islamaumaroc

محمد السائح

  دعوة الحق

74 العدد

أن موت العلماء رزبة تصاب بها كثير من الشعوب التي تشكو فقرا في العلماء والمصلحين، لان الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبضه يقيض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا ، وأضلوا.
ولقد شهد المغرب في العقود الأخيرة نخبة من العلماء، الافذاذا، كانوا ملء السمع والبصر، والقلب والتاريخ، وقاموا بدور فعال في توجيه البلاد نحو أهدافها المنشودة، وضالتها المرصودة، كل في ميدانه الذي يتلاءم واستعداداه وميوله، في ظروف جد دقيق وعسيرة.
ومن أحق بحماية الوطن وإعزازه في مثل هذه الظروف من العلماء الذين نهضون نهوض المصلحين الملهمين والمومنين الواثقين فيحيون في شعبهم خمود الحس، وموات الضمير، ومعنى الواجب ؟.
ومن أحرى برعاية تثقيف الجمهور وأبناء الأمة من رجال قطعوا عزمهم على أن يعيش أبناؤهم أحرارا في وطن حر ؟ ومن أجدر بتزيين الحياة في أعين العامة، حتى يعيشوا في ظلال النعيم الذي يبسط المشاعر، وينشر الأنس، ويجمل الحياة ممن آمنوا برسالتهم السامية باعتبارهم ورثة الأنبياء؟.
فلقد كان تفتح براعم أعمارهم في وقت صلب فيه عود الاستعمار، وقعد لهم كل مرصد، أحصى أنفاسهم، وأغراهم بكل ما من شانه أن يصرفهم عن الرسالة القدسية التي اضطلعوا بأعبائها بشتى الوسائل، كخنق الحربات، وإزهاق النفوس، وشراء الضمائر، ولكنهم اعرضوا عن مطالب الصبا، وصدفوا عن مباهج العيش، وعلقوا جهودهم وميولهم في الدرس والتحصيل لإنقاذ أمتهم وإسعادها سعادة يطرز حواشيها النعيم.
ولئن اختلفت وجهات نظر كل عالم، وتعددت مشارب ميولهم، واتسعت أو ضاقت الزوايا والإبعاد التي كانت لكل واحد منهم، فأنهم جميعا كانوا يشكلون نغما واحدا في انسجامك واتئاد لا يحيدون عن الهدف المرسوم، والوحدة الجامعة، والتوجيه المنظم.
وما هذه المدرسة التي تراها اليوم في المغرب من حملة الثقافة والفكر إلا نتيجة أولئك الرواد الخريثين، والطلائع الذين وهبوا أعمارهم احتسابا لوجه الله لإنقاذ وطننا الحبيب من الجهل الفاضح والأمية الصارخة عن طريق الثقافة الإسلامية الصحيحة، والتوجيه الديني المتين مما ساعدهم على إلهاب الحماس الوطني عن طريق الدعوة المحمدي، وما كان عليه السلف الصالح من سجايا سقاها النبل الخالص، وغذاها الكرم المحض، وتعدها الحفاظ الحر.
لكن سرعان ما اخذ الموت يعتام ويصطفي كرامهم، وكأنه نقاد على كفه دراهم يختار منها الجياد. ففتحنا أعيننا، وأخذنا نصعد النظر ونصوبه،فرأينا- ويا لهول ما رأينا - تلك المدرسة قد اندثر عقدها أو كاد، واختار الله أفرادها إلى جوار الخلد، وكان أصحابها من الذين يعاش في أكنافهم، حيث يبينون ما التبس من معاني الحق، ويجددون ما انطمس من معالم الطريق، كما كانوا - وايم الحق - حجة مفحمة النشء الخامل، ودلالة بينة على أن المغرب لا يزال يعرف كيف يظهر نابغين في كل زمان ومكان.
فقد ذهب شيخ الإسلام الشيخ أبو شعيب الدكالي، والعلامة الشريف المدني ابن الحسني والشيخ الفقيه السيد محمد بن العربي العلوي، والفقيد الشيخ محمد السايح، والعلامة الحبيب المهاجي.
