islamaumaroc

الإسلام يهدف بمعتنقيه للحياة الجامعة بين قوة الروح والمادة

  دعوة الحق

74 العدد

حفلت نصوص الإسلام وتعاليمه بالدعوة إلى مواجهة الحياة والاهتمام بها على دعائم مهذبة مشروعة، وحث على الاستمتاع بها إجابة لداعي الفطرة والطبيعة التي لا بد أن تسير سيرها المتزن، وكان اهتمامه بها مدعاة لتأسيس الحياة نفسها. فقد أباح الإسلام التمنع بالعمليات والتجميل بوسائل الزينة في حدود القصد والاعتدال، وحارب الرهبانية والتبتل والانصراف عن متع الحياة الطيبة، فالإسلام في اهتمامه بالحياة يقف بها موقفا وسطا يدعو إليه، وينفر من الجنوح إلى احد الطرفين اللذين يكتنفان هذا الحد الوسط.
فقد دعا الإسلام إلى الروحية المهدية، ونهى عن طرفيها التبتل والتكالب على المادة.
«ولا تغسل في شـيء من الأمر واقتصـد 
                         كـلا طرفي قصـد الأمـور ذميـــم»
فالتبتل وما إليه من رهبانية وانصرف عن الحياة هو في الحقيقة موقف عداء وبغض للحياة فقد اتجه بعض الناس إلى تنمية روحه فقط مائلا إلى التبتل والعبادة والتحذير من الدنيا وتنقير الناس من موارد الخبر فيها، ودعا إلى الصوم الدائم والزهد في متع الجسد كأنما يريد أن يسجن الناس في كهف مظلم حتى يفارق الحياة، هذه الرهبانية نهى عنها الإسلام في قوله تعالى من سورة الحديد «ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، فما رعوها حق رعايتها»
إذ في هذه الرهبانية والعزوف عن الدنيا تعطيل قوى التفكير والإدارة والعمل في الإنسان وترك قوى الكون وأسراره ومنافعه مهملة معطلة سخرها الله للإنسان:
«قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل هي للذين امنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة» كما جاء في سورة الأعراف، وقال تعالى في سورة النحل : «والإنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون»
وروى من انس بن مالك انه قال:
جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسالون عن عبادة النبي، فلما اخبروا كأنهم نقالوها -أي عدوها قليلة- فقالوا: وأين صلى الله عليه وسلم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال احدهم: أما أنا فاصلي الليل أبدا وقال آخر: إنا أصوم الدهر ولا افطر. قال ثلاث: أنا اعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء إليهم رسول الله فقال: أنتهم الذين قلتم كذا وكذا؟
أما والله أني لأخشاكم لله واتقاكم له، لكني أصوم وافطر، واصلي وارقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني»
والتكالب على المادة والتغالي في حب الحياة هو الطرف الآخر الذي نهى عنه الإسلام كذلك فقد اشرب كثير من الناس حب المال إلى درجة العبادة والتالي، وصرفوا قواهم إلى الحصول عليه بأي طريق ولو كان غير مشروع حبا في الطغيان والتفاخر والتكاثر، فاغرقوا في المادية العمياء حتى صاروا عبيد لها.
يقول الكتاب: «ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون»
وقد ضرب اتلله تعالى لذلك الأمثال -من ذاك ما قصه في شان صاحب الجنتين اللتين افتخر بهما عمى صاحبه وكانت عاقبته قول جلت قدرته:
«وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيا على ما انفق فيها وهي خاوية على عروشها»
ومنه قصة قارون ونهايته: «فخسفنا به وبداره الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله، وما كان من المنتصرين»
وهكذا يكون التكالب على الحياة شرا ينهى عنه الدين، لأنه تسلط فردي ومغالاة في حب الدنيا ولا يلبث أن ينتهي بالكوارث.
«من كان يريد الحياة وزينتها لوقت عليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحيط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون»
فالإسلام يحارب الروحية البحتة لأنها انصراف عن الحياة ويحارب المادية البحتة لأنها عبادة للحياة وفناء فيها، ويدعو إلى المادية المهذبة القائمة على التوازن بين حاجات الجسم وحاجات الروح، فان السعادة الحق في استكمال حظي الجسم والروح معا، ولكن في الحد الوسط يقول الله سبحانه:
«ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين»
وقد تعددت أساليب القرآن في الدعوة إلى الحياة بقوة والسيطرة عليها، وبالنظر في خلق السماوات والأرض والتأمل في أسرار الكون وقوى المادة، وان الله سخر هذا العالم للإنسان ودعاه إلى استنباط الثروة من مكانه:
يقول الله تعالى في سورة النحل:
«والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون، ولكم فيها جمال حين تربعون وحين تسرحون، وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، إن ربكم لرءوف رحيم، والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون، وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر، ولو شاء لهداكم أجمعين هو الذي انزل من السماء ماء لكم فيه شراب ومنه شجر فيه تسيمون، ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعتاب ومن كل الثمرات، أن في ذلك للآية لقوم يتفكرون، وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، أن في ذلك لآيات لقوم يعقلون، وما ذرا لكم في الأرض مختلفا ألوانه، أن في ذلك للآية لقوم يذكرون. وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسوها. وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون».
فالحياة موضوع جوهري من موضوعات القرآن الأساسية التي اهتم فيها بالحياة ومواردها ومصادر الثروة قيها، فقد تناولت هذه الآيات الكريمة بعض تلك الموارد الهامة على أنها من نعم الله على العباد تدعوهم إلى الإيمان بقدرته وعجيب صنعه والاعتراف بوحدانيته.
بدأت الآيات بذكر الإنعام الحاملة في مدلولها -الإبل والبقر والغنم إذ هي خيار المال- ورأس الثروة، ومنبع البركة والنساء، واستخدم في الحديث عنها أسلوب الخطاب للتوجه مباشرة إلى المخاطبين- فبين سبحانه انه خلق لكم هذه الانتزاع من الماشية تتخذون جلوده واو بارها وشعرها وأصوافها ملابس تدفئكم وتدفع عنكم عادية البرد وقسوة الطبيعة، وتجنون ثمارا طيبة من نسلها ولبنها وعظمها وروثها وتعتمدون عليها في حرث الأرض، والحصول على الحب والثمار، وتأكلون لحومها الشهية التي تبني الأجسام، وتقر عيونكم بمنظرها الجميل فنجد فيها النفوس راحة ومتعة واطمئنانا وتذوقا للجمال حين تختال أمامكم في مشيها غادية ورائحة تطلب المرعى أو تسعى إلى ورود الماء، كما أن منها ركائب لحملكم وتحمل أثقالكم في السلم، وتركضون عليها في الكر والفر وقت الحرب وهي الإبل، وخلق لكم دواب للحمل والركوب واتخاذ مظاهر الزينة والسلطان وهي الخيل والبغال والحمير، إنها عدتكم في الأسفار وسلاحكم المندفع في مواقع القتال، ومتعة كبرى لنفوسكم في حلبة السباق، ويخلق لكم وراء ذلك ما لا تعلمون من وسائل الحمل والركوب والقتال-كالسيارات والطائرات والبواخر والقطارات.
يقول سبحانه في سورة يس: «وخلقنا لهم من مثله ما يركبون» فتأمل دقة التعبير بالمثلية في الآية.
تلك هي دلائل قدرته.
ومن تفضيله عليكم -أن تكفل ببيان أقوم الطرق للهداية على يد أنبيائه ورسله حتى لا تعيدوا عن الطريق المستقيم ومنكم من هو جائر ومائل عنها.
ومن موارد الحياة لكم -انزل الماء من السحاب المكون بقوانين ثابتة، فجرى انهارا ووديانا على ظاهر الأرض، أو امتصته ثم تفجر منها عيونا تفيض بالماء العذب (وأنزلنا من السما ماء يقدر فاسكناه في الأرض) فتشربون وتسقون دوابكم وتروون زروعكم، وتركبون الفلك في الأنهار الجارية، أن في تلك تنبيها لكم لكي تعملوا الفكر وتدفقوا النظر في عظمة الله.
ومن الموارد لكم الأفلاك وحركاتها وما ينشا عنها من الليل والنهار، ودور أن الفصول والأعوام لترتيب مصالحكم وتنظيم معاشكم، أن في عالم الكواكب وتسخير الطبيعة لدعوة إلى العقل أن يسترسل وراءها ويبحث في طواعرها ومكنوناتها.
أما عالم الأرض وما نخرجه بطونها وأعماقها من حيوان ونبات ومعادن متباينة الألوان والإشكال-فذلك مبسوط أمامكم مستقربين أيديكم يدل في جلاء على قدرة البديع ويدعوكم إلى الإسماع بالحياة التي خلقت لكم.
وسخر لكم البحار وعالمها العجيب، وما لمحيطاتها من قوة جبارة وهيبة أسرة، إذ هي من أعجب ملك الله في الأرض-منها تستخرجون السمك الطري الطازج، وتلتقطون اللؤلؤ والمرجان وما إليهما من الجواهر النادرة، وفيها لكم زينة وحلية ومنافع، وتجري بكم فيها السفن الضخمة وهي البواخر عابرة المحيطات تطوف بكم في عالم البحار فتكتشفون الآفاق وجوانب الأرض، ويصبح العالم في قبضة أيديكم في التجارة والرحلة والحروب، ولتبتغوا وراء ذلك من فضله منافع أخرى كثيرة كقوى الماء في استنباط الكهرباء وتجفيف الملح، وإقامة الحضارات المختلفة على شواطئ البحار، ولعلكم بهذه الموارد الحافلة تتوجهون بالشكر إلى الله على ما انعم وتفضل منصرفين في نفس الظرف عن التبتل والرهبنة اللتين يأباهما الشرع وتنفر عن مساوئهما الطبيعة البشرية المخلوقة لنحيا حياة عملية ملاكها القوة والمتعة في حدود «لفقد كان لكم في رسول أسوة حسنة».
   

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here