islamaumaroc

صيانة الوثائق وأهميتها في التاريخ -4-

  دعوة الحق

80 العدد

كان الحديث وما زال موضوعه هو الوثيقة عبر العصور ونظامها الإيجابي كلما التجأ إليها الباحث، والوثائق كانت تسهر عليها إدارة القانون، لكن لما أخمدت نيران الثورة واستتب الأمن واستقر الحكم، اقتضى الأمر بإسنادها لمن هو أهل لها، وشأنها من اختصاصاته ألا وهو (وزير المعارف والعلوم) لأن مأمورية الوثائق كانت جديرة بأن تسند من حين لآخر الى أشخاص تتلاءم مصلحة الظروف مهامهم بها، كما  كان ذلك عند الإسلام في القرون الوسطى، إذ كان المنوط بها  وبشؤون المكتبة كاتب ديوان الإنشاء، وكاتب السر -كاتمه- ثم تكلف بها صاحب البريد أي ما يعرف الآن  بمكتب الضبط، وبعد ذلك كلف بها مجلس الأوقاف الذي كان ينفق على التعليم ويسهر على محافظة المساجد التي كانت تعد بمثابة المدارس، والداعي الى ذلك هو لما  أصبح أهل البر والإحسان يوقفون ما لديهم من كتب ووثائق لفائدة التعليم ونشر الثقافة، وقد استمر هذا النظام في الإسلام وفي كل قطر عدة قرون الى أن تطورت الأحوال، فأصبحت المكتبة والوثائق من اختصاص وزارة التربية الوطنية في كافة البلاد العربية.

انفصال الوثائق عن إدارة القانون.
كانت المستندات منذ زمان بعيد يدير شؤونها الملك أو القيصر، ثم تسلم أمرها في العصر اليوناني وزير المالية، وفي العصور الرومانية أصبحت في حيازة الملك، وكانت الملوك هي التي تسهر عليها  وتنقلها معها في الأسفار وحتى في الحروب، وكم من وثائق ومكتبات نكبت، غير أن فرنسا لما أصيبت وثائقها في واقعة "فريتفال" قررت أن تضعها بقصر "اللوفر" وكلفت بالسهر عليها مسئولا، وفي  كل وقت كان الملك يعين عليها محافظا بمرسوم يصدره، وأخيرا تكلف بها الأستاذ "كاميس" المذكور سابقا والمحامي للبرلمان ونائب مدينة باريس، وفي 28 ماي من مطلع القرن التاسع عشر انفصلت من الهيئة القانونية (وتكلفت بها وزارة الداخلية الى حوالي سنة 1887). فصدر مرسوم بتاريخ 14 ماي سنته جعل أمر الوثائق من شأن وزارة التربية الوطنية وأنيطت بها إدارة مستقلة بشؤونها الخاصة والعامة (الفنية والمادية والأدبية) نظرا للإطار المتوفر في الرجال الأكفاء للقيام بتسيير هذا العمل، وعلى إثر ذلك صدر مرسوم يحتم على جميع الوزارات أن تدفع مستنداتها لدار الوثائق الوطنية، ومعلوم أن المراكز التابعة لهذه الأخيرة في كل بلد لها فرع ستنال حظها من كل مصلحة إدارية بدائرة الإقليم، ويفرض النص المذكور أن تدفع الوثائق بانتظام في أجل معين بعد مرور زمن على انتدابها، ثم أردفه بند آخر بتاريخ 21 يناير 1801 يقضي بفسخ العقدة المبرمة والمشار إليها من قبل، فتوقفت اللجنة المؤقتة التي كانت أنيطت بتصفية الأوراق، ونظرا لعملها المثمر صدر قرار بتاريخ 23 أكتوبر 1801 ينص بتوظيف أشخاص من تلك اللجنة في سلك موظفي إدارة الوثائق.

وبعد حين إنشاء  مكتب خاص للمآثر التاريخية وبعد لقب بالقسم القديم، جمع هذا القسم مفردات من النوادر ما يعجز القلم عن وصفها لكثرة وفرتها وما فيها من أشياء ملموسة يرجع البعض منها تاريخه الى القرن السابع الميلادي وتنحصر وثائقه إلى فجر الثورة الفرنسية. ووضع بجوار هذا القسم جناح خاص يطلق عليه متحف تاريخ فرنسا  مملوء بالنفائس والأشياء التاريخية التي لها شأن وثيق مع التاريخ المدون.

