islamaumaroc

العدد الماضي في الميزان

  دعوة الحق

74 العدد

إنه لمن الادعاء الممقوت أن يتصدى ناقد واحد، مهما أوتي هذا الناقد من سعة الأفق الثقافي وسلامة الحاسة النقدية، لتقييم (أو تقويم كما يريد اللغويون) مجموعة من المقالات والدراسات والقصائد يضمها عدد واحد من مجلة على اختلاف في الموضوع والاتجاه والأسلوب.
لأجل ذلك فإنني أريد أتحاشى القول بأنني سأضع العدد الماضي من مجلة «دعوة الحق» في الميزان، لأنني بذلك سأضع نفسي في ميزان لن تترجح كفتي فيه قطعا. وسأقتصر على استعراض مواد العدد الماضي مبديا رأيي-في أغلب الأحيان- على الشكل، وفي أحيان قليلة على الموضوع، حينما يكون لي في ذلك رأي تمليه الحقيقة والمقاييس المعروفة أو مجرد الذوق الخاص.
منذ سنوات، ولعل ذلك كان سنة 1959، شاء لي الأخ الأستاذ عبد القادر الصحراوي، أن أضع أحد أعداد «دعوة الحق» في الميزان، وبعيدا عن الادعاء لاحظت حينذاك أن المجلة، أو بالأحرى ذلك العدد الذي كلفت بتقويم مواده ينقصه الطابع المغربي، حيث كانت جل المواضيع تتناول أشياء ليست مغربية، وكان ذلك في نظري نقصا يجب تلافيه، لأن رسالة كل مجلة ثقافية -إلى جانب التعريف بالتراث الإنساني المشترك- إبراز الطابع الثقافي والحضاري الوطني وإظهار عبقرية الأمة في المجالات الفكرية والشعورية المختلفة، وقد حرصت مجلة دعوة الحق منذ ذلك الحين - شعورا منها برسالتها - على خدمة الثقافة والحضارة المغربيتين، إلى جانب تعريفها بالفكر الإنساني والتراث المشترك بين كل الشعوب.
والعدد الذي بين يدي الآن يسير على هذا المنهج، ولا بد في بداية الأمر من التنويه بتبويب المجلة الذي يسهل الاستفادة منها.
فالدراسات الإسلامية تبدأ بحصة التفسير حيث قام الأستاذ أبو العباس أحمد التجاني بتفسير الآية الكريمة (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 107]، وقد شاء المفسر أن يستعرض أقوال بعض الغربيين في الرسالة المحمدية وفي الإسلام، فبدأ بمقدمة طويلة ذكر أنه نقلها عن «جون لابوم» من كتابه تحليل القرآن، وتعرض فيها للحالة التي كان عليها العالم، وجزيرة العرب بصفة خاصة، في القرن السادس للميلاد، كما نقل الأستاذ التجاني أقوالا أخرى عن (لامارتين) و(البطريق ميشو) مستدلا بها على أهمية رسالة النبي (ص) وعلى قيمة الإسلام، ولست أراني متفقا مع الأستاذ الجليل في حشر أقوال لطائفة من كتاب الغرب أو مؤرخيه، لأنني لا أرى لذلك علاقة مباشرة في شرح الآية الكريمة التي أظن أنها لم تف حقها من الشرح، ولست أرى كبير فائدة في الإتيان بأقوال علماء غير مسلمين للاستدلال على نبل مقاصد الإسلام وسلامة أركانه، وبخصوص النص الذي نقله الأستاذ الجليل أبو العباس عن ميشو أرى فيه دسا، حيث قال: «من المحزن في حق الأمم المسيحية أن يكون التسامح الذي هو قانون التراحم بين الشعوب علمه لهم المسلمون»، فالذي يفهم من كلامه أن سبق الإسلام إلى التسامح شيء يحز في النفس ويبعث على الحزن، مع أن الإسلام لم يعلم الغرب التسامح فقط بل لقنه دروس الحضارة التي مهدت لعصر النهضة الأوربية.
