islamaumaroc

على هامش المعركة؛ رحمة -3-

  دعوة الحق

80 العدد

النصر للمؤمنين –الهزيمة للمعتدين- الهزيمة للخائنين...-تلك بعض الصيحات التي كانت تتردد بين الفينة والفينة في أرض المعركة، فكانت تشق عنان السماء، نعم، لقد انتصر المسلمون في معركة القصر الكبير، وأحرز المغاربة فخرا لا يدانيه فخر، وباءت مساعي الملك المخلوع بالفشل الذريع، فلم ينفعه استنجاده بملك البرتغال، ولم يجر على نفسه بعمله ذاك غير الخسران المبين.
وحينما حق الانتصار للمسلمين، وحاقت الهزيمة بالبرتغاليين، انبعث صيحة جديدة، بنغمة جديدة،على الآذان التي تلقفتها فاستغربتها أولا ثم اعتراها ثانيا مزيج من الحزن والفرح، من الأسى والسرور، من الألم والراحة، راحة الضمير وارتياح البال والاطمئنان الى المسقبل، وكانت الصيحة الجديدة في ميدان المعركة هي: «مات السلطان – يعيش السلطان- مات فخر الملوك عبد الملك – يعيش بطل المعركة أحمد المنصور».
ولصق لقب «المنصور» بالملك الجديد، الذي سير المعركة في مراحلها الأخيرة، واستقبل سائر الجنود خبر مبايعته السلطان بصدر رحب، وفرح شامل، وتيقنوا أن السلطان الجديد سيعفو ويصفح عن تسرعهم في استيلائهم على مغانم الحرب بطريقة غير مشروعة، وأنه سيمنحهم بعد ذلك أرزاقهم التي يستحقونها في مثل هذه المناسبات، بيد أن السلطان طالبهم بخمس الغنيمة فعليهم أن يعيدوا ما أخذوا فتقع القسمة من جديد وإلا فلا حق للجند بما يطلبون من عطايا وأرزاق ...ووقع التصالح والتنازل: تنازل السلطان عن خمس الغنيمة الذي يستحقه بين مال المسلمين، وتنازل الجند عن أرزاقهم.
واطمأن الكل الى ما أخذ من مال أو أسرى، وصار الجميع يركن إلى الراحة بعد التعب، وصار أولوا الأمر يعملون على نشر أنباء النصر بمختلف الوسائل، وعمد البعض الى مدينة القصر الكبير والقرى المجاورة للاحتفال بالنصر وإلى المبيت هناك، كما فضل البعض أن يبقى معسكرا في الميدان ويتمتع بجو أغسطس البديع، وبدفء لياله، قبل استئناف رحلات العودة الى مسقط الرأس.

وعادت كتيبة قرية تمسيلة الى قاعدتها ، وكانت كما هي العادة تحت رئاسة القائد شاشون، لكنها لمتعد كلها سالمة، فقد خسرت بعض رجالها، ومنهم أخو القائد نفسه، وقد عاد الكثير منهم بالمغانم والأسرى الذين اشترى بعضهم فصاروا أرقاء، وقد كان من نصيب القائد شاشون ثلاثى اسرى برتغاليين يعرف احدهم باسم جؤاو (JOAO) وكان صانع أسلحة ماهرا.
سيق جؤاو ورفيقاه في الأسر مكتوفي الأيدي، وراء ظهورهم، واقتيدوا في طريق جبلية مدة يومين، واصلوا فيها سيرهم الى بني مصور حتى وصلوا الى قرية تمسيلة، فوجدوا في استقبالهم حشدا من الرجال والنساء والأطفال وهم يصيحون صيحات الفرح بعودة المجاهدين، وصيحات الاستهزاء بأسراهم ثم صاروا يرددون هذه العبارة القديمة المشهورة: «النصارى في الصنارة، واليهود في السفود».
