islamaumaroc

نجيب محفوظ أو الكاتب العربي الذي يكتب عن مجتمعه-2-

  دعوة الحق

74 العدد

القصة والعقدة
الاحتفاظ ببعض الملامح الطريفة للقصة العربية كما تراءت لنا صورتها الأولى في ألف ليلة وليلة؛ النظرة المستوعبة والواعية إلى الواقع الاجتماعي في مشاهده المختلفة وتطوراته الضرورية؛ هاتان هما السمتان اللتان انطبعت بهما رواية نجيب محفوظ، كما رأينا في المقال السابق، فتولد من تمازجهما نوع من القصص يضم إلى الأصالة العربية فنا جديدا، جديرا بأن يكون له مكان ملحوظ وسط النماذج العديدة للقصة المعاصرة في الآدب العالمية.
ونحن عندما نبرز هاتين السمتين، بصورة خاصة، لا نكون في الحقيقة إلا قدمنا بعض الانطباعات الأولى عما بقي في نفسنا من قراءة نجيب محفوظ، أو هي عناوين كبرى تحتاج إلى فصول وتحليلات واسعة، لأن فن الروائي العربي بتنوعه وخصبه ومفاجآته لا يترك لنا المجال لنحيط به في كلمات محدودة، بل إنه ككل إنتاج قيم يتطلب دراسة عميقة، تتناول الموضوع من جوانب متعددة. والناقد، مهما اجتهد، يشعر دائما أمام الأثر الأدبي النفيس بأنه لم يقل كل شيء وأن هناك لمحات لم يهتد إليها ولربما كانت من نصيب ناقد آخر.
ومن الأحسن، إذا أردنا أن نعرف فن نجيب محفوظ عن كثب، ونقف على مزياه، أن نعيش معه التجربة الروائية في إحدى قصصه الكبرى، وأفضل ما نختار له في هذا الصدد ثلاثيته وهي رواية متكونة من ثلاثة أجزاء مستقلة ذات عناوين مختلفة: «بين القصرين» و«قصر الشوق» و«السكرية».
واختيارنا لهذه الرواية دون غيرها يبرره اتساعها وتعدد فصولها، بحيث أن حجمها يعطي للكاتب فرصة لإظهار كامل براعته في التأليف والتنسيق وإطلاعنا على مسالكه وأساليبه الفنية، هذا بالإضافة إلى ما أثارته من تعاليق مختلفة عند نقاد الأدب لكون الكاتب جمع فيها فأوعى، وهكذا ستكون دراستنا للثلاثية كافية لتجلو لنا ما ينطوي عليه إنتاج نجيب محفوظ من مزايا وعيوب في آن واحد.

تحليل «الثلاثية»
ومن الصعب إن لم نقل من المستحيل تقديم تحليل عن الرواية لأنها ليست ذات عقدة واحدة، بل هي مجموعة من القصص المتداخلة المتشاركة، ترمي إلى تصوير حياة عائلة متوسطة الحال بالقاهرة، ولكل بطل من أبطالها مغامراته الخاصة به التي لا ينقطع سيرها إلا عندما يكون اللقاء العائلي في البيت حيث تفرض التقاليد على الجميع قواعدها الصارمة. والرواية بعد هذا تصوير لعقلية ثلاثة أجيال متعاقبة: جيل الآباء الذين عاشوا في ظل النفوذ الاستعماري، معتدين بماضيهم واثقين من نفوسهم، لا يشعرون بأي مركب إزاء الأجنبي، راكنين إلى أسلافهم وعقيدتهم، وإن عصوا واستهتروا، وجيل الأبناء الذين تعلموا في المدارس الجديدة واتصلوا بثقافة الغرب ومذاهبه الفلسفية والاجتماعية، فخرجوا شاكين حيارى لا يستطيعون أن يجدوا لأنفسهم نقطة ارتكاز أخرى يتخذون منها دعامة معنوية وروحية، فهم في ملتقى عالمين متنافرين، يبحثون ويفكرون ويعيشون في أثناء ذلك ولا يبقى بين يديهم من صحيح إلا هاته الملذات العابرة التي تهبها الحياة، وجيل ثالث نشأ في ظل الحياة العصرية وبين أصداء الوعي الجديد والفكر الحائر، فكان عليه أن يتجاوز المتناقضات وأن يختار وأن يؤمن بما يختاره، فهو إذن جيل الاختيار والاقتناعات والمواقف الصريحة التي ينغمر فيها الشخص انغمارا لا رجوع فيه ويتحدى مصيره، فهو جيل يضم الأخ المسلم الذي لا يرى في غير الإسلام حلا لمشاكل المجتمع والعالم، والشيوعي الذي يقاوم مخلفات الماضي ويسعى لإنشاء مجتمع جديد، والانتهازي الذي لا يؤمن إلا بنفسه وبما تتوصل إليه يداه.
