islamaumaroc

في ذكرى معركة أنوال الظافرة

  دعوة الحق

80 العدد

قرية أجدير:
على سهل النكور الخالد وبين روابيه الخضر ترقد اليوم قرية «أجدير« تجتر في صمت ذكريات من عز مضى.. وتمر أمامها مواكب الاجيال مطرقة خاشعة!.
يلثم المتوسط ثراها الذي سقته دماء الأحرار وترجع أمواجه ما حفظته من مخططات حرب التحرير ومن تكبيرات المعركة وصيحات الجهاد !
إنها قرية صدمت صمود الزمان فكانت سفرا غنيا بمفاخر الأيام!
إن تربتها قانية الأديم اكتست حرمتها من دماء فارت على الأرض بدون حساب.
وملائكة الرحمن في مواكبها العلوية تنشد حولها أناشيد البطولة وتنثر الورود والأكاليل على أجداث الشهداء ورفات الابطال.
قرية كانت مزرعة خصبة للآمال فصوحتها الأهوال.
كانت صرح مبادئ ومثل، عاشت ثم تلاشت لغدر الانسان أخاه الإنسان!
إنها  قريتي وقرية كل الأحرار في البلد الحر.
إنها تاريخ أمة بكاملها.

البيت الخطابي:
إن الارض الطيبة الآمنة –الريف- أصبحت ذات يوم تميد بمن عليها.
التوتر يسود القوم الوادعين.
فماذا دهى القوم..؟
إنها سنة 1912.
تهل على هذا الجناح الأقصى من العالم الاسلامي بلطمة عار، عار الحماية، فتحل النكبة ويفقد المغاربة أقدس ما كانوا يملكون.
نار الانتقام تستشري في النفوس، وأهل الريف في نفار، والمجاهد سيدي محمد أمزيان يلقم العدو حمما ويسقيه غسلينا ويبعث احتجاجا الى المتآمرين بمؤتمر الجزيرة الخضراء مستنكرا ما اقترفه العتاة المعتدون.
ويستعر اللهيب، وفي ساحة الشرف يسقط المجاهد أمزيان، شهيد العقيدة والوطن.
ويفقد المغرب بموته داعية من دعاة المقاومة والتحرير.
ولكن الأمانة لن تضيع.
والرسالة لن تطوى.
وشعلة الحرية لن تخبو، وفي الريف رجال.. !
فهناك في قريتي وقريتك «أجدير» وعلى ضفاف الأبيض المتوسط الذي يرتل عند أقدامها تراتيل الخلود منذ القدم .. يوجد بيت عريق المحتد زكى الأرومة:
هو بيت آل الخطابي.
ولهذا البيت موعد مع التاريخ.
ولهذا البيت قصة من نور.
إن لرب البيت السيد عبد الكريم مكانة ومقاما وله عند القوم حظوة واحتراما.
ومن صلبه وعرينه خرج الشبل الهصور محمد بن عبد الكريم.
أي مجد خطه القدر لهذا اشبل في سجل الخلود !
الأيام تمضي سراعا، والزمن يندفع اندفاعا والشبل استوى شابا يافعا.
ها هو أصبح يفصل بين الناس بالعدل والقسطاس..
وأين ؟ في المدينة الأسيرة مليلية.. !  حيث الجور والحيف: جور الأجنبي وحيف المعتدي.
يمضي سحابة النهار في حل مشاكل قومه..حتى اذا  طواه الليل وخلا الى نفسه، انتابه هواجس وألحت عليه افكار تراءت له من بعيد غايات مقدسة يخطف  بريقها الابصار !
ثم ناه يقاسي ظلام السجن، وما من ذنب أتى، ولكنه منطق الأجنبي لفق له تهما ورماه باطلا.
وها هم أقارب محمد يدبرون له الخلاص، ويشاء الحظ معاكستهم فتنزلق منه القدم وتتكسر فيقبض عليه مرة أخرى.
ويوجس الاسبان خيفة من أمره فيطلقون منه السراح ويعود إلى عمله.

