islamaumaroc

العالم العربي والكتلة الإفريقية الآسيوية

  دعوة الحق

80 العدد

الكتلة الإفريقية الأسيوية وعلاقتها  بالقضايا العربية – صورة هذه العلاقة في عهدها القديم وصورتها في الآونة الراهنة على ضوء الاهتمامات التي تشغل الذهن العربي اليوم- التطور في علاقة العرب  بالكتلة يوازيه التطور في بنية الكتلة نفسها وصلتها بالعالم – عوامل التماسك والانفصام الآن داخل الكتلة، وصلة ذلك بمثال فلسطين – الالتزام العربي داخل الكتلة، والالتزام الإفريقي الأسيوي فيها –هل أدت المؤتمرات الإفريقية الأسيوية المتعاقبة دورها بهذا الصدد؟

سمع العالم كثيرا –منذ نهاية الحرب العالمية الأخيرة- عن الكتلة الإفريقية الأسيوية، أو كما كانت تدعى احيانا الكتلة العربية الإفريقية الأسيوية، وقد كانت هذه الكتلة – كما يدل عليه اسمها- تضم عددا من الدول الأسيوية المستقلة، وقليللا جدا من الدول الإفريقية، لأن معظم دول القارة (قبل سنة 1956) كان لا يزال آنئذ غير مستقل، هذا بالاضافة الى دول المشرق العربي، إذ أن أقطار المغرب العربي لم تكن وقتها  محرزة على مقاليد السيادة، والكتلة هذه ما انفكت تعبر عن وجودها في ميادين دولية عدة، بيد أن أبرز ميدان كانت تظهر فيه هذه الكتلة ذات فاعلية تذكر، هو ميدان الأمم المتحدة، والمنظمات المتفرعة عنها، وخصوصا المنتظم العام  لهذه الهيئة، فقد انقضى وقت طويل (منذ أوائل الخمسينات بصورة أخص) والقوة السياسية التي تمثل في الكتلة الإفريقية الأسيوية، يقام لها اعتبار ما داخل اللجنة السياسية لهذه المنظمة، كانت تتأثر في عدة حالات بالموقف الذي تتخذه الكتلة في هذه المسألة أو الأخرى، وخصوصا في القضايا التي تتعلق بحركة مناواة الاستعمار، والاتجاه العالمي الى تصفيته، وفي ضمن هذا الاعتبار يلاحظ أن المغرب قد اقترن ذكره في بعض الظروف، بذكر الكتلة الإفريقية الأسيوية، وذلك عندما عرضت قضية النزاع الفرنسي المغربي على الأمم المتحدة لأول مرة في شهر دجنبر سنة 1951، فقد احتضنت الكتلة هذه القضية احتضانا مباشرا، وتولى المندوبون الإفريقيون الأسيويون شرح وجهة النظر المغربية، وإقناع الملأ الدولي بالجوانب القانونية والاعتبارات السياسية التي تسند وجهة للنظر هذه، وتعطيها الأحقية الكاملة، وعندما نظرت الأمم المتحدة –مرة أخرى- (شهر نونبر 1952) في نفس القضية (القضية المغربية) أنفقت الكتلة جهودا ملحوظة أدت إلى حمل المجتمع الدولي المتمثل في الهيئة الأممية، على الاعتراف باختصاصه في النظر في القضية، وبذلك حصل المغرب على نوع من الإقرار الدولي العلني بدولة قضيته وما يستلزمه ذلك من إضفاء الاعتبار عليها، كحالة نزاع بين دولتين، وإن كانتا غير متساويتين آنئد في درجة تمتعهما بخصائص السيادة، وقد برز مجهود الكتلة كذلك –فيما يتعلق بالقضايا العربية عندما اتجه التفكير الى عرض القضية التونسية على أنظار مجلس الأمن بعد التطورات العنيفة التي عرفتها تونس سنة 1952 نتيجة انقطاع أي تفاهم بين الحركة الوطنية، وبين سلطات الحماية السابقة، وقد أريد عرض القضية على المجلس باعتبار أنها تشكل حالة تهديد للأمن والاستقرار الدولي.
وبذلت الكتلة الإفريقية الأسيوية جهودا واسعة لتحقيق هدف من هذا القبيل، وعلى الرغم من فشل المساعي المبذولة بهذا الصدد، فقد كان لهذه المحاولة بعض الفائدة تذكر –على الأقل من الناحية السيكولوجية- السياسية حيث ان القضية التونسية اكتسبت –نتيجة لذلك كله- شهرة دولية واسعة، وأصبح وضع الحماية السابقة في تونس، معرى على حقيقته أمام الرأي العام العالمي والدولي، وهناتك عدة قضايا أخرى من هذا القبيل، اقترن ذكرها أحيانا بذكر الكتلة الإفريقية الأسيوية، وكان لهذه الكتلة في شأنها مواقف دولية لها أهمية –ولو نظرية- في تلك الظروف قبل أن يعرف العالم مجمل التحولات العظيمة التي أحدثت بعد سنة 1955 أي بعد انعقاد مؤتمر (باندونغ) وتطور الوضاع السياسية في إفريقيا وآسيا ومختلف أنحاء العالم.