ولكي يرضى القائد عواطفه في الانتقام لموت أخيه وبعض أصدقائه، ولكي يرضى عواطف أتباعه الذين اشتركوا في المعركة وفقدوا بعض أقربائهم، قرر إعدام الأسرى الثلاثة بأن يجعلوا أهدافا للرماية بالبنادق يتعاورهم رصاص الحاضرين جميعا، وأصدر القائد إعلاما لسكان القرية بأن اليوم التالي سيكون ميعاد للرماية، فعلى كل من فقد قريبا أو عزيزا عليه في المعركة، ان يحضر ويشترك في الرماية ويأخذ بالثار.
عاش  جؤوا في طنجة مدة من الزمن، تعلم العربية خلالها من السكان فتمكن من فهم الأمر الصادر، وسمع بأذنيه الطريقة القاسية التي فرضت عليه وعلى صاحبيه، كي يتلقوا حتفهم بها، وأحس أن ليس هناك من بين مآت العيون الناظرة إليه، من يشفق أصحابها على مصيرهم القاسي، لذا دخله الرعب، ووهن من العزم، رغم ما كان يتمتع به من رباطه الجأش وثبات الجنان.
جيء بكبول حديدية، فوضعت في أقدام الأسرى، واقفلت بمفتاح حمله معه القائد نفسه، لم يكن يوجد في القرية سجن، لذا تقرر أن يوضع اثنان منهم في سرداب تحت الأرض، يعس عند مدخله حارس يقظ، أما جؤاو الذي كان ينم مظهره وسلوكه على أنه كان من طبقة راقية، فقد صدر الأمر بسجنه في أروى دار القائد.
وقبل أن يساق هؤلاء الأسرى الى أماكن حبسهم، رؤي ان تستدعى النسوة المحجبات لمشاهدهم فقدمت نساء القرية يرفلن في أرديتهم البيضاء (الحايك)، وانسحب الرجال ليفسحوا لهن المجال، ولم يبق إلا الحرس الضروري، وتطلعن إلى هؤلاء البرتغاليين المنهوكي القوى، وكان الكثير من النسوة يتفوهن باللعنات والشتائم يصببنها عليهم صبا، وهن يتذكرن مصارع أزواجهن وآبائهن أو إخوتهن، الذين استشهدوا في المعركة، غير أن جؤاو سمع تعابيرتنم عن العطف والرأفة، تصدر عن جماعة من النسوة كن يتطلعن إليه وهو الشاب الجميل الذي حكم عليه يموت في الغد تلك الميتة القاسية.
عندما جن الليل، ادخل جؤاو الى الأروى، وشدت سلسلة ثقيلة الى كبله، وربطت السلسلة الى وتد حديدي مغروس في الأرض بعمق، ووضع أمامه طبق من الزيتون المخلل وبعض الخبز الخشن المصنوع من الذرة، كان جؤاو متعبا من أثر السفر الطويل، لذا سرعان ما استغرق في نومة عميقة أرته أن القائد قد وضعه هدفا لإطلاق النار عليه وأن البندقية التي صوبت نحو قلبه كذبت مرة بعد أخرى، أن امرأة بدت كالملاك في ثيابها البيضاء، كانت تقف وراء القائد، وأن هذا الأخير حينما فتح خزان البندقية ليضع فيه بارودا جديدا، رشت المرأة الماء على البارود...
رفع جؤاو ذراعيه في نومه، وصاح: «سأموت سعيدا ما دام هناك من يعطف علي هكذا»، وعندما قام بهذه الحركة اللاشعورية استقظ بفزع، فرأى شكل امرأة ممسكة بمصباح أخضر من الفخار، ولها عينان راقتان كانتا تشعان نورا عجيبا من خلال تلافيف «الحايك» الذي تلبسه، وخيل اليه أنه تعرف في هذا الشكل، على واحدة النسوة، أي تلك التي سمع منها عبارات الرأفة والرحمة منذ قليل، ظن جؤاو أنه ما زال يحلم، ولذا مسح عينيه، ولكن الشكل لم يبرح مكانه، بل ظل واقفا أمامه، وفي صوت حلو مرتعش، سمع جؤاو هذه الجملة:
- ايها النصراني، هل تؤمن بالله واليوم الآخر؟.
