islamaumaroc

فراغ يجب أن يملأ.-1-

  دعوة الحق

80 العدد

إني ليسعدني أن أرى هذه الجذوة الهائلة تنبعث من روح شبابنا فيهتموا بالجانب الثقافي وبتكوين هذه الرابطة الادبية الروحية التي تجمع بين شتى الأفراد.
وإني ليسعدني أن أرى هذه الرغبة في طائفة من الشباب شعروا بواجبهم وعلموا ما يفرضه الواجب الاجتماعي والإنساني على كواهلهم فالإنسان لم يخلق ليحقق رغبات جسده دون أن يفكر في رغبات فكره وضميره.
وإن مقياس التقدم الاجتماعي في أمة ما مرتبط بما يسري في نفوس شبابها من الوعي الذي يشع على نفوس الأفراد فيطهرهم من التفكير المادي الجارف الجاف ومن التفكير المتخلف المنحل.
إن الأمة عند ما يهتم أبناؤها بالجانب الثقافي الروحي ترتفع عن مستوى الأمم المنحطة الجاهلة وتأخذ طريقها الى المجد لأنها بذلك تكون قد قضت على أسباب التخلف وفسحت أمامها باب الأمل والعمل ومهدت لنفسها سبيل الرقي والازدهار.
وإن الركيزة الكبرى التي تقوم عليها الدول في أي عصر ليست إلا الشباب الحازم مفتاح الأمل والطموح ومبعث الحركة والنشاط.
فإذا توجهت حركات الشباب الى تحقيق أهداف واضحة صالحة نهضت الدولة وبرق حاضرها ومستقبلها أما إذا كانت الحركة منحرفة فان الانحلال يتسرب إلى جميع مرافق الحياة فتضعف الدولة خلقيا وعلميا واقتصاديا وتصبح في مؤخرة الأمم، كلما حاولت السير الى الأمام كبت لأنها لا تجد مستندا تستند إليه ولا دعامة ترتكز عليها.
لهذا وجب علينا أن نهتم بتوجيه الشباب وأن نملأ كل فراغ نحس به في نفسه لأن الشباب مسؤولا عن الانحلال اذا لم يجد من يوجهه ويهديه سواء السبيل.
يجب علينا أن نهتم بهذه الطاقة القوية التي يجب أن تمهد للانفجار ضد التخلف وضد الميع في آن واحد.
يجب علينا كلما أحسسنا بفراغ في نفوس شبابنا أن نعمل بجد على ملء هذا الفراغ لأن الشباب قوة حية متحركة دائبة النشاط. ومن الاخلاص لأمتنا أن نجعل هذه القوة الدائبة الحية تفكر قبل أن تحكم، وتتمكن من المواقف قبل أن ترسل قدمها لتأمن بذلك العثار وتسلم من الانزلاق والعار.
وإن الفراغ الذي نحس به الآن في هاته النفوس مرجعه الى الجهل بحضارتنا وبتاريخنا وبلغتنا وبثقافتنا الإسلامية، هذا الجهل الذي بعث في نفوس الشباب الحيرة والقلق والاضطراب لذلك أرى من لاضروري أن أشرح هاته الظاهرة التي تكاد تسيطر على أغلب الشباب.
فمن المخجل أن يكون الشاب المغربي العربي المسلم أجهل الناس بتاريخه وحضارته ومغزى مبادئه التي يعتنقها.
إن الجهل بالماضي وجلاله يبعث فينا خنوعا وذلا ويدفعنا الى الاكتفاء بما نتلقاه من العلوم الحديثة دون أن نربط بينها وبين الذين مهدوما للعالم قبل سنين.
لقد كون العرب بعد الإسلام دولا مختلفة شاركت في تطوير الفكر الإنساني وعملت على تطهيره من الخرافات ومن الجمود ذلك لأنها ارتكزت في حضارتها، على المبادئ الاسلامية التي فرضت على المسلم أن يفكر ولم تحصر فكره في حدود ضيقة بل منحته الحرية للبحث في العلوم الطبيعية والميتافيزقية بشرط التقيد بحدود العقل والابتعاد عن العصبية المقيتة التي  ينكرها الإسلام.
ولقد استفاد العرب من الأمم التي اندمجت في الاسلام كثيرا فدرسوا ثقافة اليونان وثقافة الفرس وثقافة الهند وتأثروا بهذه الثقافات وصهروها ومحصوها واخرجوا منها ثقافة جديدة عربية اسلامية اشعت على العالم بنورها في القرون الوسطى واحيت الفكر من سباته وعمل الاروبيون على تلقيها فأحيتهم بعد جمودهم ووجهتهم وجهة علمية صالحة كانت من نتائجها هذه الاكتشافات الحديثة وهذه المدنية الناهضة التي يعجب الانسان المعاصر من شكلها وسرعة تطورها.
والانسان بطبعه ميال الى تقدير العلماء والمفكرين، والى تقدير العظمة في كل صورها وهذا هو السر فيما نراه الآن من تقدير مطلق من شبابنا للثقافات الحديثة التي يتلقونها ويدفعهم هذا التقدير الى أن يرتبطو روحيا باللغة التي نهلوا بواسطتها ثقافتهم وبالجنس الذي مهد لهم سبل تلك الثقافة فيتتبعون تاريخه وحضارته في شتى نواحيها ويعجبون بكل ما يقدم إليهم من أرباب هذه الثقافات لأنهم ارتبطو بهم ارتباطا مطلقا يذكيه الحب والرضى.

