islamaumaroc

الفكر الإسلامي في أساس البناء

  دعوة الحق

80 العدد

لكي يتحقق قيام أساس البناء لفكرنا العربي، على النحو الذي يحميه مند دعوات الشعوبية والتغريب والغزوالثقافي لابد من فهم عميق لفوارق دقيقة بين فكرنا العربي الاسلامي والفكر الغربي تتركز في نقاط أربع:
* وحدة فكرنا العربي الاسلامي ونظرته الشاملة.
* الفكر العربي فكر اسلامي الجذور.
* إسلامية العروبة وعربة الإسلام.
* تراتنا قطاع حي من الفكر متفاعل مع الحياة والحضارة.

وحدة الفكر وتفتيته
1- النظرة الكاملة الشاملة هي قاعدة الفكر العربي الإسلامي:
أما النظريات الجزئية والتفتيت والتمزيق وسياسة القطاعات المستقلة المنفصلة فهي عندنا جزء من خطة التغريب، فنحن لا نقبل مقوما من مقومات الفكر العربي الإسلامي أو مقومين ونرفض  الباقي وندرس هذين المقومين كأنهما أشياء مستقلة لا رابطة بينهما وبين الأساس ولا جذور لها مع المفهوم الكامل، وهذا ما يجري عليه البعض حين يتناول اللغة أو التاريخ أو التراث أوالدين.
فالواقع أن نظرية التخصص، لا تصلح على هذا المستوى، مستوى القواعد والأسس التي تتطلب تجمعا متكاملا لكل العناصر والأجزاء والقطاعات التي ترسم بمجموعها المقومات الأساسية لأمة ولفكر أمة. وهذا هو خطر النظرة المستوردة في دراسة فكرنا.
وكما قصد الغرب إلى تمزيق العالم الإسلامي إلى عالمين عربي وإسلامي وتمزيق العالم العربي إلى قوميات ضيقة فقد قصد كذلك إلى تقسيم الفكر العربي الإسلامي إلى دين ولغة وتاريخ وجاء من قال أن مقومات الأمة العربية تعول على اللغة والتاريخ وحدهما ورفض ما عدا ذلك من مقومات الفكر العربي الإسلامي التي لا تنفصل والتي لا تكون اللغة فيها منفصلة عن التاريخ عن التراث عن الدين، وهي محاولة من محاولات الفكر العربي للقضاء على وحدة الفكر في أمة ذات طبيعة وروح وضمير واحد.
فكل من هذه القيم جزء من الكل لا ينفصل عنه وماذا يكون تاريخ الامة العربية بعيدا عن الإسلام.

الفكر العربي فكراسلامي الجذور
2) إن النظرة الصادقة القائمة على إيمان كامل بمقدراتنا وأمتنا تستطيع أن تقضي في كل خلاف حول أي شبهة من الشبهات التي يثيرها الغرب حول وحدتنا الفكرية كأساس للبناء وركيزة للتطور والعمل في مجال الحضارة والثقافة والحياة.
ومن هذه الشبهات ما يثيره التغريب بالنسبة لموقف المسيحيين من (الفكر العربي الاسلامي) محاولة لابراز معنى أن هذا الفكر هو الاسلام نفسه.
والواقع أن الإسلام دين وفكر ونظام مجتمع. ولقد كان الفكر العربي الاسلامي عصارة ثقافات الأديان والأمم. وكان للمسيحيين فيه دور وعمل. هذه حقيقة لا سبيل الى إنكارها. وليس في معناها جعل الاسلام كبديل للمسيحية، فان مفهوم الدين لا دخل له في هذا الميراث الضخم وإن كان الطابع الروحي الذي ينبثق من الأديان الثلاثة واضح في صيغة هذا الفكر وأنه يختلف عن الفكر الغربي الذي يعتمد في الأساس على الوثنية اليونانية والمادية الخالصة.
ولطالما أعلن كتاب المسيحية ومفكروها هذا الرأي وأيدوه، ولم يختلف فيه أحد من العرب أو أهل  الشرق الإسلامي وإنما جاءت الشبهات من دوائر التغريب الحريصة على آثاره الخلافات لحساب الاستعمار والنفوذ الأجنبي.
ولقد أعلن كتاب ومفكري العرب المسيحيين ان الإسلام هو الثقافة القومية للمسحيين العرب. وأن هذه الثقافة متصلة بطبعهم وتاريخهم.
فالالتقاء على عبادة الله، وعلى أن الانسان هو سيد الكون وعلى امتزاج الروح بالمادة والعلم بالدين والعقل والضمير وذلك فوق مفهوم إنساني هي أسس يلتقى عليها فكرنا أساسا ويلتقى عليها كل من يعيش في هذه المنطقة.