اجاب جؤاو:
- نعم، اؤمن بالله واليوم الآخر.
واستمر الشكل قائلا:
- اذن ثق به، انه خالق المسلم والمسيحي معا، أنه رؤوف رحيم بأولئك الذين يؤمنون به، ويحبونه،إاني أبحث عن طريقة لإنقاذك أيها النصراني من ميتة قاسية، لن أكون سعيدة أبدا إذا نفذ فيك والدي حكم الاعدام غدا، كيف أكون سعيدة، وقد شاركتنا طعامنا، وأكلت خبزنا؟ إن والدي لا يأخذ بمشورة أحد، وهو ذو قلب قاس، لكنه عطوف علي، رحيم ورؤوف بي لأني طفلته الوحيدة، إنه لا يبخل علي بأي معروف، ولكني لما التمست منه الرحمة عليك، أجابني قائلا: (النصارى كفار، لا يومنون بالله ولا باليوم  الآخر» وهم مموقتون عند الله، وعند جميع المؤمني نالصادقي الإيمان، ولذا فهم ملعونون مغضوب عليهم ويجب أن يموتوا كلهم).
وتنهدت الفتاة في حزن وأسى، ثم بعد فترة صمت واصلت حديثها قائلة:
- أيها النصراني، لك وجه حنون طيب، وأشعر انك تحب الله، وأن الله يحبك، وأشعر أن تبعة إهدار دمك ستقع على عاتقي، اذا لم أسع في إنقاذك، لقد مضى نصف الليل، والدي مستغرق في نومه، ولكن عندما استلقي على مضجعي، لن استطيع الراحة، ولن يغمض لي جفن، وأنا أفكر في الميتة القاسية التي تنتظرك، هل تستطيع الركوب يا نصراني؟ هل تستطيع مواجهة الخطر بشجاعة؟
مسح جؤاو عيناه مرة أخرى ليتأكد من أنه في يقظة وليس في حلم، فرأى  عينين تشعان بريقا عجيبا من تحت (الحايك) ثم قال:
- نعم، استطيع الركوب  وأجيده، لكني لا أخشى الموت بل أحس بمنتهى السعادة، حيث ان امرأة تحوطني بمثل هذا العطف، وتحبوني هذا الحنان.
- قالت وهي تخرج مفتاحا من صدرها:
- انظر يا نصراني ، هذا المفتاح سحبته من تحت مخدة والدي النائم، وهو الذي سيعتقك .. ثم انحنت وفتحت الكبل، وقالت وهي تشير إلى سرج ولجام معلقين في الأروى:
- ضع هذين على الفرس الرمادية اللون، إنها أسرع حيوان في القرية، بل في القبيلة كلها، وهاك «جلابة» لتستر بها ثيابك المسيحية، اتبع الطريق الذي جئت منه، إلى أن تخرج من القرية، ثم اركض مسرعا تجاه النجوم الغاربة. لماذا تتردد؟ ليس هناك وقت ليضيع الفرس لن تخذلك، وسيكون لك السبق على كل من يتعقب أثرك اتشح بهذا السيف إنه سلاح أبى الموثقون به، الذي لا يخيب.
هز جؤاو رأسه وأجاب:
- لا أستطيع القيام بما من شأنه أن يحرج موقفك أو يجر لك المتاعب، ولو أن في ذلك إنقاذا لحياتي.
داست الفتاة الأرض بقدمها الصغيرة وأجابت:
افعل ما أمرك به في الحين، وإلا  فسيحل عليك مقتي وغضبي، إن والدي يحبني، ولن يقتلني ولن أستعيد سعادتي إذا  قتل ضيفنا تلك القتلة الفظيعة.