والآن نلتفت حوالينا، لنجد أن هذه التطورات قد أتت بالفعل على كثير من الأحوال التي كانت سائدة في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينات أي في وقت ازدهار نشاط الكتلة الإفريقية الأسيوية، فالاهتمامات الموجودة اليوم تختلف في كثير من مناحيها عن الاهتمامات التي كانت سائدة آنئذ، وإن كان الجوهر في كل ذلك، لم يتغير بصورة تذكر والوسائل التي كان يلجأ إليها آنئذ في خضم الصراع بين الوطنيات الإفريقية والأسيوية، وبين الأنظمة الاستعمارية، والتي كانت تعتمد في جملة ما تعتمد عليه، رفع القضايا الشكائية إلى الأمم المتحدة والسعي للحصول، مجرد الحصول على ما يلفت نظر الرأي العام الدولي الى القضية المرفوعة، هذه الوسائل قد حلت محلها الآن، حالات النضال العنيف المباشر وهذا بالنسبة للشعوب التي لم تستقل بعد) وأحيانا أخرى حالات المقاطعة ضد اية دولة معتدية، ومصادرة مصالحها، واستعداء الرأي العام عليها، والتكثل ضدها ضمن مجموعة من الأقطار التي تقف نفس الموقف من الدولة التي تعتبر معتدية (وهذا ما يحدث بالنسبة للدول الصغيرة المستقلة التي تكون ضحية اعتداء ما) في خضم هذه التحولات التي عرفها العالم خلال السنوات العشرة الماضية، توجد البلاد العربية اليوم، وقد أحرز معظمها على مقاليد السيادة الدولية ، وتشرف الأجزاء القليلة الباقية من العالم العربي كمناطق الجنوب والخليج – على حالة نيل الاستقلال، وقد تقدمت فكرة التضامن العربي خطوات لا بأس بها، وحققت الدول العربية – على نسب متفاوتة- مقادير من التطور في ميادين التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعمرانية وغيرها، ولكل هذا، فان مجمل الاهتمامات التي تسيطر على العقلية العربية اليوم، هي –في كثير من الأحيان- اهتمامات اقتصادية وإنسانية قبل كل شيء، فالفكر العربي المعاصر، لم تعد تعنيه حالات التصارع اللفظي داخل الأمم المتحدة وغيرهامن المحافل  الدولية، بقدر ما أصبح يعنيه الصراع ضد التخلف، والحرص على استباق ركب التقدم والحضارة المعنوية والتقنية، مع كل ما يقتضيه ذلك من رغبة في السلام والتعايش والتعاون ضمن نطاق عالم إيجابي خير متطور، وإذا كان هناك من مبادرات صراع يخوضها العرب أحيانا في حظيرة الأمم المتحدة، كما في غيرها، فذلك فقط في إطار الاتجاه العام الذي يحتاج العالم اليوم، والذي يحذو الشعوب للتعاون من أجل تصفية النظام الإمبريالي ورواسبه في مختلف القارات والجزر، والحركة العالمية هذه، المناوئة للاستعمار لا تعتمد في استراتيجيتها السياسية والعملية على مجرد الأسلحة والعمليات المسلحة، بل إننا إذا استثنينا حالة الصراع الذي بنشب داخل قطر معين، والذي يستعمل فيه السلاح من أجل الحصول على استقلال أو وحدة، أو مساواة أو تخطيط حدود أو ما إلى ذلك، اذا استثنينا حالات الصراع من هذا القبيل، فإننا نجد أن الحركة العالمية المناوئة للامبريالية في شكليها القديم والجديد، تكاد تستبعد جانب القوة المسلحة من عملياتها النضالية، وهي تعتمد عوض  ذلك على وسائل الكفاح السياسي على نطاق عالمي، بكل ما يدخل في ذلك من الاعتماد على وسيلة التكتل الفكري والسياسي ضد الأوضاع التوسعية، وما بقي من مخلفاتها في العالم، والعرب –باعتبارهم جزءا من العالم الثالث- المعني قبل كل شيء بمحاربة التخلف، وتصفية الإمبريالية عن طريق العمل الدولي المتضامن –أن العرب- وهم بهذه المثابة- لم يكن لهم ليعينوا بالتسلح والرضاء بالعيش في حالة ترقب للحرب لولم يكن هناك المشكل المزمن الذي يتمثل في وجود إسرائيل، وما يفرضه هذا الوجود من أحوال مأساوية سواء على الصعيد المادي أو البشري وما في نوع ذلك، أن الوجود الأسرائيلي هذا يكاد يشكل اليوم المعضلة القومية الرئيسية التي تواجه العرب وتضع عليهم جملة من الاختيارات التي لم يكن لهم ليلتزموا بها لولا وجود هذه المعضلة بالذات، ونتيجة لهذا فالعرب يجدون أنفسهم فعلا داخل دوامة من الصراع يقوم في مرحلته الراهنة على حالة الحرب الباردة، لا يكاد يعرف لها أول من آخر، وتمتد هذه الحرب الباردة على عدة واجهات، منها ما يقوم في عين المكان أي داخل الاطار المحلي للشرق الأوسط، والعالم العربي، ومنها ما هو أوسع مجالا من ذلك إذ يمتد على مستوى عالمي ينتظم مختلف المناطق الدولية المهمة، كمنطقة غربي أوربا، والولايات المتحدة، وكندا، وكانت هذه هي المناطق التقليدية للصراع، ولكن أضيفت اإليها منذ أواسط الخمسينات مناطق عالمية جديدة كمنطقة إفريقيا جنوب الصحراء ومنطقة آسيا الوسطى وجنوب شرقي آسيا علاوة على منطقة أخرى ذات أهمية كبيرة هي منطقة الأمريكيتين الوسطى والجنوبية كل هذا بالإضافة الى الجزر والأرخبيلات المختلفة سواء منها المستقل، أوشبه المستقل، وإذا أورد المرء هنا لفظة الصراع فلا يعني ذلك بالضرورة أن العرب والإسرائليين متكافئون فعلا في هذا الميدان سواء من حيث الممكنات الموفورة والوسائل المستعملة والمساندات المضمونة والنتائج المحصل عليها فالفارق كبير بين الجانبين وليس من حاجة للتحدث عنه، لأنه واضح وملموس على جميع المستويات في مختلف أنحاء العالم، وخاصة في أقطار أروبا ونصف الكرة الغربي، إن الصراع بين العرب وإسرائيل ليس  صراعا بين عدة دول ودولة صغيرة معزولة في منطقة كلها معادية، بل إن الصراع يقوم فعلا بين العرب وكثير من أوساط المال والأعمال والتوجيه في العالم الغربي، وهذه بدهية لا أخال
أيضا أن هناك من هو في حاجة لإرشاده إليه من رجال الثقافة والصداقة والسياسة سواء في داخل أقطار العالم الثالث أو خارجه.