السر الخطير:
ولكن كيف وبأي سر عاد؟
لقد اختمرت الفكرة، وضاقت النفس بالسر الخطير فأصبحت على وشك الانفجار، الآمال تقترب كعاصفة هادرة والغاية المقدسة تترآى أشرق وأسطع نورا.. ووصمة الحماية تقض مضجع محمد وتلعبه نارا.. وسبة الاستعمار تمزق  منه النياط..
طرأ على البطل هدوء كالهدوء الذي يسبق الإعصار واستبد به التفكير فاستسلم للعزلة والانفراد.
لقد كان يضع خطوط قصة منسوجة من نور، هو بطلها أارض الريف مسرحها، والمغاربة عناصرها.. كان يمهد للخلود بثورة لم يعرف مثلها القرن العشرون !
ييلتفت إلى وطنه فاذا  هو رازح تحت القيود معفر الخدود.
ويرنو إلى الشرق فإذا هو الآخر مكبل في الحديد ومقسم شيعا.
وتنبعث من هنا وهناك أصوات استغاثة ما تلبث ان تضيع في خضم الأحداث، أحداث الاستعمار.
ويرهف البطل سمعه للصدى البعيد، صدى صيحات جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وخاصة رشيد رضا، وقد هزت الشرق.. فينتفض للنداء الحي... ويحس تجاوبا صادقا منبعثا من أعماقه، وكان تجاوبه عنيفا عنف طبيع الريف، وكان تثره حاسما، فانفجر في ثورة مباركة، كانت الشرارة الأولى التي بارك الله فيها، فلم تنطفئ بعد ذلك ابدا..
ضاقت المدينة الأسيرة على البطل فكأنها سم الخياط.. فليس هذا ميدان المعركة، بل هناك، وراء الحدود المصطنعة.. لقد ازفت الآزفة.. ولكن كيف الخروج  والإسبان الى خروجه لا يركنون؟ لقد منعوه.
ولكن الموانع الصبيانية لن تفت في عضد البطل.
والعراقيل مهما كانت فلن تحول بين النفس الكبيرة وبين آمالها.
لقد تمكن البطل من مغادرة أرض الاسر.
وبخروجه هذا يقف التاريخ مشدوها ليسجل معجزة من معجزات الإيمان.
كانت قرية أجدير نقطة الإنطلاق.