قصر  سوبيز (Soubise) مقر الوثائق الدائم.
لما توفي الأستاذ "كاميس" خلفه "ضونو" (Daunou)  سنة 1804 وبعد تعيين هذا الأخير بأربعة أعوام نقل مستودع الوثائق من قصر اللوفر الى قصر سوبيز وهو المقر الدائم والحالي ويسمى: الوثائق الوطنية الكائن بشارع الوثائق زنقة فرنك بورجوا بباريس.

وكان ذلك بتاريخ 6 مارس 1808 وأثناء هذه الفترة تضجرت الإدارة من كثرة الأعمال وتراكم الأوراق حيث كانت تتوارد عليها بكثرة، وكان جلها قد فرضته ظروف سياسية في الداخل وأحداث تاريخية من الخارج فبعد التصدير والتأميم، كان القائد "نابليون" يغزو ويحتل الأقطار ويأمر بنقل الوثائق من مكانها ويبعث بها الى باريس لأنه أراد أن يمركزها ويجعل من وثائق أوربا وثائق عامة، ومركزها الرئيسي قد يكون بباريس، وفعلا نقلها من فيانا  (Vienne) وسيمنكا  (Simancas) وغيرهما، من جميع عواصم أروبا  التي قهرها بسيفه، وذهب المحافظ "ضونو" إلى الفاتيكان (Vaticane) سنة 1811 للتنقيب عن الوثائق هناك. وعلى ضوء القرار الذي رفعه الى القائد الذي أصبح إمبراطورا على فرنسا أمره بإرسالها وتأميمها بباريس فنقلت على عربات يجر كل واحدة منها ست بغال وأربعة ثيران تحت حراسة الجند ورجال الدرك، وبهذه التنقلات كانت الأشغال تزداد في كل يوم والأعمال قائمة رغم أن الأوراق تتدفق بدون انقطاع ولا فتور حتى ملئت المخازن ومجوفات العمارات وتجاوزت الحدود إلى أن أصبحت مكدسة في الردهات والأروقة، وبنيت مخازن أخرى واكتريت أماكن مجاورة للمركز، ولما ضاق النطاق أمر الإمبراطور ببناء مكان ضخم على ضفة نهر السين (Seine) يكون لا ئقا وصالحا لضم هذا السيل الدافق من الورق، لكن ما كاد يتيسر التصميم حتى توقفت حملة الغزو وطالبت الدول برد تراثها المغصوب،  فمنه ما عاد معجلا ومنه ما رجع مؤجلا. فاسبانيا مثلا  لم تسترجع وثائقها إلا حوالي سنة 1938 عند ما توسط سفير فرنسا باسبانيا –المرشال بيتان- لدى حكومته بطلب من رئيس الدولة الاسبانية الحالي الجنرال فرانكو، وبالفعل وفق السفير في مسعاه ورجعت الأصول إلى مخازنها بعد ما التقطت عدسة التصوير أشرطة من تلك المجموعة التي مر على سلبها قرن ونصف من الزمان.
ولقد كلف على فرنسا نقل وثائق الفاتيكان وحدها ذهابا وإيابا في ذلك الحين مليونا ومائتي ألف فرنك أي ما يعادل الآن عشرات الملايين من الفرنكات، وهكذا مر القرن التاسع عشر حافلا بنشاط غير منقطع، وما زال استمراره  قائما الى حد الآن.
وخلال هذه الفترة تفرعت أقسام عديدة واختص كل قسم بمادة من فنون الوثائق تحت إشراف محافظ مسؤول وأدخلت تحسينات على نظام الترتيب، وبذلك ازدهرت حقول هذا العمل وأعطيت  ثمراتها، ومن ثمة تعددت  أنواع فنون الوثائق.
ولقد جاء في الإحصائيات عندما كان "ماشولت" مديرا عاما أن عدد الوثائق بباريس وحدها كان بليغ الوفرة إذ كانت تقدر المسافة على الرفوف بخمسة وعشرين كيلومترا، وفي سنة 1948 كانت تقدر مسافتها بمائة وثمانين كيلومترا (ذلك هو التعبير الاصطلاحي الذي يفهم به عدد كمية الوثائق) ورقة بعد ورقة.
أما الآن فان جميع المصالح والمؤسسات تدفع أوراقها في كل وقت بانتظام، وقد توصلت دور الوثائق بكل ما كان متأخرا ومتراكما بين جدران الإدارة، وإن مسافة الرفوف الآن في باريس- بجميع الأقسام تعد 580 كم، ما بين القديم والحديث.