أين الكتلة الأسيوية الإفريقية من كل هذا؟ وما هي طبيعة الموقف الذي تتخذه في هذا المضمار؟ وما هي الاعتبارات الفلسفية والعملية التي يقوم عليها هذا الموقف؟ والنتائج التي يجب أن يؤدي اليها على ضوء الواقع الدولي الراهن؟
لكن التساؤل هكذا عن موقف الكتلة الإفريقية الأسيوية من المعضلة التي يواجهها العرب في فلسطين يقتضي قبل كل شيء التساؤل عن وضعية هذه الكتلة نفسها في الوقت الحاضر، وماذا آل إليه أمرها على الصعيد الدولي الإقليمي، ثم ما هي طبيعة الأوضاع التنظيمية والتوجيهية التي تسودها حاليا، وصلة ذلك بسياستها العامة، وما يمكن نظريا أن تقوم به في موضوع المشكلة الفلسطينية القائمة؟.
لقد أحيا الأسيويون والإفريقيون في أندونيسيا منذ أسابيع ذكر المؤتمر التاريخي المعروف بمؤتمر (باندونغ) وعقد الإفريقيون والأسيويون في "أكرا" (أوائل مايو) مؤتمرا آخرا على غرار المؤتمر الذي اجتمع من قبل  في إحدى مدن تانجانيقا، بإفريقيا الشرقية، (وكان من المقرر أن يعقد الإفريقيون الأسيويون مؤتمرا جديدا بعاصمة الجزائر خلال شهر يونيه من السنة الحالية تناط به أهمية بالغة جدا وتتبلور في حظيرته أفكار جديدة، ويتم التقابل بين وجهات نظر عديدة، وغنية في مختلف الشؤون والقضايا التي تمس هذه المرحلة المهمة من تطور العالم وتطور العالم الثالث، بوجه أخص) فهل الكتلة الإفريقية الأسيوية التي دافعت عن استقلال المغرب وتونس سنة 1951 و 1952 هي التي تتولى عمليا الاشراف على هذه المؤتمرات، وتوجيهها من ناحية تنظيمية وعقائدية؟ وهل استطاعت الكتلة هذه، أن تطاول عوامل الزمان، وتعاصر هذه التحولات التي عاشها العالم خلال السنوات العشرة الماضية مؤثرة فيها ومتأثرة بها الى المدى الذي هو عليه الأمر الآن؟ الواقع أن الاكتفاء بالرد على هذا السؤال بمجرد النفي أو الإثبات لا يبدو كافيا لتوضيح النقطة المطروحة، فليس صحيحا في الحقيقة أن يذهب المرء إلى القول بأن الكتلة العربية الأسيوية الإفريقية التي كنا نعدها من قبل لم يعد لها وجود ما، كما ليس صحيحا كذلك أن يقال أن هذه الكتلة هي التي لا تزال تحقق وجودها مشرفة على قضايا التحرر والتنمية والتعاون في الأقطار الإفريقية الأسيوية في الوقت الراهن، كما كانت تتولى مؤازرة الوطنيات المحلية داخل هذه الأقطار في أوقات خلت، ولتكوين رأي حول هذه النقطة يجب التساؤل أولا عن ما هي الكتلة الإفريقية الأسيوية القيمة وطبيعة تكوينها ومعالم شخصيتها الدولية والمعطيات الدستورية التي كانت تنظم هذه الكتلة وتحفظ لها طريقا معينا للعمل؟ لقد كانت الكتلة هذه، تضم مجموعة من الدول التي كانت مستقلة إذ ذاك في القارتين إفريقيا وآسيا،ة وكانت، وكانت تحدو هذه الدول رغبة مشتركة – ولكنها متفاوتة-  في التعاون من أجل مناصرة الحركات الوطنية الإفريقية الأسيوية وأشياء من هذا القبيل، ولكن الكتلة –مع ذلك- لم تكن عبارة عن تحالف حقيقي بين دول ملتزمة ومقيدة بما يطوقها من التزام كما أن اهتمام الكتلة تلك، لم يكن شاملا لكل ما يعني الدول المنتسبة اليها من شؤون اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية وغيرها، بل إن الميدان البارز الذي كان يظهر فيه نشاط الكتلة بصورة تلفت النظر كان هو الأمم المتحدة وفروعها المختلفة، ولم تكن هناك خطة نظرية وعملية الأجل، كما لم يكن هناك استعداد حقيقي وواسع لتحمل المسؤوليات الدولية المشتركة، ومواجهة المشاكل التي تعترض سبيلا من هذا النوع بصورة