islamaumaroc

أهمية الدراسات الأدبية.-2-

  دعوة الحق

74 العدد

 نحن لا ننكر أهمية الدراسات الأدبية والدور العظيم الذي يلعبه تاريخ الأدب عند الأمم خصوصا بعد الأحقاب العديدة التي قطعها الشعوب في مدارج التقدم ومسالك الرقي. فقد أصبحت الدراسات الأدبية عنوانا لمجد امة من الأمم يقف فيها الباحث والراغب في الاطلاع على أعلام هذه الأمة وحياتهم الأدبية وإنتاجهم كما يقف فيها على أسباب تقدم هذه الأمة وتطورها ويتطلع على مراحل تكوينها وازدهارها وما أصابها في حياتها من انطلاق وجمود وبعث وخمول وتفتح وتوقف. والدراسات الأدبية خير معيار تقاس به مساهمة امة من أمم في مضمار الحضارة البشرية والتقدم الإنساني، ومن هذه الزاوية أخذت الدراسات الأدبية مكانتها وقيمتها كعبارة عن تحليل تاريخي للقيم الشعورية والتعبيرية التي عرفتها هذه الأمة في ماضيها البعيد والقريب وحاضرها الذي تعيشه ومستقبلها الذي سيكون استمرارا لحياتها الحضارية وازدهارها العلمي المتأصلة جذوره منذ القدم. فلولا هذه الدراسات الأدبية لما وقفنا على كثير من الآداب العالمية والمعارف الإنسانية. ولولا تاريخ الأدب لما أدركنا تطور الفكر البشري وتقدم الإنسانية جمعاء فقد استمدت معلوماتنا الشيء الكثير من هذه الدراسات فأخذت منها تاريخ الأمم ومراحل تطور الفكر فيها كما وقفت على تطورها الأدبي والحضاري وتعرضت على أعلام في العلوم وجهابذة في الشعر والنثر ومفكرين في الفلسفة والاجتماع وقادة في المذهب والنظريات وأبطال كان لهم دور كبير في تكوين جوانب مهمة من الحضارة الإنسانية والفكر البشري..
فكيف كان يمكننا أن نتعرف على الأدب الفرنسي بصفة عامة؟ وكيف كان يمكننا أن نحكم على انجلترا أو اليونان والهند واليابان وغيرها من الأقطار التي عرفت تاريخا أدبيا مزدهرا ؟ وكيف كان يمكننا أن نعرف الدور الذي لعبه أدبنا المغربي يوم بلغ هذا الأدب أوج الكمال والازدهار ؟ لقد توصلنا إلى ذلك بفضل الدراسات الأدبية المتينة التي وضعت عن هذه الأمم والتي أطلعتنا بصدق وأمانة على تاريخ حضارة هذه الشعوب بصفة عامة وتاريخ آدابها بصفة خاصة ولعل اكبر ما يشكو منه أدبنا المغربي قديمه وحديثه انه لا زال لم يجد من يهتم بدراسته دراسة كاملة وافية نجعله يتجلى إمامنا بكل وضوح وإشراق.
نعم لقد قام جلة من علمائنا وكبار أدبائنا ومؤرخينا بأعمال جليلة في هذا الميدان فقد وضع لنا العلامة الجليل الأستاذ عبد الله كنون دراسة صادقة عن تطور الفكر الإنساني في المغرب فكتب مؤلفه «النبوغ المغربي» و «مشاهير رجالات المغرب» وغيرهما من الدراسات والأبحاث كان آخرها أحاديث في الآداب المغربي كما اهتم البحاثة الكبير محمد الفاسي بأدبنا فأرخ لعدد وافر من علمائنا وأعلامنا وهو يعمل اليوم على تدريس هذه المادة الحيوية في كلية الآداب وقام الأستاذ محمد بن العباس القباج بوضع كتاب عن الأدب المغربي الحديث لا يمكن تجاهل قيمته؛ واشتهر الأستاذ محمد بن تاويت بدراساته المفيدة في هذا المضمار كما عرف العلامة الجليل مؤرخ تطوان الأستاذ محمد داود بالمجهودات التي يبذلها لوضع تاريخ عن جزء عزيز من وطننا هو مدينة تطوان وقد خصص لرجال العلم والأدب قسطا مهما من موسوعته الجليلة «تاريخ تطوان» وخلف لنا فقيد العلم والأدب المرحوم محمد المختار السوسي ذخيرة عظيمة عن إقليمنا الحبيب سوس تتبع فيها سائر رجالات سوس الذين شاركوا بعلومهم وأعمالهم في تطور الحركة الفكرية في بلادنا فاخرج لنا «سوس ألعلمه» و«المعسول» تلك الموسوعة الضخمة التي ضمت رجالا أفذاذا في العلم والفقه والتشريع والأدب ولا زال البحاثة المغربي الكبير الأستاذ عبد العزيز بنعبد الله بوالي جهوده المشكورة ليل نهار ليطلعنا على مظاهر الحضارة المغربية عبر تاريخ المغرب كما يبذل إخوانا الأستاذ الحسن السائح جهودا جليلة لتنوير أذهان المتطلعين حول نشاط المغرب الثقافي في الماضي يتتبع بكامل الدقة والعناية مجالي الثقافة المغربية ومراكزها وينابيعها. كل هذه الجهود تستحق التنويه والإجلال وتتطلب المزيد من الشكر والتشجيع حتى توتي أكلها بإذن الله. ومتى ما توفر المغرب على دراسات كبيرة في هذا الشأن فسيكتب لنفسه صفحة ذهبية تجعله جديرا بالمكانة المرموقة التي كان يحتلها في ماضيه المجيد نظرا للدور الذي لعبه في المضمار الحضاري ذلك الدور الذي ظل مغفورا منسيا إلى أن تداركته هذه الأيادي الكريمة وتولت أبرازه وإظهار للوجود وإخراجه من عالم الظلمات إلى عالم الحياة والنور.