ولقد كان لهؤلاء العلماء - مد الله في أعمار أباقين - ميزة خاصة لكل منهم، رغم قلة الوسائل، وضعف الإمكانيات التي هي ميسورة اليوم للناشئين الصاعدين، فقد كانت لهم حياة عريضة مملوءة بجلائل الأعمال فتسم بالصبر الدائب والهيام بعمل الخير، والجلد على الدرس والتحصيل، والهمة التي لا منتهى لعضامها، مما عز نظره اليوم.
وكان في مقدمة هؤلاء جميعا العلامة السيد محمد عبد السلام السايح الرباطي وجارا، الأندلسي نجارا، الذي كان من فحول علماء الدنيا ومن كبار الأئمة المجتهدين الذين كساهم الله حلة القبول وافرغ عليهم رداء المحبة.
فقد كان الفقيه محمد السايح رحمه الله شخصية من المع شخصيات العلم والأدب في المغرب، وقطبا من أقطاب المعرفة الحق وضليعا في مختلف فنون المعرفة قديمها وحديثها مما يعد نادرة زمانه في وقت كان فيه الاستعمار جديد العزم، صلب العود، يسد منافذ الحياة على هذه البلاد، حتى لا تجد متنفسا لعواطفها المكظومة المضغوطة المكروبة.
ومما يساق بين يدي نجوى هذا الحديث أن لشخصية الفقيد رحمة الله عليه بداية مشرقة تنم عن المكانة التي تبوأتها لا في الوسط المغربي فحسب، بل في الأوساط الأخرى التي كتب لها أن تعرف شخصية الأستاذ محمد السائح.
فقد وضعته والدته في هذا الوجود في وقت يوافق تماما لحظة انبثق على هذا الكون نور المصطفى (ص): اعني قبيل الفجر ثاني عشر من شهر ربيع الأول من تسعة وثلاثمائة وألف، فكانت له بذلك حظوة لذويه، ومزية يعطرون بها محافلهم، ويعتبرونها بداية مشرقة لهذا الوليد الذي ينتظره شان عظيم.
وينتسب جد مترجمنا السيد عبد الرحمن للديار الأندلسية وإلى الجزيرة  الخضراء بالذات.
ولعل السبب في تلقيب جد مترجمنا «بالسائح» انه انخرط في ريق شبابه؛ وطراوة عوده في سلك الجندية التركية أيام حكم الأتراك بالجزائر، ثم نزح عنها على تركيا، فعاش بها ما عاش، وقد خفت ذكره دهرا، ثم بعد أن كبر سنه، ووهن منه العظم، واشتعل رأسه شيبا، آب يتفقد أهله وعشيرته ومنزله فلقبله أهله «بالسائح» لفرط غيبته الطويلة.
نشا مترجمنا السيد محمد السائح رحمة الله عليه عزوفا من أول مرة عما كان الناشئون أمثاله، يملاون به وقتهم من نزق وطيش، حيث غذي في يفاعته بحب المعرفة، فاقبل على العلم إقبال الهيم بهمة لا يحوم حولها الوني، وعزيمة ماضية لا تعرف السام تعينه على هذا الجهد قريحة طيعة، وعزيمة نافذة، وطبع عمول، فاخذ كتاب الله على المشايخ الإثبات الذين كانوا في ذلك الوقت، كالفقيهين العابدين السيد عبد السلام كليطو الأندلسي، والسيد المهدي الصحراوي، كما كان أول من فتق لسانه الشيخ المفضال المرحوم السيد محمد بن احمد العياشي الذي اخذ عنه الفقه والتوحيد، وكان السيد ابن العياشي أستاذ مترجمنا دمت الأخلاق، عالي الهمة، يجري على سراح الطبع مما كان له الأثر الملموس في نفسية مترجمنا، كما تلقى دروسه في العربية والصرف عن الشيخ المدقق العمدة السيد التهامي الغربي، وهكذا اخذ مترجمنا رحمه الله يتدرج في مختلف فنون يقطف من يانع ثمرتها ما وجد إلى ذلك سبيلا، ثم اخذ المنطق والأصول والفرائض والحساب والتوقيت عن العلامة المشارك القاضي الخبير لأبي زيد السيد عبد الرحمان بن بناصر ابر يطل، وكان عمدته في الفقيه العلامة المدقق أبو عبد الله محمد عبد السلام الرواندي الأندلسي، كما اخذ عن أبي إسحاق التادلي أيضا، وكرع من معين الطود الراسخ المصلح شيخ الإسلام أبي شعيب ابن عبد الرحمان الدكالي تغمده الله برحمته، وتلقى دروسا عن أبي حامد المكي البيضاوي اجل علماء  الرباط أنبههم ذكرا.. حتى ثقف مناهج البحث، وحذق أصول التحقيق.. فلا غرو أن يجتمع فيه ما كان موزعا عليهم، ولا غرو إذا رأيت فيه كل العالمين كأنما، رد الالاه نفوسهم والاعصرا..
