islamaumaroc

وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه

  دعوة الحق

74 العدد

حاولت أن يكون هذا النص الموجز الجامع موضوعا للحديث وعنوانا لمضمونه وميزانا لفصوله، وظني انه يزيح الستار عن حقائق كان لها صلة بحياة اللغة ووحدتها وتقدمها.
وهذه الحقائق تستدعي انتباه كل عربي، وكل مسلم لا يغتر بالمظاهر والمعارض الجوفاء، ولا سيما هذا العصر الذي تطاول فيه لسان على لسان، وحضارة على أخرى.
فمن الحكمة أن تتبين الطريق قبل أن تتوسطها، ونتثبت عند توارد الشبه وتزاحم العلل، ونأخذ الحيطة ونعد العدة في آن واحد، عسى أن نفلح في استبقاء الكيان قائما وسالما، مع اقتباس أنوار الحضارة واكتساب أنواع الثقافة لتلقيح العقل وتصحيح الوضع.
وإليك شرح الحقائق التي يتضمنها النص الكريم ويكشف النقاب عن وجهها كشفا واضحا.
الأولى: قوة اللسان هي القوة الأولى من مجموع قوات الإنسان، فإذا أحكمت هذه القوة واتسع نطاقها، وتهيأ بيانها تأتي لأصحابها أن يظهروا وان يظفروا (وان من البيان لسحرا).
ومن اجل ذلك رأينا الرسول لا يرسل إلى القوم إلا وهو متسلح بلغتهم ورأينا الدول التي تعلم ظاهرا من الحياة الدنيا تسارع إلى بث لغتها وتركيز ثقافتها في الشعوب المتثاقلة بمختلف الوسائل الفعالة، وهي اليوم -على الرغم من تيار التحرير- تسيطر على مجموعة كبيرة من مناطق العالم بقوة لسانها وبقوة أسلوبها.
فالثانية: وظيفة المربي والمعلم هي البيان والكشف عن منهج الحياة وموضع السعادة والبيان والفهم لا يكون إلا بلسان القوم.
وليس من المعقول ولا من المقبول أن يكون بلسان مخالف لأنه تغيير لحقيقة وطبيعة القوم وتعبير عن فقدان الثقة بأهم مقومات القوم وحرمان من الاستفادة من المثقف بغير لسان القوم.
الثالثة: أقوم طريق لمتابعة ترقية لغة القوم وتطويرها حتى تحلق في سماء اللغات الحية المنتجة، هي استخدامها باستمرار في مختلف مرافق الحياة ومراكز التربية ومصالح الإدارة من دون مضايقة كلية أو جزئية.
الرابعة: لسان القوم هو الوسيلة الطبيعية إلى جمع كلمتهم وتقوية وحدتهم لان وحدة الثقافة توجب وحدة التفكير، ومن شان ذلك لن يسهل الوصول إلى تبادل الآراء والتفاهم حول السياسة المطروحة وحول تخطيط برامجها ومناهجها، ولا تخفى صعوبة التفاهم إذا اختلفت طرق التفكير، وهو ما كان بالقول وتحقق بالفعل.
وإزاء تنفيذ هذه الحقائق الثابتة ينبغي أن يتوجه التوجيه في حياة الشعوب إلى إقرار وضع صحيح سليم ليتسنى تنسيق الفكر وتوضيح الاتجاه في كل سياسة تناط بها مصالح شعب ومطامحه.
إن لسان القوم هو قوام تربيتهم وسياستهم وعماد تعليمهم ونهضتهم، ولا مجال لاختيار نظام أو مذهب يند لسانه عن فهم الجماعة ويترتب عليه الشك أو التشكيك في تركيب الاجتماع وضم جهوده وقصد هدافه، فالحكم المقرر بلسان القوم واضح ومفهوم لهم تماما، والحكم المفسر بغيره مشكوك فيه وغير مضبوط لقلة تمرن الأفئدة والألسنة عن طبيعة ما يوحى به، واللغة ملكة تثبت عادة في النفس بعد معاناة  وارتباط بالمفاهيم الوضعية والمصطلحات القومية.
