islamaumaroc

نقد مقال العوائق النفسانية للتخطيط -1-

  دعوة الحق

74 العدد

 أول ما أبدا به حمد الله سبحانه على نعمة الإسلام، التي أكرمنا بها في زمان الغربة، غربة الدين والحق، كما قال الشاعر:
ومـا غربـة الإنسـان من ثقـة النـوى       ولكنهـا والـله مـن عـدم الشكــل
فأقول مستعينا بالله على رغم كل خيار كفور: سأقسم هذا النقد إلى قسمين: قسم علمي، وقسم قومي، على إني لا أتعرض لكل ما جاء في ذلك المقال، وإنما اقتصر على تلك العبارات الخبيثة التي أشار إليها وخط عليها الأستاذ المذكور. العبارة الأولى، افتتح بها الكاتب مقاله وهي:
شرفنا العربي بحاجة إلى تطوير عام مخطط. ولكي ندرك ذلك، علينا أن نفهم دواتنا ونتخطى العقبات التي تقف في سبيل هذا التطوير، أما طاقات الإنسان البناءة فهي ثلاث فئات:
1- الطاقات الغريزة التي تحصر الإنسان في إطار ذاته.
2- الطاقات العقلية التي تفتح للإنسان الكون المنظور.
3- طاقات الإيمان التي تقيم الصلة بين الإنسان وبين ما وراء المنظور.
ومضى إلى أن قال:
أما تطوير الإيمان بسيطرة الغريزة، فهو يجتاز أزمة عميقة في بلداننا العربية نتيجة العلم الذي بدا يشرح بعض الظواهر الطبيعية الغامضة، والتي ساد الاعتقاد الخاطئ إنها وظيفة الله، أن الإيمان وليد الحرية، فهو يمكننا من فرض بعض الأدلة المنطقية على الفرد، ولكنه لا يمكننا أبدا فرض الإيمان. ولكن متى طغت الغرائز على خاصية الإيمان انقلبت هذه الميزة المساعدة للتخطيط إلى أنانية وعنصر تفريق يمكن تسميته تعصبا.
ثم مضى إلى أن قال:  أن الإيمان بشخص بشري، أو بالله يستهدف صلب الكائن الذي يستحق هذا الإيمان، وما ينطوي عليه هذا الكائن من بساطة ووضوح.
فليس من عمل أكثر مباشرة من الإيمان. ثم مضى على أن قال: فالمتعالي بالنسبة للغريزة هو المجهول والمغلق. وكلما زاد خوف الغريزة من أمر، ازداد اعتقادها بأنه يستحق الإيمان.
ولذا يجتاز اليوم الإيمان بالله أزمة عميقة في بلداننا العربية. فبعد أن افترضنا أن فكرة الله يجب أن تشرح كل ما يبدو لنا غامضا ومغلقا في ظاهرة الطبيعة، وبعد أن رأينا العلم الحديث يشرح بسهولة هذه الظواهر عينها. شاع الاعتقاد بان  ذلك إنما هو انتصار للعلم على الإيمان الديني، وان الله لن يلبث أن يتقهقر يوما بعد يوم حتى ينبذ نهائيا.
وبما إننا نسينا إلى الله وظيفة ليست له -الله ليس ظاهرة لا متناهية الصغر أو لا متناهية العظمة- أردنا أن نصلحه هو بإنكاره نهائيا بدلا من أن نصلح ذواتنا. وربما اعتقد البعض إنني احبد كثيرا عن موضوعي، ولكن هل يظن أن من الصواب بالنسبة إلى حالتنا النفسانية وتربيتنا أن تقبل هذا التناقض الخاطئ بين العلم والدين. فنتعرض لفقدان قيم طالما كانت غالية على قلب شرقنا العربي.
أما الغريزة فتستثمر الإيمان كسلاح وتستعمله كخطة. فلا أكثر مغايرة للإيمان من التهديد، أو استعمال القوة، إلا أن الغريزة خوذة وترسا لأهدافها الهجومية. ولذا يقسو الإيمان بيد الله، انه اعزل يعرض نفسه على حريتنا، فتتخذ منه الغريزة الخوذة وترسا لأهدافها الهجومية. ولذا يقسو الإيمان في السياسة ويتصلب، وبدلا من وسم الغريزة بروحانيته يتمثل هو بطابع الغريزة اللاعقلي. أن العاقبة التي تهمنا هنا هي أن الدين، إذا تجمد في انفعالات الغريزة والخرافات التي لا طائل تحتها يعطي الغريزة ذرائع -ذرائع مقدمة- للبقاء في جمودها ولرفض كل تطور، عوض أن يكون خميرة تقدم.