الدعوة الى الجهاد:
تطلع البطل الشاب الى شقيقه وصنوه امحمد الطالب بكلية الهندسة بمدريد وهتف من أعماقه: «واجعل لي وزيرا من أهلي هرون أخي» !.هكذا كان، فقد جمع الله بين الأخوين وشد أزرهما وأشركهما في القضية المقدسة وخاضا غمارا أحداثها وعاشا أطوارها معا فلم يفترقا أبدا..
كانت مرحلة التخطيط واضحة في ذهن البطل وهي المرحلة الأولى من مشروعه الكبير، وعليه الآن في تنفيذ المرحلة الثانية وهي أصعب المراحل وأشقها. اتصل بأهل الريف وليس معه إلا شقيقه ورفيقه في الجهاد السيد محمد وعمه السيد عبد السلام، فصدع بالحق وأسر اليهم النجوى وبلغهم الدعوة .. دعاهم الى بيته وتحين بهم الاسواق شارحا بعقيدة المؤمن الصادق أخطار الحماية ومغبة الأذعان لحكم الأجنبي.
وسرت بين الناس همسات الإعجاب بشاب جمع مزايا الشباب وحصافة الشيوخ !
وقال قائل منهم: أحقا ما يدعونا إليه ابن عبد الكريم؟ إن كان صادقا – ولا أعلم عنه إلا الصدق- ليكونن له شأن واي شأن !
كانت الدعوة في أول الأمر مقتصرة على قومه وعشيرته من قبائل بني ورياغل الباسلة.
وذات يوم ..
وتحت ستار الليل وفي هدى النجوم  تسللت من أجدير فئة مؤمنة، قوامها البطلان الأخوان وثمانية عشر حواريا، تحت الخطا وتغذ السير صوب قبيلة تمسمان، وعسكرت بالمكان المسمى «القامة» وأسست هناك رباطها للجهاد.. !
لو ذات سوار لطمتني
وفي هذه الأثناء كانت تجري احداث اخرى بالجانب الآخر..
ففي عام 1921 وأخبار الدعوة المباركة تسير بها الركبان فتقض مضاجع الإسبان، توجه المقيم العام بتطوان السنيور «دامسوا بيرينكير» الى جزيرة النكور المواجهة لقرية أجدير واستدعى على جناح  السرعة القائد العام للناحية الشرقية الجنرال «سيلبستر» للالتحاق به في الجزيرة المذكورة، كما بعث استدعاءات ودية الى أقطاب الريف !
وحل اليوم الموعود، وتقاطر الناس على الجزيرة يستطلعون الخبر.. وعندما انتظم الجمع وقف المقيم العام خطيبا  في الناس مبينا فوائد الاحتلال والنوايا الطيبة للصديقة إسبانيا.. ! وأخبرهم بأن الجنود الإسبانية المنضوية تحت لواء الجنرال «سلبستر» عازمة على الزحف لاحتلال الريف، وأن لها من القوة والعتاد ما يجعل مقاومتهم عبثا وصمودهم جنوبا ..
وتناول الكلمة بعده الجنرال «سلبستر« تحدث فيها على طريقة «دون كيخوطي» .. وقف في كبرياء وعجرفة مهددا ومتوعدا.. وأبدى من عنجهية القول وفظاظته ما أثار الى هنا عن طريق البحر تنفيذا لأوامر رئيسي المقيم العام وإلا فقد كان في وسعي ان  أن آتي من هنا (وأشار بيده الى مرسى أجدير)» وصال وجال ما شاء له طيشه أن يفعل.
مادت الأرض تحت أقدام رجال الريف، وهتفوا صادقين: إن لهذا اليوم ما بعده، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون وسيعلم الذين أهانوا الأسد في عرينه كيف يكون ثأر الاسود !
انفض المجلس والأعصاب هائجة ومراجل الغضب تغلي في صدور رؤساء الريف نداءات الثورة تجلجل في أعماقهم.. وتطلعت أنظاهم الى البطل الرابض في مركز «القامة» بتمسمان .. فقصدوه توا وباركوا ثورته وعاهدوا عهد الرجال أن سيهبوا أرواحهم رخيصة في سبيل الله والوطن.. وأقسموا ألا  يرجعوا الى ديارهم وأهليهم إلا والنصر معقود بأديهم..
وكذلك كان.. !
لقد اغرورقت عينا البطل المجاهد بالدموع وسجد لله شكرا على هذا التوفق.
والتف المجاهدون بالقائد البطل  يترقبون تعليمات الجهاد. وجاءت التعليمات تقضي بأن  يتصل رؤساء القبائل الحاضرين بذويهم وعشائرهم وأتباعهم .. للالتحاق بهم في مركز «القامة«.
سمع الناس داعي الجهاد فلبوا مسرعين .. وأصبح مركز «القامة« بين عشية وضحاها يعج بالحجيج من الناس.. فاتسع  نطاق المحلة وأصبحت على أهبة القتال.
اول نصر. !
وبينما الأمير وصحبه يخططون استعدادا ليوم الفصل إذا  بالطاغية «سيلبستر» يهاجم  «ظهر ابران» ومعناها بلغة الريف (هضبة الحجل) فاستولى عليها وحصنها مهيئا بذلك لهجوم آخر واوسع.
كان يقدر فضحكت منه الأقدار... !
ثارث ثائرة الجموع المحتشدة، فرأى البطل أن الوقت مناسب، فمعنوية الناس عالية جدا، إذن فعلى بركة الله يا من باعوا نفوسهم لله !
خرج المجاهدون خفافا، ووجهتهم «ظهر أوبران» والتحم المعسكران في معركة رهيبة انفجرت عن استشهاد عدد كبير من المجاهدين.
ولكن الأمور بنتائجها..
 فقد كان النصر حليف المسلمين فاستردوا الهضبة واستولواعلى ما فيها من الجنود والعتاد.. !