وأصبح مترجمنا ماما بثقافة عصره، ومبرزا دون اقرأنه في مختلف الفنون والعلوم بهمة نادرة لا تعرف السام والملل، حتى غدا وجاوز الاقواما، علاوة على ما لشخصيته الجذابة التي تمتاز بما تهيأ لها من اثالة المثبت، وزكاوة العرق، وسعة الثقافة، وجمال الأسوة والقدوة.
وهكذا نجد فطاحل العلماء في وقته يجيزون الشاب العالم ويعترفون بما له من رسوخ القدم في مختلف الفنون والعلوم وألوان المعرفة والثقافة.
فلقد أجازه الإمام العلامة القاضي أبو العباس احمد بن محمد البناني الرباطي، بالبخاري، والشمائل، وسنن الترمذي، والشفا، والجامعين حسبما أجازه بذلك السيخ احمد دحلان، كما أجازه العلامة القدرة البيطاوري فيما أجاره به شيخ الجماعة بالرباط أبو إسحاق التادلي، وإجازة العلامة شيخ الجماعة بمدينة فاس أبو العباس احمد بن الخياط قائلا: «فيما تجوز لي وعني رواية من منقول ومعقول، وفروع وأصول، إجازة تامة شاملة مطلقة عامة»، كما أجازه العلامة المحدث الشريف سيدي محمد بن إدريس القادري الفاسي، ومن المجيزين له أيضا الشيخ الرياضي السيد المهدي منجينوس رحمه الله، والواعية المطلع القاضي أبو العباس احمد بن المأمون العلوي البلغثي، والعلامة المفتي الشريف السيد المهدي الوزاني.
كل هؤلاء يشهدون لمترجمنا المرحوم بأنه واسع الثقافة رياضي الفكر شديد الذكاء، أصيل الرأي، ودروسه واحاديثة ومؤلفاته، حتى تقع من قلوب سامعها وقارئها موقع النداء من جفاف الأرض، تشهد على ما تقول، فطالبه الذي يسمع عنه، ويحضر في حلقاته، لا ينفك راضي العقل ريان العاطفة.
ولقد كان رحمه الله يتعرف على أحوال الأمم قديمها وحديثها، ولا سيما الحركات الفكرية والسياسية والاجتماعية في الشرق العربي، والثورات الفكرية في العالم الإسلامي مما جعلته نادرة زمانه رغم عمره القصير العريض المليء بالأعمال الصالحة، و «سائحا» في مهمامه البحث العلمي وتعمق في لجج الاقيانوسيات : اقيانوسيات المعرفة التي تجمع بين تحقيق السلف وامانهتهم، وبين تجديد الخلف وتعليلاتهم مما حداه بان يهيب بطلبته في كثير من المناسبات إلى أن يفهموا العلم كما هو، وان يتجسسوه حيث هو، وتسأله عن كل فن، فتجده «سائحا» في كل رحابه.. ثم تسير بك شجون الحديث معه إلى الطبيعيات فتخاله وكأنه عكف يدرسها الأعوام في معاهدها، وتنتقل به إلى آراء علماء «الفسيولوجيا» فنجد آراءهم مخرجة جلها أو كلها على لآراء علماء الدين القدماء.. كما تراه ضليعا بأسرار اللغة، بصيرا بمواقع اللفظ خبيرا بمواضع النقد.