وبدلا من أن يكون الله سبب تقدم لا متناه، يمسي علة جمود وركود لا حد لها. أن تربية مصابة بهذا الجرثوم لابد من أن تتجه إلى التعبد للماضي والتقليد، بدلا من أن تتطور وتتكيف مع تغير الحاجات في مجتمع سلك طريق التصنيع.
انتهى ما أردنا نقله والرد عليه.
1- قوله، شرفنا العربي في حاجة إلى تطوير عام مخطط، أقول نحن موافقون على أن الشرق العربي والمغرب العربي كذلك، وذلك ينتظم جميع العرب ، إذ ليس العرب محصورين في الشرق، أقول نحن موافقون على حاجة إلى التطور ضمن مجدهم وحسبهم وتراثهم العظيم، وذلك كله يرتكز لم يكونوا شيئا مذكورا، فلم تكن لهم مدينة محفوظة ممتدة ولا حضارة ولا علم ولا عز ولا دولة ولا اجتماع ولا اجتماع ولا تعاون ولا شريعة يجتمعون عليها وتنظم بها أحوالهم، بل كانوا عشائر متفرقة جاهلة همجية تعبد الاوتان وتند البنات وتقتل أولادها للفقر أو خشية الفقر. ومن كان له منهم شيء من الحضارة كان ذلك تحت سيادة الفرس أو الروم، وسائرهم متوحشون يقتل بعضهم بعضا ويسبي بعضهم بعضا، فلما جاء الإسلام صاروا سادة أهل الأرض حكما وعلما وقوة وسلطانا، وتغلبوا بقوة الإيمان والأخلاق الكريمة على اكبر دولتين تجاوراتهم الروم غربا، والفرس شرقا، وسادوا العالم في مدة لا تتجاوز خمسا وعشرين سنة. وهذه الثورة السليمة الخليقة المحمدية المباركة عديمة النظير في التاريخ كله، قديمه وحديثه، لا ينازع في ذلك إلا مكابر متعسف يريد أن يستر الشمس بالغربال.
وبعد ا اعرضوا عن الإسلام فقدوا كل ما كان عندهم من عز ومجد وعظمة واجتماع وتعاون وسيادة ورقي، حتى صاروا عبيدا لمن كانوا تحت حكمهم. وهذا أيضا مسلم، يعرفه كل من يعرف شيئا من تاريخ العالم عامة، وتاريخهم خاصة. وإذا تسامحنا وتنزلنا إلى لغة هذا الكاتب، تقول، أن ذلك كان أعظم تطور عام مخطط، ولو استمر العرب على ذلك المنهاج لما فقدوا شيئا من سعادتهم وعظمتهم. والإسلام الذي كان سبب حياتهم، ثم كان تركه وبالا عليهم وتخلفا وانحطاطا هو وحده الكفيل باسترداد مجدهم وعظمتهم  وقوتهم وسعادتهم، لا اعني الإسلام بشكله الحاضر، ولكني اعني الإسلام بالشكل الذي دعا إليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونفخ به روح الحياة بإذن الله في الغرب، والإسلام لا يتنافى مع التقدم في المدينة والحضارة والعلم والعدل. والدليل على ذلك ما أنشاه العرب وسائر المسلمين من المدينة وحضارة، وما خلفوه من علوم خالدة باقية يشع نورها في جميع المعمور من الأرض. وهي مقدمة عند العلماء المنصفين من جميع الأمم. أما التطور الذي معناه إنكار الماضي وإهماله والانسلاخ من القومية والعلم والدين، وإضاعة التراث العظيم، وتقمص تطور محدث مبني على غير أساس، أو على شفا جرف هار، فانه ينهار بأهله في نار جهنم ويشقي أهله في حاضرهم ومستقبلهم، بل هو داء العرب الذي قعد بهم عن التقدم والرقي والسير في ركب الحضارة. والدين المبدل هو من اكبر العوائق عن كل تقدم وإصلاح واجتماع وتعاون. قلت أن بناء التطور على غير أساس التراث المجيد هو سبب تأخر العرب. برهان ذلك أن الدول العربية غير متمسكة بالشريعة الإسلامية كما كان أسلافها متمسكين بها علما وعملا وانقيادا وطاعة. فغالب ما حرمه الإسلام هو حلال في قوانينهم. وكل ذنب اوجب الإسلام العقاب عليه هو مباح في تلك القوانين، لا يخشى مرتكبه