قصص من نور:
وهنا فاضت أخيلة المجاهدين بحكايات قدسية عن الشهداء شهداء «ظهر أوبران» ونسجوا حولهم قصصا من نور .. !
قال قائل منهم: «كنت في المعركة أقاتل مع المقاتلين أذا أصابت رصاصة العدو فلانا (وذكر إسمه) فحملته أواريه عن الاعداء حتى لا يقع في ايديهم- وقد اصلاهم نارا حامية- فيمثلوا به .. وادركني الليل فاستلقيت بجانبه وعيني عليه ساهرة.. حتى إذا كان الهزيع الأول من الليل .. أخذني نور قدسي.. وعبق المكان بطيب ما شممت مثله قط.. وإذا بحوريتين مقبلتان لباسهما ولحافهما من سندس خضر وبيدهما مبخرة يتصاعد منها  أبخرة زكية.. واقتربتا من الشهيد .. فنثرتا عليه فرائد العطر والندى .. ثم انصرفتا.
وقال آخر: «أتذكرون  فلانا، لقد كانت كل رصاصة منه تصيب  العشرات من جنود العدو .. ورأتيه جذلا يخرج من قلنسوة جلبابه كسرات خبز يعض فيها تارة، ويضغط على الزناد أخرى ...وهو بين هذا وذاك يهتف: إلهي أنا ضيفك اليوم، فاقبل عبدك في زمرة الشهداء... واستمر في رميه وهتافه الى أن سقط شهيدا..  وابتسامة سماوية تعلو وجهه.
وحكايات نورانية أخرى، كان بعضها من صنع الحقيقة وكان بعضها الآخر من انشغال النفس بالملأ الأعلى والشهادة في سبيل الله.
ولكنها كانت جميعها مشوقا بليغا لقلوب المؤمنة الصافية.
وكانت عاملا آخر من عوامل الحماس للسوم المنتظر.
معركة أنوال الخالدة.. !
 جرت عادة أهل الريف بإشعال النار على قمم بعض الجبال المعروفة ايذانا بالخطر .. وذلك ما فعلوه بعد استردادهم «ظهر أوبران».
 تنادى الناس من كل صوب وحدب، وتسارعوا في جموع وحشد كبير قاصدين مركز البطل مستطلعين.. وأرهفوا السمع لأخبار المعركة والنصر الذي أحرز عليه المجاهدون فانتشوا بأخبار النصر وتاقوا الى الاستشهاد في سبيل الله.
وجاءهم صوت الأمير مرددا في تأثر قوله تعالى: «ولا تحبسن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون». فكبر الناس وهللوا وارتفعت أصواتهم في عنان السماء تباركها ملائكة الرحمن ويتضوع بشذاها الزمان !
وبقلوب عامرة بالايمان وبعقيدة راسخة خرج الناس على أنوال حيث كان الجنرال «سلبستر» يرابط بجيش قوامه عشرون ألف جندي وبعتاد قوي مدمر يستعد لاكتساح الريف. كان جمع هذا جمع معتد، ولا يفلح المعتدي حيث أتى!
المجاهدون يسيرون وفي سيرهم تكتب صفحات ..
عدتهم إيمان، وسلاحهم مبدأ،وغايتهم التحرير..
فالمجد والنصر للمثل العليا..
تكتيك في الحرب باهر، هو بند من بنوده: الحيلولة دون وصول المؤن والعتاد الى العدو.
فليكن أول العمل تنفيذ هذا البند.
ثم الهجوم والانقضاض بعد ذلك.
 الله أكبر، والعزة لله. الفئة المؤمنة القليلة غلبت الفئة الكبرى المسلحة ! «كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله»
انتصر المسلمون ولحق الدمار بالمعتدين.
تكبد العدو هزيمة نكراء، وفر يحتمي بالوهاد والجبال.
قتل طاغية يوم جزيرة النكور.. فيا لثأر الأحرار ويا لقداسة كلمة الرجال !
قتل «سلبستر»  على يد الأحرار يوم 21 يوليوز 1921 وقتل معه آلاف من الضباط والجنود، وكان الخبر صاعقا بالنسبة للإسبان، فعمهم الحزن والحداد.
ولاذ الجنرال «نفارو» بالفرار، إنحاز مع فلول جيشه الى قصبة (اعرو) فكانت قوات المجاهدين له بالمرصاد. فحاصروا القصبة حصارا كاملا وحالوا دون وصول الماء والمؤن إليها.. فانهارت مقاومته واستسلم ومعه البقية الباقية من الفلول المنهزمة، ودخل  قرية أجدير أسيرا وظل في السجن إلى أن افتداه المثري الاسباني «ايشيباريتا» بأربعة ملايين بسيطة !