- يجب ألا أقبل، لن استطيع قبول ما تعرضينه علي، نعم، أستطيع الآن أن أموت سعيدا  وفي شجاعة، ما دمت أشعر  بأن هناك قلبا لطيفا يعطف علي. ارتعدت  البنت من أثر الانفعال وصاحت:
- هل جننت أيها النصراني، حتى ترفض العرض الذي اقدمه لك، وتنبذ الفرصة الوحيدة لانقاذ حياتك؟
أجاب:
- انصتي أيتها الصبية الحلوة، لن أفعل ما من شأنه أن يعرضك لغضب والدك، لكن لدي اقتراح، تقولين ان لك تأثيرا في والدك، اذهبي اذن واقترحي عليه أن يبعثني في الحالأاسيرا الى السلطان الذي أستطيع ان اقدم له خدمة عظيمة لن يقتصر إثرها على توظيفي فحسب، بل سترفع إيضا من مكانه والدك لدى اسلطان.. إني انا جؤاو صانع الأسلحة البرتغالي الشهير، سلطانكم المرحوم مولاي عبد الملك كان قد أرسل مبعوثا سريا الى طنجة، وقدم لي مبلغا هاما من المال، وأجرة عاليةإاذا قبلت الذهاب الى فاس، ودخلت في خدمة السلطان.
ثم أخذ من جيب  صديريته ورقة وواصل حديثه قائلا:
- انظري، هنا طابع السلطان الشريف، وهو حديث العهد، ويشهد للحقيقة التي اخبرتك بها ... في الصباح الباكر، وقبل أن يغادر والدك مضجعه اذهبي إليه وقولي له أني وجدت في المكان الذي حبست فيه، هذه الورقة، ودع والدك يقرأها، والغالب أنه سيفضل كسب عطف السلطان على غضبه، وهذا كاف لضمان سلامتي.
قالت الفتاة:
- حمدا لله العلي القدير – إنه رحيم بأولئك الذين يضعون فيه ثقتهم – سأرى والدي مع الفجر، وسأريه خاتم السلطان.
قال جؤاو:
انتظري قليلا، أعيدي إقفال الكبل، حتى لا تكون زيارتك لي موضع شبهة.
وحينما انحنت لاحكام الكبل، انزاح (الحايك) من على رأسها، فبدت له شابة في مقبل العمر، ذات عينين زرقاوين داكنتين وشعر أسود طويل تتدلى خلاصته على كتفيها، وكانت جميلة الملامح، حلوة تقاسيم الوجه، وبشرتها ناعمة رقيقة، أما قامتها فلم تكن بالطويلة ولا بالقصيرة، وكانت تلبس قفطانا من (الملف) الأزرق، موشى بحرير أخضر وأحمر، ويتدلى الى ما تحت ركبتيها، وكان حول خصرها «مضمة»حريرة عريضة، وكانت حافية القدمين، وكانت زينتها الوحيدة عقدا من المرجان وأساور من الفضة، وأقراطا... وبابتسامة رافقتها حمرة الخجل، أمسكت رداءها لتخفي به وجهها.
قال جؤاو:
- أيتها الصبية أرجو ان تسمحي لي بالتعرف عليك، أريد أن أعرف اسم هذه التي تجد في البحث عن طريقة لإنقاذ حياتي.
وعندما التفتت بسرعة لتغادر المكان قالت:
- اسمي رحمة.
واقفلت الفتاة باب الأروى وراءها، وعادت إلى غرفتها واستقلت على مضجعها، ولكنها لم تستطع النوم، فسرعان ما أذن مؤذن الفجر، وبزغت أشعة الصباح الباكر فهرعت إلى حجرة والدها                   فوجدته مشغولا بالصلاة والتلاوة، فقالت في نفسها: هذا فأل حسن، والدي دائما يكون في أحسن مزاج بعد الصلاة.
وعند ما أتم الوالد صلاته، وما يليها من المعقبات، نهض، ورأى ابنته فلم يملك نفسه أن صاح:
حسنا يا نور عيني، أي شيء دعاك الى الحضور هنا مبكرة؟ إنك تبدين شاحبة اللون هذا الصباح، الم تنامي جيدا؟ كنت أعتقد أن عودتي من المعركة سالما، سيجعل  (قمري) أكثر إشعاعا وتألقا، وستدخل على قلبه البهجة والانشراح، اجلسي وقصي علي جميع ما حدث، من الذي أساء اليك، أو كدر عليك صفو حياتك؟ ما هو؟.
