islamaumaroc

من الوجهة الإنسانية

  دعوة الحق

80 العدد

لا احسني أبتهج لشيء في سر قلبي، وأطوي الصدر عليه وأنا سعيد، قدر ابتهاجي بالحديث على الشباب، وعن مستقبله المغيب بين المجهول بألف غيمة وعن القلق الذي يزعج سكينة نفسه، والآمال التي تتلألأ في رؤاه عبر الآفاق الرائعة.
صدقوني –أن رعشة من الوجل أخذت الآن تهز الشعيرات الواهية من أهداب قلبي مخافة أن أكون كمن أضل وما هدى، بسبب مرض الفضول، فضولي أنا، مخافة أن اقصر في إبلاغ رسالة نور أنتم بها عارفون، ولكن، ألا ترون أنه لا ضير إن أنا أضأت ذبالة كابية، ورفعتها بيد مرتعشة، وقلب طروب، أمام مشاعلكم المتوهجة عبر طريق التنوير .. الا ترون انه لا ضير إن أنا غرست عليقة ياسمينة، لتنسم تحت ظلال سنديانكم الذاهب في السماء.. الا ترون أنه لا ضير إن أنا أنحنيت، والتقطت حبات الحصى من طريق موكبكم المظفر بالأمجاد.. فان لم يكن شيء من هذا كله، أفلا ترون أنه لا ضير إن أنا اقتنعت بأيسر العطايا، وسليت القلب بالمثل القائل: «تستطيع أن تأخذ الفرس الى النهر، ولكنك لا تستطيع ان تحمله على الشرب».
صدقوني يا أعز الأحباب على البصر «انني أسعد بالحديث إليكم، وأعلم أنكم كرماء، يكبر عليكم أن تحرموني من سعادتي، وأعلم انه ليس أعز لديكم من الحديث عن المعرفة، التي أنقذت الانسان من ظلمة الجهل، فالمعرفة هي التي  تميز إنسانا عن إنسان، وأنتم بدونها لن تكونوا شيئا..إنها أغنى ما تملكه البشرية من ميراث خالد حتى اليوم، وكل الأشياء العظيمة من قيم الخير، والحق والعدل والحرية والمساواة والجمال، كانت من عطايا المعرفة..  وقد كان النور أول شيء أوجده الله في بدأ الخليقة ثم أوجد بعد الطين، فخلق منه الإنسان، ووضع في أجهزة العضوية شبكة من نبض الحياة، ولم تكمل صورته الإنسانية  إلا بعد أن فجر في قلبه ينابيع الحب، وفي عقله شعلة المعرفة، مصدر العبقرية، والخلق، والإبداع، فتكلم وفكر وأراد، واستقرأ العلوم والفنون، ولم يقف طموحه عند حد معين، فتمرد على العلم بالغيب، ونشد المزيد من المعرفة المجهولة، وهو الآن يدق بإصرار رائع على أبواب السماء .. ولن يهدأ له قرار، ما لم يأخد الشعلة الخالدة من أجل سمو بني البشر.. إنه «بروميثيوس» عصر الذرة والفضاء.
أعز الأحباب على البصر –دعوني أهيب بكم-  وأنتم تطرقون أواب المعرفة- أن لا تدعوا فرض الغرور ينفذ الى نفوسكم، بل احتفظوا بها جائعة الى كل جديد من المعرفة، التي لاتكتسب مرة واحدة «لأن الإنسان – فيما تقول الكاتبة سيمون دي بوفوار- لاينتهي قط من التعلم، لأنه لا ينتهي قط من الجهل» فالفكر معدة سامية تفتقر دائما الى المزيد من الغذاء .. غير أنه ليس بكاف أن يعيش الانسان، بل في أن يجعل حياته حافلة بالانتصارات الانسانية، بأن يجعلها جديرة بأن تحيا، بأن تكون مثيرة، أكثر من مجرد حياة، والإنسان  يحس دائما بالارتياح عندما  يرى حياته  لم تكن فارغة، لأنه كان يدعمها بالثقافة العلمية والفلسفية والأدبية والفنية.. ويدعم روحها بعقيدة هدفية، وبنور الإيمان، لصالح الحياة، فالإيمان بالقيم الروحية من حب وخير وعدل، ضمان لسعادة الإنسانية وسلامتها.. فالله هو الذي يهبنا طمأنينة النفس، ويشع السكينة في نفوسنا، ويحتضن القلوب المرتعشة، ويحنو عليها بأجنحة من ريش .. الله الذي يجعل أيام الربيع مدفأة بالحب والقبل، ولياله مضاءة بالنجوم.. الله الذي ينضر المرابع المخضرة، ويجملها بالأزهار والألوان والانداء والأشداء والطيوب «فليكن الله دائما في نفوسنا فإنه السكون والمحبة والعزاء، هو الذي يرفع الاثقال والأعباء، وينثر الزهور عبر الطريق، وينشر حبل الرجاء»(1))

