islamaumaroc

مع خليل رامز سركيس في[كتاب] أرضنا الجديدة

  دعوة الحق

80 العدد

يعجبني من خلال رامز سركيس أسلوبه في معالجة موضوعات الكون  والحياة. هذا الأسلوب لا يتجزأ جوهره عن ظاهرات وجوده. وهو، على بعد غوره، واضح كالشمس ضحى. ثم هو، على تركيزه، لا أثر فيه للكد والجهد، تراه يغوص في ظلمات بعضها فوق بعض، ويصارع أنواء عاصفة، ويظل بعد كل ذلك شفافا.
له دقة الأسلوب العلمي وبيانه. ولكن ليس له جفافه وجفوته. فهو ذو نعومة حريرية ورشاقة متناهية.
خليل رامز سركيس دائم التوق إلى السمو، شيمة النفس الخيرة الواعية، كثير الإيمان بالإنسان. لذلك تهب من قلمه نسمات محيية هي اشبه بنفحات الربيع.
آلمة الواقع المرير الذي يضطرب فيه أغلب الناس بتفاهة وسطحية وتمزق. فحأول في (من لا شيء) وفي (أيام السماء) أن يشق دربا نحو النجوم. وهو في كتابه الحديث (أرضنا الجديدة) يتابع سيرة في الدرب الصاعد، ليعيد إلى البشرية المعذبة وجهها المضيء.
وهو في كل ما يتب يسعى أن ينفض الغبار عن طاقات الإنسان، ويزيل من طريق تقدمه العراقيل، ليجعله أكثر عافية إبداعا وأفسح رجاء، وبالتالي أقدر على ممارسة إنسانيته.
ولئن كان كثير التطلع إلى السماء، فما لرغبة منه في النأي عن الارض، ولا حبا في الجري وراء الغيبيات، وإنما ليضيف إلى الارض الطيبة عنصرا خصبا به تنتعش وتزدهر.
فهو في (أرضنا الجديدة) يحث بإصرار وإيمان، على التحديق إلى كل شيء، إلى أعماق النفس البشرية وإلىأاسرار الكون الخفية، على السواء. فالإنسان فلذة من الكون الذي فيه يعيش ذرة مفكرة، ولذلك كان عليه أن يقيم بينه وبين ذلك الكون وشائج حميمة من أخذ وعطاء، فإذا انفصل عنه كان كالورقة الهأوية من أمها الشجرة لا تلبث أن تذوي فتموت. والكون-هذا العالم العجيب بسحره الذي لا يحد، وكنوزه التي لا تنفذ- فارغ لا جدوى فيه ولا قيم، ما لم يمد إليه الإنسان عينه وفكره ويده. وحين ينهد إليه يفجر طاقاته، ويكشف عن دفائنه ويستخرج نفائسه، فيعاقبه معاناة، صميمة، يزداد به الكون غنى، كما يزداد هو بالكون عمقا وسعة ورفعة شأن وسمو مصير.

يقول المؤلف: ألسنا من أنفسنا في برح تأمل، ومن الكون على أرض اختيار؟ نحن لا نكون ما لم نعان الكون، وقد تأثرنا منه وأثرنا فيه. وإلا فنحن في غربة عنه، وكأنا عن أنفسنا مغتربون. ليس الكون، عندنا، بالحدث الطارئ والظاهر الدخيل، بل هو من وجودنا في منتهى الصميم. فإذا تعمقنا فيه، أصبنا غاية المعرفة فحققنا أنفسنا، وإياها رأينا في ما نحن ناظرون).
فالمعرفة والطموح والعمل هي العناصر الثلاثة التي تقودنا إلى الأرض الجديدة المشتهاة.
وإذا كان التأمل في الذات والموضوع يمدنا بالمعرفة والوعي،فهو يمدنا أيضا بالقلق الذي يزداد كلما نما وعينا.