أجابت:
- يا أبت، إن عودتك السليمة لتجعلني أسعد مخلوقة في الدنيا، لكني أشعر الآن بأني بائسة جدا حزينة، لأنك أعلنت نيتك في إعدام ذاك النصراني الذي استظل بسقف منزلنا، وأكل من خبرنا.
قال الرجل وقد قطب ما بين حاجبيه، وعبس عبوسا شديدا صارما:
- يا بنت ! ألا  تعرفين ان عمك قد قتل بيد الكفار الربتغاليين؟ هؤلاء الأسرى مواطنون لأولئك وغير مومنين بالله، لذا يجب أن يموتوا، من أين أتيت بهذه الشفقة الحمقاء؟ ألا تدرين أن والدتك – رحمها الله- كانت شريفة متحدرة من سلالة النبي عليه الصلاة والسلام؟ وأن المرحوم اخاها كان شريفا كذلك؟
- بلى يا أبت، أعلم ذلك، لكن ألم يقل الله تبارك وتعالى: (فإما منا بعد، وإما فداء؟) ألم يعد النبي (ص) أولئك الذين آمنوا بالله واليوم الآخر بالثواب؟ هذا الاسير النصراني نزيل إصطبلك الآن يومن بالله واليوم الآخر.
صاح والدها في وجهها، ورفع يده ثم وضعها على كتفها كمن يهم بإصدار قرار نهائي لا  يحتمل التعقيب غير أن الفتاة التي فر الدم من وجهها، واستحالت شاحبة اللون مصفرة أجهشت بالبكاء، وقالت:
- شيئا من الصبر يا أبتاه، سأقص عليك القصة بتمامها، اني طول حياتي لم اغشك، ولا أخفيت عنك حتى أشد افكاري إمعانا في السرية.
ثم شرعت تحكي له بصوت متلعثم كيف تمت زيارتها للاسير، وما دار بينها وبين جؤاو من حديث، اشتد غضب الوالد، وفي نفس الوقت شعر بشي من التسلية، وبطرافة قصة ابنته المحبوبة، وبشجاعتها النادرة، كان له قلب قاسي كالحجارة أو أشد لكن شفاعة ابنته جعلته يلين شيئا فشيئا وينقاد ليصير شفيقا محسنا في النهاية.
واردفت البنت قائلة:
- انظر، هذا الذي وجدته في حجرة الأسير، إنها ورقة تحمل طابع السلطان، قرأ القائد الورقة، وتغيرت ملامحه، وعلت محياه مسحة من الجد والتفكير العميق، وبعد فترة صمت قال:
- حسنا يا رحمة إن هذه  الورقة الحاملة لطابع مولانا السلطان، قد وجدت بالفعل، لكن ما الذي يدلني على أن اسيرنا هذا هو جؤاو صانع السلاح الشهير؟ اذا استطاع هذا النصراني أن يبرهن على أنه هو صانع الأسلحة غفرت لك اندفاعك، وسلوكك الذي لا يليق بفتاة عذراء مثلك، لكن كوني حريصة في المستقبل فلا تدخلي أي مكان يكون فيه رجل، كيفما كان مسيحيا أومسلما، إلا معي او مع أحد أتباعي.
- انا طوع أمرك دائما يا ابتاه، لكن اذا كنت حريصا على اسعادي فلا تقتل هذا المسيحي، لا تؤذه، لقد اكل خبزنا وهو مومن بالله واليوم الآخر، وما لم اتأكد من أنه في مأمن على حياته فلن أطعم خبزا ولن أشرب ماء.
اذهبي أيتها الطفلة الغبية الحمقاء وأريحي عقلك من هذه الأفكار وأقسم لك أن جؤاو لن يموت هذا اليوم.
