islamaumaroc

في ميدان القصة -1-

  دعوة الحق

80 العدد

لعل القراء الكرام لمجلة "دعوة الحق" المزدهرة يذكرون ما ذهبنا إليه في المقال الأخير من سلسلة مقالات "في شعرنا المعاصر" من "أننا إذا كنا نشكو نقصا فاضحا مخجلا في فن من فنون الأدب فلن يكون الشعر ولا المقالة بحال من الأحوال، وإنما نشكو ذلك في الرواية والقصة بنوعيها".
وإذا كنا نعتقد أن ما كتب آنذاك حول موضوع الشعر المغربي وما كتب بعد ذلك يلقي بعض الأضواء على هذا الجانب من حياتنا الأدبية، وإذا كنا نستطيع الآن أن نقول بكل صراحة وأسف في آن واحد: ليس هناك من مظاهر جديدة تستحق الرصد والاعتبار. دون أن نغفل الإشارة إلى ظهور شعراء يندرجون تحت أحد تلك التيارات التي حددناها يومئذ، ودون أن نخرج من حسابنا كذلك بعض الشعراء الذين لم يقع التعرض لهم من قبل وهم جديرون بكل عناية واعتبار، ومع ذلك نرى أنه من غير المستعجل التعرض لهذه الثغرات بالنظر إلى ما استجد في مظهر آخر من مظاهر الأدب هو القصة. حيث يسعنا الآن أن نلقى بعض الأضواء عليها حتى نتمكن من معرفة رصيدنا من هذا الفن الأدبي الجميل.
إلا أننا قبل ذلك ينبغي أن نرسم بعض الملامح والمقاييس التي نعتمدها كمفهوم للقصة من جانبها البسيط العام، وكأثر فني يعنى بتصوير المجتمع في فترة من فترات قد تطول وقد تقصر -من خلال شخصية أو عدة شخصيات أو حادثة أو مجموعة من الحوادث، أوفكرة أو عدة أفكار تعكس في مجموعها طابع المجتمع، آماله وآلامه، قيمه واهتماماته، خيبته ونزوعه، وطبيعي أننا حينما نقول تصوير المجتمع لا نعني بذلك مطلقا أن يكون من نوع التصوير الفوتوغرافي الذي ينقل جزءا من الواقع كما هو دون عملية تعديد تقتضيها الطريقة الفنية للعرض المناسب السليم. وإنما المقصود ابتكار الصورة بشكل لا تكون معه غريبة عن المجتمع، بل إنها تبدو ولها من حظوظ الوجود الشيء الكثير ما دامت تستمد ظلالها وأبعادها من المجتمع نفسه كأجزاء متفرقة يحيلها العمل الفني وحدة متماسكة، ويطبعها طابع الخلق والإبداع، دون أن نغفل التوازن بين القطاعين الداخلي والخارجي!
وأهمية القصة تأتي من أنها تسد فراغا هائلا لا يعني به التاريخ، لأنه ليس من وظائفه كعلم يسجل الواقع كما هو وكما حدث بالفعل، محللا ومعللا، وإنما ذلك من وظيفة الأدب بصفة عامة والقصة والرواية بالأخص، ذلك لأن الأدب إن كان يحلل على طريقته الخاصة فهو لا يعلل، وها هنا يتضافر العلم والأدب ليساعدانا على أخذ صورة تكاد تكون متكاملة عن مجتمع من المجتمعات أو فترة من الفترات التاريخية، ذاك لسرد الحوادث وتحليلها وتعليلها، وهذا لعرض المزاج النفسي والاجتماعي بهذا المجتمع أو ذاك.