نكالا، يفعل جهارا من غير خوف ولا وجل، حتى الردة عن الإسلام وسب مقدساته لا يخشى مرتكب ذلك مؤاخذة. ودليل ذلك صدور مجلة تشتمل على ما تقلناه أعلاه في بلد اغلب سكانها مسلمون، وطائفة منهم نصارى، والزنادقة منهم الذين لا يدينون لا بالإسلام ولا بالنصرانية قليلون جدا. فادعا، كاتب المقال المنقود، أن الإيمان بالله يعوق العرب ويمنعهم من التطور والتقدم، هو اختلاف من بنات غيره. وإذا ثبت أن الإسلام وحده هو سبب حياتهم وانتقالهم من الشقاء والجهل والفقر والتخاذل وغير ذلك من الأمراض الاجتماعية إلى أضدادها، وثبت أن أعراضها عن الإسلام هو سبب انحطاطهم وبلوغهم إلى الدرك الأسفل من الضعف والتأخر، والتاريخ اصدق شاهد، فلا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. وإذا كان غير الإسلام من الأديان البعيدة عن العقل التي لا تمس حياة الإنسان الاجتماعية لا من قريب ولا من بعيد لم تمنع المتمسكين بها من بلوغ غابات الرقي والتقدم، فكيف يمنع من ذلك الإسلام الذي هو نصير العقل والعلم والحرية والعدل والمساواة. وقد جرب العرب الأعراض عن الإسلام وشريعته عشرات السنين فلم يزدادوا إلا خبالا، فما يريد منهم هذا الكاتب؟ لا شك أن وراء الأكمة ما رواءها، فلعله يريد أن يدخلهم في إيمان جديد ودين جديد يزيدهم خبالا ووبالا فيحرم عليهم البقية الباقية من حرية الاعتقاد وحرية العمل وحرية التنقل وشيء من حرية القول ويجعلهم إنعاما سائمة يرعاها ذئب مكشر أنيابه للافتراس. ولعمري، ما هو يناصح ولا أمين، وأنا أقول بعكس ذلك: جربوا أيها العرب الرجوع إلى طريقكم الأول، على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، جربوا ولو سنة واحدة، تجدوا أنكم لا تسعدون اليوم إلا بما سعدتم به أمس.
2-  قوله، أما طاقات الإنسان البناءة فهي ثلاث فئات:
1- الطاقات الغريزية التي تحصر الإنسان في إطار ذاته.
2- الطاقات العقلية التي تفتح للإنسان الكون المنظور.
3- طاقات الإيمان التي تقيم الصلة بين الإنسان وبين ما وراء المنظور.
أقول: هذا التقسيم غير صحيح، فالإيمان ليس قسما للغرائز والعقل، وإنما هو ثمرة العقل نفسه، إذا اجتمع معه الإلهام والتوفيق. فان المدركات، تتقسم إلى قسمين، حسي، وهو ما يدرك هو أو مادته بالحس، ويدخل فيه الخيالي كقول الشاعر: وهو أبو بكر احمد بن محمد بن الحسن الصنوبري.
وكـــأن محمــــر السقيـــ               ـــق إذا تصـــوب أو تصعــــد
  إعــــلام ياقـــوت نثــــر             ن على رمــــاح مـــن زبرجــد
فرايات الياقوت على رماح الزبرجد خيال لا وجود له في الخارج. والقسم الثاني ما يدرك بالعقل، كالعلم والحياة، فأنهما لا يدر كان بشيء من الحواس. ويدخل في العقل الوهمي، وهو أيضا غير مدرك بشيء من الحواس الخمس، مع انه لو أدرك، لم يدرك إلا بها، كقول امرئ القيس:
أيقتلنــي والمشرقــي مضاجعـــي       ومنونـــة زرق كأنيــاب اغـــوال
فان الغيلان وأنيابها لا تدرك بالحواس الخمس، ولو أدركت، لم تدرك إلا بها، وهذا تقسيم صحيح للمدركات، وأنت ترى أن الإيمان ليس منها. أما كون الإيمان يعطي صاحبه قوة لا يجدها بدونه فصحيح. وقد اعترف الكاتب بان الموجودات قسمان، منظور وغير منظور، حيث قال: أما طاقات الإنسان المناءة فهي ثلاث فئات:
1- الطاقات الغريزية التي تحصر الإنسان في إطار ذاته.
