islamaumaroc

الإمبراطورية الموحدية

  دعوة الحق

74 العدد

اخذ يبدو ضعف الموحدين بعد موقعة العقاب (609ه 1209م) وهي التي أفضت -على حد تعبير ابن الآبار (1)- إلى خراب الأندلس، كانت السبب الأقوى في تحيف الروم بلادها حتى استولت عليها.
وقد كان اثر هذا الحادث بالأندلس اسبق منه في بقية أجزاء الإمبراطورية الموحدية، فمنذ سنة 610ه 1210م أخذت مدن أندلسية تسقط بيد اسبانيا النصرانية دون أن يستطيع الموحدون الدفاع عنها(2).
وفي المغرب الأقصى بالخصوص، يبتدئ الانحلال الموحدي من سنة 615ه 1215م وتتلاحق بوادر الضعف الحكومي، فقد انحسر نفوذ السلطة إلى المدن خاصة، حيث اعتصم بها الولاة، الذين لم يعد لهم نفوذ على البوادي، كما اشتعلت الثورات في كثير من الجهات، وانعدم الأمن في الطرقات وظهرت المناكر، بينما امتنع عامة الشعب من أداء الضريبة (3)
وزاد الأمر خطورة أن السلطة المركزية انتابتها فوضى، وأصبح أشياخ الموحدين يتلاعبون بملوكهم، فخلعوا عبد الواحد بن يوسف الأول ثم قتلوه سنة 621ه 1221م وبايعوا -بعده- العادل، ثم خنقوه وبايعوا المأمون، ثم نكثوا وبايعوا ابن أخيه يحيى في الحين (4).
وساوق هذه الهزاهز غلاء ومجاعات اجتاحت المغرب والأندلس سنوات طويلة (5).
وقد نشا عن هذا كله انحلال في حياة المملكة الموحدية: ففي المغرب توقفت حركة الحراثة في البوادي (6)، كما أن عددا من المدن انتابها الخراب: ففي فاس اضمحلت كثير من المنشئات الصناعية والعمرانية (7)، كما كثر الخراب في ديار مدينة  مراكش (8) وفي مكناس دثرت مدائنها القديمة ولم يبق منها سوى الصوامع والأطلال العتيقة (9) وفي الرباط تهدم جامع حسان الذي نقضه السعيد الموحدي ليصنع بخشبه الأجفان الغزوانية (10) وفي هذه الفترة أيضا خربت –نهائيا- مدينة مغيلة (11) التي لا تزال أطلالها قائمة غرب مدينة فاس.
يضاف لهذا أن امن المغرب الخارجي صار مهددا نتيجة ضعف القوى الداخلية، وهكذا تعرضت عدة مدن شاطئية لهجمات بحرية، فقد شدد الجنويون الحصار على سبتة، ونصبوا عليها المجانيق وآلات الحرب وأسرفوا في التضييق عليها حتى صالحهم أهلها بأربعمائة ألف دينار، فاقلعوا عنها سنة 633ه (12)، وفي سنة 658ه هاجم القشتاليون مدينة سلا ودخلوها وخربوها (13)، وفي سنة 668ه دخل النصارى حصن العرائش وحصن شمس فقتلوا الرجال وسبوا النساء والأموال وأضرموا الحصنين نارا ثم ارتحلوا (14) قال في الاستقصا (15): ولم يبين في القرطاس هؤلاء النصارى من هم.
ولقد فكر فرديناند الثالث ملك قشتالة في أن يعبر البحر بأسطول إلى افريقية ويغزو هنالك ويفتتح، وقام أسطول قشتالة بالفعل بإحراز نصر على الأسطول المغربـــــــــي سنة 649ه 1251م (16).
أما في الأندلس فقد افترقت كلمة الأمراء الموحدين بها، وتحاربوا على الخلافة، واستجاسوا بجيرانهم الكفار، وأمكنوهم من كثير من الحصون الإسلامية طمعا في التغلب، وفي سنة 625ه قام ابن هود بمرسية وشرق الأندلس وقضى على النفوذ الموحدي بالأندلس، وبعده -في سنة 629 هـ- ثار محمد بن يوسف ابن الأحمر بغرب الأندلس، وثارت الحروب بينه وبين ابن هود، وفي خلال هذه التقلبات التي مرت بالأندلس كانت القواعد والمدن والحصون تتساقط بيد اسبانيا النصرانية، وكان عدد من الجهات ينزل عنها ابن هود أو ابن الأحمر فيتملكها هؤلاء الاسبانيون بدون قتال، وقد بلغت الجزية التي كان يؤديها ابن هود أربعمائة ألف دينار سنوية (17).
ثم آلت الحال بالأندلس -سنة 663- إلى أن عزم الفونسو ملك قشتالة على استئصال الصبابة التي تبقت للمسلمين بالأندلس، وقرر أن يبعث إلى كل بلدة إسلامية جيشا لمحاصرتها (18).
ولا ننسى أن نذكر –بعد هذا- انه في هذه الفترة كان قد انفصل عن المملكة الموحدية تونس التي قامت بها الدولة الحفصية ابتداء من سنة 625ه ثم الجزائر التي ظهرت بها دولة بني عبد الوادي من سنة 631ه.
وهكذا تتبين مظاهر الضعف الذي لحق المملكة الموحدية خلال النصف الأول من القرن السابع الهجري، وطبيعي أن ينبع هذا انحطاط في العلوم والآداب والصناعات، وانتكاس في المستوى الأخلاقي والاجتماعي، وقد كانت هذه -مضافة إلى مظاهر الضعف الأخرى- من الأسباب التي أطاحت بالدولة الموحدية العظيمة، حيث تناثرت أجزاء إمبراطوريتها في الأندلس والشمال الإفريقي، وقد صار المغرب الأقصى من نصيب الدولة المرينية التي سنتناول التعريف بها موضوع مقبل بحول الله تعالى.