وعين الرضى عن كل عيب كليلة         ولكن عين السخط تبدي المساويا
  
 
وهذا هو السر في كون جميع الأمم القوية تعمل جهد مستطاعها لتجعل لغتها لغة سائدة تتحكم في توجيه أفراد الانسان لأن السيطرة الروحية على الأمم أقوى من السيطرة المادية المحضى.

وهذا هو السر الذي يدفع المستعمرين لأية دولة أن يعملوا على نشر لغتهم وفروضها وعلى القضاء على اللغة الأصلية للبلاد المستعمرة لأن القضاء على لغة ما ليس معناه إلا القضاء على المتكلمين بها.
وهذا هو السر الذي دفع علماء الاجتماع الى أن يربطوا حياة الأمم بحياة لغتها فليس في الامكان أن تحيا أمة حياة منبعثة من شعورها ومن كيانها اذا كانت لغتها مبعدة عن الاستعمال العلمي والأدبي.
ونحن العرب نجد أنفسنا مضطرين إلى الدفاع عن لغتنا خصوصا وأن اللغة العربية ليست لغة جامدة بعيدة عن التفكير العلمي ومقتصرة على الأدب كما يحاول بعض المشوهين لسمعتها أن يصوروها.
إن اللغة العربية تملك أعظم المقومات الأساسية التي تجعلها صالحة للتطور قابلة للمسميات الجديدة ذلك لأنها لغة تمتاز بالأوازن وبالصيغ الدالة على المعاني. هذه الصيغ هي التي تجعل الواضع حرا فيما يضع، ليس عليه إلا أن يستعمل تلك الأوزان المختصة بمعانيها فإذا باللغة تمتد وإذا بها تصلح للمخترعات العلمية ولاصناعية على اختلاف أنواعها.
لسنا ندعي قصورا في اللغة العربية ولكننا يمكننا أن ندعي أن هذا القصور يوجد في بعض الأفراد الذين ما زالوا لم يتحرروا فكريا وما زالوا يرون أن لغتهم ليست صالحة للعلم وإنما هي لغة الأدب والشعر فقط ولقد أحس علماء العرب وأدباؤهم بالخطر المحدق بلغتهم وبحضارتهم اذا ظل الإهمال دائما لذلك هبوا عاملين على إحياء اللغة ونشرها بين ربوع العالم العربي ودعوا العرب الى اليقظة كما حمل الشعراء على المتهاونين الذين فتنوا عن لغتهم وانصرفوا عن العلم فضاعت لغتهم بسبب جهلهم وقصورهم ومن ذلك ما قاله حافظ ابراهيم على لسان اللغة العربية:
 

رموني بعقم في الشباب وليتنـــي         عقمت فلم أجزع لقول عــداتــــي
ولدت ولما لم أجد لعرائــــــــسي         رجالا وأكفاء وأدت بناتـــــ،ـــــي
وسعت كتاب الله لفظا وغايـــــــة         وما ضقت عن آي به وعظـــــات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة         وتنسيق أسماء لمخترعـــــــــات؟
أنا البحر في أحشائه الدر كامـــن         فهل سالوا الغواص عن صدفاتي
فيا ويحكم أبلى وتبلى محاسنــــي         ومنكم وأن عز الدواء إسأتـــــــي
فلا تكلوني للزمان فاننــــــــــــي         أخاف عليكم أن تحين وفاتــــــــي
أرى لرجال الغرب عزا ومنعـــة         وكم عز اقوام بعز لغـــــــــــــات

 إذن فاللغة العربية إحدى مقوماتنا وهي كائن حي يقبل التطور ويقبل النمو ويقبل مسايرة الرقي اذا وجد من العرب من يهتم بالعلوم والفنون والآداب.