فالجيل الأول يمثله التاجر السيد أحمد عبد الجواد الذي يرأس أسرة محترمة، تعيش في ظل التقاليد الإسلامية. فالأبناء والبنات على السواء يؤدون فرائضهم الدينية، والأم أمينة لا تفتر عن ذكر الله، وكل همها أن تسعد أولادها، في صمت وليونة ورفق. ويخيم على البيت سمت من الوقار والحياء، لأن الوالد أحمد عبد الجواد ذو هيبة وشخصية، مطاع الأوامر، مسموع الكلمة، لا يبتسم ولا ينطلق إلا نادرا.
ولكنه حينما يذهب إلى متجره ينقلب إلى رجل ظريف وكريم يستقبل الزبناء ببشاشة وينشر حوله العطف والإعجاب، فإذا انتهى من عمله في المتجر، انصرف إلى أصدقائه الذين ينظم معهم مجلس أنس وخلاعة، فما شئت من شراب ومغنيات وضحك ونكت، وعند السحر يعود إلى بيته مخمورا حيث تستقبله أمينة الزوجة الصالحة المستسلمة التي لا تنبس ببنت شفة ولا تخاطبه إلا بسيدي، هكذا كان ديدنه كل يوم. وقد حدثت له مغامرات غرامية أثناء حياته اللاهية.
وأما الجيل الثاني فيملثه أولاده ياسين وفهمي وكمال وخديجة وعائشة، ولم يكن ياسين على حظ كبير من الثقافة، ولكنه كان ذا مزاج مرح ونفس تواقه إلى الهوى والمنادمة، وقد أدت به شهواته الغرامية إلى أن تزوج ثلاث مرات كانت آخرها مع زينب العوادة التي عرفها في ظروف مريبة، وبخلاف ذلك فهمي الذي أقبل على الدراسة حتى أوشك أن ينتهي منها، وصادف أن دخلت الحركة الوطنية المصرية في طور حاسم بعد الحرب العظمى الأولى، وبرز سعد زغلول كزعيم للأمة المصرية وكناطق بمطالبها، وكان فهمي من الشبان المتحمسين الذين يشاركون في التنظيمات والمظاهرات وانتهى به الأمر إلى أن سقط صريع الرصاص الإنجليزي.
بهذه الحادثة المؤلمة يختم الجزء الأول من الثلاثية وبها كذلك تدخل حياة الأسرة في مرحلة جديدة، فقد تركت جرحا أليما في نفس الأب الذي هجر حياة اللهو لمدة طويلة، والذي كبر أبناؤه الصغار في هذه الأثناء، فهذه عائشة وخديجة تتزوجان، وهذا كمال يصير شابا مثقفا يخالط أقرانه من كبار العائلات الأرستوقراطية، ويختلف إلى بيت آل شداد بك للاجتماع بصديقه حسين شداد، وهنالك عرف أخته عايدة التي ربيت تربية أروبية وصارت فتاة أحلام لشاب غرير مثله، وأغرم بها وانتعش في نفسه الأمل بالتزوج منها، سيما وقد كانت في حديثها تظهر له نوعا من العطف والتقدير، لكنه فوجئ في الأخير لما علم أنها مخطوبة لأحد الشبان الأرستقراطيين المعينين في السلك الدبلوماسي.
وكانت خيبة مريرة بالنسبة إليه، جعلته يثور ويكفر بعد أن كان مؤمنا، ومنذ ذلك الحين وهو منطو على جرحه وألمه، لا يجد عزاء إلا في كأس وفي مطالعة كتب الفلسفة وتحرير المقالات في بعض المجلات، دون أن ينقذه هذا النشاط من الحيرة والبلبال.
