islamaumaroc

الثقافة في خدمة المجتمع

  دعوة الحق

74 العدد

لقد أصبح شعار هذا العصر هو: «الثقافة في خدمة المجتمع»، وهو شعار ما كان ولن يكون للثقافة في المغرب أن تحيد عنه.
مجتمعنا في حاجة إلى خدمات، وإلى خدمات متواصلة، لأنه مجتمع يقف على باب تحول عميق –أو على الأصح- يجب أن يقف على مثل هذا التحول.
مجتمعنا مجتمع فلاحي وأكثريته من الفلاحين، هذا أمر مفهوم ومعروف، وفي وسع الثقافة أن تكون مرآة لهذا المجتمع، بل أن من واجبها أن تكون مرآة له، وذلك بواسطة تشخيص هذا المجتمع تشخيصا حقيقيا وكما هو بدون تزييف ولا تزوير
وكلما تطور المجتمع إلا وتطورت الثقافة معه في التفكير والشكل والأسلوب والمواد.
فإذا كانت الثقافة في بلاد أخرى قد وصلت اليوم إلى معرفة تحليل الفضاء وتبيين مظاهر التنافس فيه، فان ثقافتنا ما تزال في حاجة إلى أن تظل ملتصقة بالأرض لتنتزع منها تفكيرها وشكلها ومادتها، وتلقي أضواء كاشفة على هذه المواطن الذي يقف عليها، ولن تتطور إلى ثقافة في مستوى الثقافات المتقدمة إلا إذا أصبح مجتمعنا هو أيضا في مستوى المجتمعات المتقدمة.
إن الثقافة المرتجلة والمفتعلة والمصطنعة والمقلدة لا تستطيع أن تقوم بدورها في خدمة المجتمع الذي تنتج فيه وتقدم أليه. وهو على حق في أن يعرض عنها كل الأعراض، ويصد عنها كل الصدود لأنها لا تتجاوب مع نفسيته.
ففي مجتمعنا بيئة خصبة للقصة المغربية، والقصة عنصر فعال في خدمة المجتمعات التي هي على أبواب تحول اجتماعي، ذلك لان القصة تستطيع أن تبرز مكامن الداء، وأنا لا اعني هنا بالطبع الحكايات التي يسمونها قصصا أو اللقطات -كما يقولون- ولكنني اعني القصة التي تتوفر على عناصر القصة باجمعها لتكون قصة ولتكون في الوقت نفسه عرضا لحالة أو عدة حالات.
ومجتمعنا ميدان أخصب لإجراء دراسات اجتماعية واقتصادية فسيحة الأرجاء طويلة النفس، علمية الأسلوب -يقدر الإمكان، وقد نكون حاملين لشيء غير قليل من اللوم والتوبيخ- أن لم اقل لشيء غير قليل من العار، وذلك حينما نجد أنفسنا ما نزال نعتمد في دراستنا لمجتمعنا على إحصائيات قديمة وضعها الأجانب الذين كانوا يعنون بأمر هذا المجتمع بقصد تجميده والإبقاء عليه كمجتمع بدائي، ثم انه من شيم هذا العصر العمق في دراسة المشاكل، فلقد انتهى عصر السطحيات والزهور التي تشم ولا تفرك ليحل محله عصر التعمق والتاني في دراسة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية.
ولكي تسير ثقافتنا في هذا النهج وعلى أصول هذا المنهج فلا بد من أن نعيش الأحداث ونتتبعها فيما تدور به المطابع من دراسات وأبحاث وخصوصا منها ما يتعلق بوضعيات الشعوب النامية وان المطابع لتتحرك بنشاط متواصل فيما يتعلق بهذا الميدان وذلك لكي نستعين ولكي نكون مالكين للمعدات التي تتطلبها دراسة مشاكلنا دراسة عميقة ومستفيضة ومفيدة بعد ذلك.
والعصر الحديث يتميز بخاصية أملتها التطورات المتواصلة التي مرت بها الأمم والشعوب وهذه الخاصية هي أن السلطة الاقتصادية هي السلطة الحقيقية في عالم اليوم، وان كل من يتوفر عليها هو الذي يستطيع توجيه الأحداث أو يساهم في توجيهها على اقل تقدير