وإذا كان الأدب بصفة عامة يقوم بهذا الدور، فإن القصة والرواية تأتيان بالنظر إلى ذلك في المرتبة الأولى، على أن الشعر هو الآخر له دوره في هذا الباب، وإن كان في بعض أغراضه كالمدح مثلا لا يحملنا دائما على الاطمئنان، مثله في ذلك الملاحم التي تتخذ عادة طابع التهويل والتضخيم سواء في الأعمال أو المشاعر!
وخلو تاريخ أمة من الأمم من القصة بنوع خاص معناه حرمان البشرية من الإلمام بالشيء الكثير عن 
مزاج تلك الأمة وجوها العام، وفقدان عدة حلقات كانت تسعفنا بالكثير لو أن الأدب سجلها في قصص أو روايات.
وكانت أمتنا العربية في ذلك كبش الفداء! وبقطع النظر عن بعض الفترات التي صورتها بعض النوادر والحكايات كألف ليلة وليلة، وقصص الأبطال، كالعنترية والأزلية والإسماعيلية والوهابية وغيرها من النوادر وحكايات السمر، مع إبعاد ما تحفل به هذه وتلك من خوارق وإغراق في الخيال، مما لا نعدم له نظائر في الأدب القصصي عند باقي الأمم، وبصرف النظر كذلك عن المقامات على ما تتسم به من سطحية وعناية فائقة بالشكل على حساب المضمون، فإن هناك فجوات شاسعة تجسم تلك الحلقات المفقودة التي لم يكن للتاريخ من غناء في إجلائها، لأنه غير قادر على ذلك من جهة، ولأن مهمة الإجلاء هذه ليست من وظائفه من جهة أخرى، ومن ثم نستشعر هذه الوحشة المهولة عند تعرضنا لهذه الفجوات، والعكس حينما نعرج على تلك الفترات السابقة، حيث نشعر ببعض الإيناس، ونعثر على بعض الصوى والمعالم التي لا ننكر أنها تبدو مندسة بين خضم من المثاليات والخوارق بالنسبة لقصص البطولات والنوادر وغيرها، وتبدو غير واضحة الملامح بالنسبة للمقامات، ولكنها مع ذلك تسعفنا بخطوط وظلال عن المجتمع العربي والإسلامي، والأمر بعكس ذلك بالنسبة لبعض المجتمعات الأوربية، ولا سيما في القرون الثلاثة الأخيرة حيث نعثر على آلاف القصص والروايات إلى جانب التاريخ مما يساعدنا على أخذ صورة تكاد تكون متكاملة عن تلك المجتمعات، على أن هذا لا يعني مطلقا انعدام الفجوات هنا، ولكنها على كل حال أقل اتساعا إذا قورنت بتلك التي تمثل "الربع الخالي" في أدبنا العربي!.
وحتى لا يبدو أن في الأمر إشكالا، تجب الإشارة هنا إلى أننا حينما نشير إلى دور القصة في تصوير المجتمع لم يخطر ببالنا قط أن نقصر ذلك على القصة أو الرواية التاريخية التي يعتمد الكاتب فيها على أحداث جاهزة وقعت بالفعل، وإنما يقتصر دوره فيها على بعض التعديلات البسيطة أحيانا، والاستعانة ببعض الشخصيات أوالأحداث الثانوية لسبب أو لآخر، وإضفاء بعض الألوان عليها، وإنما نقصد بالدرجة الأولى خلق حوادث أوشخصيات من عدم، إن لم يكن لها طابع العصر الذي يعيشه الكاتب تماما فهي لا تستطيع بحال من الأحوال أن تتخلص من كثير من مؤثراته وسماته، ومن ثم يصح إلى حد بعيد أن توسم هي الأخرى بأنها تاريخية، بالنظر إلى أنها تمثل عقلية ومزاج فترة معينة، لا على أساس أنها تمثل حوادث وقعت بالفعل، أو شخصيات ذات كيان موجود! .
ويبقى بعد هذا الجانب التقني والفني، والدور الهام في نجاح القصة أو فشلها هو طريقة العرض، هل هي طريقة السرد التي يتخذ الكاتب فيها دور الراوي المعلق، دون أن يكون في خضم الحوادث، أم هي طريقة السرد التي يستعمل فيها الكاتب القصصي ضمير المتكلم على أنه أحد شخوص القصة وكمحور تدور في فلكه الأشياء. وهذا ما يمكن أن يسلك في نطاق الترجمة الذاتية في بعض الأحيان، وإما أن يكون دوره فيها بالمقدار الذي يساعد على بلورة الشخصيات أو الحوادث الأخرى ليس إلا! وإما أن يفعل ذلك على لسان أحد شخوص القصة متخذا هو مظهر الحياد، محاذرا أن يقحم نفسه في الموضوع! ثم هناك طريقة التداعي أو ما يطلقون عليه "المونولوج الداخلي"، حيث يجد القارئ نفسه أمام أفكار وخواطر تبدو كما لو كانت سجلت على النحو الذي تخطر به في الذهن، دون اللجوء إلى التسلسل المنطقي وعملية الفرز والانتقاء