islamaumaroc

تعريف بالدولة المرينية

  دعوة الحق

75 العدد

لم يتوفر المرينيون على القوة والنظام اللذين كان لدى الموحدين، وهذا من الأسباب التي جعلت بني مرين لا يستطيعون استعادة المملكة الموحدية بشمال إفريقيا والأندلس، وإنما توزعت هذه الامبراطورية –حسب المقال السابق(1)- بين الحفصيين بتونس وبني عبد الواد بالجزائر.

أما في الأندلس فقد تقاسم معظم القواعد الإسلامية بها القشتاليون والقطلانيون، وآلت رقعة صغيرة في الجنوب إلى بني  الأحمر ابتداء من سنة 929(2)- 1231.

وبهذا لم يبق قارا للمرينيين سوى المغرب الأقصى الذي ابتدأ ظهورهم به أواخر سنة 613/1219(3) أيام الأمير الأول عبد الحق بن محيو، ثم قامت الدولة بصفة حقيقية سنة 616-1219، في عهد عثمان بن عبد الحق(4)، وفي ثاني محرم 688-1269، استولى يعقوب ين عيد الحق على مدينة مراكش حيث انقرضت الدولة الموحدية(5) ومن بعد هذا الحادث اخذ يعقوب يتلقب بأمير المسلمين بدل لقب «الأمير» الذي كلن يدعى به(6)، لما كان هو ومن تقدمه من المؤسسين الأولين يقيمون الدعوة للموحدين ثم للحفصيين القائمين بتونس(7).

ثم تابع يعقوب الاستيلاء على ما تبقى من الجهات خارجا عن نفوذه إلى أن أتسق له سائر المغرب الأقصى، بما في ذلك المغرب الشرقي والساقية الحمراء(8)، مع سبتة التي أبقاها في ولاية العزفيين مقابل ضريبة سنوية للخزينة المغربية(9)، قم اندمجت –بعد- في حظيرة الوطن الكبير أواخر عهد أبي سعيد الأول سنة 728/1328(10).

وقد امتدت المملكة المغربية أيام أبي سعيد هذا في الجنوب إلى معاقل الصحراء وقصور توات وتيكورارين وتنمطيت(11).

كما امتد المرينيون في فترات خارج المغرب الأقصى، فامتلك يعقوب الأندلس 53 مسورا ما بين
      مدن وحصون، زيادة على القرى والبروج التي تزيد على 300(12)، وكان الحد بينه وبين المملكة النصرية هو حصن ذكوان بمقبرة من مالقة(13).

كما أن يوسف بن يعقوب بسط نفوذه على نواحي كثيرة من القطر الجزائري(14)، وفي بعض أيام أبي الحسن توحد المغرب العربي تحت قيادته من السوس الأقصى إلى مسراته قرب الحدود المصرية، زيادة على انفساح هذه المملكة إلى (رندة) بالأندلس(15).
وفي أيام أبي عنان بن أبي الحسن برقت بارقة لاستعادة وحدة المغرب العربي ثم سرعان ما خبت(16).
أما الفترة الواقعة بعد عهد أبي عنان إلى نهاية الدولة فلم يحدث فيها امتداد منظم نحو شرق المغرب، ولا يستثنى من هذا سوى غارات عابرة ارتجلها ملوك وحكام مرينيون(17).

وقد امتدت قوة الدولة المرينية حتى أيام أبس الحسن، ثم أخذت في التراجع تأثرا بعدة عوامل : فهناك الضعف الذي نزل بالجيش بعد موقعتي طريف(18) والقيروان(19)، حيث انقطع العبور المريني إلى الأندلس، وفشلت محاولة استعادة الإمبراطورية الموحدية في شمال إفريقيا.

وهناك –بدا تفوق دولتي اسبانيا والبرتغال في القوى البحرية والبرية(20)، وهناك –مرة ثالثة- العواقب الخطيرة التي نجمت عن وباء 749/750-1348، وفي المقدمة(21) وصف دقيق لأثار هذا الوباء الذي أصاب المغرب والشرق معا، وفيما يخص عواقبه في الأمم الغربية، يذكر ابن خلدون أنه «تحيف الأمم، وذهب بأهل الجيل، وطوى كثيرا من محاسن العمران ومحاها، وجاء للدول على حين هرمها وبلوغ الغاية من مداها، فقلص من ظلالها، وفل من حدها، وأوهن من سلطانها، وتداعت إلى التلاشي والاضمحلال أحوالها، وانتفض عمران الأرض بانتفاض البشر، فخرجت الأمصار والمصانع، ودرست السبل والمعالم، وخلت الديار والمنازل، وضعفت الدول والقبائل، وتبدل الساكن».