مستمرة، إن الكتلة في عهدها القديم –كانت- على الرغم من بعض المظاهر – عبارة عن تحالف عفوي ضيق جدا تفرضه بعض الاعتبارات السياسية والعاطفية ولم تكن له فاعلية حقيقية وشاملة تجعل منه تحالفا أو تكتلا بالمعنى الدقيق للكلمة، ولهذا فإن إطلاق عبارة الكتلة آنذاك على مجموعة الدول الإفريقية الأسيوية المتعاونة فيما بينها بعض التعاون في داخل الأمم المتحدة، كان إطلاقا تجوزيا، ويراد به مفهوم بسيط للكلمة، لا المفهوم المعقد الواسع الذي نعهده في أحوال  أخرى كثيرة.
فهل يعني هذا أن الكتلة الإفريقية الأسيوية، قد أصبحت في الوقت الراهن مجرد ذكرى من ذكريات التاريخ الذي عشناه في الأمس القريب؟ طبعا لا – فلا يزال هناك تكتل إفريقي أسيوي، اتسع نطاقه، وتعمق مدلوله، إلى الحد الذي عليه الآن وهذا التكتل الذي نلمس مظهره الآن بارزا في المؤتمرات الإفريقية الأسيوية، وفي المنظمات والوكالات والاتحادات ذات الصبغة التعاونية التي يأخذها الإفريقيون والأسيويون في ميادين عدة سيايسية وثقافية، واقتصادية وغيرها، كل هذه المظاهر من التكثل الحالي هي –بطبيعة الحال- امتداد للتكتل البسيط السابق الذي جمع بين عدد من دول إفريقيا وآسيا في خلال الخمسينات، قبل انعقاد مؤتمر "باندونغ 1955" لكن بين حالة التكتل في شكله القديم، وحالته في صورته الحاضرة، تبدو للملاحظ فروق كبيرة من الطبيعي ان تكون موجودة، نظرا لسرعة التطور في الأفكار والأوضاع، الذي عرفه العالم خلال العقد الحالي، والذي قبله، إن الفروق الموجودة تتناول حالة التكتل الإفريقي الأسيوي بين القديم والحديث، سواء من الناحية العددية أوالتنظيمية أوالفكرية أوغيرها، وسواء أيضا باعتبار الظروف الدولية المحيطة والأهداف المتوخاة، والوسائل المتعملة والنتائج المحصل عليها، وكل هذا لم يحدث إلا بعد سلسلة من التطورات التي تناولت وجه الحياة السياسية العامة في القارتين، ومست بالتالي طبيعة الصلاة الإنسانية في داخلها، والعلاقة بينهما وبين بقية العالم، ومن ضمن هذه التطورات:
1) انعقاد مؤتمر باندونغ، وعلى الرغم من أن هذا المؤتمر لم يسفر إلا عن نتائج  نظرية في الغالب، ولم يؤد –بسبب ذلك- الى تكوين نظام دولي عملي للتعاون بين اقطار آسيا وإفريقيا، فإنه كان –مع ذلك خطوة مهمة في طريق تجميع القوى الفكرية والسياسية في القارتين، وإعطاء هذه القوى مجالا للتفاعل والتبلور ظهرت نتائجه فيما بعد.
2) استداد ساعد الحركات الثورية الوطنية في آسيا وإفريقيا، ونجاحها في استبدال أسلوب الكفاح السياسي المسالم بالتكتيك الحربي المنظم، سواء على النحو الذي يقتضي المواجهة أوعلى شكل حرب العصابات، وقد كان من شأن هذا التحول في التكتيك النضالي أن ساهم في الإسراع بتصفية الاستعمار بعد أن خلقت الحرب العالمية ظروف هذه التصفية من ناحية مبدئية.
3) دخول إفريقيا السوداء في الميدان الدولي المستقل والتقاء آسيا وإفريقيا بصورة واسعة في ميدان العمل التعاوني من أجل التنمية، وضمان عدم التبعية، ومن المعلوم أن القارة كانت واقعة كلها تقريبا تحت التبعية الى حدود سنة 1955.
4) الثورة الصينية، ونشوء نظام في البر الصيني ذي عقلية ثورية راديكالية، الأمر الذي أدى إلى خلق مجموعة من الأحوال الجديدة في الشرق الأقصى، وجنوب شرقي آسيا، ولا تزال مؤثراته ذات الأجل البعيد لم تتم بعد، ومن المنتظر أن تكون لها أهمية قصوى في علاقة العالم الثالث بغيره من القطاعات الدولية الأخرى في خلال العقود المقبلة.