فالشعوب النامية مثل المغرب لم تعد مغلوبة على أمرها سياسيا كما كان الحال من ذي قبل، ولكنها مغلوبة على أمرها اقتصاديا، ولهذا يكون لزاما علينا نحن الدول النامية أن نبحث عن سلاح العصر الذي هو السلاح الاقتصادي، وهذا السلاح يتجلى أكثر ما يتجلى في مستوى الدخل القومي وبالمقارنة بين ما ينتج ويستورد، فالشعوب المنتجة هي التي تملك السلاح، بينما الشعوب المستوردة هي التي تقتل به في بعض الأحيان.
هذه حقيقة اليوم، وهذه حقيقة الساعة، وعلينا نحن المثقفين، وعلينا نحن الذين نملك شيئا من وسائل التبليغ أن نفهم هذا الأمر للفلاح وللعامل وللطالب في بعض الأحيان وعلينا أن يتجلى ذلك فيما نكتبه، حتى يستطيع ما كتبه أن يكون متجاوبا مع نفسية المواطن المغربي الذي ما زال اعزل من هذا السلاح العصري.
ويمكن أبراز هذه الحقائق وما يتصل بها في المقالات التحليلية المركزة وفي القصة التي تتوفر على الوسيلة والغاية وفي القصيدة التي لا تصور للفلاح الدنيا وهي عبارة عن جنات تجري من تحتها  الأنهار بينما هو يعيش في جحيم وسقر.
إن ثقافتنا يجب إن تكون معبرة عن مشاعر الجماهير ويجب إلا ننسخ مشاعر الآخرين لنقدمها إلى مواطنينا كما انه يجب علينا أن نقتبس من المناهج والأفكار غير أن هنالك فرقا فيما بين الاقتباس والمسخ الحرفي.
ولهذا يمكن أن تكون ثقافتنا في خدمة مجتمعنا حتى تكون مسايرة لشعار العصر الذي نعيشه.
والواقع أننا ما نزال متأرجحين في اتجاهنا الثقافي كما نحن متأرجحون في أمور أخرى، والواقع أن وسائل التثقيف ما تزال ضعيفة في بلدنا، بل وما تزال هزيلة، والواقع مرة أخرى أن وسائل النشر الغير التجاري التي تكون مجندة لخدمة المجتمع لا يعني بأمرها في بلدنا وياللاسف.
فنحن نعاني أزمة متعددة الجوانب في وضعنا الثقافي، بعضها يتصل بفقدان الشخصية المغربية فيما ينتج وينشر، وبعضها يتصل بقلة القراءة، بينما البعض الأخر منها يتصل بهذا السوق الكاسد الذي يحز منظره في النفوس.
ولهذا فإننا ما نزال في حاجة إلى المزيد من عناصر الثقافة، وما نزال في حاجة إلى نضال من نوع آخر، يفرض سلطة الثقافة فرضا، على أننا لا ننكر الجهود المتواضعة التي تبذل وتذكر فتشكر إلا أن هذه الجهود يجب أن تكيف بالكيف الذي من شانه أن يجعل الصلة وثيقة فيما بين الكاتب والجمهور، ولا يتأتي ذلك إلا إذا كان ما يكتب متجاوبا مع نفسية هذا الجمهور.
أن اسم نجيب محفوظ قد لمع من خلال عشرات الأسماء في الجمهورية العربية المتحدة، ولسبب واحد وهو أن نجيب يكتب للجمهور ويستمد مادة كتاباته من واقع الجماهير وحياتها، وان الغذاء الفكري شانه شان الغذاء الجسمي، فهنالك غذاء الجماهير وهنالك غذاء المترفين، ثقافتنا وبيئتنا ما تزال بعيدة على أن تعنى بأمر المترفين.
واعتقد أن هذا المحصول الفكري المتواضع الذي «تجود به بعض القرائح» الفينة بعد الأخرى يستطيع أن يحدد اتجاهنا الثقافي لنستطيع بعد ذلك أن نجعل ثقافتنا في خدمة المجتمع ومساهمة في تحويله، وذلك بتوعيته وفتح أعينه على ما يجري حوله من أحداث في مجتمعات أخرى.
   

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here