والواقع أن وحدة الفكر العربي الاسلامي في العالم العربي بين المسلمين والمسيحيين واليهود مرجعها الى (1) وحدة مصادر الأديان وغلبة الطابع الروحي على المفاهيم العربية (2) اشتراك العرب جميعا في تكوين الثقافى والتراث فقد كان الى جوار ابن سينا، الكندي وموسى بن ميمون وهكذا.. والى جوار المتنبي، الاخطل كما اشترك المسيحيون مع المسلمين في نهضة الترجمة للتراث الاغريقي والروماني.
(3) كانت اللغة العربية لغة المسيحية كما هي لغة الاسلام وقد شارك فيها المسيحيون وترجموا إليها صلواتهم وكتبهم وكان لهم جهود في انمائها وتطويرها وكفاح البستانيين واليازجيين معروف ومقدور.
(4) كان العرق العربي أصلا للمسلمين والمسلمين على السواء فهم مشاركون في الأرض والوطن والعرق جميعا.
(5) المسيحيون يعتبرون القرآن وثيقة أدبية غالية ومحمد بطل عربي عظيم.

العروبة والإسلام:
3) كان هدف التغريب أساسا هو ذلك الفصل بين القومية والدين أو بالأحرى بين العروبة والإسلام وخلق ذلك الجفاء بينهما. كان الإسلام يتمثل في تركيا العثمانية، وكانت الخصومة مع الإسلام إنما تستمد ذلك من وجود الدولة العثمانية والخلافة باعتبارها كانت البؤرة التي نشأت منها الخصومة بين الحركة العربية والحركة الطوزانية وكلاهما حركتان قوميتان.
غير أن الحركة العربية أساسا لم تكن انفصالا عن الإسلام أو الفكر العربي الإسلامي إلا بعد أن أخذت تركيا النظام العلماني وخلفت الإسلام واللغة العربية ومضت تابعة للغرب تفقد شخصيتها وتلبس ثبايا على غير مقياسها.
كانت الروابط بين العروبة والإسلام روابط أصيلة جدرية فالعروبة كيان قومي يستهدف مقاومة النفوذ الغربي وتجميع الأجزاء التي فصلها الاستعمار، ولم يكن ذلك يتعارض مطلقا مع مفاهيمها الأساسية في الفكر والثقافة. غير أن فكرة العروبة لم تلبث أن تطورت على بعض يد دعاة التغريب لتتحول من مفهومها الفطري الطبيعي الذي كان يعيش في أعماق دعاتها ومقدميها الأول ومنهم منيعيش حتى الآن كمحب الدين الخطيب والأمير مصطفى الشهابي، تحولت على أيدي من حملوا تغريبها فركزت على ذلك المعنى. معنى (قومية عربية بغير دين) أولا دينية القومية العربية.
ومن هنا بدأ الانقسام في المشرق وحده بين العروبة والإسلام وقامت مدارس وهيئات تحمل لواء هذه الدعوة وتعممها وتثير حولها الجدل غير أن المغرب لم يقبل هذه النظرية ورفضها رفضا باتا وظل إيمانه بوحدة القومية والإسلام قائما أساسا.
ربما كان الأخذ بالنظرية الغربية في القومية هو مصدر هذا الاضطراب، وعقيدتنا أننا نبني واقعنا على مقومات فكرنا. فالقومية حركة مستحدثة لم تكن معروفة في تاريخنا كالاشتراكية والديمقراطية. فنحن حين نواجهها لا ننفصل عن مفاهمنا الأساسية أو قيمنا الأصلية ولا ندعها تفسد ملامح شخصيتنا الاصلية او تحولنا.
ونحن نقبلها دون ان نقبل مفهومها الغربي الذي ارتبط بالظروف والأوضاع والأركان التي قامت على أساسها في أروبا. نحن نقبلها كقوة ضخمة للوحدة والالتقاء السياسي والاجتماعي ونجعل من وحدة فكرنا الأصلية مقومها الأساسي، ولا ضرورة للوي عنق النظرية الغربية حيت نلبسها كما هي. بينما نحن نحسن في أعماقنا باضطرابها ولا ضرورة لهذه التحديدات النظرية ولا لهذه المواصفات المصطنعة التي تقول بأن القومية تقوم على اللغة والتاريخ ولا تقوم على الدين. فنحن لا نقول بهذا وإنما نحن نقول ما هو أوضح وأصرح وأكثر بساطة وأبعد عن التعقيد المقصود به إثارة الشبهات وتحويل الأنظار عن قيمة ضخمة  أساسية في فكرنا العربي الإسلامي، نقول بأن المقومات الأساسية للفكر العربي هي أساس القومية العربية والوحدة العربية وليس معنى أن التاريخ ذاكرة الأمة واللغة لسان الأمة إلا أن التاريخ واللغة جزء من هذه المقومات وقطاع منها لا ينفصل عنها ولا يؤخذ مطلقا كجزئيه.
