islamaumaroc

الخليل بن أحمد الفراهيدي أول معجمي عربي

  دعوة الحق

80 العدد

المثقفون الأولون في الدولة العربية كانوا لا يعيرون الى جمع اللغة العربية وترتيبها أي اهتمام، ذلك لأنهم كانوا يأخذونها من أفواه العرب، فمن أراد تعليمها أو أخذها ببلاغتها ورنتها ومصطلحاتها، فليتعلمها من بوادي العرب في البصرة والكوفة – في العراق.. أومن قبائل الجزيرة، أو من عرب الشام..
فابن المقفع، وابن برد وغيرهما من المثقفين والعلماء الكبار أخذوا العربية من بوادي العرب، شأنهم في ذلك شأن الشعراء والكتاب الذين سبقوهم.
وبقي الحال هكذا بالنسبة للعربية الى أن جاء عصر التدريس وتخصصت جماعات من رجالات العلم العرب لكتابة الفقه ووضع علم النحو، وجمع اللغة العربية، وكان من أشهر هؤلاء عبد المالك بن قريب الأصمعي والكسائي والأزهري، ثم جاءت فترة وضع القواميس لهذه اللغة، لترتيبها وحفظها من الضياع والتلاشي، وكان من أشهر المعجميين بل من أيمتهم خليل ابن احمد الفراهيدي..
لقد جاءت اللغة العربية، أقدم من العرب، ولذلك لم يكن تركيبها في بداية الحضارة الإسلامية طبيعيا، فإن العرب حينما استعملوا لغتهم في الشعر والخطابة كان ورثة المدنية في العالم القديم قد انتهوا من وضع قواعد متوطأ عليها في استعمال اللغات: كان الإغريق مثلا قد فرغوا من وضع علم البلاغة والشعر كما كان اللاتين قد بلغوا السماكين في فنون الخطابة والبيان..
أما الدولة العربية فكانت آنذاك ثقافة الشعر عندها ذخرا كما كانت مزايا اللغة العربية أعظم من مزيا الشعر وخاصة بعد أن صارت كالمرآة  تنعكس عليها كل صور المجتمع والبيئة والفكر العربي حيث غلبت اللغة وروايتها على سائر فنون الأدب وشعب العلوم وانبعث ذكاء العرب بها بعد مجيء الاسلام انبعاثا فياضا ملأ اكتب والمجالس، وسال على ألسنة الرواة والحفظة..
وقد يكون القرن الثاني هو بداية هذا النشاط الفكري العريض الواسع حيث ظهرت مؤلفات كاملة في مختلف العلوم الإسلامية والعربية، ففي ميدان الحديث ظهرت موطأ مالك كما ظهرت بجانبه من ناحية أخرى سيرة ابن إسحاق، وكتاب النحو لسبويه ومن قبل كل هذا ظهر معجم العين في اللغة للشيخ الخليل ابن أحمد الذي كان له الفضل  أيضا في وضع علم العروض في اللغة العربية.
والخليل ابن احمد عمرو بن تميم الفراهيدي الآزدي قد ولد في مدينة عمان على شاطئ الخليج الفارسي سنة 100 هـ ولكن نشأته بالبصرة غلاما، وتلقيه التعليم بها تلميذا وطالبا ورياسته لجامعتها جعلته يشتهر  «بالبصري« وقد كان الخليل بن احمد من أولئك العلماء القلائل الذين انحدروا من أصل عربي صرف حيث حيث ينتسب الى بطن فرهود من قبيلة الآزد.
درس الخليل الحديث وفقه اللغة على يد أيوب السختياني والعوام ابن حوشب وغيرهما، وكان الخليل رجلا شديد الورع، عاش حياته فقيرا حيث رضي وقنع بعيشته الزهيدة المتواضعة لكثرة انشغاله بالعلم والتفكير في شؤون ارتقاء الفكر العربي واللغة العربية.