كان لهذا الانتصار أثر عميق في نفوس المسلمين زادهم إيمانا بثورتهم والتفافا ببطلهم، فنصروه وعزروه ووقروه.. وانضمت الى الحركة قبائل وأفخاد .. فاتسعت رقعة المعركة وأسفر كل ذلك عن ميلاد ثورة الريف.. !
 لقد انتشى أهل الريف بالنصر ولم يبطرهم بل كان حافزا لهم على إعطاء الثورة مفهوما أوسع وهدفا أشمل.
وسارت اخبار النصر في جنبات المغرب توقظ من كان غافلا، وشاع خبر الثورة في أرجاء العالم، وتساءلت أروبا في فزع وفي اندهاش: أصحيح الخبر أم هو أضغاث أحلام ولغو كلام؟ وتوارت على أجدير –مقر القيادة العامة-  مراسلون للصحف يتساءلون عن النبأ العظيم وهم غير مصدقين.. !
ولكن هوالحق الأبلج عشى الأعين واستخلص منها الإكبار !
إنها الثورة استولت في اقصى الريف فكانت بردا وسلاما على المسلمين، وشواظا وجحيما على المستعمرين.
.. وملحمة أنوال.. !
إن معركة أنوال أصبحت ملحمة.. خصبة بالمعاني والمثل العليا.. تنتظر الشعراء والقصاصين. فأينهم..؟
تغنت النساء بهذا النصر، ودخل يوم انوال في الأهازيج والترانيم، وناغت به الامهات أطفالهن في المهاد.. وأرخ به المؤرخون في الريف لزواجهم ولميلاد أبنائهم ولأحداثهم.
لقد ذاب كل تاريخ فلم يبق حيا نابضا إلا يوم أنوال وانتصار أنوال، فهو نشيد الإنشاد بالنسبة إليهم جميعا.. !
وملحمة أنوال لا تزال حية الى اليوم تحكي القصة بوضوح .. ولا زالت العجائز الواهنات يرددن في ليالي الشتاء الطويلة وعلى نقرات الامطار لأحفادهن حكاية أنوال وخرافات منسوجة حول سلبيستر فيتلقاها هؤلاء قصصا من قصص الجن والعفاريت لا من قصص الواقع الصحيح !
إنها قصة بعد بها الزمان وبهتت الأضواء فإذا هي كرجع الصدى البعيد أوكصفحة صفراء من بقايا سفر قيم !
وتجتمع اليوم –وقلما تجتمع- عجائز الحي يستعدن في غبطة وفي أسى وحنين ذكريات المعركة.. إنهن حضرن تفاصيلها وعشن أحداثها ورددن اهازيجها، يسال بعضهن بعضا: أتذكرين أيام المعمعة وتكبيرات المجاهدين؟ أتذكرين أغنية انتشرت في أعقاب الأنصار؟ أتذكرين الأمير سيدي محمد وقد أفاض الله عليه نورا  وكساه جلالا ومهابة؟
فتستعيد كل واحدة ما يزال عالقا بالذاكرة تردده بنفس النغم وبنفس الكلمات، فإذا وقعة أنوال حية في الأهازيج الشعبية التي اندثرت أو تكاد !
أرأيتم الى هذه الفتيلة المقدسة الملتهبة على الدوام في المعابد والهياكل؟
إنها كل ما بقى في صدور الناس الأولين من ذكريات أنوال.. وأخشى ما أخشاه أن يجيء يوم لا تذكر فيه من أمر أنوال إلا أنه وقعة حربية عادية لا غير، ثم تنطفئ الفتيلة يوم يكف الناس عن زيارة المعبد المقدس فتصير الى رماد... !
إنها معركة ضعضعت الاستعمار، وكانت أقوى عامل على السير بالثورةالى الأمام، وهي ثورة انبعثت من قريتي أجدير:

وأجدير منبع مقدس لماء الحياة، حياة العزة والكرامة،
حياة الإيمان !
فالمجد والخلود لثورة الريف.
وتحية من القلب الى قريتي الوادعة «أجدير« مهد الثورة وموطن الامجاد... !


 الشكاية والكتمان
فائدة الشكاية الترويح والتخفيف لأن بث الشكوى وإفشاءها فيه تخفيف وراحة:
ولا بد من شكوى الى ذي مروءة         يـــواسيك أو يسليك أو يتوجــــع

وبعضهم يرى كتمان الأمر وعدم الشكاية لا سيما إن كان المشكو له غير مشفق،
والكلام المشهور في هذا  قول ابن الطيب:

ولا شك الى خلــق فتشمتــــــه         شكوى الجريح الى العقبان والرخم         
  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here