اللغة العربية صالحة للعلم لما لها من إمكانيات التطور ويكفيكم دليلا على ذلك أنها في العصر الجاهلي كات لغة تقتصر على وصف الأطلال والديار وبكاء الاحباب الطاعنين وكان الشعراء يستعملونها في الوصف المادي المحسوس فإذا ارتفعت عواطفهم استعملوها في الرثاء والفخر والحماسة والتهديد والوعيد ولكنها بعد الاسلام انطلقت من عقالها واصبحت تسع كل ما كن عند الأمم الأخرى فدل ذلك على أن اللغة في امكانتها أن تتسع بالاستعارات والمجازات والاصطلاحات الوضعية وأن تنمية اللغة لا تحتاج الا لتنمية الفكر واتساع المعارف.
والعرب حينما اهتموا بالعلوم اهتماما مطلقا في العصر العباسي وما بعده استطاعوا ان يدخلوا الى لغتهم جميع المصطلحات العلمية وأن يكيفوا لغتهم لتتلاءم مع التفكير العلمي بعد أن كانت تستعمل في التعبير الأدبي بل رفعوا من شأن اللغة حينما صاروا يحللون ما أخذوه من ثقافات ويضيفون إلى الفكر نتائج مجهوداتهم وإلى الصناعات مكتشفاتهم الجديدة ومخترعاتهم العامة.
وليس السبب في استعمال اللغة راجعا الى مرونتها فقط وإنما يرجع الى الهمة الكبرى التي كان يتصف بها العلماء المسلمون وإلى ثقافتهم الواسعة التي كانت تتصل بمختلف العلوم وإلى رغبتهم الشديدة في أن يصبح العرب سادة في العلم كما أصبحوا سادة في السياسة والإدارة.

وأنا أرى أننا في حاجة مرة أخرى إلى إحياء نفوسنا وإلى العمل على شق طريق المجد والاطلاع على المعارف الانسانية لنضيفها إلى معارفنا ولنضمها إلى لغتنا، لأن إحياء اللغة سيرفع عنا ذلة الخضوع وسيدفعنا إلى مراجعة الأوضاع التي نحياها.
ومن الضروري ان نربط بين مقوماتنا الخلقية وبين لغتنا لأن اللغة العربية حينما سنعمل على إحيائها واستعمالها في الدراسات العلمية كما تستعمل في إبراز الخواطر الأدبية فإننا بذلك سنيسرها مرة أخرى لتقوم بمهمتها الخلقية لأنها ترتبط في كيانها بكياننا وفي  مظهرها بمخبرنا فهي ليست لغة العلم والأدب فقط ولكنها لغة القرآن فهي ترتبط بعواطفنا وبتهذيبنا.
ولا غرو أننا في حاجة الى نمو فكري وإلى تهذيب خلقي فالعلم وحده لا يحقق للإنسان طريق المجد اذا لم يوجه حسب الدوافع الخلقية العامة فإن الأخلاق هي أساس العمران .