5) انبعاث العالم العربي بعد «النكبة» في فلسطين، واتجاه العرب الى تحقيق اتصالات عميقة ومجدية مع بقية العالم الثالث، ومساهمتهم العملية في خلق محور للالتقاء بين آسيا وإفريقيا وبلورة نتائج هذا الالتقاء فيما يشاهد الآن من تطورات في مضمار التعاون الدولي، والتفاهم السياسي بين أقطار القارتين.
6) دخول الجزء الجنوبي من نصف الكرة الغربي (امريكا الوسطى والجنوبية) في اعتبارات الثورة الاقتصادية والاجتماعية والفكرية التي يخوضها العالم الثالث، ونمو الصلاة هكذا (ولو جزئيا وبصورة محدودة جدا الآن) بين الأقطار الإفريقية الأسيوية من جانب، وبلدان جنوبي إمريكا من جانب آخر، وقد تقلصت هذه الصلات بعض الشيء، في خلال الفترة الأخيرة، بعد أن عرفت من قبل بداية توسع لا بأس به، إلا أن اتجاه الرغبة العالمية الى التضامن من أجل مكافحة التخلف، وتبادل المؤازرة بهذا الصدد بين الأقطار التي يعنيها الأمر، سواء تحت إشراف الأمم المتحدة أوخارجها. كل ذلك من شأنه أن يقود المتخلفين وشبه المتخلفين الى تحقيق قاعدة دولية، لتبادل المنافع والخبرات في هذا السبيل لا يلزم منه التكتل –حتميا- ضد جهة أخرى من الجهات الدولية الأخرى، المعتبرة متقدمة أو في حكم المتقدمة.
7) قيام قواعد فكرية مهمة يرتكز عليها الموقف الإفريقي الأسيوي الجديد في العالم وتستمد منها القارتان بعضا من دينامية الصمود العقائدي اللذان يواجهان به معركة المواقف المتصادمة في الشرق والغرب، ومن بين الأفكار التي تقوم عليها هذه القواعد فكرة الحياد داخل إطار التعاون الإيجابي بين الدول، والفكرة القائلة بضرورة التكافل الدولي من أجل التخفيف من الفوارق الاقتصادية والاجتماعية القائمة بين قطاع الدول المتخلفة والقطاع الاخرى، الذي يضم مجموعة الدول المتقدمة.
هل ساهمت كل هذه التطورات –حقا- في دعم الكتلة الإفريقية الأسيوية، وجعلت منها تكتلا دوليا حقيقيا يتميز بتماسكه ومتانته؟ أم أن الأمر لم يصل الى هذه الدرجة نفسها؟
لقد استعرضنا –قبل- بعض التطورات التي كانت نتيجة لتغير الجو الدولي التي كانت تعمل فيه الكتلة خلال العقد الأخير، غير أن الملاحظ، هو أن التطورات التي وقعت لم تكن كلها لصالح قضية التماسك والتناسق بين مجموعة الدول الإفريقية الأسيوية التي تضم عددها جدا بسبب الاستقلالات  التي نشأت خلال السنوات الأخيرة، فلقد قامت أوضاع دولية أخرى غير التي أشرنا إليها من قبل أدى بعضها الى الاختزال من شدة التماسك الذي كان موجودا من قبل، بل إن البعض منها قد ساعد على نشوب حالات من الصراع العنيف أحيانا بين دولة وأخرى مندول الكتلة الإفريقية الأسيوية، ونذكر تمثيلا  لذلك – بعض التطورات البارزة من هذا القبيل:
1) دخول بعض الدول الأسيوية  في حظيرة الأحلاف الدولية الكبرى (المتعلقة  بالصراع بين الشرق والغرب).
2) تمسك بعض دول الشرق الأقصى بسياسات خاصة مستقلة أحيانا عن جميع المؤثرات الدولية المألوفة، الأمر الذي نشأ عنه نوع من الخلاف الشديد بين بعض الدول الأسيوية، وإثار حالة من الارتباك   الديبلوماسي بين عدد من الدول الإفريقية.
3) وقوع خلافات بين دول أسيوية مهمة كالخلاف الهندي الصيني، وبين دول إفريقية كثيرة كالخلاف بين غانا وجاراتها أو الحبشة مع الصومال، وكذا بين دول افريقية وأسيوية كالنزاع القائم بين العربية المتحدة وإيران هذا إلى تشعب الخلافات القديمة كالصراع على كاشمير وجامو بين الهند والباكستان، وحالات أخرى من هذا النوع، على أن هناك حالة أهم من كل هذا، لها دلالتها على ازدياد عدم التماسك بين أعضاء الكتلة الإفريقية الأسيوية، وتضاؤل حظوظ التضامن والتعاون بين الإفريقيين –الاأسيويين، والحالة هذه تظهر في موقف أغلبية أقطار القارتين من إسرائيل هذا الموقف الذي لا يعكس حالة شعور بخطورة وجود الوضع الحالي في فلسطين- على الرغم من أن وضعا كهذا يهدد استقرار ونمو قطاع هام من قطاعات العالم الإفريقي- الأسيوي، ويمثل تسربا خارجيا الى قلب القارتين، ونقطة اتصال بينهما وهي فلسطين، ومن معاد القول أن ينص المرء على خطورة التمركز الاجنبي في نقطة استراتيجية كهذه، وما يحمله ذلك من احتمالات لا حد لها.