ومن قبل هذا المعنى كانت رسالة كل رسول بلسان قومه وكانت رسالة محمد (صلى الله عليه وسلم) باللسان العربي المبين.
ولا يمنعه انه رسول الناس جميعا، لان الرسول لابد وان ينسب إلى أسرة بشرية ذات طابع خاص والطبع المستقيم فاض أن تكون لغة الرسول هي لغة ما ينتمي إليهم بالنسب والحسب وان كان يعرف اللغات بطريقة أخرى.
ولان حملة الرسالة من قومه مسؤولون عنها ومستعدون لأدائها في كل جهة من جهات العالم وذلك ما يتفق مع المجهود البشري المحدود وينطبق عليه قول الرسول المأثور: (ليبلغ الشاهد منكم الغائب).
والترجمة في مثل هذا تقوم بدور البيان كما هو مشهود في ترجمة القرآن بكثير من اللغات، وكما هو ملحوظ في المنظمات العالمية التي تعتمد ما ترسمه بطريق الترجمة أو بطريق أخرى من طرق الاجتهاد في الرسم والكتابة، مع العلم بان وسائل الرسالة لا تخالف ما ثبت في الحياة من حكم العادة والعوائد والتقاليد هي من أهم جوانب الحياة الاجتماعية.
فكل سياسة -وان كانت سياسة تعليم وكل ثورة، وان كانت ثورة انقلاب فإنها لا تلاقي نجاحا ولا تتلقى تحبيذا، إلا إذا كانت مركزة على خلايا الشعب الكبرى وسارت في طريق يفهمه لسان الشعب بحيث لا تنحرف عن مبادئه العقائدية وأهدافه الشعب ويرعاه قلب الشعب بحيث لا تنحرف عن مبادئه العقائدية، وأهدافه الوطنية ولا تتنكب عما يحسه بعقله وروحه وإيمانه وتاريخه حتى يكون التطور المنشود أو التغير المقصود مفهوما ومقبولا لأنه ليس بدعا من الشعب ولا بعيدا من علاقاته الروحية والمادية، فهو منه واليه يسير بجانبه ويرعاه ويذود عنه بسائر قواه، إلا انه يبدو أن الحركات والسياسات التي تقوم من وقت لآخر داخل الشعوب المستقلة المتحررة بصفة إصلاح أو بصفة أخرى، لاتلتزم هذا المسلك ولا تعترف بهذا المذهب فهي لا تماشي عقلية الشعب ومفهوميته ولا تراعي قدرته واستعداده، بل تفرض عليه فرضا، أما من قبل الذين لا يراعون في رسم السياسة منطقه وطبيعته خطا أو غلطا وإما من قبل بعض الخلايا المسخرة للخارج التي تتربص الدوائر ريثما تجد الفرصة فتنفذ مؤامرة لا علم للشعب بها ولا اطلاع له عليها، ولذلك يكون نصيبها الخبية ومالها الرفض وتلك هي النتيجة الحتمية لمثل هذا التصرف الشاذ الذي يمتاز بالتردد والضعف وعدم الاستقرار.
إن اللسان القومي ضمانة للعقيدة ونهضة للثقافة وقاعدة للتفاهم.
وان الهدف من التعريب أن يكون الوعي العربي ساريا في الحياة بأسرها ملموسا في المراكز والمصالح وفي المشاريع والشوارع ولا يكون هذا إلا إذا قاد إليه إيمان وعزم وراج في كل مكان وراح في كل زمان وعاد القرآن كما كان لأنه الحافظ للغة والقائم على نشرها وبث روحها.
وكل مجهود خاص لا يعدو طبقة من الطبقات فلا يقدر أن يفي بمثل هذا الوعي الشامل ولا يستطيع أن يغير بوسائل خاصة شيئا من الواقع.
«وما توفيقي إلا الله عليه توكلت واليه انبت».
      

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here