وقرأ الوالد المرسوم السلطاني مرة أخرى، وتمتم مع نفسه قائلا: إذا كان هذا النصراني هو جؤاو صانع السلاح الذي طبقت شهرته الآفاق، فان حظي لسعيد، ويجب أن أحضره الى السلطان في القريب العاجل، أما إذا أعدمت هذا الكافر الملعون، ووصل خبر إعدامه الى مسامع السدة العالية بالله فإني حينئد أكون قد جازفت بحياتي..لكن قبل أن أتخذ أي قرار، يجب أن أبحث الأمر بنفس  لأتحقق ما إذا كان جؤاو هذا محقا فيما يدعي، فإذا كان هو صانع البنادق، ذهبت به إلى المشور السعيد بعد غد، وإلا أعدمته بالرصاص غير هياب ولا وجل.
وبدأت الاستعدادات منذ الصباح الباكر، بدأها القرويون لوضع النصارى الثلاثة أهدافا للرماية حسبما تم عليه الاتفاق أمس، لقد ذبحوا ثوراضخما، وأعدوا وليمة كبيرة، وكانت تسمع أصوات الطبل والغيطة ممتزجة النغمات عالية النبرات، كما كانت تسمع بين الفينة والأخرى أصوات الطلقات النارية مصحوبة بالرقصات والصيحات التي تصدر من «البواردية» وبزغاريد النساء وصيحات شباب القرية المتحمس في عيد النصر.
أما كبار القرية فقد جلسوا القرفصاء واصطفوا – وبنادقهم الطويلة  بأيديهم – في حلقات وصاروا يستعدون مغامراتهم وذكرياتهم عن المعركة الكبرى التي حدثت منذ أيام، وكأنهم كانوا ينتظرون بفارغ الصبر صدور أمر القائد، بإحضار النصارى الثلاثة كي يسددوا فوهات بنادقهم نحهم، ويطلقوا عليهم النيران، فيصيروا في مثل لمح البصر جثثا هامدة لا حراك بها.
وأصدر القائد أمره بأن يؤتى بالأسيرين المحبوسين في السرداب، فاقتيدا الى المكان الذي سيطلق عليهما فيه الرصاص أما جؤاو فقد احضره من الأروى عبدان شاكيا السلاح إذ كان في يد كل منهما سيف مصلت، كانت يدا جؤاو مكتوفتين وكان الكبل والسلسلة الحديدية يحدثان صريرا فوق الارض كلما تحرك ببطء تجاه ساحة تنفيذ الاعدام.
وبينما كان متجها نحو الساحة، خاطب نفسه  قائلا : «إني مائت لا محالة، وشكرا لله على أن منحني روحا طيبة، وضميرا نقيا لم ارتكب –بواساطته- زلة عن عمد، ولم اسيء لاي مخلوق». ثم تذكر  الرأفة  والحنان اللذين لقيهما من ابنة القائد قتمتم: «وبما  أني مائت، فان تلك الفتاة الحلوة هي وحدها التي ستعتريها الشفقة، وستحزن على مماتي».
وشعر بفخر أمام هذا الاحتمال، فسار وسط زحام المتفرجين، منتصب القامة، معتز النفس ثابت الخطوات بقدر ما يسمح به الفيد والسلسلة الحديدية الثقيلة، واقتيد إلى حضرة القائد الذي كان جالسا فوق رابية بالقرب من المكان الذي اختير لإعدام  الأسرى، كانت صيحات النساء والأطفال المحتشدين على جانبي الطريق، ترتفع حينا بعد آخر فتكاد تصم أذنيه، غير أنه عند ما مر ببعض النساء الملثمات سمع همسات تقول:
- ضع ثقتك في الله، انه رؤوف رحيم.
قفز قلبه في صدره من اثر الفرحة، لأنه تعرف في تلك الكلمات على الصوت الحلو لابنة القائد رحمة.. اصطف الاسرى امام القائد واعيان القرية، فخاطبهم القائد بقوله:
- أيها الكفار أعداء الدين، استعدوا للموت والعقاب الإلهي الذي ينتظركم، ثم التفت الى جو او قائلا:
- لعلك تباهي بأنك أنت صانع الاسلحة الشهير، هل هذا المرسوم الشريف مرسوم سيدنا ومولانا السلطان يتعلق بك؟ (وأمسك المنشور بيده رافعا اياه أمام الأنظار كي يراه جؤاو الذي اجاب):
- انا جؤاو صانع الأسلحة.