وكان رحمه مضطرا إلى أن يشق طريقه في رحمة الحياة بسن القلم، فكتب، وألف، وحاضر، حتى كان له في كل كتاب طالعه رأي، وعلى كل مسالة اعتراض، ومع كل كاتب موقف، ومع هذا فقد كان رحمه الله عفيف النفس يتقنع بمسور الرزق، ويتكرم عن طلب المعونة، ولو كانت جزاء على عمله.
فمن كتبه ومؤلفات:( تحقيق الأمنية، مما لاح لي من حديث أنا امة أمية) وكذلك كتابه القيم :(سوق المهر إلى قافية ابن عمرو) وكتابه (المنتخبات العبقرية) الذي ألفه لطلبة المدارس الثانوية وكذلك (إعجاز القرآن) و (المفهوم والمنطوق، مما ظهر من الغيوب التي أنباها الصادق والمصدوق) و (الخمار المذهب، في أحكام التعامل بين مختلف المذهب) وكتاب (الترف المروم، بأحاديث فتح مدينة الروم) وكتاب (منهل الوارد، في تفضيل الوارد) وكتاب (اثمد الجفن) وكتاب (سبك الذهب واللجين، في سر افتقار التناسل إلى الزوجين) وتأليفه(أسبوع في باريس) ومؤلفه القيم عن تاريخ الرباط (الغصن المهصور بمدينة المنصور) وكتابه (حسن البيان للجاحظ في كتاب الحيوان).
ولقد كان رحمه الله يغشى المحافل والأندية، فيعطرها بعلم ناضج، وأدب رفيع، ونكثه مرحة مقبولة، في ظرف ناصع، وتواضع جم، وعزوف عن مظاهر الأبهة، تسمع منه في فصاحة منطق، وبراعة أسلوب، ومتين عبارة، فمن محاضراته:(الإدريسي مخترع الفلك) و(النازية والديمقراطية في نظر الفلسفةوالتاريخ)  و (تدفق العلم من غار حراء) و (عناصر العلم، في سنة الرسول).
أما رسائله العلمية، فنجد فيها العزيز من المواد المهمة الضرورية بأسلوب أندلسي، مشرق الديباجة، بتصيد السجع، وبتلمس ألوان البديع، فهذه رسالته: (الطلاق في كتاب الله) وهذه أخرى تحت عنوان: (رضاب العذراء) و (أتبان السول، بذكر ما خلف الرسول) و (تنبيه أولي الأحلام إلى صفة الحجاب من الإسلام).
ولقد شغل الفقيد رحمه الله مناصب قضائية كان فيها أمثولة القاضي النزيه، فاختير قاضيا لمدينة فاس حيث عرف بالذهن الغواص، والتوجيه النزيه، والحكم الموفق، والاستنباط الدقيق، واستغل وجوده هناك بمدينة فاس، فوجد في كلية القرويين ميدانا رحب الحدود صال فيه وجال في ربوع المعرفة مما ترك السنة العلماء والطلبة تلهج بالثناء والعطر على تلك الدروس المتئدة الحية.
وفي آخر حياته قلده المرحوم جلالة المغفور له محمد الخامس قدس الله روحه، ونور ضريحه، لثقته به وورعه، وتقديره لعلمه رئاسة وفد الحجاج المغاربة إلى الديار المقدسة، فادى رسالته خير تأدية، ومثل المغرب خير تمثيل، إلا أن المرض لم يمهله، فتظاهر عليه الداء، وعز الدواء، فتخطفه الموت احتضارا حيث اختاره الله إلى جواره، فروعت النفوس لموته، وضرمت الأنفاس بجزع هالع لم ينفع فيه إلا الصبر الجميل.
تغمده الله برحمته، واسكنه فسيح جنانه.

إذا المشكــلات تصــدين                    لــيكشــفت حقــائقهــا بالنظـــر
ولســت بإمعــة فـي الرجـال               بسائــل هــذا، وإذ مــا الخــبر
ولكنــي مــدره الأصغريــن                فتــاح الخيــر، وفــرج شـــر
                      

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here