وتظهر غرابة المتناقضات التي يمكن ملاحظتها بهذا الصدد عند مقارنة أوجه الاتفاق المبدئي بين الدول الإفريقية الأسيوية من بعض القضايا كموضوع الاستعمار وبين موقف هذه الدول نفسها من إسرائيل والنشاط الصهيوني العالمي في دنيا العرب، أي في جزء مشترك بين القارتين الإفريقية والأسيوية، فهناك على الرغم من الخلافات الموجودة – كثير من من أوجه الاتفاق في وجهات النظر، بل والتعاون أحيانا ضمن اتفاق مبدئي من هذا القبيل، ومن أبرز نقط الاتفاق هذه:
1) التضامن ضد الفكرة العنصرية في العالم.
2) التعاون على تصفية الامبريالية في شكليها القديم والجديد.
3) التضافر على تحقيق تنمية مشتركة وبعث حضاري شامل.
4) التكاثف على ضمان حالة من الأمن المتبادل والمساهمة –لذلك- في الحفاظ على استمرار السلام العالمي وتنمية عوامله.
5) العمل على تحقيق وضعية عالمية يصبح فيها لمبادئ المساواة والتكافل والتحرر من العقد، مدلول صحيح وعملي.
ولسنا هنا بصدد استيعاب معطيات الدستور العقائدي الذي يمكن أن يقوم عليه عمل ايجابي دولي لأقطار العالم الثالث، غير أننا عنينا هنا بابراز بعض النماذج فقط، وهذه النماذج قد أصبح لبعضها بالفعل شان كبير في توجيه سياسة الدول الإفريقية الأسيوية، وتحديد مقوفها السياسي والفكري ببقية أنحاء العالم، وقد كان من نتائج ذلك أن كثيرا من دول إفريقيا وآسيا أصبحت سياستها الدولية تكاد تنطبع في بعض المجالات – بطابع خاص ومشترك ناشئ عن الاهتمامات التي تغلب عيها، وتكاد تنفرد بها عن الدول الأخرى التي لا تشغلها هذه الاهتمامات الا بقدر محدود جدا، ومن هذه الاهتمامات: الوضع في الأقطار الإفريقية التي لا تزال غير مستقلة- وضعية السكان الإفريقيين في اتحاد جنوب إفريقيا- الأحوال المعقدة في الكونغو ليوبولدفيل- القضايا  المتشعبة في الشرق الأقصى، والخلافات الدولية التي تستحكم بالمنطقة- مشاكل التخلف الاقتصادي والاجتماعي وما يترتب على الأمم المتحدة وغيرها، القيام به في هذا المضمار – إقامة أنظمة أكثر مساواة بين الأعضاء في الأمم المتحدة مع اعتبار الظروف العالمية الجديدة، وما تفرضه من تعديلات على الميثاق والنظم المعمول بها داخل الهيئة – المشاكل التي تعترض المنظمات التوحيدية كمنظمة الوحدة الإفريقية وغيرها.
هناك  عدد من الاهتمامات من هذا القبيل تشغل بال الأقطار الإفريقية الأسيوية، ويتركز حولها جزء مهم من النشاط الدولي لهذه الاقطار، ولا  يجادل أمرؤ في منطقية هذه الاهتمامات وحيويتها بالنسبة لحاضر القارتين ومستقبلهما، وكذا حاضر ومستقبل المناطق العالمية المقاربة لهما في بعض القضايا والمشاكل، كالجزء الجنوبي والأوسط من القارة الأمريكية والجزر والأرخبيلات المنتشرة عبر العالم، غير أن الذي  يلحظ بهذا الشأن أن القضية الفلسطينية وهي –كما ذكر- ذات اتصال مباشر بجزء هام من إفريقيا وآسيا، ويرتبط وجودها بسلامة ومصير كثير من المبادئ والعقائد تأخذ بها الدول الإفريقية–الأسيوية- هذه القضية مضى عليها كثير من الوقت، وأصبحت مزمنة لمدى نحو سبعة عشر عاما، أي أكثر أزمانا من كثير من المشاكل الأخرى التي تقض مضجع القارتين، ومع ذلك، ففي خلال الفترة المديدة هذه – طوال السبعة عشر حولا الماضية على نشوب هذه المعضلة – فإنها أي المعضلة لم تستطع أن تستحوذ على اهتمام الاقطار الإفريقية الأسيوية إلا بقدر محدود  جدا، وعلى نحو لا يعكس وجود  فهم حقيقي للمشكلة، بل يدل على أن النظر اليها لا يتعدى حدود بعض الاعتبارات الجانبية التي لا تحل عقدة، ولا تطرد داء، لماذا هذه الظاهرة؟ ما موجبها؟ وهل تتحكم فيها حتميات سياسية وعقائدية لا مرد لها؟ وإذا كانت هناك حتميات فما هي؟ وهل تتعلق بمصالح الدول الإفريقية – الأسيوية في الغرب، وخشية هذه الدول من حدوث مشاكل اقتصادية أوسياسية لها بسبب تورطها في مؤازرة الحق العربي في فلسطين؟ أم أن المنافع  الاقتصادية والفنية التي يمكن جنيها من إسرائيل هي ذات التأثير الحقيقي في هذا الباب؟ وإذا كان الأمر كذلك -   ونفترض أنه غير ذلك، فلماذا لم تحل الحتميات والمنافع والحذر السياسي وغير ذلك، لماذا لم يحل كل هذا  بين العرب مشرقا ومغربا وبين أن يتخذوا موقفا حاسما صارما من مسألة الميز في جنوب إفريقيا، وقضايا التحرر القومي في روسيا والمستعمرات البرتغالية، هذا إلى قضية الأمن والاستقرار بالكونغو والأقطار الأخرى التي في مثل وضعيته؟.