وعاد السيد أحمد، وهو في طور الكهولة، إلى حياة اللهو والسمر وركب مغامرات غرامية جديدة، لكن صحته بدأت تفتر، وقلبه لم يعد يحتمل الكحول، وشعر بنذير الخطر لما سقط يوما صريع أزمة قلبية، حيث حمل إلى منزله في حالة إغماء، ومنع عليه الطبيب العودة إلى حياته القديمة. ولم تكن هذه إلا بداية للنكبات التي ستتوالى على هذه الأسرة؛ حيث سيختم الجزء الثاني بمرض وبائي يودي بحياة زوج عائشة وابنيها. 
وينفتح الجزء الثالث على عالم ينهار وآخر يحل مكانه؛ فهؤلاء الأشخاص الذين رأيناهم في الأول أقوياء واثقين من أنفسهم صاروا أشباحا ضعيفة تدعو إلى الرثاء، فالأب أصبح قعيد البيت وقد نال منه المرض، وعائشة الأرملة الثكلى عادت صديقة الحزن والذهول، وأصدقاء أحمد عبد الجواد شاخوا وصاروا يتأهبون للموت، وأسرة آل شداد بك يصيبها الإفلاس وتنزل إلى حضيض الفقر.
وفي أثناء ذلك يكبر الأحفاد ويطلبون نصيبهم من الحياة ويريدون أن يفرضوا وجودهم؛ فهذا رضوان ابن ياسين بعد أن ينهي دراسته تساعده الظروف على التعرف بأحد أقطاب الوفد، فتنفتح له أبواب الإدارة والسياسة ويساعد بعض أقاربه على الدخول إلى الوظيف، وهذا عبد المنعم تجتذبه دعوة الإخوان المسلمين فيصير من أنصارهم، وهذا أخوه أحمد يقتنع بالمبادئ الشيوعية فيصبح من المناضلين في سبيلها، وينتهي الأمر بالأخوين المناضلين إلى دخول السجين دفاعا عن مبادئهما.
كل هذا، وكمال الحائر لا يزداد إلا حيرة وترددا، فلا هو استطاع أن يخرج من فلسفته إلى فكرة يؤمن بها، ولا هو أمكنه أن يقدم على الزواج، بالرغم من تقدم سنه وإلحاح الجميع عليه، فهو في وسط أفراح العائلة وأحزانها يعيش بقلب طيب، ويعطف على الجميع ويرى الكل يتجدد شيء في حياته من حين لآخر بينما هو واقف في نقطته الأولى لا ينطلق ولا يتراجع، ويشاهد حوله سلسلة من الفواجع، فالأب يموت، والأم تموت، وعايدة التي ألهمته اصدق حب وأطهره تموت.

من العقدة إلى الترجمة
ذلك تحليل مقتضب ناقص عن ثلاثية نجيب محفوظ. فقد اكتفيت بأبرز الحوادث وأهمها. وإلا، فإن هنالك عالما من الأشخاص والمغامرات المتنوعة التي لا يمكن معرفتها إلا بالاطلاع على الرواية، هنالك جو اجتماعي قوي طريف لا يسمح مثل هذا التحليل بإعطاء أي صورة عنه.
وكما ذكرنا فالرواية ليست ذات عقدة واحدة، بل يمكن القول إنها غير ذات عقدة بالمرة. ولعل نجيب محفوظ أراد أن يقلد الواقع حتى في هاته الناحية، لأن الواقع المعتاد لا يقدم لنا عقدا من النوع الذي نجده في الرواية التقليدية. والحقيقة أن العقدة وسيلة فنية تساعد الروائي على ترتيب الحوادث وتوجيهها وعلى حصر اهتمام القارئ في تتبعها وانتظار حلها بتشوق، فهي وسيلة لخلق جانب من الإغراء في القصة ولرفع درجة التوتر تدريجيا بين الأهواء الجامحة والخلافات الناشئة، بحيث تكتسي الأحداث نوعا من الرهبة والروعة. والروائيون من تمثيليين وقصصيين قد استغلوا العقدة، كل على قدر عبقريته، وخرجوا منها بروائع فنية خالدة، ولكن الشيء الذي يجب أن لا يغيب عن البال هو أن العقيدة مجرد أداة تقنية في الرواية، ولا تستطيع وحدها أن تكسبها قيمتها الأدبية، بل إنها ليست ضرورية، إذا استطاع الكاتب أن يجد وسائل أخرى لبعث الجاذبية والإغراء في قصته. وأحسن الروايات إتقانا من ناحية العقدة هي الروايات البوليسية، ولكن من يستطيع الادعاء بأنها تحل في صف ممتاز في عالم الأدب؟ نعم، هنالك روايات بوليسية أمكنها أن تقع في عين الرضا لدى الأدباء والنقاد، ولكن ذلك لم يأتها من العقدة وحدها، بل من مزاياها الفنية والإنسانية.
