islamaumaroc

شعر الخوارج، تأليف د.إحسان عباس

  دعوة الحق

74 العدد

إذا ذكر الخوارج في تاريخ الإسلام ذكر معهم تاريخ طويل من الثورات والأزمات والدماء والضحايا والفتن التي أثارت كثيرا من مشاكل والأحقاد في تاريخ الدولة الأموية بالشرق.
وتاريخ المذهب الخارجي تاريخ غريب كل الغرابة يثير في نفوسنا كثيرا من الأسئلة والاستفهامات.. فهذا المذهب كان وليد مصادفة تضافرت على خلقها عوامل من سوء الفهم وسوء التدبير والارتجال والطموح الكاذب. والعصبية الضيقة والفهم الخاطئ للدين من جهة وللسياسة من جهة أخرى...
ولم يكون ذلك خاصا بالمذهب نفسه ولكنه كان أيضا في جانب خصومه الذين استغلوا في عصر بني أمية نقطة الضعف في الدولة فراحوا يتتبعون الخوارج بالقنل والمطاردة والتنكيل من غير استعمال للمنطق الديني ولا للمنطق السياسي في حل مشكلتهم حلا مستمدا من الحكمة والتبصر وسعة الصدر والإقناع والحجة..
وكان لذلك أعظم الأخطار وأقبح النتائج حيث دفع العناد والتعصب بالخوارج وخصومهم إلى الإمعان في الانفصال والكيد والمتابعة والتحطيم والتمرد.. ووقعت عدة مآس مشهورة في التاريخ.. كما وقعت عدة حوادث سياسية دفعت بالخوارج إلى الهجرة في أنحاء العالم الإسلامي فاعتصموا بشمال افريقية وأطراف جزيرة العرب وكونوا إمارات منفصلة عن الأمويين ومجتمعا منفصلا له أدبه وعقيدته وسلوكه وتشريعه أيضا..!
ونحن هنا لا يعيننا أن نتتبع تاريخ الخوارج بالتفصيل ولكن يهمنا أدب الخوارج وشعرهم بصفة خاصة.. إذ هذا هو موضوع الكتاب الذي نقدمه في هذا العرض
منذ كتب الإمام محمد بن يزيد المبرد في كتابه (الكامل) عن الخوارج وفرقهم وشعرائهم وخطبائهم. وروى الكثير منها.. لم يظفر أدب الخوارج -فيما نعلم- بعناية من المؤرخين والباحثين في تاريخ الأدب.. وذلك لأسباب معروفة أهمها أن الحديث عن الخوارج وأدبهم كان بعد إذ ذاك حديثا عن المنحرفين والضالين ويثير كثيرا من الظنون والشبه حول من يحاول ذلك باعتباره خرج عن المألوف من تجاهل مثل هذه الفرق وعدم الاهتمام بتاريخها فأحرى بأدبها شعرها ونثرها..
لكن العصر الحديث فتح أمام الدارسين آفاقا جديدة، فقد كتب الأستاذ احمد الشايب دراسة عن أدب الخوارج في كتابه تاريخ الشعر السياسي.. كما أم الدكتورة «سهير القلماوي» أعدت رسالتها الجامعية عن أدب الخوارج.. ويأتي اليوم الأستاذ إحسان عباس الباحث الفلسطيني الشهير ليجمع لنا في هذا الكتاب شعر الخوارج المتفرق في عدة كتب مخطوطة ومطبوعة.. وبذلك ظفر أدب الخوارج بعناية الدارسين المعاصرين..
وكتاب الأستاذ إحسان عباس كتاب عانى مؤلفه في جمعه مشاق يعرفها أولئك الذين يعملون في عالم المخطوطات المبعثرة ليجمعوا منها بغيتهم المنشودة..
فهو لا يقتصر على المعروف والمتداول. ولكنه يتعدى ذلك إلى الغريب والنادر والمهجور والمنسي في زوايا الخمول والإهمال..
وذاك الباحثين الجامعيين الذين يأبون إلا أن يحيطوا بالموضوع الإحاطة الممكنة في دائرة المصادر والمرجع التي بين أيديهم..
