islamaumaroc

م.زنيبر [رد على نقد]

  دعوة الحق

80 العدد

لما  اطلعت على التعليق القصير الذي كتبه الأستاذ الحسن السائح على مقالي في موضوع رواية نجيب محفوظ، تراءى لي، بادئ ذي بدء أن الأمر لا يحتاج الى جواب،  حيث إن مقالي هو الجواب نفسه، ولو تفضل الأستاذ الفاضل وقرأه بشيء من الإمعان لما غابت عن فطنته البراهين التي دعمت بها رأيي ولخرج به الفهم عن كل اشكال.
وأجدني اليوم في موقف حرج ومضحك في آن واحد موقف الرجل الذي يقص قصة طويلة على مستمع لا  ينتبه إليه، حتى إذا  انتهى منها التفت اليه الآخر في براءة قائلا: «ماذا كنت  تحكي؟».
لقد انتظرني الأستاذ السايح حتى كتبت أربع مقالات طويلة ليقول لي بكل بساطة أنه لم يفهم تلك المقارنة التي قمت بها بين ألف ليلة وليلة وثلاثية نجيب محفوظ. اذن، ما الحيلة؟ هل أكرر نشر تلك المقالات من جديد لأنها تحتوي على عناصر الجواب الذي ينتظره الأستاذ الفاضل؟ أم هل ألتزم السكوت، لأني أعتبر نفسي مسؤولا عن أشياء أبديتها ولم يعد من الضروري تكرارها؟
وهنالك ملاحظة لا بد من إدراجها في الأول وهي تتعلق بطريقة الاستاذ السايح في النقد، فهو يكتفي ببضعة أسطر ليصدر حكمه النهائي على هذا المقال أوذاك دون أن يتوسع في الحيثيات أو يأتي بالبراهين الشافية والحجج الكافية. شأنه في ذلك شأن الأستاذ المصحح الذي يضع ملاحظات موجزة في ورقات التلاميذ مستندا الى علمه الواسع وتجربته الكبيرة، وما دمنا نتكلم عن التصحيح، فاني الفت نظرة من طرف خفى إلى غلط تسرب الى نثره القيم في هذه الجملة الإسمية حيث  يقول: «وأبطال ألف ليلة وليلة شرقيين خياليين لا أبطال مصريين واقعيين». اللهم إلا إذا كان تطور العربية في العهود الأخيرة أصبح يقتضي نصب النعت بعد الخبر المرفوع وكنا نحن في غفلة عن ذلك لا زلنا نتبع الموضة القديمة.
وللنقد قواعده وأصوله التي تقتضي التبسط والإيضاح وتفضى إلى الإقناع حسب الأسس المنطقية المعهودة من استدلال واستنباط واستقراء، ولا يمكن للنقد أن يكتب على طريقة ابن عطاء الله في حكمه، وجار الله الزمخشري في أطواقه في شكل لمحات مقتضبة، ونفثات موجزة، وهذا ما عهدناه لدى اساتذة النقد، سواء في اللغات الأجنبية، أو في لغتنا العربية من أمثال طه حسين والعقاد ومندور وغيرهم.
ومهما يكن، فنظرا لما أظهره الأساتذة السايح من حسن نية في ملاحظاته، ومن براءة في تساؤلاته، فسأكون مضطرا للعودة الى الموضوع، معتذرا للقراء عن تكرار ما كان في غنى عن التكرار، وسأحاول بقنديلي الضعيف أن أنير له هذه الطريق الواضحة المعبدة التي لا يحتاج فيها الاعشى الى مرشد أو دليل، ولو كان يسير في الليالي الحالكات.
يقول الاستاذ السائح: «أنه لا يتصور التقاء نجيب محفوظ مع ألف ليلة وليلة من الوجهة الأدبية الفنية» لأن ألف ليلة وليلة تصور عقلية المجتمع الشرقي ولا تصور المجتمع المصري وحده، بل تصور عواصم الشرق العربي كله. ولم تكتب لتصور مجتمعنا أوتخلق حياة في مجتمع».
إني لا أتصور كيف لا يتصور الاستاذ السائح مثل هذا الالتقاء، مع أن كل مطلع على الآداب في سائر اللغات يعرف أن الالتقآت من هذا النوع كثيرة. بل، لربما كانت عند بعض أساتذة النقد قاعدة عامة وأساسية يطبقونها في أبحاثهم. وقديما كان نقده الشعر عندنا، من أمثال أبي منصور الثعالبي، والجرجاني، وأبى هلال العسكري، وابن بسام وغيرهم، يرجعون الأبيات التي قيلت في عصرهم الى أصولها في العصور السابقة، فيجدون مثلا شاعرا عاش في الحضارة والنعليم مثل المعتمد ابن عباد يلتقي في بعض معانيه مع شعراء عاشوا قبله بقرون في صحارى البلاد العربية مثل امرئ القيس والخنساء وقيس بن الخطيم وغيرهم.
بل إن أعظم الآثار الأدبية في العالم وأقواها شهرة وذيوعا لا يتورع النقاد في البحث عن المؤثرات التي أثرت على كتابها والينابيع التي استقوا منها. فهذا دانتي الشاعر الايطالي الكبير، صاحب الملحمة الخالدة «الكوميديا الالهية» يذكر عنه عدد من مؤرخي الآداب أن استوحى موضوع قصيدته من قصة المعراج الإسلامية، وهنالك من يتساءل هل اطلع على «رسالة الغفران» للمعري ورسالة «التوابع والزوابع» لابن شهيد. ولنا أن نقول مثل ذلك عن عباقرة آخرين مثل «سيرفانتيس» الاسباني «وشيكسبير» الانجليزي «وموليير» الفرنسي «وجوته» الألماني وغيرهم.
وهذا التأثر أو هذا الالتقاء لا يضير في شيء قيمة الكتاب، وإنما هو دليل على وحدة الفكر الانساني مهما تباعدت العصور واختلفت الديار. وهذا ما أشرت إليه في مستهل مقالي الرابع عن نجيب محفوظ (انظر دعوة الحق عدد 4 يبراير 1965) حيث قلت:
«التقليد شيء، الالتقاء شيء آخر. التقليد ينبني على نية سابقة فيها اعتراف ضمني بتفوق النموذج المتبع والمقلد يتخلى في قرارة نفسه عن الدعوى التي ترافق مجهود الفنان المبتكر، ويستسلم للمثال الذي وضعه نصب عينيه، وقد يتوفق في عمله فيدون لإنتاجه قيمة فنية، كما وقع لبعض الشعراء الذين قلدوا (هوميروس) في ملحميته الالياذة والاوديسا، أوكما حدث للروائيين المسرحيين الفرنسيين، أمثال (راسين) و (موليير)، حينما قلدوا الدرامات اليونانية القديمة، فاستطاعوا أن يخرجوا من طور المحاكاة الآلية الى درجة الابداع والتجديد.