وليس بعامر بنيان قوم          إذا أخلاقهم كانت خرابا 
       
والاضطراب الحاصل عند شبابنا مرجعه إلى عدم تحديد معنى الأخلاق في نفوسهم وإلى عدم استيعاب الأوضاع الخلقية الإسلامية عامة فقد تسرب الشك والإلحاد إلى كثير من الشباب دون أن يتعمقوا في الدوافع التي دفعتهم إلى ذلك.
فهو شك سطحي، شك فارغ، شك الجاهلين العابثين اللاهين.
والسبب في هذا الشك انحراف في التوجيه أو أخذ لبعض المبادئ الفلسفية دون أن تصرف في وجوهها.
لقد رأى الغزالي أن الشك مبدأ اليقين ولقد سار على نهجه الفيلسوف ديكارت الذي أصبح فيما  بعد مستند الباحثين المفكرين الأحرار ولكنهما لم يقفا عند الشك بل جعلاه مبدأ البحث، وحاولا أن يطلعا على مختلف الاتجاهات الفكرية والخلقية والدينية وأن يستسيغاها ليبلغا بها إلى الأهداف التي يقصدانها.
أما شك هؤلاء الشباب فهو شك منحرف لا يدفعهم إلا للميع واللذاذة المطلقة، يبعدهم عن التقوى وعن الالتزام بمكارم الصفات، فلا يرون من الحرية الا أن يرقصوا أو يغنوا ويتحرروا من كل الالتزامات الدينية والخلقية التي ينبني عليها كيان مجتمعنا ونظام أسرتنا، لأنهم لا وازع لهم يبعدهم عن هاته الموبقات ولا مانع لهم يحجزهم عن الانهماك في اللذات فهم يعتقدون أنهم إن كانوا في مأمن من الشرطة فليس هناك من يعاقبهم.
وهذا ما لا نرضاه لشبابنا.
إننا نريد منهم أن يشعروا بواجباتهم وأنهم ما خلقوا في هاته الحياة إلا ليئودوا عملا صالحا نافعا لهم وللبشرية كلها.
نريد من شبابنا ان يثقوا بعروبتهم وبإسلامهم وبماضيهم وليس هناك سبيل إلى ذلك الا إذا حرصنا على مزج ثقافتهم العلمية بتوجيههم الخلقي، هذا التوجيه المتوقف على ربط لغة العلم والأدب بلغة الأخلاق والدين.
فالشباب اليوم أصبح يقدر العلم حق قدره، لأن سلطة العلم أصبحت سلطة قاهرة. فبالعلم أصبحت السماء ميدانا للصواريخ وبالعلم أصبحت الصحراء منبعا فياضا للغنى والازدهار ،وبالعلم مهدت سبيل الحياة التي كثير من المرضى بسبب اكتشاف الجراثيم والعمل على القضاء عليها.

