islamaumaroc

فصل المقال في شرح كتاب الأمثال، تأليف أبي عبيد البكري

  دعوة الحق

74 العدد

كانت الأمثال وما تزال في اللغة العربية دليل التجربة اللغوية والفكرية التي مرت بالعرب منذ عهودهم الأولى في بيئتهم الطبيعية في صحراء جزيرة العرب على أن فتحت لهم أبواب العالم شرقا وغربا فحملوا لغتهم وءادابهم وتجارتهم اللغوية والفكرية إلى كل بقعة وطئتها أقدامهم..
والأمثال قبل ذا وذاك سجل لغوي يؤرخ اللفظ العربي كيف بدا. وكيف درج على الألسنة وكيف أدى مدلوله الحقيقي. وكيف تطور في استعمال إلى أن احتضنته المعاجم اللغوية فاخذ مكانه من موادها..
فكثيرا ما نجد ألفاظا عربية عصفت بها أيدي الزمان وسلبتها الذيوع والانتشار ولكن المثل العربي ظل محتفظا بها راعيا لها من الفناء والموت وكأنه المحافظ الأمين الذي لا يتنكر للغته مهما كانت الحال..
ولهذا المكانة التي احتفظت بها الأمثال في لغة الضاد كان اللغويون والأدباء والرواة لا ينفكون يجمعون الأمثال العربية ويدنوها تدوينا يحفظها من الإهمال والنسيان لتكون مراءاة للشاعر والكاتب والمؤرخ واللغوي في كل الأحوال..
وقد نبغ في هذا الباب عدة نبغاء كان همهم  الوحيد أن يجمعوا اكبر عدد ممكن مما نطقت به العرب في جاهليتها وإسلامها من أمثال..
وفي مقدمة هؤلاء أبو عبيد القاسم بن سلام الخراساني الذي عاش في بغداد وكان إعلام اللغة والأدب والنحو روى عن أصحاب أبي حنيفة كما روى عن الإمام مالك.. وتوفى 223ه بمكة المكرمة..
وقد ألف أبو عبيد كتابه «الأمثال السائرة» فأخذه عند الناس في حياته ورواه الرواة عنه بعد وفاته وكان عمدة لمن يدرس الأمثال اللغوية في المشرق والمغرب.
ودخل هذا الكتاب إلى الأندلس أواخر القرن الثالث الهجري فاقبل عليه أدباء الأندلس يحفظونه ويشرحونه ويضيفون إليه ما جد من الأمثال..
وقد نال هذا الكتاب من الأندلسيين عناية خاصة في الدراسات الأدبية واللغوية طيلة أجيال..
وفي القرن الخامس الهجري نجد المؤرخ الجغرافي اللغوي أبا عبيد البكري يهتم بهذا الكتاب اهتماما غريبا ويوليه عناية خاصة..
والبكري لغوي شهير نعرف له عدة مؤلفات ما زالت إلى الآن مصدرا لنا في البحث اللغوي والجغرافي وقد كانت له اليد الطولي في شرح الإعلام الجغرافية وضبطها ضبطا لغويا غريبا نادر المئال..
وقد أعان البكري على ذلك مكانته الاجتماعية والسياسية لأنه كان من عائلة تولت الإمارة طيلة أربعين سنة.. وكان لها من الكتب والمراجع الشيء الكثير.
شرح البكري كتاب «الأمثال السائرة» شرحا له مكانته اللغوية والأدبية وظل هذا الشرح في زوايا الإهمال إلى أن أتيحت له فرصة الظهور والطبع على يد جامعة الخرطوم في جمهورية السودان.
واليوم نقدم هذا الشرح الذي وصلنا أخيرا ونعطي بعض المعلومات عما حواه من فوائد ومعلومات يجد بالباحثين والأدباء أن يستفيدوا منها وان يطلعوا على تفاصيلها في كتاب نفسه.
وأول ما نلاحظه أن الشرح ليس مرتبا على طريقة الحروف الأبجدية كما في كتب المعاجم والمجامع ولكنه مرتب على الأبواب والمعاني..
وقد كانت هذه الأبواب عشرين..
فيقول: باب: حفظ اللسان - باب: معايب المنطق - باب: البخل - باب: الجبن - باب: مكارم الأخلاق - باب: المعاش والمال.
ويأتي في كل باب بالأمثال النثرية والشعرية والأحاديث النبوية في الموضوع ثم يشرحها شرحا لغويا وأدبيا عظيم الأهمية دقيق الملاحظة.. واسع المادة..
وهذه الطريقة مفيدة في نظرنا لمن يريد أن يأتي بالمثل اللغوي لمعنى من المعاني التي يريد بسطها بأسلوب يعتمد على ضرب المثل في مكانه المناسب حتى إذا نظر في كتاب البكري وجده قد هيا له من الأمثال الشعرية والنثرية ما يشفي غليلة من أمثال قوله في حفظ اللسان.. 
 خل جنبيك لرامو                  امض عنه بسلام
مت بداء الصمت                   خيرلك من داء الكلام
إنما السالم من الجـ                  ــم فاه بلجام
ويناقش البكري مؤلف كتاب الأمثال السائرة مناقشة لا تخلو من قساوة وتحامل أحيانا فهو يريد منه أن يكون واسع الاطلاع على نسبة الأبيات إلى أصحابها الجاهليين والإسلاميين كمال يريد منه أن يدقق في رواية المثل من غير تبديل ولا تصرف بزيادة ولا نقص لان الأمثال لا تغير..!
وكان البكري يريد بذلك أن يظهر لنا ثقافته الواسعة ومادته الخصبة من اللغة والأدب في شيء من الزهو والاعتداد بالنفس..! وهذا شيء نعرفه عند البكري في ءاثاره الأخرى التي اطلعنا عليه. فنجده في كتابه سمط الآلي الذي شرح به كتاب الامالي بناقش أبا لي القالي مناقشة حادة ويتجنى عليه ويستجهله في بعض الأحيان..!
ومع ذلك فان بحث البكري ممتاز عظيم الفائدة العلمية والأدبية لمن يريد الدراسة والاطلاع.. أما عن إخراج هذا الكتاب من عالم الإهمال على عالم الحياة فهذا عمل مشكور لجامعة السودان التي عهدت بذلك إلى أستاذين من خيرة أساتذتها فأخرجاه في حملة أنيقة شاهدة بمجردهما الكبير..
وان كانت هناك مؤاخذات على الإخراج من ناحية الأخطاء المطبعية الكثيرة فان ذلك لا يضير في شيء هذا الأثر الجليل وهذا العمل المفيد..

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here