أما الالتقاء، فهو يحدث بطريقة عفوية. فقد تختلف اتجاهات الكتاب وأذواقهم ومقاصدهم، وتتباين نقط انطلاقهم، ولكنهم يتلاقون في بعض المواطن مدفوعين بمنطق تفكيرهم، أومنجذبين نحو نفس المشاهد والحقائق أنهم لم يحاولوا الأخذ عن بعضهم، أو السير على نهج واحد. ولكن أفكارهم وحاستهم الفنية تشابكت في ملتقى لم يكن منتظر أو –بالأصح- لم يكونوا هم يتوقعونه.
ولعل هذا ما حدث بالضبط نجيب محفوظ، فلست أعتقد أنه قرر في نفسه أن يضع نصب عينيه ألف ليلة وليلة كنموذج يستوحى منه وينسج على منواله. بل، لربما كانت الف ليلة وليلة بعيدة عن تفكيره حينما كان يكتب ثلاثيته، ولا غرو، فان مقصده يختلف كل الاختلاف عن مقصد ألف ليلة وليلة.
ولم أكتف بهذه الملاحظات العامة بل قدمت أمثلة واضحة وقارنت بين نصوص من ألف ليلة وليلة وأخرى من الثلاثية وحللت الجوانب الاجتماعية والخلقية والنفسية التي تربط بين الرواية القديمة والثلاثية فبينت كيف أن الالتقاء يحدث في بعض المواقف الغرامية وفي التشابه بين بعض الأبطال. ثم ارتفعت من نطاق الأفراد والاحداث والجزئيات الى مستوى الاتجاهات الميتافيزيقية فأوضحت كيف أن التقارب يتم في ثلاثة مواقف من الحياة هي: الاستسلام للقدر، والاقبال على اللذة، والتشبث بالدين.
لكني جعلت لهذا الالتقاء حدوده، اذ هو كما شرحت في الأول ليس  كليا بل إنه نسبي. فهو يحدث عند نجيب محفوظ كلما تعلقت القصة بتصوير المجتمع القديم، مجتمع الجيل الأول، أو بتحليل أحد الأشخاص الذين ينتمون الى هذا الجيل. ومعنى هذا أن التقارب لا يحدث بصورة مصطنعة وخيالية في إطار الرواية، بل هوتقارب يوجد في الواقع الاجتماعي نفسه وإنما يكتفي نجيب محفوظ بالتقاطه حيا ناضجا م نمشاهداته ومرئياته.
وهذا ما حدا  بي إلى القاء نظرة على التطور الذي حدث في المجتمع المصري والشرقي، بصفة أعم، حيث بينت أن الركود ظل هوالسمة الغالبة على ذلك المجتمع الى عهد قريب. ولهذا، فلا عجب من أن يكون بعض الأشخاص الذين يعيشون في أوائل القرن العشرين يشبهون الى حد كبير أشخاص ألف ليلة  وليلة الذين عاشوا فيما بين القرن التاسع والقرن الخامس عشر، لأن الحياة الإجتماعية لم تتغير كثيرا خلال هذه الفترات.
كل هذه نقط كانت جديرة بأن تستوقف الاستاذ السايح لحظات فيمنحها شيئا من وقته الثمين. ولعله لو فعل لما ذهب له التعجب كل مذهب، بل لربما ركدت ريح الدهشة لديه، ووصلنا الى شيء كبير من التفاهم.
على أنني لا أتمالك، أنا بدوري، عن شيء من التعجب حينما يقول الاستاذ الفاضل: «ان ألف ليلة وليلة تصور عقلية المجتمع الشرقي ولا تصور المجتمع المصري وحده، بل تصور عواصم الشرق العربي كله. ولم تكتب لتصور مجتمعنا أو تخلق حياة في مجتمع».
فهل قرأ هذه الجملة بإمعان؟ وهل وزن ألفاظها وعباراتها؟ ألا يشعر بشيء من التناقض والاختلال في محتواها؟ لننظر:
قبل كل شيء، ما هو الفرق بين المجتمع الشرقي والمجتمع المصري؟ وهل المجتمع المصري ليس مجتمعا شرقيا؟ هل نحن عند ما نتحدث عن الشرق ليس يخطر ببالنا أول مرة القطر المصري بنيله وتاريخه العريق؟
مهما يكن، فسننظر الى الموضوع بالأسلوب المنطقي الذي لا يقبل المهاودة. فإما أن مصر بلد غير شرقي، وإذن فأنا مخطئ في كل ما استنتجته من هذه الصفة المنسوبة غلطا. وإما أن مصر بلد شرقي، فتكون ملاحظة الاستاذ غير ذات موضوع.
حقا، أن هنالك مجتمعا عراقيا وآخر سوريا وآخر مصريا كما أن هناك في الأسرة الواحدة زيدا وعمرا وخالدا تختلف طبائعهم وأمزجتهم ولكنهم يتشابهون في المسائل الجوهرية، وفي السمات الأساسية. فالاختلافات الجزئية التي قد توجد بين هذه المجتمعات لا ينبغي أن تحجب عن أنظار الروابط القوية التي توجد بينها والظروف المتشابهة التي تعيش فيها، والتفاعل التاريخي الذي قام بينها منذ آلاف السنين. فاذا كان الفرد في هذا البلد  يلبس الكوفية وفي الآخر الطربوش وفي الثالث يمشي عاري الرأس، فلا ننسى أن الفؤاد الذي يحمل بين جنبيه في كل هاته الأقطار واحد.
وعوامل الوحدة والتشابه بين المجتمعات العربية كثيرة. فهنالك العالم الاقتصادي الذي هو أقوى برهان على التقارب والتماثل. وهنالك الثقافة واللغة والدين والتاريخ المشترك والشعور الشعبي  والمطامح القومية والتبادل المستمر في العادات والتقاليد والرسوم والأوضاع القانونية. وكل اختلاف يأتي بعد هذا، إنما يتناول الشكل لا الجوهر.
ثم ما شأن العواصم هنا؟ الا يوجد مجتمع الا بين أسوار العواصم؟ والبوادي؟ والمدن الأخرى؟ والقرى؟ ألا يقوم فيها مجتمع؟ ولعل الذي دفعني الى هذه الغيرة كوني لا أسكن مثل الاستاذ في عاصمة !
على أنني ألفت نظر الاستاذ الى كون قصص ألف ليلة وليلة لا تجرى كلها في العواصم، بل  في مدن مختلفة وفي الأرياف والبوادي والبحار وأحيانا في الجو كما ألفت نظره الى كون الامثلة التي سقتها من ألف ليلة وليلة مأخوذة من قصص جرت حوادثها في مصر مما يضع حدا لكل التباس.
ويقول الأستاذ أن ألف ليلية وليلة لم تكتب لتصور مجتمعنا صحيح لأن ألف ليلة وليلة كتبت قبل وجود مجتمعنا بمئات السنين. ولم لم يكن إلا هذا  الفرق البسيط لكفى. الا أن هذا لا يمنع مطلقا من وجود التشابه والالتقاء وقد شرحت ذلك من قبل. وأما قوله أن ألف ليلة وليلة كتبت قبل وجود التشابه والالتقاء وقد شرحت ذلك من قبل. وأما قوله أن ألف ليلة وليلة لا تخلق حياة في مجتمع، فهذا أيضا صحيح، ولكن بالنسبة لسائر الروايات. فما ادعى روائي قط مهما بلغ من النبوغ أنه سيبعث حياة جديدة في المجتمع. وكل ما يطمح اليه هو أن يؤثر بفنه في الشعور أويمنى الوعي بالمشاكل الإنسانية، وما أكثرها ! أما الذي يخلق الحياة في المجتمع فهوالإنسان بدؤوبه ونشاطه وعراكه من أجل الغد الأفضل.
بقيت لنا نقطة أخيرة هي التي يقارن فيها الأستاذ بين أبطال ألف ليلة وليلة وابطال الثلاثية فيقول عن الأولين أنهم شرقيون خياليون وعن الآخرين أنهم مصريون واقعيون.