ولا شك أن اللغة التي ترتبط بالعلم تكتسب جلالها منه فتتوجه اليها النفوس المتعطشة الى المعرفة وتصبح ذات سلطة قاهرة، وتضمحل أمامها اللغات التي تقتصر على التعبير الشعري أو التوجه الديني لذلك نريدأن نعمل جهد مستطاعنا لتستعمل اللغة العربية في الدراسات العلمية لتكسب من هاته السلطة العلمية وجودها فينصرف آنذاك إليها المتعلمون اضطرارا ويجدون أنفسهم أمام الأمر الواقع فيربطون بين اللغة العربية لغة العلم وبين اللغة العربية لغة الأدب والدين والأخلاق. وبهاته الوسيلة تنمو العقول وتتهذب النفوس وتستقر الأوضاع ويعود الاطمئنان الى الشباب من جديد.
إن الثقافة لها أثر في توجيه الفرد وتكييفه حسب اتجاهها ولكننا مع ذلك لا نريد أن يصبح الإنسان عبدا لاتجاهه الثقافي لا يؤمن الا به ولا يثق في سواه بل نريده حرا مفكرا لا يحكم ضد ثقافة أخرى قبل أن يعرفها ويقارن بنها وبين ثقافته.
إن الحكم على الشيء فرع تصوره ولا يمكن للقاضي أن يحكم ضد المتهم قبل أن يطلع على ملفه الخاص وعلى حججه الدفاعية وإلا فإن الحكم يكون خارجا عن حدود العدل والعقل معا لا يلبث أن يبطله حكم آخر.
كذلك الشأن مع أكثر شبابنا فإنهم لا يتذوقون الثقافة العربية ولا يستلذون أساليبها ولا يعرفون مصادرها وأهدافها ولا ينسجمون مع اتجاهاتها ولا يستوعبون أسسها ولا يتصلون بتاريخها فيدفعهم هذا الجهل إلى عدائها واستصغارها وتحقيرها وإهمال برامجها الدراسية لأنهم يظنون أنها لغة لا تصلح للحياة ولا تصلح للعلم. ألا ساء ما يظنون، ويدفعهم هذا الجهل إلى استصغار حضارتهم وإهمال تاريخهم ونسيان ما كان للعرب من مجد  في مختلف العصور وما كان لهم من فضل على تقدم العلوم وتقدم المشاريع الحضارية الكبرى سواء منها ما كان مرجعه الى الأنظمة الاجتماعية أو الى المناهج العلمية.
لذلك أرى من الواجب على أساتذة اللغة العربية وأساتذة الحضارة أن لا يهملوا هذا الجانب في تعليمهم، لأننا أذا استطعنا أن نصور لشبابنا ماضيهم وأن نشخص  لهم الدور الحضاري الذي حققه العرب والمسلمون عامة في تطوير المدنيات لارتفعت معنوياتهم ولعلموا ان ما يتناولونه الآن من علوم الغربيين ليس ملكا لهم وليس وليد مجهوداتهم فقط ولكنه مرتبط بنظريات أخرى حققها العرب ونمت في إطار التقدم الانساني، فالسمو الفكري والكمال العقلي ليس مقصورا على الجنس الآري أو على قوم دون آخرين، بل ان التقدم الحضاري رهن بالانسان في كل مكان، وأن الواجب يفرض علينا أن نقتبس من الأوربيين أحسن ما عندهم وأن نعمل على تنميته من جديد.
أريد أن أقول أننا في حاجة إلى مسايرة التقدم العلمي الحديث ولكن فرق بين أن نتلقى هذه العلوم ونحن صاغرون وبين أن نتلقاها ونحن نعلم أنها رصيد إنساني شارك في إيجاده طوائف مختلفة من البشر كان من بينهم علماء العرب الأمجاد.
إن النهضة العلمية العربية في عصر العباسيين دفعت العرب إلى شرح الثقافات المختلفة والى تحليل الفلسفة اليونانية وتطهيرها من التزييف الذي لحقها من رجال الكنيسة الذين كانوا يرون في بعض النظريات الفلسفية ما يعاكس دينهم، فلما تصل بها المسلمون حرروها من الجمود وأبعدوا عنها ذلك التضييق وربطوا بين أجزائها ووصلوا المقدمات بالنتائج وحققوا طرق البحث وفصلوا بين العلم والخرافات،  خصوصا في علم النجوم والفلك وعملوا على تعميم الثقافة بين الناس بل دفعهم الحرص على نشر العلوم بين الجمهور أن يؤلفوا الكتب البسيطة ليقربوا الى المبتدئين في الثقافات العلوم العميقة فقد ألف الخوارزمي كتبا في الحساب يقرب بها هذه المادة الى كل من أراد أن يتعلمها ويتعمق فيها، وهكذا كان الشأن بالنسبة الى باقي العلوم حتى أننا نجد في كل علم كتبا موجزة وأخرى متوسطة وأخرى مطولة فينال بسبب ذلك الراغبون في العلم مقصودهم على اختلاف طبقاتهم.