فالدراسات الأدبية إذن مجال واسع للتعريف بحضارة الأمم ووسيلة طيبة لإظهار الثرات الحضاري المكنوز ومرصد يسمح بالوقوف على ما خلفه السابقون ويحي لنا عهودا درست ومجهودات عفى عليها الزمان ولكنها رغم هذه الأهمية التي تكنسيها والأدوار التي تلعبها لا تعفيها من الاتصال المباشر بروائع ما أنتجه الفكر البشري والاطلاع القريب على ما خلده الأجداد من آثار قيمة ومؤلفات جليلة.
فقد ينحصر دور هذه الدراسات في أنحاء فضول الاطلاع نفوسنا ودعوتنا إلى الرجوع إلى هذه المآثر الخالدة والروائع الجليلة. وقد لا تنجدي الدراسات الأدبية نفعا في القراء إذا لم يواصلوا عملهم بقراءة المؤلفات التي عرضتها عليهم هذه الدراسات الأدبية والآثار الخالدة التي قدمتها لهم وأطلعتهم عليها وأخبرتهم بها. وفي هذا النطاق بالذات تتجلى لنا عظمة مؤرخ الأدب الفرنسي «لانسون» ونفوذ الفكرة التي أشار إليها في مقدمة كتابه «تاريخ الأدب الفرنسي» حيث وصى القراء بعدم الاكتفاء بقراءة كتابه وأوضح لهم انه لا يريد من وزراء وضعه إلا تشجيع القراء على الرجوع إلى المؤلفات الأصيلة.
ونحن عندما نرجع إلى هذه المؤلفات الأصيلة نريد أن نكمل المعلومات التي أخذناها من الدراسات الأدبية لان هذه الدراسات مهما اتسعت وكلمت فهي لا تقدم لنا إلا ملخصا مختصرا عن الروائع الإنسانية ولا تستطيع أن تفعل أكثر من هذا. أما إذا تناولنا هذه المراجع بالدراسة وأمعنا فيها النظر فسنكون اعرف بها وأدرى بمحتوياتها كما سنحصل من الرجوع إليها على رصيد من المعلومات يجعلنا اقرب مسافة من هذه المؤلفات وأكثر تعمقا في مضمونها ومدلولها مما سبق أن حصلنا عليه بعد الإلمام بها في الدراسات الأدبية.
ثم أن الوقوف على المؤلفات الأصلية يمكننا من اصدر حكم ذاتي عليها حيث سيكون نحن بأنفسنا مصدر هذا الحكم غير متأثرين بنقد ناقد ولا برأي احد من الذين درسوا الكتاب قبلنا ولا بنظرية أجنبية عنا ويكون الحكم صادقا يعبر عن نظريتنا الخاصة عن هذا الكتاب أو ذاك ولا يكون في حكمنا اثر لتوجيه خارجي فكم تضر هذه التوجيهات بتكوين الفرد وكم تسئ إلى تقويم حكمه الخاص حيث يصبح هبدا لآراء الغير ناطقا بها ومدليا بها كحجج قاطعة وبراهين ساطعة على قراءاته ونظرياته! وكم من ضرر ينطوي عليه هذا التوجيه الذي لا يترك للقراء حرية التعبير عن آرائهم والإعلان عنها بكل نزاهة وتجرد.
نحن وان كنا لا نرى مانعا في تقبل التلاميذ والطلبة في حياتهم الدراسية الابتدائية والثانوية لنظريات الغير وتأثرهم بها في حكمهم فإننا لا نقبل هذا النوع من الحجر الفكري في مستوى الدراسات العليا التي تنبني قبل كل شيء على الاعتماد على النفس والثقة والاعتزاز بها. وماذا يستفيد الأدب والأدباء لذا تثاقلت الأحكام والآراء والنظريات في كتاب من الكتب الأدبية أو مؤلف من المؤلفات على ممر الأزمان والأجيال فسيبقى الأدب هو هو لا يتطور ولا يتقدم ولا يعرف انطلاقا وتجديدا مع مرور الأيام والسنين. فالدراسات الأدبية قد تصلح لتوجيه البحث ورجاله والتاريخ الأدبي قد يدفع بالإنسان إلى قراءة مؤلفات تستجيب لعدد من المثل العليا وتتفق وبعض الحاجيات الفنية والعاطفية والأدبية ولكن الإنسان في حاجة قبل كل شيء إلى نوع من النزاهة والتجرد والدراسة الشخصية والتمكن خصوصا إذا ما عثر على كتاب يشفي الغليل وإذا ما وجد في مؤلف من المؤلفات غذاءه الروحي وطعامه الفكري.

  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here