لا نصف العرب هنا ببطولة، وغيرهم بعكس ذلك، فالأمر هنا ليس أمر بطولة أو تظاهر بالبطولة إنما هو أمر الأمن والاستقرار والتنمية في إفريقيا وآسيا، وبقية ربوع العالم الثالث، وكل ذلك يشكل قضية لا تتجزأ، سواء أكان الأمر متعلقا بفلسطين، أو بأنكولا، والموزامبيق، أو بقضية الحقوق المدنية في مجتمعات الميز العنصري، أو بغير ذلك، وكل ما نتصوره كتعليل ممكن لهذه الحالة، هو –ربما- تقصير العرب في التعريف بحقيقة القضية: القائمة في فلسطين، والمشاكل المادية والأخلاقية المترتبة عنها، والصلة العميقة التي توجد بين مصير هذه القضية، وبين معظم المبادئ والقيم التي يأخذ بها العالم الثالث، ويريد أن يتخذها أساسا لانبعاثه، ولبنة في بناء الطور الجديد من الحضارة الإنسانية، ومما يؤكد هذه الإمكانية، أن العالم الإفريقي الآسيوي قد أخذ يبدو –في الفترة الأخيرة- أكثر عناية بالقضية الفلسطينية، وأقرب الى تفهم الوضعية الناشئة عن قيام إسرائيل، واستمرار وجود هذه الدولة بمنطقة الشرق الأوسط فهل يعود هذا القدر من التفهم الى حالة التقارب التي توثقت بين العرب وبقية العالم الثالث والمعلومات المتبادلة بين هؤلاء وأولئك نتيجة لذلك، أم أن الأمر يعود لمجرد تفتح عقلي تلقائي أتيح لدول القارتين ضمن حركة التطور الذي حدث على صعيد الفكر السياسي في كل منهما؟
مهما يكن فقد عرفت السنتان الأخيرتان، وتعرف هذه السنة تحولا مهما في هذا الباب، وإن كان هذا التحول لم يسفر بعد عن ثمرات عملية، فعلى الرغم من الجهد  الذي تبدله الديبلوماسية الإسرائيلية لإبقاء أغلبية بلدان آسيا وإفريقيا غير العربية، مرتبطة بها اقتصاديا وثقافيا  وربما عاطفيا أيضا، فإن هذه الأقطار قد بدأت تدرك –خلال السنتين الأخيرتين- أهمية التعقيد الذي يمثله وجود إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط، ثم ما قد يسببه الغلو في الترابط مع هذه الدولة من ملابسات سياسية ونفسية غير ملائمة، في مضمار العلاقات مع العالم العربي، وقد ظهرت بعض مظاهر هذا التحول في غضون المؤتمر الافريقي الأسيوي الذي انعقد كما تقدم – في "موشي" بتانجانيفا (تفريقية الشرقية) خلال شهر يبراير 1963، فقد طردت اسرائيل من حظيرة المؤتمر، بعد أن حاولت التسلسل إليه بالوسائل العادية والغير العادية، ثم تعرضت الدولة الصهيونية في بعض مقررات المؤتمر النهائية الى إدانة صريحة، حيث وصفت هذه الدولة بكونها قاعدة استعمارية، ومركز تهديد للأمن والاستقرار، بل أشير حتى إلى ضرورة العمل على مواجهة النشاط الصهيوني بالقارتين، والمطالبة بالتراجع عن المعاهدات والارتباطات التي توجد بين إسرائيل والدول الإفريقية- الأسيوية  التي تتعامل معها، ورغمأن المؤتمر في أساسه لم يكن يمثل سلطات دولية، لها صلاحيات تنفيذية كاملة، فان إسرائيل لم يكن لها لتتغاضى عن أهمية هذه الخطوة السياسية والسيكولوجية التي اتخدت ضدها في حضيرته،  وحل مؤتمر دول عدم الانحياز الذي اجتمع بالقاهرة خلال السنة الماضية، وهو يضم الى جانب وحدات الكتلة الإفريقية الأسيوية دولة أوربية هي يوغوسلافيا، وبعثت إليه بعض دول أمريكا الجنوبية بمنذوبين ملاحظين، لقد تعرض المؤتمر لحملة نفسية من إسرائيل  بوسائلها الدعائية المعهودة غير أن ذلك يفوت عليه أن يثير في مقرراته الى المشكلة الفلسطينية، التي تمس فعلا بوضعية الشرق العربي الحيادية، وبمستقبل السلام في ربوعه، واستقبلت غانا من جهتها- في خلال الأسابيع الأخيرة- مؤتمرا جديدا  للتضامن الإفريقي- الأسيوي، والظروف التي عقد فيها المؤتمر، ثم المكان الذي اختير لانعقاده، كل ذلك يوحي بأن المشكلة العنصرية بإفريقيا كان من شأنها أن تأخذ بالقسط الأوفر من اهتمامه، لكن ذلك لم يصد المندوبين أن يصادقوا على قرار إدانة إسرائيل الذي أصبح هكذا قرارا تقليديا ومألوفا في حظيرة المؤتمرات الإفريقية – الأسيوية، ومن غير شك.