لن نعود مرة أخرى الى الفرق بين المصري والشرقي، فقد رأينا منذ قليل أنه لا يكاد يوجد.يبقى علينا أن نلقى نظرة على الفرق بين الخيالي والواقعي. وأعتقد أن المشكلة هنا ترجع الى تحديد الالفاظ.
إن ابطال أي رواية مهما كان نوعها خياليون. فالروائي لا يقص علينا حياة أشخاص عرفهم واطلع على أسرارهم وإلا فسيصبح مؤرخا أو مؤلف تراجم. ولو كان أبطال الثلاثية موجودين حقيقة لأثاروا ضجة كبرى على نجيب محفوظ لأنه ما ترك شاذة ولا فاذة من حياتهم الشخصية وأسرارهم العائلية إلا وفضحها وجعل منها مادة خصبة لقصصه.
يبقى بعد هذا هؤلاء اأابطال الخياليين يتفرعون الى نوعين: نوع تصدر عنه الخوارق ويقوم بالمغامرات التي لا يصدقها العقل، مثل ما نشاهد في ملحمتي هوميروس أو في سيرة عنترة بن شداد أو في بعض قصص ألف ليلة وليلة، ونوع يظل في سلوكه وأفعاله ونوع حياته قريبا من المألوف والمشاهد لدينا  كل يوم. وهو ما نسميه بالواقعي.
وفي ألف ليلة وليلة ايضا قصص وفصول تشتمل على جانب واقعي. فهنالك تصوير لأوساط الامراء وعلية القوم والتجار ومشاهد من الحياة الاجتماعية على اختلاف صورها.
بل إننا في الرواية الواحدة نجد جانب الواقع وجانب الخوارق يلتقيان ولولا خوف الإطالة لقدمت شواهد كثيرة على ذلك. فأنا عندما قلت أن ألف ليلة وليلة والثلاثية تلتقليان من بعض الوجوه لم أكن أقصد إلا التقاء بين الواقع الاجتماعي كما يستشف من الروايتين.
هذا، ولعل الاستاذ  السايح لا يجهل انني وضعت الالتقاء بين ألف ليلة وليلة والثلاثية في نطاق محدد وأنني خصصت له مقالا واحدا من بحثي في حين أنني نشرت منه لحد الساعة خمسة مقالات. ولو تفضل  فقرأ الفصول الأخرى، لتبين له أنني تحدثت أيضا عن مواطن التباعد بين ألف ليلة وليلة والثلاثية. فأنا لم أجعل من نجيب محفوظ مقلدا أو محاكيا. بل سجلت عنه أنه رسام واقعي يرى أثر العصور الغابرة في المجتمع فيثبتها بريشته الصادقة، ويرى الأجيال الجديدة تصعد ساخطة ناقمة على وضعها في القرن العشرين فيصورها أيضا بوفاء وأمانة، وهو في كل هذه الأحوال يظل مخلصا لمهمته ككاتب يسير في الطليعة ويتحدث عن مجتمعه.


منطق عجيب
ذهب بصر عرو بن هذاب !!  فدخل عليه ابراهيم ابن مشاجع، فقام بين يديه فقال:
«يا أبا أسيد، لا تجزع على ذهاب عينيك، وان كانتا كريمتين عليك !! فإنك لو رأيت
ثوابهما في ميزانك يوم القيامة تمنيت أن يكون الله قد قطع يديك، ورجليك ودق ظهرك،
وأدمى طفلك...

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here