islamaumaroc

إعادة النظر في التربية الدينية في مدارسنا

  دعوة الحق

80 العدد

ان أحدا لا ينكر ما للتربية من تأثير في نفسية الفرد وعقله وتفكيره، وأثرها في تكوين الشخصية بما لها من أبعاد وجوانب فردية أو اجتماعية..  من أجل هذا نرى أن علماء النفس والتربية على جانب كبير من الاهتمام بتربية وتنشئة الانسان الصالح، الانسان الذي يؤثر في المجتمع تأثيرا ايجابيا، ولما كانت التربية تهدف إلى إيجاد هذا النوع من الأفراد لذا نرى أن المناهج التربوية عرضة للتغيير والتبديل بين آونة وأخرى كلما جدت نظريات اعتقد العلماء بصحتها ومنافعها لصالح الفرد والمجتمع.
وإذا أردنا أن نلقي نظرة على أوساط التربية في العصر الحاضر وجدناها تتمثل في الأسرة والمدرسة والمجتمع وقد أصبحت المدرسة في يومنا هذا ذات تأثير كبير وفعال في نمو فكر الفرد وبلورته ومن ثم في سلوكه ولذا فإنني سأقتصر في مثالي هذا على جانب واحد من التربية في مدارسنا وهي التربية الدينية وهل غمطنا حقها أم أوفيناه.
إن المفكرين في العصر الحديث يدركون ما للدين من تأثير في عصمة الانسان عن الأهواء والشذوذ والانحراف، ويقول علماء النفس أن للدين أثرا في تهذيب سلوك الفرد ونزعاته المضرة، وله أثر قوي وعميق في النفس الإنسانية، فهو ينفذ حيث لا ينفذ القانون، وهو يعاقب على الظاهر والخفي، أما القانون فلا يعاقب إلا على الإجرام المكشوف، وقد يكون المجرم بارعا أو متمرساً في الأجرام المكشوف، فلا يمكن ضبطه أوتقديم بينة ضده، ولكن التربية التي تنمي حساسية الضمير تجعل من الانسان رقيبا على نفسه يحاسبه على أقل ما يرتكب من الآثام، كما يدفعه وعيه على التفكير وفعل الخير.
ومن الواضح أن المبادئ الدينية منظور فيها إلى ناحية الخير الاجتماعي وفائدة وصيانة المجموعة البشرية .