أقسام فروع إدارة الوثائق. واختصاصاتها وفنونها.
بدار الوثائق الوطنية إدارة عامة مستقلة بشؤونها، وتسهر من الناحية الفنية على جميع الأقسام والفروع التابعين لها بالمراكز الإقليمية، ويشرف عليها من وجهة عامة مدير عام المسيو "بريبان" (Braibant) وهذه الإدارة رغم أنها مستقلة فلها اتصال متين بوزارة العلوم والمعارف لكونها إليها تنتمي، وأقسامها متعددة يدير كل واحد منها محافظ مستقل بشؤون إدارته فنيا وماديا ويساعده -طبعا - أشخاص فنيون جلهم تخرجوا من المدرسة الخاصة بهذا الفن مدرسة شارط (Ecole de Chartes) ، وهم في نفس الوقت أساتذة فيها يقومون بإعطاء دروس للطلاب الذين يريدون التخصيص في ممارسة مهنة الورق وفك الخطوط الرديئة التي لا تقرأ  والتي تغير شكلها بحكم تطور أساليب الخط عبر مراحل العصور.
وهذه المدرسة قد كونت فحولا أفذاذا تخصصوا في علم التاريخ القديم والحديث والتشريع القضائي.
والأقسام الرئيسية بدار الوثائق الوطنية تحتوي على وثائق ما قبل الثورة، وهي بالقسم التاريخي والقسم القضائي والتشريعي والقسم الإداري، وأحدث فيما بعد للسكرتارية قسم ليقوم بتنظيم مالية الإدارة وفروعها وتكوين مكتبات بدور الوثائق وتزويدها بجميع الإرشادات، وبعد فترة من الزمان أحدثت أقسام أخرى عصرية تفصل وثائق ما بعد الثورة من الأقسام القديمة كالوثائق الإدارية العصرية والتشريعية الحديثة، واقتضت المصلحة بإنشاء فروع أخرى تتلاءم مع تطور الأحداث والنظام الإداري.
أما وضعية نظام الوثائق فهي لا تختلف مهما تعددت أنواع فنونها وأقسامها، ولكل قسم من الأقسام فهارس خاصة في أوراق متحركة، ومنها المطبوعة في كتب تطبع وتوزع على المصالح العامة ودور الكتب ثم تعرض للبيع لمن يرغب في الاطلاع عيها، وبالإدارة العامة فهرس يشتمل على جميع ما هو موجود من وثائق إقليمية في ربوع البلاد، وهناك قسم للإرشادات وقاعة للشغل – أو المطالعة- يجد القارئ فيه جميع الفهارس المطبوعة.
ولقد ظهر أول فهرس مطبوع "بفرنسا"  في منتصف القرن الماضي  قام بنشره المحافظ  "ليون دو لابورد" (Léon de Laborde) ويشتمل هذا الكتاب على إيضاحات مستوفية وعما اكتشف من وثائق قديما وحديثا، وكانت الغاية من نشره تهدف الى تنوير الفكر العام والتعريف بمدى أهمية هذا التراث، ويحتوي الفهرس على نبذ تاريخية مفصلة تفصيلا دقيقا بجميع  المراحل منذ عصور قديمة.

القسم القديم:
هو أول قسم جمع الوثائق العتيقة، ونظرا لأهميته يلقبه الفرنسيون: (قديس القديسين) لأنه يشتمل على عدد لا يستهان به من النوادر العتيقة، ومن جملتها أقدم وثيقة على البردي يرجع تاريخها الى سنة 627 ميلادية أي بعد هجرة الرسول عليه السلام بخمسة أعوام، والوفرة الهائلة من هذا القسم، فتاريخها قديم للغاية  بالنسبة لتاريخ الأمة وإن بدايتها تبدأ من أوائل القرن التاسع ونهايتها تنحصر الى عصر اندلاع الثورة  وإخمادها (1790)، ومن جملة ما ضم هذا القسم منذ القرن السابع عشر مستندات الوزارات الآتية:
1) البحرية.
2) الحربية.
3) الشؤون الخارجية.
4) شؤون ما وراء البحار.