واشدد يديك بحبل الله معتصما     فإنه الركن ان خانتك أركان(2)


أعز الأحباب على البصر –انه إذا قوي الاعتقاد بصواب أخلاقية التواضع في طلب المعرفة، وإنه طالما أمكن إدراك ذلك، فإن مستقبلكم، ومستقبل وطننا العظيم سيكون بخير، ومصيبة المصائب في هذا الوطن، أنه إذا ما ظهرت فيه موهبة عادية على شخص من الأشخاص، اعتقد في نفسه أنه «كلوبوس» اكتشف قارة جديدة.. فإذا ظهرت موهبته –أوظل موهبة على الأصح- في الموسيقى، وبدت أنامله توقع لحنا رتيبا ممسوخا بآثار اللصوصية الجزئية، والتقليد الببغائي –الشرقي منه أو الغربي- عد نفسه عبقريا، يستحق أن ينقش اسمه في قائمة الموسيقيين الخالدين ويرفض أن تقارن الحانه الهزيلة، الا مع ذلك «الميلودي» الإلهي، المتدفق بجلال، في سيمفونية «بتهوفن» التاسعة ..وهو اذا نهق بصوته الضفدعي، بأغنية سوقية مائعة، من مخلفات الذعارة النفسية، والروح المرئية الانتهازية، لن يرضى أن يقارن صوته بغير الأصوات الذهبية الخالدة في تاريخ الأوبرات العالمية، وهو إذا سهل الله، وكتب إنشاء ركيكا مرقعا بسخافات الشكلية المزدوجة، عد إنتاجه من مقام انتاج توفيق الحكيم، والبير كامو، وهو إذا وصل إلى معرفة ضرب الأعداد الرياضية وطرحها، اعتبر الأمر كأنه حل لمعضلة رياضية معقدة، من قبيل المعادلات النسبية «الانيشتانية» في كل هذا لا أقصد أن أهزم الروح المعنوية، عن طريق نقد هدام، لغاية من الغايات التي تبررها الوسيلة، وإنما أهدف الى روح الخير، كل الخير، ولا شيء غير الخير، والشباب المتعلم نفسه يدرك قيمة أخلاقية التواضع ويعلم أن العباقرة الإنسانيين، لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه، إلا بعد ان مارسوا العناء والشقاء والسهر، وقبل أن يسمح لهم بالدخول إلى عالم الخلود، تركوا شيئا عزيزا من نفوسهم وأبدانهم.
وهذا هو الشاعر القروي-الذي عانى التجربة «الاسيانية» يبصرنا بهذه الحقيقة:
اني صعدت إلى مجد على جبل      مما تهدم من روحي ومن جسدي

 
ويجيبه شاعر آخر:

إذا مر بي يوم ولم اصطنع يدا       ولم أستفد علما فما ذاك من عمري    
  
 
أعز الاحباب على البصر –ليس بامكانكم اليوم أن تلوذوا بالصمت، وتختاروا المواقف الهروبية، فالاختيار ضروري، ما دام أمامكم ما تحيون من أجله، وما من مبررات عادلة يمكن أن تتخذوها مركزا استنادا لرفض المسؤوليات، بينما مجتمعنا الانساني مريض، الاخيارت الإدارية بيدكم، والهدفية أنتم على علم بجدواها، وحتمية انتصاراتها، فلم يبق الا تحديد المواقف الانسانية الرائعة، عن وعي تلقائي، لا ارتباط له بأية روح نفعية، أوتأثيرات خارجية، لتحددوا مواقفكم الشرفية، حتى لا تنقطعوا عن القضايا الحية، لمصير أفضل للجميع للاكثرين فقرا وجهلاومرضا.