2- الطاقات العقلية التي تفتح للإنسان الكون المنظور.
3- طاقات الإيمان التي تقيم الصلة بين الإنسان وبين ما وراء المنظور.
فماذا يعني هذا الكاتب بغير المنظور؟ وماذا يعني بطاقات الإيمان التي تقيم الصلة بين الإنسان وبين ما وراء المنظور؟. أليس الله سبحانه هو مما وراء المنظور، وان طاقات الإيمان على حد تعبيره تقيم الصلة بين الإنسان وبين الله تعالى، وكذلك مما وراء المنظور، الجزاء الأخروي، وهو إثابة المحسن وعقاب المجرم. وتعبيره بالمنظور وغير المنظور فاسد، لان المنظور هو واحد من المدركات بالحس ، وبقيت أربعة أشياء تحس ولا تنظر، وهي المسموعات والمشمومات والمذوقات والملموسات. ولكننا لنا بصدد مؤاخذته على فساد العبارة، وإنما نؤاخذه الآن على فساد المعاني، ونؤخر انتقاد المباني إلى القسم الثاني. ونقول له إذا كنت ماديا لا لا تؤمن إلا بما يدرك بالحواس الخمس كالحيوان الأعجم، فما معنى الكون غير المنظور، على حد تعبيرك الفاسد، أو غير المحس، على حد التعبير الصحيح. وهناك نوع آخر من المدركات يدرك بالوجدان، كاللذة والألم، يضاف إلى الأقسام المتقدمة الذكر، ويرى بعض العلماء أن للإنسان حاسة سادسة باطنة. وسينكر فيما بعد وجود الله تعالى، حيث يقول: ولذا يجتاز اليوم الإيمان بالله أزمة عميقة في بلداننا العربية، وحينئذ نورد عليه من البراهين القاطعة ما يحتم عليه الإيمان بالله، أو المكابرة والجحود المفضوح. وجحده لوجود الله في هذا الموضع ينقض ما تقدم من قوله «أن طاقات الإيمان تقيم الصلة بين الإنسان وبين ما وراء المنظور».
ومن المعلوم أن الغرائز يشترك فيها الحيوان الأعجم مع الحيوان الناطق. وقد فضل الله الإنسان وكرمه بالعقل كما قال تعالى في سورة الإسراء 70 (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) ولا تزال الغرائز في صراع ونزاع مع العقل، فمتى تغلب الغرائز عني العقل وسيطرت عليه التحق الإنسان بالحيوان الأعجم كما قال تعالى في سورة الانفعال 22 (أن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون) صدق الله العظيم، أن الدواب الإنسانية التي تغلبت غرائزها على عقولها فلم يبق لها من الإنسانية إلا الصورة والشكل، شر من الدواب العجم التي لا عقل عندها يكبح جناح غرائزها ويهديها إلى الحق ويقيم لها البرهان عليه. ومتى تغلب العقل على الغرائز وسيطر عليها صار في طريق الكمال الإنساني حتى يصل الغاية القصوى، وهي العلم والمعرفة. وأول ما يدركه العقل بعد تغلبه على الغرائز التي يشترك فيها مع البهائم معرفة أن هذا العالم العجيب المتقن الصنع في دقة ونظام لا يكاد العقل يدرك كنههما، لا بد له من صانع مبدع منصف بصفات عالية لا تشبه صفات المصنوع. ولا يقبل العقل المتغلب على الغرائز دعوى المصادفة. وهي أن كل ما نرى وندرك بسائر حواسنا من أسرار هذا الكون وعجائب أحكام صنعه لم توضع له خطة سابقة ولا منهاج ولا تدبير، وإنما وجد على سبيل الاتفاق، وليس وراءه مدبر ولا موجد، وقد نشا بلا علم ولا حكمة، حتى لو أراد العقل الحر الذي لم تستعبده الغرائز أن يجبر نفسه ويرغمها على قبول فكرة المصادفة، لم يقدر على ذلك أبدا، لأنه بعد تغلبه على الطباع الحيوانية يصل إلى درجة من العلم والإيمان لا يدخلها الريب أبدا، فكما انه لا يعقل أن ضرب سبعة في سبعة ينتج أربعين أو خمسين بدلا من تسعة وأربعين، فكذلك لا يستطيع أن يتصور وجود صنعه محكمة في غاية الدقة توجد بلا صانع. وستأتي الأمثلة على ذلك في موضعها أن شاء الله.