(1) التكملة لكتاب الصلة
(2) الذخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية لمؤلف مجهول (الجزائر سنة 1920) ص 51.
(3) الذخيرة السنية ص 35-العبر (بولاق سنة 1284) ج 7 ص 170.
(4) روض القرطاس فاس 1305 ص 204 وفي الذيل والتكملة لدى ترجمة ابن الصفار الملقب بالبرنامج يسجل أن خلع عبد الواحد وما تبعه كان سببا في إبادة دولة الموحدين، وصورة الخزانة العامة بالرباط رقم د 2647 لوحة 488، ونحو هذا في نظم السلوك للملزوزي  (المطبعة الملكية بالرباط) ص 60.
(5) روض القرطاس ص 29/196/198.
(6) الذخيرة السنية ص 35.
(7) انظر روض القرطاس ص 29 و (زهرة الأس) الجزائر ص 60.
(8)ذكر مشاهير بيونات فاس في القديم نسخة مخطوطة لدى بيت بني المغيلي.
(9)روض القرطاس ص 198-البيان المغرب ج 4 ص 404/405.
(10)توجد تفاصيل هذه الحادثة في (البيان المغرب) ج 4 مخطوط الخزانة العامة بالرباط رقم ق 200وهناك نبد عنها في روض القرطاس ص 216 والذخيرة السنية ص 103 والعبرج 7 ص 178.
(11)الذخيرة السنية ص 137 واقتصر في (روض القرطاس) ص 295-على ذكر خصوص العرائش.
(12)ج 2 ص 15 القاهرة سنة 1312 هـ.
(13)تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين تأليف المؤرخ الألماني يوسف أشباح، الترجمة العربية، الطبعة الثانية ص 445.
(14) العبرج ج 7 ص 190 مع روض القرطاس ص 197.
(15) الذخيرة السنية ص 113.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here