والدين بما له من إطار واقعي صحيح ينفذ الى جميع المجالات الحياتية بكل ملابسها وظروفها، وهذا الدين لا يكون إلا الإسلام لأنه وحده الذي يكفل مطالب الإنسان ورغباته المادية والروحية، ونحن إذا أردنا أن نلقي نظرة عابرة على منهج التربية الدينية في مدارسنا، أردنا أن نفتش عن مواد هذا المنهج وبنوده، فإننا لا نجد ذلك المفهوم الواقعي للإسلام ولا تكون حصيلة تلك النظرة غير صورة مشوشة عن الإسلام، لا تفي بغير بعض المظاهر الشكلية عن الدين، ذلك لأن حفظ بعض نصوص الأحاديث  الشريفة والآيات الكريمة لا يكفي لخلق فرد مسلم مركز في عقيدته وسلوكه، فتربيتنا الدينية تربية سطحية غير عميقة فهي لا تعتمد الجانب الفكري المؤيد بالدليل والبرهان وهذه لا شك ستكون نتائجها أقرب الى السلبية غير الايجابية، إذ أنها سرعان ما تزول وتنحسر أمام الأفكار والفلسفات المضادة، وسبب زوالها هو أنها تفتقد الترابط والتفاعل مع الفرد، إن التفاعل والترابط والتجاوب كلما كان وثيقا كانت النتائج قوية وعميقة وراسخة.
ثم ان هذا التفاعل والترابط ربما تلعب العواطف فيه دورا مهما، فعلينا في هذه الحالة أن لا نغفل تنميتها على أساس من القواعد الفكرية الإسلامية والتي تكون كقاعدة أساسية وخط عريض لتلك العواطف، والواقع أننا لا يمكن أن نحقق أي غرض إذ أردنا  أن تكون التربية الدينية معلومات نظرية فقط لأن الغاية والهدف من تركيزنا على التربية الإسلامية إنما هو تحقيق النتائج الايجابية التي تتمثل في السلوك العملي للإنسان بجانبيه الفردي والاجتماعي، إن المعلومات النظرية الي تحفظ ولا تطبق لا تجدي نفعا لأن الإسلام دين علم وعمل.
وقد جاء في كتاب (رسالتنا) لجماعة العلماء في النجف: (إن الإسلام لا يريد المفاهيم والأفكار بمعزل عن العمل والتطبيق وإنما يريدها قوى دافعة لبناء حياة كاملة في إطارها وضمن حدودها ومن الواضح أن الأفكار والمفاهيم لا تصبح كذلك إلا حين تتخذ أشكالا عاطفية وحين تخلق الانفعالات التي تناسبها والعواطف التي تساندها لتتخذ هذه العواطف موقفا ايجابيا في توجيه الحياة العملية والسلوك العام فمفهوم المساواة مثلا الذي هو من أهم المفاهيم التي بشر بها الإسلام، لا يمكن أن تثمر في الحقل العلمي ما لم تنبثق من هذا المفهوم عاطفة كعاطفة الأخوة العامة التي عمل الإسلام لإيجادها في نفس المسلم وربطها بمفهومه الخاص عن المساواة ليصاغ المفهوم في شعور عاطفي دفاق قادر على الحركة والتوجيه طبقا لمتطلبات هذا المفهوم).
وإن تربيتنا الإسلامية يجب أن تكون تربية كاملة غير ناقصة لأن التربية الناقصة كثيرا ما تكون سببا في ازدواج الشخصية وذلك ما نراه واضحا عند إنصاف المثقفين –ان صح التعبير- هؤلاء الذين يأخذون جانبا أو أكثر من المذاهب المستوردة كأولئك الذين يتبنون الجانب الاقتصادي من النظرية الماركسية مثلا بحجة أنه لا يتعارض مع الفكرة الإسلامية وأنه لا يمس العقيدة ولا يؤثر عليها أو بتعبير آخر إن تبنيه للجانب الاقتصادي لا يجعله ملحد ولكنه نسي أو تناسى أو جهل أن الاعتقاد بعدم صحة جانب من جوانب الإسلام إنما هو كفر ومن ثم كفر بالإسلام كله لأن الاعتقاد ما هو إلا اعتقاد بعدم صلاحية الإسلام للتطبيق في هذه الحياة: (فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض).
إن الإيمان برسالة الإسلام يجب أن يكون إيمانا بكل ما تنطوي عليه هذه الرسالة من أنظمة في كل مجالات الحياة الاجتماعية منها الاقتصادية والسياسية وغير ذلك، إن الإسلام هو وحدة من الأنظمة مترابطة متداخلة لا يمكن تجزئتها وتفكيكها، والمشرفون على مناهج التربية الدينية يتحملون مسؤولية كبيرة عندما يعتنق الفرد –الذين لم يعمقوا في نفسه جذورالعقيدة- بعض الأفكار والمذاهب اللاإسلامية، لأنه يدخل معترك الحياة وهو لا يحمل عدة عقيدية تمكنه من صد التارات الفاسدة وعندها يكون نهبا لها وأرضا صالحة لنموها وتثبيت جذورها.