3-  قوله: أما تطوير الإيمان بسيطرة الغريزة فهو يجتاز أزمة عميقة في بلداننا العربية، نتيجة العلم الذي بدا يشرح بعض الظواهر الطبيعية الغامضة، والتي ساد الاعتقاد الخاطئ أنها وظيفة الله، الخ.
أقول: إنما تسيطر الغريزة على عقول الجاهلين أمثال هذا الكاتب الذي يعرف بما لا يعرف. ولو سألناه عن هذا الشيء الذي يجحده، وهو معرفة الله ورسالة رسله وما جاءوا به من النور والهدى، هل تلقى في ذلك، ولو درسا واحدا، وهل انعم النظر فيه وقتله بحثا وتحقيقا ليرد عليه ردا محكما ويضع النقط على الحروف كما يقولون، ويفصل القول تفصيلا، ويقيم البرهان على مدعاه، لوجدناه فارغا كالطبل يخوض فيما لا يعلم ويخبط خبط عشواء، في ليلة ظلما.
والدعــاوى مـا لـم يقيمـوا عليهـا                    بينــات أبنـاؤهــا أدعيـــاء
فقد ادعى في هذا المقال دعاوي كثيرة دون أن يقيم عليها برهان واحدا، وكأنه يظن أن العرب أطفال كلهم ليس فيهم عالم ولا حكيم ولا عاقل، حتى تروج عليهم خزعبلاته، إلا ماء ما سولت له نفسه، وأوهمه وسواسه.
خـلالـك الجـو فبيضـي واصغـري
                     ونقـري مـا شئــت أن تنقــري
لا بـد مـن أخـذك يومـا فاحــذري
والشذاذ الملحدون من الأمريكيين والأوروبيين يربأون بأنفسهم أن يقدموا على انتقاد دين عظيم دان به الوقت الملايين من الحكماء والعلماء في قرون متطاولة دون أن يدرسوا ذلك الدين درسا دقيقا ويستخرجوا منه المواضع التي يلبسون بها على قرائهم ويتخذونها شبهات لمدعياتهم. أما «رني الحبشي» فلم يكلف نفسه عناء الدرس والبحث والتحقيق، بل اقتحم البحر بلا فلك ولا آلة وقاية من العرق، فغرق في البحر تتلاطم أمواجه، فلا لعن له إذ عثر، لأنه تقليدا كفر.