(القلق يزيد ما زاد وعينا وتشعبت أسبابه. القلق في الوجود قديم كالوجود عينه، بيد أن البشر لم يكونوا يوما أعظم قلقا منهم في هذا العصر. القلق الوجودي المعاصر يعتري جذورنا حتى الأعماق، وكأن ثمة ما يهددنا كل حين).
ولكن هل يستطيع هذا القلق الجارف أن يدمر كيان الإنسان المؤمن بالغد البهي، أو على الأقل هـل يستطيع ان يثبط من عزمه على بلوغ غايته المرجوة؟
كلا. (فان في الكون، من خلال ملايين الخلائق وأالوف ألوف السنين، نظاما يسير بالبشر إلى الأمام وإلى فوق، على قصد معا. إن تحت السماء كثيرا كثيرا من الجديد الطالع، وإن اكتشاف الجديد عمل يستمر ما دامت الحياة).
فلا مبرر للخوف اذن، ولا  داعي للقنوط. وما على البشر إلا  ان يشمروا عن ساعد الجد، لاكتشاف العوالم المجهولة الكثيرة ولتفجير الطاقات الدفينة الهائلة، وان يتعاونوا على البناء والابداع.
كل فرد من البشر مسؤول عن المساهمة في العمل لرفعة الجنس البشري. فالإنسان لم يعد يعيش لنفسه وفي تخوم بلده فحسب، بل أضحى صوته يدوي في أرجاء  الأرض النائبة. فكانت وحدة الإنسانية هدفا ينبغي أن يتجه لتحقيقه لأن الإنسان هو، على حد تعبير خليل سركيس، (لزوم حيوي لسلامة الكون واستمراره).
ولاشك أن الطريق طويلة، وأن صعابا عديدة قد تعترض سبيلنا. ولكن هذه الصعاب هي التي تشحذ مواهبنا، وتكشف عن طاقاتنا الكامنة، وتجعلنا نستمع بممارستها:
(لسنا نبغي المعرفة، وبالتالي لسنا نطلب العلم لنزيد معرفة وحسب، بل كي نزداد وجودا على الخصوص.فكم تحدثنا الحياة بمشكلات أذكت فينا روح الخلق، فابتكرنا لها حلا).
ولبلوغ هذه الرض الجديدة المؤملة، لابد أن ننمي في حنايانا عنصر الحب، ونشيح بوجهنا عن كل الفوارق والأحقاد، ونؤمن أن الإنسانية على اختلافها، أسرة واحدة، ذات جوهر واحد، غايتها تحقيق وجودها الأكمل وكيانها الأمثل في جو من الوئام والسلام: (فلا شيء يعدل الحب، جامعا مشتركا بين نفسين بل بين أهل بيت واحد، فبلد واحد، فوطن واحد، بل بين أهل الأرض أجمعين).
ولا بد أيضا من تئازر جميع القوى الخيرة لإخصاب هذه الأرض.  فتعاون المادة والروح، وتضافر العلم والدين، عمل ضروري لتكون تربة تلك الأرض صالحة لنمو الإنسان الكامل. وإذا  كان بعض الماديين يرون أن الدين لا ينسجم مع العلم،  فان خليل رامز سركيس يرى أن الدين يكمل العلم، كما يكمل العلم الدين لرفع مستوى الإنسان: (الصراع بين الدين والعلم أمر في المعرفة قديم. إلا أنه قد جعل يتحول من مرحلة السلب إلى طور الايجاب. إذ تبين أن ليس لكليهما غنى عن الآخر. فالعلم لا يتجأوز نفسه، سموا واطراد رقي، ما لم يؤمن بكون جل ما فيه ذو غاية معينة. والعلم، مؤلفا الطاقة في وحدة عاملة، يفضي –على ما يرجى- إلى وحدة نهائية عاملة من أجل العالم. الدين والعلم، إذا، فعل معرفة مشترك يحقق غاية واحدة: الوجود).
ويقول المؤلف ايضا (في عالمنا المدجج لا خلاص لنا ما لم نر عمل الله في الخليقة، وما لم نر الله في حقيقة العالم).
هذه بعض آفاق الأرض الجديدة التي يطمح إلى وجودها خليل رامز سركيس، وكل مصلح في هذه المعمورة محب لخير الإنسان وتقدمه.
فما أحوجنا جميعا، في هذا العصر النزق المحموم إلى مثل هذه الأفكار النيرة الصافية التي تجمع بين بني البشر على صعيد المحبة والتأمل المثمر والعمل الخلاق.
وما أحوجنا ايضا إلى قلم متميز مثل قلم خليل رامز سركيس، ليوقظ مشاعرنا النبيلة، ويذكي فينا أصالة مواهبنا، فنضع للانسان غذا يليق بكرامته.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here