والتركيز على الفكرة الإسلامية هو الذي يكون حاجزا منيعا أمام كل هذه التيارات وأمامه تنحسر وتنهزم عندما تتحسن قوة هذه الفكرة وصلابتها، وهي ماثلة في نفس الفرد.
ومن الأدلة التي تدعم ما أقول ماجاء في إحدى الصحف الفرنسية في تحقيقها الذي يلخص لنا تقريرا طبيا كتبه الدكتور ميير وهو طبيب نفساني كان قد كلف بدراسة حالات الأسرى الجنود الأمريكيين في كوريا عن عودتهم الى وطنهم، وقد هال حكومتهم ما شاهدته من أن هؤلاء الجنود قد صاروا شيوعيين، وقد سجل الدكتور ميير في تقريره هذه الملاحظة الخطيرة وهي : إن الحنود المتدينين هو وحدهم القادرون على مقاومة الشيوعية، إن هذا التقرير يؤيدنا تمام التأييد في أن التربية الدينية هي وحدها القادرة على أن تهزم كل الأفكار الدخيلة والمنحرفة.
ثم إن المفارقات التي لا تلتئم ووقائع الإسلام تعريفه بأنه علاقة تربط الانسان بربه، في حين أن هذا التعريف يكاد لا يمثل  إلا جانبا واحدا من جوانب الإسلام، وما هو إلا شحنة من شحنات الاستعمار الفكري الذي أراد أن يحرف الإسلام عن مفهومه الحقيقي، إن علينا أن نزيل هذا التعريف عن مدارسنا ونرده على من وضعه ثم نبدله بالتعريف الذي ينسجم وطبيعة الإسلام، الإسلام الذي غير مجرى تاريخ البشرية، بعدما أضاف إلى حضارتها نتاجا ورصيدا ضخما في شتى مجالات الحياة.
إن التعريف الذي وضعه الاستعمار للإسلام يمكن أن ينطبق على الدين المسيحي أو غيره من الأديان الأخرى التي انتهت مهمتها في أن تكون نظاما للكون والحياة والإنسان.
لقد نادى فلاسفة أوروبا ومفكروها بفصل الدين عن الدولة لما تبين لهم ان الدين المسيحي لا يصلح أن يكون منهاجا تسير في ضوئه هذه الحياة المتطورة.
فقد كان ممثلوا المسيحية يقتلون ويعذبون العلماء الذين اثبتوا بتجاربهم حقائق علمية زعزعت ما كان يزعم أنه حقيقة لا شك فيها في المسيحية، ولكننا نحن المسلمين عند ما انحدرنا في تقليد الغرب في كل شيء عدنا نلتزم بمفهوم فصل الدين عن الدولة، وللأسف أن هذا المفهوم تجسد واقعا سرا في حياتنا العملية من قلق دائم وحيرة مستمرة.
وعليه فمنهاج التربية الدينية بحاجة الى تغيير جذري إذا أردنا أن نوجد مسلمين يتجاوبون مع الإسلام تجاوبا كليا، هذا من جهة المشرفين على تدريس هذا المنهج، والمدرسين فلا ريب أن لهم تأثيرا كبيرا في عواطف ومشاعر واذهان الطلاب الذين يتلقون عنهم الدرس فعلينا ان نختار مدرسي التربية اختيارا صحيحا، فنختار الرجل البصير الواعي للمفاهيم الإسلامية وعيا كاملا متجاوبا معها تجاوبا نفسيا تاما ذا تجربة وخبرة في التعليم طويلة الآن ناقد التجربة لا يستطيع التأثير في نفوس الطلاب لأنه لا يعرف كيف يتجاوب معهم.
ومدرس مادة الدين بحاجة إلى ثقافة حديثة يتابع بواسطتها الجديد في عالم الفكر والعلم وعلى صلة بالمجتمع متفاعلا معه غير منطو على نفسه.
والثقافة الدينية يجب أن لا  تقتصر على مدرسي الدين وحده بل يجب أن تتخطاه الى كل مدرس في أي فرع من الفروع حتى يتمكن من النقد والمقارنة وبيان ما أثبته العلم من حقائق جاء بها الإسلام منذ قرون بعيدة، أن هناك كثيرا من فصول كتبنا التي تدرس في مدارسنا تحدث انطباعا سيئا عن الدين في نفسية الطالب.
فكثيرا من الكتب المقررة في مدارسنا وضعها مؤلفون غير مسلمين، وهل يمكن أن نأمن على هؤلاء من الدرس والتشويه والافتراء على ديننا وعقيدتنا، وعلى الأخص في كتب التاريخ، فعلينا ان نختار الرجل المسلم ليؤلف في تاريخ الاسلام وفق وجهة النظر الاسلامية وتحليله للحوادث ودراستها وتفسيرها بعد أن ينقيها من كل ما يشوبها من تشويه، وفي الواقع أن هناك كثيرا من النقاط التي تصل بدراسة الاسلام وتاريخه تحتاج الى معالجة وهي أكثر من ان تستوعبها صفحات هذه المجلة.

1-الدكتور احمد حسن الرحيم –أصول تدرس اللغة العربية والتربية الدينية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here