وادعاؤه أن الإيمان يجتاز أزمة عميقة، الخ. تهويل وتضليل، فان البلاد التي يرفع أهلها رايات العلم بحق من أوربا وأمريكا لا يزال أهلها متمسكين بدينهم، لا يتأهلون فيه أبدا، وقد جبتها في الصيف الماضي فقط من اسبانيا إلى الأراضي القطبية في أقصى شمالي نرويج، حيث لا تغيب الشمس لمدة ثلاثة أشهر فرأيت القوم في أيام الآحاد يعطلون الأعمال ويومنون الكنائس صبيانا وكهولا وشيوخا، وذكورا وإناثا. ولو اطلع في مجلات الأشخاص ومديريات النفوس وسجلات الكنائس، لما وجد من الخارجين على الكنيسة إلا عددا ضئيلا جدا، لا يزيد على واحد إلى اثنين في المائة في الشعوب العظيمة التقدم في العلم والمدنية، كسويسرة وألمانيا وبريطانية والشعوب السكندنافية. وهؤلاء الخارجون على الكنيسة ليسوا كلهم ملحدين، فأكثرهم اخرج منها مضطرا وحرم وطرد لمخالفته لبعض قوانينها كتزوج الكاثوليكية برجل بروتستانتي مثلا، أو الامتناع من دفع ضرائب الكنيسة امتناعا كليا ونحو ذلك. وترى في كل جامعة كلية اللاهوت تحتل أسمى مكان في الجامعة. وجميع الأساتذة يحضرون صلوات كنيستها في الاحتفالات المهمة. ويتخرج في هذه الكليات كل سنة عدد كبير من الدكاترة فينولون أعمالهم ووظائفهم في الكنائس والأعمال الدينية، ولا يبقى احد منهم عاطلا. فإذا كانت الشعوب المتقدمة في العلم والحضارة قد تركت التدين والإيمان، كما يزعم هذا الداعية المضلل، فلما ذا تؤسس المدارس الدينية من رياض الأطفال إلى الجامعة في تلك الشعوب الحرة الديمقراطية. ولا توجد مدرسة خالية من دروس الدين في ألمانيا، ولا تقبل الكنيسة أن يتولى تدريس الدين في المدارس كلها إلا قسيس مجاز يقدر أن ينوب عن كنيسة في مراقبة التعليم الديني في المدارس ويصلي بالتلاميذ كل يوم في قلب المدرسة ويلزمهم الحضور إلى الكنيسة في كل يوم احد، ومن لم يحضر يعاقب، بل آل الأمر بهم في التمسك بدينهم إلى أن اجبروا المكومة أن تهيئ للتلاميذ مدارس كافية على حسب اعتقادهم في البلدان التي تختلف عقيدة سكانها، بعضهم كاثوليكيون، وبعضهم بروتستانتيون، يجب على وزارة التعليم أن تهيئ نوعين من المدارس، للكاثوليكيين مدارسهم الخاصة بهم، إذ لا يسمح أب كاثوليكي أن يتعلم أولاده في مدرسة بروتستانتية، ولا أب بروتستانتي أن يتعلم أبناؤه في مدرسة كاثوليكية، سواء أكانت ابتدائية أو ثانوية، وأمهات التلاميذ كذلك. وإذا وجدت قرية جميع سكانها على احد المذهبين إلا تفرا قليلا لا يستحقون أن تبنى لهم مدرسة بأمرهم آباؤهم وأمهاتهم أن يركبوا في القطار ويتوجهوا إلى مدرسة توافقهم في الدين.
ومن الأسباب التي حملت الكاثوليكيين في ألمانيا على الانضمام إلى اليهود في عداوة هتلر وحزبه توحيد التعليم الذي قامت به حكومة هتلر. ولم تقم به بقصد محاربة الدين، وإنما قامت به لغرض سياسي، وهو تربية جميع الناشئين والناشئات على العقيدة الهتلرية، وهي الاشتراكية الوطنية، أو القومية،إذا أردنا الدقة في التعبير. وقد كان هتلر متمسكا بالدين، لم تصدر منه قط مضادة له، إلا انه كان يكره بعض قوانين الكنيسة، ككنز الأموال والذخائر في الكنائس وعدم إنفاقها في مصلحة الشعب، والتفرقة في مناهج التربية والتعليم. وكان ذلك كافيا لا يقاد نار العداوة والبغضاء في قلوب رجال الكنيسة الكاثوليكية وإتباعهم. ولو ذهبنا نورد البراهين على تمسك الأوروبيين بدينهم، بل يبالغ في ذلك بعضهم إلى حد التعصب الممقوت، لطال بنا القول. فما بال هذا التمسك لم يضر الأوربيين شيئا، ولم يجعلهم متأخرين، واقتصر ضرره فقط على أهل الشرق العربي، مع تهاونهم للدين. الم يجد «رني الحبشي» الأعجمي الاسم، ولعله أعجمي المسمى أيضا، لم يجد ما ينصح به العرب إلا أن يحضهم على ترك الإيمان بالله والتهور بالسب والشتم للمقدسات بلا علم ولا هدي ولا كتاب منير. أرآهم كاملين في جميع العلوم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والخلقية، ولم ير فيهم نقصا إلا التمسك بالدين؟ أم هو احد معاول الهدم والتخريب والفساد من المأجورين الذين يزيدون الخرق توسيعا، والطين بله، أولئك عبيد أعداء العرب، بل عبيد الدينار والدرهم، ودعاة زيادة الفوضى والتفرق والشتات.