وبعد التفسير تأتي حصة الحديث النبوي حيث شرح الأستاذ محمد الطنجي الحديث الشريف: (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل...) فجاء شرحه وافيا بالغرض بما اشتمل عليه من أدلة مستمدة من كلام الله وإيضاح بارع لأغراض شريعة الإسلام، كل ذلك في أسلوب سلس واضح، واعتقد أن هذه الطريقة في شرح الأحاديث النبوية ذات فائدة كبيرة وخاصة بالنسبة للشباب الذين أرى أن نخصهم بأكبر قسط من الدعوة الإسلامية بأسلوب بعيد عن التزمت والتجهم المنفرين.
وبعد حصة الحديث جاء مقال قيم للأستاذ أحمد أنور الجندي بعنوان «الإسلام إزاء الفكر الغربي»، وهذا الموضوع الطريف قد استأثر باهتمام طائفة من العلماء المستنيرين في العالم العربي الحديث وفي مقدمتهم الدكتور محمد البهي الذي أفرد له جهدا حميدا.
وقد استعرض الأستاذ السيد أنور الجندي في هذا المقال طائفة من آراء بعض مفكري الغرب الذين نددوا بتعصب بعض العلماء المسيحيين وتحاملهم على الإسلام انطلاقا من نظرة خاطئة بعيدة عن الأسلوب العلمي الذي يتحرى الحقائق، وقد استخلص الأستاذ الجندي من أقوال المنصفين والمتعصبين «أن جوهر الإسلام النقي وقوته الذاتية بالرغم من الضباب التي رسمت صورته من خلاله، وهذه الاتهامات المريرة الذاهبة في أطواء الحقد والتعصب، قد استطاع أن يكشف عن نفسه وأن يدل على مفاهيمه الأساسية».
وتحدث الأستاذ السيد محمد بنعبد الله عن الفراغ الروحي فلاحظ أن هذه الصفة أصبحت من مميزات عصرنا، وأن «أشد الشعوب إحساسا بذلك الفراغ أرقاها حضارة»، فهل يكون السبب يا ترى في هذا الفراغ هو فكرة فصل الدين عن الدولة في أوربا، ودعوات الإلحاد القائمة في بعض الشعوب؟ إن الكاتب الفاضل ذكر أن ذلك من أهم الأسباب.. ولعل الأسباب الأخرى كامنة في طبيعة الحضارة المعاصرة نفسها، تلك الطبيعة المعقدة المادية المعتدة كل الاعتداد بالاستدلال العقلي التجريبي، أما فصل الدين عن الدولة في الدول المسيحية فقد كان أمرا طبيعيا في نظري.. لأن الدين المسيحي كما عرف عند الأمم الغربية له صفة كهنوتية اكليرجية محض، وهو بذلك يختلف عن الإسلام الذي هو نظام كامل: دين ودنيا.
وشاء الأستاذ أبو عبد الله أن يتحدث عن «تدين المرأة المسلمة»، وإنني لأسال الأستاذ الكريم أن يحدثنا في مقال لاحق عن الكيفية التي يمكن أن توفر لمجتمعنا امرأة متعلمة ومتدينة في آن واحد، امرأة تعرف حقوق ربها ونفسها وأسرتها ومجتمعها، إنه موضوع جدير بالاهتمام والدراسة على ما أرى.
وختم الأستاذ محمد العربي الشاوش باب الدراسات الإسلامية بمقال (الإسلام فلسفة ونظام)، فأبرز بعض القيم التي يمتاز بها هذا الدين كالعدل والمساواة والأخوة والتوحيد وحرية الفرد والفكر، والتسامح وشمول الرسالة.
