل للكتابة بحضرة مولانا المنصور بالله تعالى مولانا الحسن، ثم اصيب بعظيم  بلاء، وهو سنة خمس وثلاثمائة وألف – حي عافانا الله واياه».
وكان من أساتذة العلمي والده محمد بن أحمد وأبو اسحاق ابراهيم التادلي الرباطي الإمام الشهير              
كما أن «جعبة العالم» التي ابتكرها المترجم كانت كالاصطرلاب، الا أنها على شكل الطبل. وقد جعل واحدة من هذه الآلة خاصة بعرض فاس لنفسه وأخرى جامعة أهداها للسلطان محمد الرابع.


1-انظر مجلة «تطوان» العدد الثاني:ص 7-77 والعدد السادس: ص 49-84.
2-نفس المصدر – العدد السادس، ص 50-55.
3-جاء مصور هذه الإجازة ضمن كتاب  «أعيان المغرب الاقصى سنة 1357ه» لمؤلفيه- بالفرنسية-  مارتي مع ادماند كوفيون، طبع باريس سنة 1393 – ص 574. هذا ومن الطريف أن يسجل وجودإاجازات عربية في الطب القديم، ومنها اجازتان من القرن 11هـ16م، منحت إحداهما لفصاد، والأخرى     لجراح، ويوجد نصهما معا في«تاريخ البيمارستانات في الإسلام» تأليف الدكتور أحمد عيسى بك، المطبعة الهاشمية بدمشق، سنة 1357ه - 1939م، ص 44-48، وهناك إجازة ثالثة وردت في «منطق الطير» لابن ابي حجلة، نسخة المكتبة الملكية بالرباط، رقم 1910.
4-تأسست  في أبي زعبل سنة 1826م وفي سنة 1837م  نقلت إلى القاهرة، ووضعت في «قصر العيني» ومعها «المستشفى» «تاريخ آداب اللغة العربية» لجرجي زيدان ج4، ص 37-43.
5-توفي سنة 1331هـ1913م وتوجد ترجمته – مع مراجعها- في «الأعلام» الزركلي ج2 ص 284 «معجم المؤلفين»ج4، ص 63.
6-للمترجم  رسالة صغيرة في طريقة استعمال هذه الآلة، سماها: «إرشاد الخل، لتحقيق الساعة بربع الشعاع والظل« طبعت –على الحجر- بمصر في 12 ص، بدون ذكر تاريخ الطبع، حجم صغير.
7-اصل  اسمه محمد بن علي بن محمد الفقيه البقلي، توفي سنة 1293ه 1876م وتوجد ترجمته مع مراجعها- في «الإعلام» للزركلي ج7، ص 193.
8-توفي  سنة 1311ه 1893م وتوجد ترجمته –مع مراجعها- في «الإعلام» للزركلي ج3، ص 114، و ج4، ص 202-203.
9-توفي سنة 1294ه-1877م «الإعلام» للزركلي، ج 1 ص 249، و«معجم المؤلفين»، ج 2 ص 193-194.
10-توفي سنة 1317ه-1899م، «الإعلام» للزركلي، ج 5ص 101.
11-اسمه الكامل هكذا «المفاخر العلية، والدرر السنية، في الدولة الحسنية العلوية» تأليف عبدالسلام اللجائي الفاسي المتوفى سنة 1332ه - 1914م، توجد مسود بالمكتبة الزيدانية بمكناس، وبالمكتبة الملكية بالرباط، نسخة أخرى منه تحمل رقم 460، وتوجد مقتطفات منه بالخزانة العامة بالرباط في كناش يحمل رقم: 351، والمؤلفة تجمة صغيرة في إحدى تعاليقه «النهضة العلمية« لابن زيدان.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here