هكذا يصف ابن خلدون عواقب هذا الوباء التي سأوقت –بالمغرب- ضعف القوة المرينية وتفوق جيرانها، فكان من ذلك كله التراجع الذي نزل بالدولة، والذي لم يظهر كثيرا في أيام أبي عنان، وإنما ظهر بعد وفاته، حيث دخلت الدولة في فترتها الثانية.

وقد كان من نتائج ضعف الدولة في هذه الفترة أن تعرض عدد من الملوك المرينيين للحجر من طرف الوزراء أو الحجاب(22)، كما صار للملك النصري محمد الغني بالله تدخل في سياسة المغرب الداخلية أثناء هذا الدور(23)، مما أدى إلى إضافة سبتة للأندلس واقتطاعها من المغرب(24) الذي استطاع أن يسترجعها –بعد- لحظيرته(25)، وفي هذه الفترة –أيضا- تنازل الوزير المتغلب عمر ابن عبد الله الياباني عن مدينة رندة بالأندلس لفائدة الغني بالله ابن الحمر وقت عزله عن الملك وفراره، وذلك أواخر سنة 762-1360(26)، وبعد هذا تم للغني بالله –بعد عودته إلى ملكه- الاستيلاء على جبل طارق فمحا بذلك دعوة بني مرين مما رواء البحر(27).

ومن العواقب الوخيمة لهذا الانحلال أن تعرض المغرب أواخر العهد المريني لاحتلال بعض شواطئه فاستولى البرتغال على دائن سبتة 818/1415(28) وقصر مصمودة القصر الصغير(29) 863-1458 ثم طنجة 896-1364(30) وهو التاريخ الذي انتهت فيه الدولة المرينية في27 رمضان بعدما استمرت 253 عاما.

وكانت عاصمة الدولة المرينية هي فاس التي ابنتي يعقوب بن عبد الحق غيربها المدينة البيضاء «فاسا الجديد(31)» مقر الجهاز الحكومي للدولة.

وإلى جانب العاصمة المركزية توجد مدن أخرى بمثابة عواصم ثانوية، ولهذا ابتنى بها الملوك المرينيون قصبات خاصة، فقد أسس يعقوب بن عبد الحق القصبة المرينية شرق مدينة مكناس(32)، وبالأندلس ابتنى نفس الملك البلد الجديد على الجزيرة الخضراء(33) وهو الذي يسميه ابن مرزوق(34) «البنية» وبني يوسف بن يعقوب مدينة «المنصورة» بجوار تلمسان(35) ثم بنى أبو سعيد الأول على سبتة : القصبة المسماة «أفراك(36)»، وجدد أبو الحسن بنيتي تلمسان وسبتة حيث أطلق على كل واحدة منهما اسم «المنصور»(37).

أما أهم المدن المغربية في العهد المريني فهي حسب مركزها الاقتصادي أنذاك :
فاس ومراكش، سجلماسة، مكناس، سبتة، أسفي وأنفا، وسلا والرباط، طنجة وتازى، أغمات، أزمور(38).

وبالرغم من كون المرينيين لم يوفقوا في تحقيق كل برامجهم فإن أهمية عصرهم تبدو في الطابع القار الذي طبع به المغرب في كثير من مظاهره :
فإلى العصر المريني يعود التنظيم الجديد لشمال إفريقية حيث تأسست الدولة المغربية تأسيسا جديدا. وإلى هذا العصر يرجع استقرار كثير من العادات والتقاليد المغربية وتنسيق التشريع المغربي.

وأيضا تتجلى قيمة هذا العصر في العمل القيم الذي أسهم به المغرب –حكومة وشعبا- في بعث الحضارة الإسلامية بعدما كادت تقضي عليها عواصف الحروب الصليبية في الغرب(39)، وفي الرشق الذي أصيب –أكثر- بكارثة النسف التثري لسائر مظاهر الحضارة والعمران في أكثر جهاته(40).
وإن هذه العواصف التخريبية التي طافت بالمغرب والمشرق معا كانت أحد الأسباب لقصور الحضارة المرينية عن الحضارة الموحدية.
ومن مزايا العصر المريني أنه استطاع أن يؤخر كارثة الأندلس بنحو قرنين من الزمن لما بذل المغرب من دفاع مجيد عن الأندلس.

وبعد هذا فإن المغرب مدين لعظماء المرينيين بما قاموا به من إنعاشه بعد الخراب والفوضى اللذين خيما على ربوعه في أعقاب العصر الموحدي حيث انتكست الحضارة المغربية انتكاسا.
وقد كان أول ما بدأوا به هو إعادة إقرار الأمن بالمغرب، قال في «البيان المعرب»(41) لما ذكر قيام بني مرين :
«... فما قدموا عملا من الأعمال قبل تمهيد البلاد، والضرب على أيدي أهل الضرر والفساد، فأمنوا السبل، وسدوا الخلل، فاتسعت أحوالهم وانبسطت آمالهم، فصار أهل تلك البلاد يعظمونهم غاية الإعظام، ويعاملونهم بالبر والإكرام».