ونجد في الباب التالي «أبحاث ومقالات» مقالا للأستاذ أحمد زياد بعنوان «ثقافة العصر» لاحظ فيه أن ظروف الثقافة في العالم العربي قد تغيرت من عمق القديم إلى سطحية الجديد، وعد ذلك أصلا في الأزمة الثقافية العربية، ويرى الأستاذ زياد أن ثقافة هذا العصر أصبحت تلزم المثقف بأن يكون على بينة مفصلة ومدققة من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية في بلاده وفي البلاد الأخرى، وأن يعرف البون الشاسع الذي يفصل بين عالمين أحدهما متقدم والآخر في طريق النمو، لعل هذا الذي يدعو إليه الأستاذ زياد هو ما قصد إليه مؤتمر الكتاب الآسيويين الإفريقيين المنعقد في طشقند (1958) وفي القاهرة (1962)، حيث بحث وضع الثقافة فيما يسمى بالعالم الثالث وعلاقتها بثقافة العالم المتقدم، وأظن أن معالم الطريق قد بدأت تتضح شيئا فشيئا أمام مثقفي الدول النامية.
وحلل الأستاذ حسن السائح (خصائص المدرسة الحديثية المغربية) بعد مقدمة طويلة عن خصائص علم الحديث وموضوعه ومكانته من القيادة الفكرية الإسلامية، ومما يلفت النظر ما قاله الأستاذ السايح من أن المغاربة أخذوا أنفسهم بالشدة في معالجة قضايا الدين واتباع النهج الصحيح، وفي نظري أن هذا الرأي في حاجة إلى تحليل ودراسة وافية، هل هذه الشدة كانت ناتجة عن تعصب أو عن رغبة في استقصاء الحقائق أو عن جبلة يمتاز بها الشعور الديني عند المغاربة؟ وهل كان لهذه الشدة أثر ظاهر في الحياة الفكرية والثقافية ببلادنا عبر الأجيال؟ إن الموضوع الذي تناوله الأستاذ السايح هام جدا، وأعتقد أنه يتطلب دراسة أطول وأكثر تحليلا، فقد اقتصر المقال أو كاد على إعطاء لمحة تاريخية عن المدرسة الحديثية المغربية، وبقي عليه أن يبرز لنا بتفصيل خصائص المدرسة ذاتها مع تحليل منحى علماء الحديث المغاربة، ولعله سيفعل ذلك مشكورا.
وتحدث الدكتور جمال الرمادي عن الصحافة من حيث هي مهنة ورسالة وعن العلاقة بين الصحيفة والجمهور في مقال بعنوان «نظرات في الصحافة»، وقد لفت نظري في هذا المقال قول الكاتب: «من الصعب على الجريدة أن ترتفع عن مستوى القراء، ولذلك كان من الصدق أن نقول إن للأمة الجريدة التي تستحقها».
ويأتي بعد ذلك مقال للأستاذ محمد زنيبر عن نجيب محفوظ، أو على الأصح القسم الأول من المقال الذي جعله الكاتب بمثابة تمهيد للدراسة التي أعدها عن نجيب محفوظ، هذا الكاتب الذي لا تكاد تخلو صحيفة أو مجلة عربية (شرقية) من مقال أو دراسة عنه.
وكتب الأستاذ عبد اللطيف خالص في نفس العدد القسم الأول من دراسة هامة بعنوان «أهمية الدراسات الأدبية»، وقد كان بودي أن أناقش الأستاذ الكريم في هذا الموضوع الهام لو أن الدراسة كانت تامة، خصوصا حول مفهوم الثقافة والمعرفة والصراع بين الثقافة الأدبية والثقافة العلمية، وذلك بمناسبة ما أثاره في القسم الأول من مقاله من كلام عن الاختلافات القائمة حول تاريخ الأدب والاكتفاء بالدراسات النقدية أو الرجوع إلى أمهات الكتب التي خلفها عباقرة الفكر والأدب، وذلك لأنني أعتقد أن المشكل لا يقف عند حد الرجوع إلى الأمهات أو الاكتفاء بالدراسات المختصرة عنها، بل إنه يشمل مفهوم الثقافة نفسها والفرق بينها وبين المعرفة، ومن الصواب أن ننتظر جواب الأستاذ خالص على السؤال الذي طرحه في آخر القسم الأول من مقاله، ولعله أن يشفي من قرائه الغليل، غير أنني أريد أن أقول للأستاذ الكريم بأن القضية التي يتناولها بالدرس قد تجاوزت مدرسة رينان صاحب (مستقبل العلم)، قد تجاوزته زمنا وتشعب موضوع، ولا شك أن الأستاذ خالص مدرك هذا.