والنظام الجاري به العمل منذ التأسيس وانضمام هذه الوثائق الى حوزة الإدارة لا يسمح لأي باحث أن يميط اللثام عن أسرار مستندات للوزارات المذكورة والداخلية أيضا إلا بعد مرور قرن كامل عليها، وفي حالة ما إذا كان هناك إذن خاص من وزيرها فيسمح للباحث أن يميط اللثام عنها. ولقد انفرد القسم القديم بميزة لها أهمية منقطعة النظير لكونه نبعت منه حركة ثقافية ومنه انبثق تاريخ الأمة، ومن ذخائره استمد الكتاب آدابا رائعة واكتشف كل ما كان غامضا، واتسع ميدان السياسة والاقتصاد وتطورت بذلك روح اجتماعية وقادة، ومما زاد هذه الكنوز رونقا واستفادة، النظام البديع والترتيب الذي يسهل على الباحث أن يدرك ما يقصده في ثوان معدودة.
وقد لاحظت أن في هذا القسم مجامع من الوثائق مجلدة منذ إبان حدوثها، وأن كل جزء مرتب ترتيبا موضوعيا وتاريخيا، بل حتى الأضابير وضعت في صناديق خصوصية ويشملها نظام يتصل بعضها ببعض فنا وموضوعا، وعندما يلقي الزائر نظرة على الرفوف يجدها كأنها بنيان مرصوص والأوراق مرتبة أقساما وفصولا على اختلاف العلوم والفنون فمثلا: نجد حرف –ج- (J) يحتوي على صكوك وشروط واتفاقيات دولية، وحرف –ك- (K) نجده جامعا للمآثر وأوصافها التاريخية، وهذا ما يهدف إليه بالضبط كل قارئ أو باحث في علم التاريخ والآثار، وحرف – ج-  (G) خاصا بشؤون إدارة المالية، مداخيلها ومصاريفها وأملاك الدولة والمشاريع الخيرية الخ.
وحرف –پ- (P) انضمت فيه حسابات باريس (العاصمة) أما حرفي –ل، س- (L.S) فهما يشتملان على وثائق الكنيسة ونظامها وتاريخها ثم تراجم الرهبان والأساقفة، والدور الذي لعبه كل واحد منهم ثم الطقوس الدينية بشتى مذاهبها ونشاط الطوائف وشعبها وطرق البر والإحسان في الحرب والسلم، وبذيل هذا القسم توجد وثائق تحمل حرفي –ط ط- (T.T) فهي خاصة بالمذهب البروتيستانتي ونشاطه منذ نشأته.
ولنرجع الى ما ذكر في بداية هذا الفصل عن الوثيقة التي يرجع تاريخها الى القرن السابع المسيحي، فإن هذه الذخيرة هي على ورق البردي (Papyrus) وضعت بخزانة خصوصية بين زجاجتين.
وفرنسا  تتباهى بها إذ تعدها أقدم وثيقة تاريخية بأوروبا وفحواها: إن الملك "كلوطير الأب داجوبير" (Clotaire Dagobet)  يؤكد فيها أن كل ما ترك التاجر جان (Jean) من متاع هو لفائدة القديس "دونيز" (Denis).
وبصدد هذا فلا ينبغي لي أن أغض الطرف عن مذاكرة جرت بيني وبين محافظ إقليمي حول هذه الوثيقة إذ قلت له بعد ما نوه لي بها أكثر من غيرها: لقد شاهدت أقدم منها بمتحف "اللوفر"، وتاريخها  يرجع  الى أقدم العصور بالنسبة إليها، والعرب أيضا لهم نفائس عريقة في القدم، – فأجابني بما يلي:
إن في كل دولة وثائق قديمة كالتي شاهدتها بالمتاحف المذكورة وغيرها ولكن لا علاقة لها بتاريخ الدولة والشعب، ففي مراكش (المغرب) كما في تركيا وباقي المماليك الإسلامية أو غير الإسلامية وثائق قديمة جدا ولنضرب مثلا  بتركيا: إن لديها وثائق عربية عتيقة تتعلق بتاريخ الإسلام وقد جلبتها الخلافة من أماكن أخرى، ولكنك إذا درست ما فيها فإنك لا تجد لها علاقة بتاريخ القطر الموجودة فيه، وكذلك في الأقطار الأخرى بينما وثيقتنا خاصة بتاريخ الدولة والأمة ويرجع تاريخها الى ضحى الإسلام.
      

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here