وبعد استقرار الأمن بالبلاد أخذوا في تنفيذ برامجهم في الدفاع عن الأندلس، وقد كان نجاحهم –أكثر- في تشجيع العلم وإقامة معالم العمران. وبذلك كله حققوا كثيرا من الآمال التي كان المغاربة يعلقونها على هذه الدولة الجديدة، والتي عبر عنها الشاعر المغربي الكبير مالك ابن المرحل أثناء قصيدة(42) قدمها ليعقوب بن عبد الحق في التهنئة بفتح مراكش، وقد بث فيها الآمال التالية :

من سنة الله أن يحيي خليقته         على يديك وأن يكيفهم النقمـــا
وأن يقيم بك الإسلام من أود         وأن يديم بك الإحسان والنعما

(1) «دعوة الحق» العدد الثاني، السنة الثامنة.
(2) «العبرة» ج 7 ص 190- «روض القرطاس» ص 197.
(3) «الذخيرة السنية» ص 25- «روض القرطاس» ص 205.
(4) «الذخيرة السنية» ص 35- «روض القرطاس» ص 207.
(5) «الذخيرة السنية» ص 133.
(6) المصدر الأخير ص 134.
(7) «المقدمة» لابن خلدون - المطبعة البهية بمصر ص 200.
(8) «الذخيرة السنية» ص 98- «روض القرطاس» ص 214 - «العبر» ج 7 ص 206.
(9) «الذخيرة السنية» ص 98- «روض القرطاس» ص 214.
(10) «العبر» ج 7 ص 247.
(11) المصدر الأخير ج 7 ص 244.
(12) «الدخيرة السنية» ص 98.
(13) «روض القرطاس» ص 284.
(14) المصدر الأخير ص 284.
(15) «العبر» ج 7 ص 270.
(16) المصدر الأخير ج 7 ص 296/298/301/302.
(17) نفس المصدر ج 7 ص 302/303/311/328/348/349/361/362.
(18) هي موقعة «ريو سالادو» التي يقول عنها ابن الخطيب في الإحاطة : (وبالجملة فهذه الواقعة من الدواهي المعضلة الداء والأرزاء، التي تضعضع لها ركن الدين بالمغرب وقرت لها عيون الأعداء) «شذرات الذهب» ج 6 ص 128، ومن بين المصادر التي تحدثت عن هذه الموقعة «العبر» ج 7 ص 261/262..
(19) من المصادر التي تحدثت عن موقعة «القيروان» «العبر» ج 7 ص 273/276.
(20) الاستقصا ج 2 ص 155/156.
(21) ص 27.
(22) انظر العبر ج 7 ص 299/312/317/336 مع الاستقصا ج 2 ص 144/150.
(23) العبر ج 7 وبالخصوص : ص 349 مع الاستقصا ج 2 وبالخصوص ص : 134.
(24) العبر ج 7 ص 350.
(25) المصدر الأخير ج 7 ص 354.
(26) نفس المصدر ج 7 ص 317.
(27) نفس المصدر ج 7 ص 339.
(28) الاستقصاء ج 2 ص 147.
(29) المصدر الأخير ج 2 ص 149.
(30) نفس المصدر ج 2 ص 150.
(31) الذخيرة السنية ص 186/187 – روض القرطاس ص 232 – العبر ج 7 ص 195.
(32) الذخيرة السنية ص 188 – روض القرطاس ص 295.
(33) روض القرطاس ص 246/273.
(34) «المسند الصحيح الحسن» الباب الأول.
(35) روض القرطاس ص 245 – العبر ج 7 ص 221.
(36) العبر ج 7 ص 247.
(37) انظر المسند الصحيح الحسن – الباب الخمسون.
(38) قطعة من «مسالك الأبصار» لابن فضل الله العمري تشتمل على قسم الممالك من الكتاب، وتقع أول مجموع، ورقة 106 بـ -«نسخة خاصة».
(39) في خصوص الكتب العلمية يسجل في الذيل والتكملة» أثناء ترجمة أبي المطرف ابن عميرة : أن المسيحيين ابتذلوا ذخائر دواوين العلم أثناء استيلائهم على قرطبة وكثير من بلاد الأندلس سواها «نسخة المكتبة الملكية» بالرباط ج 1 رقم 269.
(40) من المصادر التي تحدثت عن غارة التتر وآثارها «الكامل» لابن الأثير ج 12 ص 137/139/145. وقد عاصر مؤلفه هذه الحادثة، وانظر –أيضا- الذخيرة السنية ص 55، وتريخ الدولتين الموحدية والحفصية للزركشي ص 26.
(41) ج 4 ص 408 – الطبعة الأولى بتطوان.
(42) القصيدة واردة في الذخيرة السنية ص 135/137.


 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here