وفي نفس العدد دراستان إحداهما للأستاذ عبد الله العمراني عن معركة القصر الكبير (وادي المخازن) والأخرى للأستاذ عبد الله الجراري عن قصبة الرباط في مراحل التاريخ.
وأعتقد أن هذه الدراسة الأخيرة فريدة في بابها لم يفرد لها مؤرخ مغربي دراسة خاصة، حسب علمي، بالرغم من أن بحث الأستاذ العمراني عن معركة القصر الكبير لم يتم بعد، إذ له بقية، فالذي يبدو أن الأستاذ الفاضل قد بذل مجهودا يشكر عليه في تقصي المعلومات المتعلقة بهذه المعركة، واستشار عدة مراجع في الموضوع، وأعتقد أن مثل هذه الأبحاث التي تنشر متفرقة في المجلات والصحف والتي يبذل فيها أساتذة مطلعون أمثال السادة محمد الفاسي وعبد العزيز بنعبد الله والجراري والعمراني.. يمكن أن تؤلف نواة لكتاب كامل عن تاريخ المغرب الذي ما زلت أعتقد أنه لم يكتب لحد الآن كاملا وبأسلوب علمي منهجي.
أما الأستاذ محمد العلمي الذي كتب كلمة عن توحيد القوانين في المغرب، كما يفهم من العنوان، إلا أنه ذهب في صلب المقال مذهبا بعيدا وهو توحيد القوانين بين جميع الدول العربية، فلا يسعني إلا أن أبارك معه كل دعوة أو مجهود ينحوان هذا المنحى.
ونقف مع الأستاذ المهدي البرجالي على دراسة قيمة عن الجامعة الذرية الأوربية، وقد تخصص الأستاذ البرجالي في ميدان الدراسات الدولية، ولعلني لا أكون مبالغا إن قلت بأنه الكاتب الوحيد الذي يتناول مثل هذه الدراسات بعمق وتفهم ووعي للأحداث السياسية والاقتصادية وخاصة في المجال الدولي، وهو يضاهي في ذلك كبار الكتاب المتخصصين في هذا الميدان في الدول الغربية ويتفوق على كثير من المعلمين العرب الذين تتسم دراسات بعضهم بالسطحية.
ويأتي بعد مقال الأستاذ البرجالي -الذي له بقية- تعقيب للأستاذ محمد بن تاويت بعنوان: «رد الصدر على العجز» الذي يؤلف جزءا من نقاش يدور بينه وبين الأستاذ الحلوي في موضوع تقصر معارفي عنه.
وديوان المجلة محتو على قصائد خمس إحداها من الشعر العربي القديم، وبما أن الشعر عندي حاسة وتذوق أكثر مما هو معرفة ومقاييس، فإنني أفضل أن أمر مر الكرام على القصائد الخمس لأنوه بحسن اختيار الأستاذ عبد القادر زمامة للكتاب الذي علق عليه، وهو «المشرق في نظر المغاربة والأندلسيين في القرون الوسطى» للدكتور صلاح المنجد، وأشد من جهة أخرى على يد الأستاذ محمد برادة الذي يوفق دائما في أن ينقل إلى قرائه أصداء الثقافة والفكر، وأصل إلى قصة «الديك الأحمر» للأستاذ عبد القادر زمامة التي أرادها أقصوصة رمزية وكتبها بأسلوب جميل سهل مع ضعف في الحبكة القصصية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here