اللتين يقوم العقل بهما عادة، فمن المؤكد أن عشرات الأفكار تخطر ببال كل واحد منا أثناء الحديث مع شخص أو أشخاص، ولكن أحدا لا يجرؤ على إثارة مجموع تلك الأفكار والخواطر التي تهجس في ذهنه بل لا بد من عملية انتقاء وتصفية تقتضيهما حال المخاطبين وحال المتحدث وظروفه ومزاجه، ومجموعة أخرى من العوامل المعقدة، غير أن أصحاب هذه الطريقة يحاولون دائما أن يقوموا بدور تسجيل تلك الخواطر كما تخطر عادة بالذهن، وليس هناك إلا العلاقة الشعورية أو اللاشعورية التي تقتضي إثارة خاطر أو مجموعة من الخواطر كلما أثير مدرك أو مدركات حسية أو معنوية، وصعوبة هذه الطريقة تأتي من انعدام التلقائية في إيراد الخواطر، ذلك أن الكاتب بدون شك هوالذي يقوم باختيار الخواطر الأساسية بالدرجة الأولى ثم الخواطر الفرعية والثانوية التي تتلوها محاولا جهده أن تبدو الأشياء كما لوكانت تلقائية، وكما تخطر عادة، ثم إن رصد هذه الأفكار والخواطر حين خطورها تبدو حقا من الصعوبة بمكان، والناقد الخبير هوالذي يستطيع إلى حد ما أن يقيس مدى نجاح الكاتب في الاقتراب من التلقائية أو البعد عنها، لأن موازنتها وحذو النعل بالنعل أعتقد أنها من المستحيل.
وهناك طريقة الرسائل، حيث يدع الكاتب فيها شخوصه يكشفون عن ذواتهم ومشاغلهم واهتماماتهم ونظراتهم إلى الآخرين دون أي تدخل مباشر منه، وصعوبة هذه الطريقة تأتي من البحث عن ايجاد الروابط المحكمة التي تستطيع أن تكون من مجموع الرسائل المقدمة قصة متكاملة لاغبار عليها.
والقصاص الماهر الذي يجيد استعمال أحد هذه الطرق أو مزجها مع بعضها مما يتناسب وموضوع القصة وطبيعتها، ومع ذلك فسوف تبقى طريقة العرض –كما يقتضي منطق التطور غير خاضعة لمقاييس معينة، ذلك أن الناقد لا تهمه الطريقة الامن حيث مقدار نجاحها في اضفاء اللون المناسب على موضوع القصة، وابراز الحوادق او الشخصيات بالقدر الملائم، على أنه إذا قدر الطريقة ان تسيطر لفترة أو فترات معينة، فإنها لا تلبث بدورها أن تتخلى على مكانها لأسلوب جديد، وهكذا يمكن أن نشير كمثال إلى قصة مدام دي لا فاييت "اميرة كليف" التي تعد ثورة على الطريقة التقليدية لا من حيث البناء فحسب بل ومن حيث الاطار والأسلوب كذلك، ومثل ذلك يقال عن "تريسترام شاندي" للورنس ستيرن الذي تحدى تعريف فيلندنبج للقص بأنها "ملحمة نثرية لا بد فيها من ارتباط الحوادث مع بعضها بشكل منطقي وعضوي في آن واحد  ذلك أن "ستيرن" خرق في هذه القصة جميع القواعد المعروفة للقصة، ومثل ذلك يقال عن بروست الفرنسي وجيمس جويس الايرلندي، ومن ثم لا يكون من حق الناقد أن يفرض على الكاتب القصي أي شكل من أشكال العرض التي لا تعدو أن تكون مثل الواجهات الزجاجية بالمحال التجارية التي يتفنن اصحابها في تنسيقها بطريقة أخرى يبدو لهم أنها أكثر ملاءمة وجاذبية لعرض البضاعة على الزبناء، على أن يبقى منن حق هذا الناقد –وهذا دوره الأساسي هنا- أن يحلل تلك الطرق والأساليب ويرصد الجديد منها مع اختيار مكدى نجاح هذه الطريقة أو تلك في عر اقلصة من الناحية الفنية.
والقصاص حينما يلجأ عادة إلى طريقة معينة يخضع في ذلك إلى عدة عوامل يعود بعضها إلى مزاجه الخاص، ويرجع البعض الآخر إلى المجتمع نفسه، وهنا تكمن الصعوبة التي يعانيها جد المعاناة، فإذا انتصر عليها هان عليه بعد ذلك ما تبقى من الصعاب،وهذا ما يفسر تلك الصعوبة التي نحسها كقراء امام قصة يستعيد الكاتب فيها مزاجه الخاص، ولا سيما إذا كان بالغ التعقيد، فلا نلبث أن نحكم عليه بأنه إنسان جد متعب، وان كنا لا نعدم المتعة نهائيا لما قد نكتشفه من دروب ومنعطفات قد تكون فريدة من نوعها وقد لا تخلو من سمات جديدة ورائعة في نفس الوقت.

       
 1-القصة في الأدب الانجليزي للدكتور طه محمود طه. مجلة القصة عدد2 السنة الأولى فبراير 1964.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here