قال الرئيس:
- برهن على ما تقول، قبل ان تمر اربع وعشرون ساعة، وذلك بأن تصنع في هذه المدة ماسورة بندقية مبرومة، إن حانوت حدادة بما تستلزمه من كير وآلات ستكون جاهزة وفي متناول يدك منذ الان، فإذا فشلت وعجزت، فستوضع هدفا وتموت بنيران المؤمنين، ثم التفت تجاه الاسيرين الاخرين وصاح:
اما انتما يا عدوي الله، فالدم – ستموتان كلاكما وهكذا سيأخد بالثار أولئك الذين قتل الكفار الملعونون اخوانهم.
رأى جؤاو أن هذه الفرصة سانحة الدفاع عن رفيقيه فقال بصوت عال كى يسمعه الجميع
اقسم بالصليب المقدس نكم إذا آذيتم شعرة واحدة من رأس مواطنى هذين فإنى لن أفعل أى شئ بصدد ما اقترحتموه على وليس هناك من داع لأن تحكم علينا أيها القائد بالموت اللهم إلا إذا كنت لا تخشى غضب السلطان، ولاتحسب لسطوته أي حساب. ثم التفت إلى أعيان القرية وأردف قائلا بنفس اللهجة الخطابية:
- انا جؤاو صانع الأسلحة، صانع المواسير المبرومة، لقد قدم لي من طرف السلطان مبلغ ضخم من المال كي أكون في خدمة جلالته، إن أيا منكم يستطيع أن يخبر البلاط الملكي أني أسير هنا وأن القائد قد هددني بالقتل، ليتاكد من الحظوة التي سينالها هذا الواحد منكم لدى جلالته الذي يرغب في استخدامي عنده، وليعرف مدى الغضب والسخط الذي سيصيبه جلالته على القائد إذا ما أقدم على قتلنا. القائد متأكد من رغبة السلطان في استخدامي، وذلك من خلال الكتاب الشريف الذي هو في حوزته الآن ... نحن الجنود البرتغاليين الثلاثة قد أخذنا أسرى في معركة، ولم نسجن من أجل اقتراف أية جريمة، القائد يسمينا كفارا، ولكننا نؤمن بالله كما تؤمنون أنتم، ولنا نفس الشريعة الإلهية التي لكم، فيجب ألا توافقوا على سفك الدماء البريئة التي حرمتها كل الشرائع السماوية.
واعترت القائد قشعريرة من الحدة والغضب والخوف معا، لقد عرف أن له أعداء في القبيلة وأن كثيرا قد قاسوا من استبداده، لذا خشي أن يسرع أحدهم الى فاس فيخبر السلطان بوجود هذا الملعون أسيرا ومهددا بالموت، حينئد ماذا سيكون موقفه بل مستقبله.
ثم التفت الى العبيد المكلفين بحراسة الأسرى فقال:
- أعيدا الكافرين على محبسهما، فسيموتان موتة أقسى من ميتة الرصاص، حيث أن هذا النصراني قد تجرأ على تهديدي بمثل هذه الطريقة المتعجرفة.
وارتفعت صرخات الجمهور المحتشد تطالب بوجوب قتل الأسرى في الحين، وتعالت الصيحات: الدم بالدم- النفس بالنفس.
ولكن الكبار الاكثر حصافة في الرأي، نصحوا للقائد بأن جؤاو يجب أن يؤخذ في الحال إلى قصر السلطان كي يستفيذ منه المسلمون في صنع الأسلحة التي يحاربون بها أعداء الملة.. وبعد كثير من الجلبة والضوضاء اقتيد الأسرى الى محابسهم، وعاد القائد الى منزله وهومصمم على السفر الى فاس كي لا يستهدف لغضب السلطان.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here