جمعني مجلس في بون، في السنة الماضية، مع الأستاذ الدكتور أندري، أستاذ علم الحياة في إحدى الجامعات الألمانية المتقاعد، فقمت مع شخص يرافقني، فصلينا المغرب والعشاء قصرا وجمعا، فمنذ قمنا للصلاة وقف، وبقي واقفا إلى أن أتممنا الصلاة، وهو في غاية التأثر والخشوع، فلما انصرفنا من الصلاة قال لي ما معناه بترجمة دقيقة (اعتراني خوف إجلال عند مشاهدة صلاتكما. ثم قال لي، إني لست قيسا، وما عرفت الله وآمنت به إيمانا كاملا راسخا إلا بدراستي لعلم الحيوان والنبات، ولا يزال هذا العالم حيا يرزق.
فأين «رني الحبشي» وسفسطته لباطلة من كلام العلماء المحققين.
أن الإيمان بالله وآياته الباهرة التي تدل على عظمته وعلمه وحكمته، لا يجتاز أي أزمة عند أهل العلم والإيمان، ولكن الشرق العربي هو الذي في أزمة شديدة لن يجتازها ولن يخرج منها ما دام فيه أمثال هذا الكاتب الذين يزيدونه خبالا بخدمتهم لأعدائه الطامعين وبلبلتهم لأفكار أهله بتعميدهم نشر الفوضى الفكرية والفساد وتضليل العقول. وإذا فتشت تجدهم ممن دسهم أعداء العرب في صفوف العرب ليوسوسوا في صدورهم ويمنعوهم من التفكير الجدي في إصلاح التربية في بلادهم، وما أكثر هؤلاء المفسدين في بلاد العرب، فقد شقيت بهم البلاد وأهلها، فلسان حالها ينشد:
زعـم العـواذل إننـي فـي غمــرة               صدقـوا ولكـن غمرتـي لا تنجلــي
والغريزة لم تسيطر على أهل العلم والإيمان بالله وآياته، وإنما سيطرت على الدجاجلة المفسدين، فهم كالمكاريب تتبع الأمراض وتفتك بالجسم المريض حتى يجيء الطبيب بالدواء فيقضي عليها. فما هي الظواهر الطبيعية التي شرحها العلم وإنكارها الإيمان، اذكر لنا واحدة منها أن كنت صادقا.؟ فهل قال الإيمان أن الشمس تطلع من المشرق، فجاء العلم المزعوم ووجد أنها تطلع من المغرب، أم قال الإيمان أن الموت حتم على الإنسان والحيوان، فجاء العلم المزعوم فمحا الموت واثبت الخلود؟ أم قال الإيمان، أن الحيوان لا بد له من الغذاء ومثله النبات، فجاء العلم المزعوم فانبت أن الحيوان والنبات يعيشان بلا غذاء.
يقولــون أقــوالا ولا يعلمونهــا                 إذا قيـل هاتــوا حققـوا لم يحققـوا
ونحن نتحدى هذا الكاتب أن يذكر لنا مثالا واحدا يؤيد به ما ادعاه حتى نرد عليه بالتفصيل ونلقمه الأحجار. أما الدعاوي الفارغة المجملة المبهمة، فهي شان المهوشين، ولا تضر أهل العلم والإيمان، كما لا تنفع أعداء العرب الإسلام. وقد مضت عشرات السنين على هذا الشرق العربي، والمهوشون، والمأجورون المجهولون يروجون أمثال هذا الهراء فلم يستطيعوا أن ينقضوا حقا ولا أن يثبتوا باطلا.
كناطـح صخـرة يومـا ليوهنهــا                فلـم يضرهـا وأوهى قرنـه الوعــل
يفيك الجنادل، أن الله ليس بفكرة يفترضها مفترض، بل هو خالق السموات والأرض، فكل ما بدا فيهما فهو بعلمه وحكمته، وهو الذي خلقه وأوجده وأتقن صنعه. وكذلك العقول التي انكشف بها ذلك السر هو خالقها ومدبرها (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون؟ أم خلقوا السموات وارض بل لا يوقنون.)

                                                                                             (يتبع)

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here