أعز الاحباب على البصر -انتم الآن آخذون في الاهبة لرفض الوصمة المشينة بأخلاقية العلم، وهي الغرور، لأنكم ذاكرون كلمات النور، التي وردت على لسان النبي محمد العظيم «وقل رب زدني علما».
والقائلة كذلك: «اذا أتى علي يوم، لا ازداد فيه علما، فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم» والقائلة أيضا: «لا يزال الرجل عالما ما طلب العلم، فإذا ظن أنه علم فقد جهل».
وتكاد تكون أخلاقية التواضع هي الطابع الأكثر دلالة على رسل الإنسانية، فهذا سقراط الجليل، رغم مكانته العلمية يقول: «كل ما أعرفه هو أنني لا أعرف شيئا» وهذا الشاعر «شللي»  يقول هو الآخر:«كلما ازداد علمنا ازداد إدراكنا بجهلنا» ويجب الشاعر «جوتيه»: «إننا لا ندعي أننا نعرف شيئا معرفة دقيقة، إلا إذا كانت معرفتنا ضئيلة، فكلما زادت معرفتنا كلما زاد تشككنا في دقة معرفتنا».
ويبلغ التواضع بأحد العلماء –وقد كان من قبل عميدا لاحدى الجامعات، وحين أقيم له حفل تكريم على شرفه –بمناسبة اعتزاله العمل- وبالغ الخطباء المراؤون في تعظيم سعة علمه، شكرهم وقال لهم: « أؤكد لكم أن جزر المعرفة الصغيرة المتفرقة في عقلي، تفصل بيها محيطات من الجهل».
هذه هي حقيقة العلماء، يحصل لهم ما يحصل لسنابل القمح، فهي تتعالى منتصبة ما دامت فارغة ولكنها تطأطئ الرأس حين تنضج، وتصبح عامرة بالحبوب ... واذكروا أن العلم المتواصل هو الذي ينتصر على اليأس والعجز والخيبة والقنوط وأن الصبر هو حكاية معجزة الحياة، أما مرض الكسل، فهو السم البارد الذي يقتل حاسة الحيوية، ويخمد شعلة الفكر، فقد تتلمذ شاب كسول على يد الحكيم «أرسطو»، وقد نبهه الى هذا الكسل، فاعتذر التلميذ قائلا: «ماذا يمكنني أن أصنع، وليس لي صبر على القراءة، ولا على ما يتطلبه العلم من جهد» فأجابه الحكيم: «اذن فلا سبيل لك الا الصبر على الشقاء والجهل».
 ولتكن كلمتي الأخيرة اليكم، متوجة بهذه الكلمة البالغة الروعة والنفاذ، والتي وجهها العالم المشهور «باسور» إلى المحتفلين به، في عيد ميلاده السبعين: «أيها الشباب،  ليجعل كل واحد منكم شعاره، ان يسأل نفسه أولا، ماذا صنعت لتعليم نفسي؟ فإذا تقدمت به السن فليسأل نفسه: ماذا صنعت لوطني؟ حتى تحين الساعة التي يحظى فيها الإنسان بأكبر سعادة، اذ يشعر بأنه ساهم بشيء في تقدم الانسانية وخيرها».

ظريــــف
قال الحافظ ابوعبيد الله الحميدي:

« من تختم بالعقيق، وقرلأبي عمرو، وتفقه للشافعي، وحفظ قصيدة ابن زريق، فقد استكمل الظرف».
وزاد بعضهم، ولبس البياض، وروى بعضهم قصيدة ابن زيدون بدل قصيدة ابن زريق.

(1) الأديب اسكاروايلي
(2) البيت للبستي

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here