ولم تكن كتب العرب في العلم مجرد نقل وقليل بل دفعت النزاهة العلمية بعض علماء العرب أن لا يقبلوا من المعلومات الا ما بلغوا إليه عن طريق التدريب والتجارب العامة ومن هؤلاء العالم الكيماوي الشهير جابر بن حيان الذي قرر بأن الانسان في استطاعته أن يعرف أسرار اتلطبيعة وأن يعرف المواد التي تتركب منها الأشياء ونسبها العادية وبذلك يستطيع أن يحول مادة إلى أجزائها وأن يضيف مواد إلى أخرى فتتغير أشكالها ولقد قال هذا العالم القدير: «كيف يظن العجز بالعلم دون الوصول إلى الطبيعة وأسرارها؟ ألم يكن في مستطاع  العلم أن يجاوز الطبيعة إلى ما ورائها؟ فهل يعجز عن استخراج كوامن الطبيعة ما قد ثبتت قدرته على استخراج السر مما هومستور وراء حجبها؟». وقال: «إن أسرار الطبيعة قد تمتنع على الناس لأحد سببين، فإما أن يكون ذلك لشدة خفائها وعسر الكشف عنها وإما أن يكون للطاقة تلك الأسرار بحيث يتعذر الإمساك بها وسواء كان الأمر هو هذا  أو ذلك، كان في وسع الباحث العلمي أن يلتمس طريقا إلى تحقيق بغيته فلا صعوبة الموضوع ولا لطاقته أو دقته مما يجوز أن تحول العلماء دون السير في شوط البحث إلى غايته .
وليست الغاية من كلامنا عن جابر بن حيان أن أظهر الحقائق العلمية التي بلغ إليها، ولكن الغاية ان أبرز الخطة التي كان ينهجها فهو يرى أن البحث العلمي لا يقف دونه أي حاجز من الحواجز.
إنه بهذه الحقيقة يدعو الى الانطلاق الفكري ويدفع الباحثين الى عدم اليأس من الإخفاف في المحالات الأولى بل يجب عليهم أن يدأبوا على العمل وأن يجدوا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
وما التقدم العلمي الذي نعتز به الآن الا وليد نفوس طامحة لم يقف دون بلوغ أهدافها يأس أوعجز ولكنها نفوس انطلقت تبحث عن تحقيق ما كانت ترجوه الى أن وصلت الى بعض النظريات وأبطلت أخرى ولم تقف بل دأبت على العمل وما تزال تدأب لأنها لا تعرف للقوف نفعا ولا ترى للبحث نهاية فإذا وقفت الحركة العلمية عند قوم تبناها آخرون واستمروا في تقدمهم دون أن يعلنوا أنهم بلغوا النهاية، فالنتيجة الأخيرة لا يعرفها العلم وويل لمن ظن أنه بلغ الكمال.
إن التفكير العلمي هدانا اليه علماء مختلفون ودفعونا الى البحث المنظم، فما علينا الا أن نستمر في البحث حتى نكتشف من أسرار الطبيعة ما زلنا نجهله.
إلا أن الاكتشافات العلمية كما سبق لنا أن قررنا ليست كافية في خلق أمم صالحة اذا لم تعتمد على الجوانب الخلقية التي ترفع النفس عن أدرانها وتهذبها وتجعلها تفكر في المصالح الإنسانية الكبرى.
إن الأنانية شر عظيم وإن الانحلال من التقييدات الخلقية لا يدفع الا لفناء العالم ولعل سبب هذا القلق الذي نلاحظه على المدنية الحديثة مرجعه الى محاولة التحرر المطلق من القيود الخلقية والدينية والسير مع أهواء الفلسفة المادية التي تجعل الإنسان في درجة الحيوانات.
وإن هذا الانحلال قد دفع كثيرا من شبابنا إلى التفكير الأناني فلم يعد الفرد يرتبط بأي ارتباط داخلي في نفسه يوجهه توجيها صالحا وينذره ويغريه، فان الانسان كما يوجه عن طريق العقل يوجه عن طريق العاطفة، وليس في الإمكان أن نهذب جميع الناس عن طريق عقولهم فإن هناك أفرادا لا يهذبون إلا إذا أرغبوا  أو رهبوا فيتصلون بالصفات الخلقية محبة في الله أو طمعا في جنته ويبتعدون عن المخالفات حياء من الله أو خوفا من ناره.
إن انتظار الجزاء ليس إلا عاملا على صقل  الضمير وإحيائه وجعله يقظا حازما فيقف دون الفرد والمعاصي ويحمله على الندم والتوبة.
الإيمان بالله والايمان بالبعث طريق الى التهذيب الخلقي وإلى الرقي الحضاري ما دام هذا الايمان لا يحرفنا عن طريق المعرفة ولا يحجزنا عن التفكير، فليس هناك شيء وجهنا إلى الله ويبعدنا عن العلم بل إن طاعة الله تفرض علينا أن نفكر وأن نعمل بجد لنطلع على أسرار الكون، تلك الأسرار التي كلما زدنا بها معرفة زادنا بالله ايمانا.


الوفد الارستقراطي
ذهب وفد من أعيان مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالو له:
«يا محمد ... لقد رضينا أن نستمع اليك، ولكنا لا نجالس هذه الأخلاط من عبيدنا وصعاليك مكة الفقراء !!  فاجعل لنا يوما، ولهم يوما».
... واستأناهم الرسول الى غد حتى يأتي أمر ربه، وسرعان ما جاءه الوحي الرشيد بآيات باهرة:
«واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغذاة والعشي، يريدون وجهه، ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا».


1-عن كتاب جابر بن حيان من سلسلة أعلام العرب للدكتور زكي نجيب محمود، صفحة 42.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here