ونذكر من تلامذة الخليل بن أحمد البارزين في الحقل اللغوي «سيبويه» والأصمعي  والنضر بن شميل والليث بن المظفر وغيرهم.
وقد ظهرت شخصية الخليل قوية واضحة في تأليفات هؤلاء التلاميذ، فهذا سيبويه ينقل في كتابه الكثير عن الخليل بدرجة ملحوظة جعلت النقاد يعتبرون سيبويه قد جمع فقط آراء شيوخه الذين كان أهمهم الخليل ودونها في سجل عرف فيما بعد بالكتاب.
ولم يبرز الخليل في العلوم اللسانية من نحو ولغة وشعر فحسب، بل كانت له دراية واسعة بالعلوم الشرعية والرياضية، وأكثر من هذا كان بارعا في الموسيقى والنغم.
هذا، وتتفق كتب السير جميعا على أن الخليل هو واضع علم العروض وقاعده في اللغة العربية، ولا تزال طريقته هي السائدة اليوم، على الرغم من المحاولات الكثيرة الأخرى التي بذلت لوضع طريقة غيرها على أنه لم يصل إلينا من مؤلفاته في هذا الموضوع سوى شواهد من أبياته وردت في رسائل وكتب مختلفة.
وأن نظرة واحدة الى الطريقة التي وضع بها  علم العروض الذي اتفق الجميع على أنه هو الذي ابتكره دون سابق مثال  لتدلنا على أن الخليل كان ذا عقلية مبتكرة، وقد روي في هذا أنه  كان يوما مارا بحداد، فاستهواه دق المطرقة المنتظم، فلما حاول أن يربط بين هذه النغمات الرتيبة وبين الأوزان في الشعر العربي تم له ذلك باختراع علم العروض وكانت التفعيلات التي استملها الخليل كموازين للشعر وتقطيع الأبيات على حسب تلك الموازين الذي يؤدي أحيانا الى شطر الكلمة الواحدة أو ضم كلمة مع جزء آخر لتكون وحدة عروضية معينة، كانت كل هذه الأشياء الجديدة على اللغويين الأولين، أشبه شيء بالألغاز، ولكنه عمل من أجل فرض هذا العلم على الفكر العربي، كما عمل على ارسائه واعتباره جزءا من الثقافة العربية..
وكان الخليل أحمد أيضا أول من صنف معجما عربيا وهو المعروف بكتاب «العين» ولا غرابة في أن يكون اهتمام الخليل في ذلك الوقت بجمع اللغة وترتيبها خاصة إذا علمنا ان على يده رسخت دراسة اللغة العربية في نفوس أدباء وعلماء ذلك العصر الذي ابتدأه الخليل بكتاب العين وختمه أبو القاسم الزجاجي بأماليه.
والواقع إن الاحاطة باللغة العربية كان في عصر الخليل نوعا من التفوق الشائع الذي يرافق سائر فروع العلم إلا أن جريان اللغة في مجرى علم الحديث خلق تهيب القديم وسن طريقة النقل والتقليد وكان المجهود الجبار الي بذله أئمة العلم والأدب في جمع اللغة والوصول بشرحها، وإيراد  شواهدها الى الكمال قدجعل  ذلك العلم كالصرح الشامخ لا يقدر على الخوض فيه إلا النوابغ والعباقرة...
وإذا ما ألقينا نظرة على كتاب «العين« للخليل، وهو كما يتفق عن ذلك كل الرواة والنقاد أحسن ما صنفته براءة عبقري اللغة العربية خليل بن أحمد وجدناه أول معجم شاهده العالم قبل أن تكون لأية لغة أخرى  قاموس أو معجم لغوي.
إن المبادئ الرئيسية التي بنى عليها الخليل ترتيبه في هذا المعجم تنحصر في أربعة نقط: «كما يؤكد ذلك صاحب كتاب المعاجم العربية».
أولا – رتبه ترتيبا أبجديا، عكس ما كان موجودا في عصره حيث كان النقلة والمصنفون يرتبون كتيباتهم بحسب موضوعاتها ومعانيها، وبهذا يكون الخليل بن أحمد مبتكرا وسباقا في هذا الموضوع أيضا..
ثانيا – نظم كلمات معجمه تبعا لحروفها الأصلية بقطع النظر عن الأحرف الزائدة فيها وهذا المبدأ ظل متبعا في كل مراحل تطور المعجم العربي في عصر الخليل إلى عصرنا هذا حيث نجد ذلك مجسما في معاجم المجامع اللغوية والعلمية القاهرة ودمشق وبغداد..
