islamaumaroc

الإلهام في الأدب

  دعوة الحق

74 العدد

لو رحنا نعرف الهام لقلنا «أن التعبير السريع الخفي عن الأشياء» وبغير السرعة والخفة لا يكون وحي، لأنهما شرطان أساسيان في عملية الإلهام التي تجري في جو يسوده الانفعال والتوتر والحماسة.
وليتم الوحي يجب أن يكون هناك ملقن ومتلقن، الأول يقوم بإعطاء مادة  الوحي ـ فقد يكون ملاكا كجبريل عندما أوحى إلى النبي محمد «ص» آيات الكتاب، وقد يكون شيطانا، كما كان يدعي العرب القدامى من أن وراء كل شاعر شيطانا يوحي له بالشعر، ويلهمه المعاني المبتكرة، والصور المخترعة، والأفكار الجديدة... وفي كلا الحالين لا بد أن يكتنف المسالة شيء من الانخطاف حتى ليشعر المتلقن بعجزه  عن استيعاب ما يهبط عليه دفعة واحدة، فيلجا الملقن إلى الإبطاء والإعادة والتكرار... وأما الشاعر- إذا صحت الخرافة -فكثيرا ما تزحم عملية الوحي عنده عملية التدوين والتسجيل، لذلك يلجا إلى التقاط الفكرة وصبها على الورق مغلفة بالاوشاب، وبخط رديء اغلب الأحيان، لان سرعة الالتقاط تحول دون إجادة الخط وتحسينه، ومن هنا قيل أن جمال الخط يتناسب عكسا مع العبقرية.
إما الاختفاء فشرط واجب أيضا وإلا فسد الوحي الذي يأتي من وزراء حجاب: ستار أو شجرة أو جدار أو أي حائل آخر... إذ لا معنى لظهور الموحي وبروزه... يجب أن يظل هناك شيء خفي مجهول، هو سر الأسرار، لتسود حال من الرعب والخوف والرهبة... ثمة قدرة قاهرة، متسلطة مهيمنة... انغلاق هائل... أشياء غير منظورة، فيها كل ما في الغيب من روعة مصدرها الحيرة والابتهام... نخضع لهذا القوى اللامرئية لأننا نجهل كنهها، لا نعرف ماذا في داخلها... عبد البدائيون الشمس والقمر والكواكب والأنهار والجبال والريح، لأنهم ما استطاعوا تفسير القوى الكامنة فيها، عبدوها خوفا، وقدموا لها الضحايا الثمينة ليتقوا شرها ويتقربوا منها... لئلا تغضب فتتلف زروعهم، وتستل أرواحهم وتميتهم بالجوع والوباء... «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى»...
لقد ترددت كلمة الوحي مرارا في القرآن، فجاء في سورة النجم «أن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى ذو مرة»... وجاء في سورة هود «وأوحى إلى نوح انه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون، واصنع الفلك بأعيننا ووحينا، ولا تخاطبني في الذين ظلموا أنهم مغرقون».
هذا بالنسبة للوحي أو الإلهام بشكل عام *، ويعتقد البعض أن الشيء نفسه يحدث في الأدب، ويتوسعون أحيانا فيضيفون أن الخلق والاختراع والإبداع يعتمد أيضا على الإلهام، فالمسالة إذن لا تقتصر على الأدب والفن فحسب، بل تتعدى ذلك إلى العلم... ولنفترض جدلا أن الإلهام أمر واقع، فهل صحيح انه يتنزل على قلب الأديب أو العالم تنزلا؟ هل يأتي رهوا، ويسلك اقصر السبل وأيسرها إلى النفس؟ هل هو شيء فطري يخلق مع الإنسان ويرثه عن أبويه كما يرث الذكاء أو الغباء، أو انه يكتسب نتيجة الجهد الذاتي والعمل الشخصي؟ وبعبارة أخرى هل يستطيع الشاعر أو الفنان الملهم خلق شيء من اللاشيء، بمجرد انه يوحي إليه، مهما يكن مصدر هذا الإيحاء؟.
لقد آمن الأوائل بالإلهام، وبخاصة اليونان والرومان... فاعتبروا حكمة الحكماء، وشعر الشعراء، وفلسفة الفلاسفة الأفذاذ، أن هي إلا إيحاءات غامضة تهبط على قلب العبقري فيترجمها حكمة بالغة، أو شعرا خلاقا، أو فلسفة خالدة... إيحاءات ترسلها آلهة الشعر أو الحكمة أو الفلسفة... وليس ثمة الهام إلا عن طريقها... ولذلك كان أول ما فعله هوميروس في مطلع الإلياذة انه خاطب ربة الشعر لتوحي إليه، لتنفحه بالمعاني، وتمده بالأفكار والخيالات... فقال:
ربـة الشعـر عـن أخبـل بن فيـلاأنشدينـا واروي احتـدامـا وبيـــلا 
فكـرام النفـوس الفـت أفـــولا.... ذاك كيـد عـم الإخــاء بـــلاه