إن من حقنا أن نؤمن بالقومية العربية وفق مفاهيمنا ومقوماتنا وليس من الضروري أن نستورد هذه المفاهيم أو أن تفرض علينا ظروف ومواصفات القومية في أوربا التي كانت بلا شك نتيجة خاصة لأوضاع معينة في أزمنة معينة ليس لنا بها صلة. ولا تنطبق مع ظروفنا أو زمننا وليس معنى الإصرار على هذا  الا التبعية والجري وراء تيار التغريب الذي لا يحاول أن يفرض علينا النظريات وحدها بل يفرض ملابساتها أيضا.
إننا حين قلنا العمل في مجال القومية العربية والدعوة الى الوحدة العربية إنما فعلنا ذلك على اقتناع كامل بها. غير أن طريقتنا في العمل وفهمنا لهذه القومية ليس من الضروري أن يكون مستوردا من الغرب أبدا ولذلك فان الحديث حول مقومات القومية العربية على ذلك النحو الذي تفرضه بعض المذاهب والدراسات لا يمكن أن يقبل على إطلاقه ولا بد من التحفظ في النظر إليه. ذلك أن دعوة التغريب إنما كانت تواجهنا أساسا بدعوة القومية العربية للقضاء على التيار الفكري الاسلامي الغالب على هذه الأمة وفي محاولة لإحلال كلمة العروبة محل كلمة الاسلام. فلما أخذنا فكرة القومية العربية لنجعلها سلاحا للكفاح في مقاومة الغزو الغربي والتجمع والوحدة وإعادة الأجزاء التي فرقها الاستعمار إلى الالتقاء. أحست دعوة التغريب بالخطر فلم تلبث أن تقدمت بمفاهيم ومقننات تريد ان تذيعها كأسس للقومية العربية مستمدة من تاريخها هي، ولسنا نحن بحاجة إليها، فإن الماء يتشكل بلون الإناء، إذا كنا قد وجدنا في الدعوة الى الوحدة العربية قوة لنا فنحن لسنا في حاجة الى مفاهيم الغرب  لها ولنا مفاهيمنا وأسسنا النابعة من فكرنا والقائمة على ركائز من ثقافتنا.
ونحن في فهمنا لأسس القومية العربية أوسع أفقا وأرحب قاعدة فنحن نعتبر مقومات الفكر العربي الاسلامي كله أساسا للقومية ولا نكتفي بجزئي التاريخ واللغة اللذين لا يمكن فصلهما عن وحدة الفكر العربي الاسلامي ولا يمكن انفصال الفكر العربي عنهما.
وليس «الاسلام» الذي يمتزج بالعروبة فيما نذهب اليه –هوالدين- فان طابع الروحية أساس فكري لا شك فيه لأمتنا، ولكن الإسلام هنا هو ذلك الفكر الحي المتمثل في عصارة الثقافة العربية الاسلامية وهو فكر لم يصنعه المسلمون وحدهم ولكنه ميراث كل من عاش في هذه المنطقة. اشتركت فيه جميع الأجناس والأديان وإن غلب عليه اسم الاسلام الذي صهره في بوتقة واحدة. وليس  ذلك من الغريب فإن «ضمير» هذه الامة قائم أصلا على أسس واحدة مستمدة من روح الأديان الثلاثة التي كانت منابعها في الشرق، وكانت هذه المنطقة مجالها الحيوي.
والواقع أن هذا الانفصال بين العروبة والإسلام على هذا النحو –ليس موجودا أساسا وإنما هو مصطنع، والذين يقولون به إنما يخدعون دون أن ينظروا نظرة رحبة. فقد تصادف أنه لم تكن هناك مشكلة أو فواصل بين العروبة والإسلام.
ولا اختلاف الدماء والأجناس ولا الأقليات.  وكل هذه دعوات غربية أثيرت كشبهات لتثير الخلاف وتحول دون الالتقاء الواضح على «فكر عربي إسلامي موحد».
وليس هذا الذي نقوله جديدا، ولكنه في الواقع قد جرى على اقلام الكثيرين وكون رأيا عاما حتى إن كاتبا إفريقيا مثل  «لويس لوماكسي» يقول: «إن الكتل العريضة لا تجتذبها مثل هذه المفاهيم فالعروبة عندها لا تنفصل عن الإسلام، ان الإسلام لم يعد مجرد دين بل عنصرا أساسيا».