ثالثا- خضع تبويب الكلمات لنظام الكمية حيث تسجل الأصول على الشكل الآتي:
الثنائي – الثلاثي – الصحيح – الثلاثي –المعتل- اللفيف- الرباعي – الخماسي المعتل.
رابعا – عالج في معجمه الكلمة ومقلوباتها في موسع واحد.
وتجدر الإشارة الى أن جميع الذين الفوا المعاجم من بعد الخليل بن احمد قد اتبعوا نهجه هذا، ذلك النهج الذي وجد صدرا رحبا من لدن المستشرقين وأئمة اللغة وفقهها في الشرق والغرب.
والملاحظة الأساسية هي أن هذا المعجم وجد في الوقت الحاضر متسعا من البحث في الجامعات والمعاهد الأوربية على الخصوص..
لقد كان لوضع كتاب العين في اللغة العربية صدى كبيرا بين علماء اللغة والأدب في مختلف العصور حيث نهج طريقته كثير من الرواد من أمثال الخزرنجي، وأبي الأزهر البخاري والثياني.
أما أهم المعاجم التي سارت على نظام العين وبقيت حتى وصلت الى عصرنا فمنها ما وضعه المشرقيون، ومنها ما ألف في الأندلس إبان ازدهار الحضارة الإسلامية كالجمهرة لابن دريد وتهذيب اللغة للازهري، والبارع لأبي علي القالي والمحكم لابن سيدة، وأحسنه، وأتقنهم مختصر العين لأبي بكر الزبيدي .
إن مختصر العين المعجم الثاني الذي شهدته الأندلس العربية والذي اهتم به علماء اللغة العرب في الأندلس من المتأخرين والذين أثنوا عليه ثناء عظيما.
قال عنه الفيلسوف ابن خلدون:
كان الخليل أول من فكر من اللغويين العرب في وضع معجم أبجدي وسماه العين وقد وضعه مفصلا مطولا، وقد اختصره الزبيدي بطريقة بديعة، حيث حذف ما يستغني عنه مبقيا على روح الكتاب وأصله: وذكر برزكلمان وكذلك دائرة المعارف الإسلامية على الكلام عند الخليل:
«إن كتاب العين يعتبر في حكم المفقود، ولكن هنا أفضل كتاب يقوم «العين» هومختصر العين للزبيدي الذي يمثل الكتاب الكبير »صدق تعبير»...
وذكر الدكتور عبدالله درديس في كتابه المعاجم العربية عند حديثه عن كتاب العين.
«يبدو أن الزبيدي لم يدع للشك طريقا في أن «العين» أجمع معجم عربي يجب ان يختصر لعالم الثقافة والفكر والتعليم العربي، ولذلك فهو اختصره، وحافظ على روحه الأصلية، لأنه عالم لغوي تحمل مسؤولية في الاختصار كاملة».
ذلك هو الخليل بن أحمد الذي أضاف الى جمال وعذوبة اللغة العربية شيئا اسمه المعجم، والذي أضاف  الى أدبها شيئا اسمه العروض.
وعلى الرغم من أن ثمة أقوال كثيرة في أن «العين» ليس من تأليف الخليل للتنقيص من سمعته، فإن النقاد اللغويين المشارقة والمغاربة قد اثبتوا أن هذه الأقوال لا ترمي فقط إلا  للتقليل من سمعة الخليل.
ومهما يكن من أمر فان الخليل  سيظل الى الأبد علما من أعلام الفكر العرب الذين خدموا اللغة العربية وآدابها، ومن الذين عملوا على نشرها، وارتقائها الى الدرجات المثلى التي لن تنقل اليها أي لغة حية أخرى بعد، بواسطة معجمه العين، واختراعه للعروض على الرغم من قدم اكتشافاته العلمية التي يرجع تاريخها إلى أكثر من ألف سنة.
فللعرب والعروبة أن تفتخر برجل جليل الذكر اسمه الخليل بن احمد الفراهيدي.

1-هذا المعجم صدر عن وزارة الشؤون الشؤون الإسلامية تحقيق الاستاذ علال الفاسي ومحمد بن تاونت الطنجي.

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here