أما العرب فقد استعاضوا عن آلهة الوحي بالشياطين، فاعتقدوا أن وراء كل شاعر شيطانا أو جنيا أو ساحرا يحمل خياله إلى عالم الغيب، ويطوف به في دنى مليئة بكل ما هو طريف وبديع وخلاب... ولكم رووا عن وادي عبقر من حكايات هي اقرب إلى الأسطورة منها إلى الواقع ففي عبقر تعيش قطعان الجن والشياطين التي تختفي وراء الشعراء، لتترع حناجرهم، وتفتق قرائحهم، وتطلق ألسنتهم بالقول... ومن هنا جاء وصفنا للشاعر بأنه عبقري، ثم اتسع مدلول اللفظة، حتى صار كل من يأتي بالجديد المدهش يسمى عبقريا، نسبة إلى وادي عبقر.
والذي أريد أن أصل إليه هو أن الأفكار لا تنزل على قلب الأديب إلا بعد عناء طويل، وكد مرير، من العمل الفني الدائب... إذ ليست عملية الخلق الفني سهلة بالقدر الذي نتصور... بل هي شاقة وعسيرة ومضنية، تقتضي كثيرا من التأمل والدرس والعراك... الم يقولوا: «أن ثلاثة أرباع العبقرية جهد ونصب»؟ ولعل إصرار الشاعر أبي التمام الطائي على الإتيان بالمعاني المخترعة، والصور المبتكرة، قاده إلى الوقوع في دوامة من التفكير الدائم المستمر، حتى روى عنه أن نفسه كانت تأكل من جسده كما يأكل السيف من غمده... وهذا ما يفسر سبب الضعف والنحول والاضطراب الذي قلما يفارق رجال الفكر والعلم والاختراع.
يقول ذي وايت باركر: «أن الوحي نتيجة درس شاق طويل، والإلهام الفني عصارة الجهد العنيف بين واع ولا واع، وخلاصة الجهود الطويلة التي اتصل فيها الفنان بآثار أسلافه وجعلها مصدر الهامه».
أن الصياغة الأسلوبية والموضوع المدروس لم يهبطا على قلب الأديب إلا بعد أن أنضجهما في فكره وشعوره، وحضر مادتهما من الأفكار الداخلية في نطاق الوعي، أو خارجة عن هذا النطاق في اللاوعي، المكبوتة في نفس الأديب... وهذا يؤدي بنا إلى القول أن الإلهام عملية ذاتية قبل كل شيء، ولا تقترب بشكل أو بأخر من عملية صب الماء في الوعاء... فالذهن وعاء لا شك ولكنه وعاء حي... هو كالبوتقة التي تمزج فيها الأصباغ والإشكال والألوان، فإذا لدينا في النهاية عناصر جديدة، ومواد لم تكون من قبل... الفكرة التي نظن أنها جديدة ليست في الواقع إلا ثمرة جهود طويلة ومتواصلة عبر السنين والأجيال... هي خلاصة جهود متضافرة منذ نشوء الخليقة، أو منذ بدا الإنسان يفكر، ويعطي حصيلة هذا التفكير... كلما مرت بذهن جملها، وأضاف إليها، حتى وصلنا أخيرا كاملة مكتملة.
المعاني والأفكار مطروحة في طريق-كما يقول الجاحظ- يأخذ منها الحضري كما يأخذ منها البدوي، ويأخذ منها العربي كما يأخذ منها العجمي... ليس ثمة احتكار في الأفكار... كلنا عالة على هذا التراث الذي وصلنا أمانة من السلف، لنوصله بدورنا إلى الخلف، فاتحا صدره لعطاءاتنا وإضافاتنا... والكاتب اليوم لم يعد يقتبس من التراث المتخلى فحسب، بل يقتبس من التراث الإنسان والعالمي، فهو يعطي ويأخذ، يستعير ويعير، لكنه يضع نصب عينيه أن عليه أن يغني هذا التراث، أن بجوده بالقدر الذي يستطيع، ولا يجوز له أن يمسخه أو يشوهه. يقول لافوازيه: «في الطبيعة لا يولد شيء ولا يفنى شيء، الكل يتحول» وفي الفكر كذلك لا يولد شيء ولا يفنى شيء... فالولادة لا تكون من العدم أبدا... لابد من وجود مادة أولية، ولا بد من وجود نماذج سابقة لقياس عليها... لتكون كتصاميم يصنع على منوالها.
عندما خلق الله آدم وحواء، استعان ـكما تروي الكتب السماويةـ بالطين، نفخ فيه من روحه فاستحال بشرا سويا، فأين نحن من الله عز وجل؟ لقد أعطانا مثلا أي مثل، في أصول الخلق والإبداع... حتى لا ندعي ونباهي...
والنتيجة التي أريد أن انتهي إليها هي انه لا يخلق شيء من اللاشيء... ولا تولد فكرة من العدم أبدا.


(1) اعتبرنا كلمة الإلهام مرادفة لكامة الوحي.
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here