التراث:
4) إن مهاجمة التراث والقديم في مجال الفكر والأدب إنما يقصد به قطع الصلة بين حاضر هذه الأمة وماضيها. وهو  يهدف أول ما يهدف الى طمس المعالم الأساسية لشخصيتنا والمقومات الأساسية لفكرنا وروح أمتنا وضميرها فيما يتصل بالعقيدة والقيم والجوهر الروحي والنفسي والفكري الذي لا سبيل إلى اقامة بناء فكر أو ثقافة لأمة من الأمم دون الاعتماد عليه كركيزة وأساس.
ومن دعوة التغريب الحملة على الثراث والقديم، ومحاولة القاء الشبهات عليهما وخلق حالات الشك والسخرية والاستهانة بالتراث والتاريخ واللغة والقيم باعتبار أنها «قديمة» وان دعوة التطور والتقدمية من شأنها أن تنبذ كل هذا القديم  كأنه ركام، وتدخله المتحف ولا تنظر اليه. فاذا نظرت فهي نظرة النقد والاستهانة بالنسبة للفكر العالمي ونظرياته وثمراته ومذاهبه.
ونحن لا ننكر الجديد ولا ننكر التطور ولا نتوقف عن الحركة، ولا نؤمن بالجمود وقد كنا دائما قادرن على الحركة والتطو روفكرنا في أساسه ومضامينه يحمل بذرة الحيوية والمرونة والقدرة على التلقي والعطاء والامتصاص.
ولكننا لا نعتقد أن الجديد يستطيع أن يقضي على القديم أو يلغيه لأنه امتداد له وكل جديد له جذوره. وكل أمة لا ماضي لها لا مستقبل لها.
ونحن لا نجد في قديمنا ما يعوقنا ما دمنا نؤمن بشخصيتنا الأساسية وقيمنا الفكرية والروحية التي تهدينا كالمنار في طريق النهضة والتطور.
هذه المفاهيم الأساسية هي التي تهدينا دائما إلى الموقف الأصيل بالنسبة لأمرين: للقديم وللجديد، فنواجه عمليات البعث للقديم وعمليات النقل  للجديد على نحو سليم قائم على أساس واضح وعلى هدى صادق أصيل قواه الفطرة والضمير الذي يتلقى ويرفض بذاتيته القادرة وروحه الواعية الشبيهة بالرادار الكاشف.
أما الدعوة إلى نبذ القديم في مطلقها فهي دعوى شعوبية تستهدف القضاء على مقومات هذه الأمة وتوهانها في  خصم عريض لا حد له.
ونستطيع في هذا المجال أن تستهدي بما فعل الغرب نفسه بالنسبة لقديمه فهل هو ألغاه وأهمله ونحاه. الواقع أن لا وأن الغرب الآن في منطوق فكره يقوم أساسا على مفاهيم التراث اليوناني والروماني والمسيحي، وأن كا نظرة من نظرات الفكر أو لمحة من لمحات الثقافة يمكن ردها أساسا إلى هذا التراث بالرغم من انقطاع الصلة التي بلغت بين افلاطون وديكارت ألفي عام كاملة. فقد أعاد الغرب في القرن  الخامس عشر بعد الميلاد بعث فكر أفلاطون السابق للميلاد بأكثر من 430 عاما واقتعدته أساسا لها.
أما نحن في مجال الفكر العربي فان خطوط فكرنا ممتدة منذ أربع عشر قرنا لم ننقطع ولم تكن في حاجة لأن يمر زمن طويل أو قصير لنعيد نظم هذه الخيوط وبالرغم من سقوط الدولة وانهيار النفوذ السياسي للأمة التي حملت لواء هذا الفكر وتوقف الحضارة العربية الإسلامية فإن الفكر العربي الإسلامي لم يتوقف. ولم يقف نبضه. وقد تجمد فترة ما تحت ضغط عوامل خارجية حالت بينه وبين حيوية الحركة، ولكنه حتى في ظل هذه الفترة احتفظ بقواه الأساسية فلم يمت أو يضيع أو يذبل، ربما علاه غشاء من الضعف والتقليد.  ولكنه لم يلبث ان نفض هذا الغشاء تدريجيا واتجه إلى مواجهة الحياة مرةأخرى.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here