والمقدمة التي استهل بها المؤلف كتابه أعطانا فيها نظرات عميقة عن أدب الخوارج وأحسن ما في هذه المقدمة بل وأطرف ما فيها هو إن المؤلف حاول أن يجعل أدب الخوارج أدب الالتزام ومن شعرائهم شعراء الالتزام في الأدب العربي لان الموضوع الأساسي عند شعراء في كل شيء.. فكان شعرهم لا يخرج عن عقيدتهم التي عاشوا وماتوا من اجلها..
وهذه النظرية من الأستاذ المؤلف طريفة تحتاج إلى مزيد من الدراسة لتظهر فكرة الالتزام القديمة إزاء فكرة الالتزام الجديدة التي بزغت في الأدب الفرنسي أيام الاحتلال النازي.. والمقاومة الفرنسية للاحتلال الأجنبي..
كما أن نظرية المؤلف حول الشعراء الخوارج واتجاههم الفكري والعقائدي كانت طريفة جدا حيث صور لنا شخصيات شعراء الخوارج تصويرا بديعا فعرفنا: عمران بن حطان. وقطري بن الفجاءة  والطرماح بن حكيم. وأبا حمزة وغيرهم من التلوين الشخصي والمميزات النفسية والاجتماعية لكل واحد مكنهم...
وبعد المقدمة التي شغلت من الكتاب ست عشرة صحيفة انتقل المؤلف القصائد والمقطعات الشعرية التي جمعها.
فرتبها حسب الشعراء فكل شاعر روى له ما استطاع جمعه من الأبيات المبعثرة والقصائد والمقطعات التي ظفر بها من هنا وهناك...
وهنا نطلع بواسطة مجهود المؤلف على عدة أسماء لم نسمع بها من قبل بل لم نرها فيما بين أيدينا من مصادر الأدب العربي لكتاب الأغاني والمالي والكامل. وعيون الأخبار.. وما ذلك إلا لان المؤلف الباحث غاص في بحر المخطوطات فأتانا بالغريب النادر والمهجور المنسي...
وإذا علمنا أن الرواة لم يحدثونا عن دواوين مجموعة لشعراء الخوارج باستثناء واحد أو اثنين منهم علمنا مقدار الأهمية للمجموعة الشعرية التي بين أيدينا..
وبعد هذه المجموعة الشعرية بابي المؤلف إلا أن يزيدنا من حسناته وهي كثيرة في هذا الكتاب... فعقد فصلا طويلا عرف به بالشعراء المذكورين في المجموعة الشعرية وذكر مصادر هذا التعريف ليرجع الباحث إلى المصادر والمراجع أن كان في حاجة إلى ذلك.
ولعل بعض الناس يثير هذا السؤال:
ما قيمة شعر الخوارج..؟ وأي فائدة في جمعه..؟
والجواب أن شعر الخوارج له أهميته لمن يريد الدراسة الأدبية المتعمقة ليحيط علما بالتيارات التي عاشها الأدب العربي طوال قرون قبل أن يصل إلينا. ولن نعرف هذه التيارات إلا إذا كنا نبحث عنها بحثا جامعيا لا بحثا سطحيا يكتفي بما يقال ويكتب وينشر في الملخصات والمنتخبات التي تعطى عادة للتلاميذ في طور من أطوار دراستهم..
وبعد.. فهذا شعر الخوارج بين أيدينا قد جمع جمعا ورتب ترتيبا فلم يبق إلا أن ندرسه بإمعان لتستخرج النتائج التي قصد إليها المؤلف من وراء مجهوده المشكور.. وإلا نعتمد على النظرات السطحية التي ألفناها ممن لا يكلفون أنفسهم عناء البحث والاطلاع في كنوز الأدب العربي الغنية بالمادة الأدبية المختارة..

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here