وبوسعنا أن نناقش نجيب محفوظ في خلو ثلاثيته من عقدة صحيحة، ولربما وجد من بين النقاد من يدخل هذه الظاهرة في حساب أخطائه الفنية، ولكن في مستطاعه أن يدافع عن الطريقة التي انتهجها ويقدم لنا حججا وجيهة تبرر اختياره. وفي رأيي أن المقياس الصحيح الذي يخول لنا أن نفصل بين الموقفين هو أن نبحث في صلب الرواية عن المواطن التي يظهر فيها ضعف بسبب انعدام العقدة.
ولو أردنا أن نطبق هاته الطريقة بما يجب من التعمق والاستقصاء متتبعين الرواية فصلا فصلا، لكان في ذلك تطويل لا يناسب المقام، ويكفي أن نقول إن الأجزاء الثلاثة ليست كلها في مستوى واحد من حيث الحبك القصصي والتركيز في تسلسل الأحداث. واعتقد أن الجزء الأول والثاني يتفوقان كثيرا عن الجزء الثالث «السكرية» من هاته الناحية.
ولعل السبب في ذلك يرجع إلى كونه جزءا ختاميا، والخاتمة هي أصعب شيء في الرواية، ففي الجزئين الأولين نشاهد ميلاد القصة وتطورها ونتعرف إلى أبطالها، وكان الكاتب يتمتع بحرية كبيرة في خلق أشخاصه وتكييفهم، لكنه لما انتهى من هاته العملية التي استغرقت «بين القصرين» و«قصر الشوق» وجد نفسه سجينا لهذا العالم الذي أخرجه من العدم، مقيدا بالوجود الذي منحه لأبطاله، مضطرا إلى مراعاة شخصياتهم وطبائعهم وظروفهم، متسائلا باستمرار ماذا سيكون مصير هذا الشخص ومآل هذا الأخر، وهذا المصير لا يقرر، بالطبع، إلا في الجزء الأخير، ولذلك فنحن نشعر، عند مطالعتنا له، بشيء من التقطع في سياق الحوادث وبشيء من التراكم في سرد نهاية الأبطال.، كما أن الصراع الفكري والمذهبي الذي يتخلل فصول هذا الجزء يدخل شيئا من الفتور على حركة القصة وحيويتها، فهي وقفات مفيدة من الوجهة الفكرية، ولكنها تقطع خيط الرواية وتنال بعض الشيء من انسجامها.
وليس معنى هذا أنه كان يجب التخلي بالمرة عن تصوير الصراع المذهبي الذي عرف به الجيل الثالث، بل إنه من أهم عناصر الرواية، ولكن الملاحظة تتجه إلى طريقة الأداء الفني. لقد عالج دوستويفسكي موضوعا من هذا القبيل في روايته الشهيرة «الموسوسون»Les possédés ، فاستطاع أن يعرفنا بهؤلاء الأشخاص المشغوفين بأفكارهم الثورية دون أن يلجا إلى أسلوب العرض المدرسي.
ولكن نجيب محفوظ، بالرغم من هاته الملاحظة استطاع في الجزئين الأولين، بصورة خاصة، أن يخلق جانبا من الإغراء والجاذبية، يشعر بهما القارئ وهو يتتبع فصولهما الممتعة، ولا يضيرهما انعدام العقدة في شيء، فقد اتخذ طريقة تراجم الرجال المعروفة عندنا، ونحن عندما نقرأ ترجمة أي شخص لا ننتظر دائما العثور على عقدة؛ وبالرغم من ذلك، فقد لا تخلو التراجم من المتعة القصصية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here