ماذا  يعني كل هذا بالنسبة للعالم العربي، وبالنسبة أيضا لفكرة التضامن العربي الأسيوي الإفريقي ضد الإمبريالية وذيولها، وصورها الظاهرة والمتخفية عبر أنحاء العالم؟ ليس في المستطاع إنكار أهمية الإدانات العلنية ضد إسرائيل من الناحية السياسية والنفسية، لكن هذه الإدانات يكاد يفقدها قيمتها الرادعة، وما يتوافر لإسرائيل لدى بعض الدول الكبرى والأقطار المتأثرة بها من عوامل المساندة العلمية، سواء في المجال  السياسي أو الاقتصادي أو غيره، وهذه الناحية الأخيرة، الناحية الإقتصادية هي أهم ما تحرص عليه اسرائيل بينما الواقع أن اقتصادها اقتصاد مشوه  لا يمكن الاطمئنان إليه كثيرا، ويتوقع منه أن يصبح في المستقبل  جسر عبور لاستمرار الاحتكارات الغربية في فرض سياستها التخطيطية والاتجاهية على اقتصاديات الدول النامية في إفريقيا وآسيا، هذا علاوة على ما يمكن إن يحدثه ذلك من آثار سيئة على الاتجهات الرامية الى تنسيق النهضات الاقتصادية بين العرب والإفريقيين والأسيويين، ضمن الحركة الهادفة الى الإسراع بتحقيق التطور الذاتي لهذه المناطق، وتخليصها بذلك من البقاء خاضعة لمقتضيات الرقابة الاقتصادية الأجنبية، هذا علاوة على أن مثل هذا التأثير السلبي الذي يخشى أن تحدثه اسرائيل على حظوظ التطور الاقتصادي المتناسق في القارتين، يمكن أن يحدث في نفس الوقت، ارتباكات سياسية في جو العلائق بين الغرب والدول الإفريقية – الأسيوية الأخرى، فإسرائيل تلم بحقيقة جوهرية وبسيطة، وهي أن حظوظ فرض الصلح بالقوة على العرب، لم تعد ممكنة لها، كما كأن يبدو منذ خمسة عشر عاما، لذلك تامل أن توسع من  دائرة صراعها السياسي مع العرب، وتنقل المعركة القائمة معهم في هذا النطاق الى العالم الإفريقي الأسيوي إن أمكن والأقطار العربية بدورها لا مناص لها من مواجهة التحدي الإسرائيلي في هذا الميدان، كما في غيره من الميادين العديدة التي عليها  النزاع العربي الإسرائيلي المتشعب.
أما الفكرة البسيطة التي يمكن أن نستخلصها من كل هذا فهي أنه خير لتطور العلاقات الايجابية داخل القارتين، أن يقع الابتعاد ما أمكن عن جو هذا الصراع الذي فرضته الصهيونية العالمية على العرب، والذي تتحفز إسرائيل كما تقدم- لافتتاح مناطق جديدة له في إفريقيا وآسيا، مما يخلق عقدا نفسية في جو العلاقات داخل القارتين وربما أوضاعا دولية غير مرغوب فيها، وليس للجميع إليها من حاجة.
يبقى بعد هذا موضوع للتساؤل عما يمكن أن يسهم به العالم الأفريقي الأسيوي- عمليا- في تحقيق مقتضى التوصيات المقررة داخل المؤتمرات الأسيوية الإفريقية المتعاقبة خلال السنوات الأخيرة، أي ما توجبه هذه التوصيات من مكافحة للتسرب الصهيوني، وإدانة لإسرائيل بصفتها رأس جسر لاستمرار سياسة الاستعمار الجديد في القارتين، أن تقدير ذلك موكول لدول الكتلة الإفريقية الأسيوية نفسها، ولا  نخال أن وعيها العميق بالقضايا الكبيرة التي تحكم في تقرير مصاير الأمور بالعالم اليوم، لا نخال أن ذلك إلا مساعدا لها على القيام بدورها كاملا في هذا السبيل.

ارجع إلى قومك، فأخبرهم  بأنك لم تغضبني"
جاء في سفينة الراغب: أن رجلا بايع على أن يغضب الأحنف، فجاءه، فخطب
إليه أمه، فال له الأحنف:
"لسنا ندرك انتقاصا بحسبك، ولا  قلة رغبة في مصاهرتك، ولكنها امرأة، قد
علا سنها، وأنت تحتاج الى امرأة ولود ودود، تأخذ من خلقك، وتستمد من أدبك،
إرجع الى قومك، فأخبرهم بأنك لم تغضبني !!".

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here