islamaumaroc

تطور وظائف الأسرة

  دعوة الحق

74 العدد

لا شك أن غريزة حب البقاء والبحث عن الغذاء كانا من أسباب الترتبطات الأولى لدى الإنسان. فكانت الأسرة قلقة المعالم شانها شان جميع الأوضاع الاجتماعية في فجر الإنسانية وقد اقتصرت وظيفتها على الصيد والقنص وصنع الوسائل، اللازمة لذلك.
وعندما استقرت وضعية الأسرة الاجتماعية شيئا ما، أصبحت وظائفها أكثر وضوحا واقرب إلى تحقيق الغايات من الاجتماع الإنساني. فغدت الأسرة وحدة اقتصادية تنتج ما تحتاج إليه من مستلزمات الحياة كما كان الحال عند الأسر التونسية والفرعونية وعند اليونان والرومان، ورئيس العشيرة كان يجمع بيده جميع السلطات. فهو الذي يفض الخصومات بين أفرادها ويقتص للمظلوم ويتحمل مسؤولية الظالم وكان من حقه أن يقذف بالأفراد خارج الحدود. وهو الذي يرسم خطوط الدفاع باسم أفراد أسرته في المنازعات الخارجية. وهو في نفس الوقت المشرع والمشرف على شؤون الإدارة، وهو الذي يسهر على رعاية قواعد العرف والتقاليد وتطبيقها وإلى جانب ذلك يتمتع بالسلطة الدينية والتربوية ويترأس الاحتفالات والطقوس الدينية ويمنح الشباب حق القبول الجمعية الدينية ويشرف على رعاية النشء وتربيته وتعليمه. وهو أخيرا يتولى قضايا الإنتاج، ومهمة توزيعه داخل نطاق العشيرة. بهذا المعنى كانت الأسرة أو العشيرة عبارة عن دولة صغيرة تقوم بجميع متطلباتها ولم تكن تشكو العجز يومئذ، والسبب بسيط هو قلة متطلباتها وبساطة مستلزماتها.
وعندما اتسعت الحياة الاجتماعية فأنشئت القرى ثم المدن فالدولة أخذت تسلب من الأسرة وظائفها واحدة تلو الأخرى وأنشئت لكل وظيفة مؤسسة اجتماعية خاصة بها. فانتزعت منها بادئ ذي بدء السلطة التشريعية، والسياسية، وانشات لها الهيئات الحكومية والمجالس النيابية ثم انتزعت منها الوظيفة الاقتصادية وأصبحت من اختصاص العمال والنجار والشركات وتبدلت نوعية الإنتاج فأصبح الفرد يعمل لحساب المؤسسات الاجتماعية المختلفة قصد الاستبدال بدلا من إنتاجه لإفراد عشيرته قصد الاستهلاك أو المبادلة الضيقة. وانتزعت الدولة الوظيفة الدينية فأصبح رجال الدين هم الذين يقومون بهذه الوظيفة بدلا من الأسر القبيلة، أو العشيرة آنا ذاك، وأخيرا انتزعت من الأسرة الوظيفة التربوية، فالدولة أصبحت هي التي تشرف عليها وتضع المناهج الدراسية للنشء وفق مخططها وسياستها العامة.
وبذلك أتى المجتمع على معظم الوظائف التي كانت تقوم بها الأسرة قديما. ولكن مهما يكن الأمر فلا تزال الأسرة تقوم بكثير من الوظائف الأساسية وأهمها الوظيفة الأخلاقية فهي المكان الطبيعي لنمو الغرائز كحب الاجتماع والمشاركة الوجدانية. وهي التي بدورها الخلية الأولى التي تنجب الأطفال فهي تقوم إذن بمصنع البشرية. وهي أول من يتلقف الطفل في سنواته الأولى ففيه يتلقن الطفل أول مفرداته اللغوية ويتعد داخلها عادات وتقاليد ولآداب وسلوك المجتمع الذي سيعيا فيه فالأسرة تقوم بأصعب واخطر وظيفة إلا وهي التنشئة الاجتماعية للطفل. فالصغير لا يولد مواطنا بل يروض على ذلك.
ولقد ذكرنا فيما سبق على أن الدولة سلبت الأسرة الوظيفة السياسية والتشريعية والدينية والتربوية، ولكن لن يمكنها أبدا أن تسلبها الوظيفة الأخلاقية من الماضي وهي تقوم على ربط الأفراد وتعريفهم بثرائهم الأخلاقي والذي يتوارثونه جيلا بعد جيل.
والوظيفة الأخلاقية تتألف من عهدة واجبات نكتفي بتعداد أهمها فيما يلي:
- احترام الوالدين وطاعتهما. والاحترام هو المحور الذي تدور حوله الوظيفة الأخلاقية في الأسرة.
- الاعتراف بفضل الآباء وعدم التفكر لهم في شيخوختهم.
- عدم الاتصال غير المشروع بين أفراد العائلة فهناك طبقة المحارم يجب أن تحترم وتصان، فالعرف والعادة والقانون يعاقب كل فرد تحدثه نفسه بالاستهانة بمثل هذه المحارم.
- تعلم الأسرة أطفالها معنى الشرف والصدق والأمانة وكيفية المعاملة الخارجية والوفاء بالعهد.
(هذا إذا كان الوالدان على مثل تلك الخصال الأخلاقية).
- احترام الاسم العائلي وينظر إليه بمعنى التقدير والاعتبار ولا يرضى احد من أفرادها أن تلحق بالأسرة أية مهانة أو مذلة. وهذه كلها رواسب لما كانت تفرضه فضيلة الاسم الجمعي في القديم.
احترام دين الأسرة وطقوسها الدينية فكل فرد يخرج عن عوائدها قد يعرض نفسه للقتل عند بعض الأسر المتعصبة وخصوصا في البيئات الريفية.
- احترام السن فكبير العائلة هو الذي يحضر عند تحرير عقود الزواج وهو الذي يتقبل العزاء في مناسبات الوفاة ولا يبرم أي شيء في الأسرة دون مشورته واخذ رأيه في الموضوع.
ويعد أن تعرضنا إلى وظائف الأسرة في القديم والحديث. فلا باس من أن نتعرف على الأسباب التي أدت إلى ذلك التطور ونجملها فيما يلي:
العاص الفورفولوجي :
نشأة المدن وهجرة الأفراد إليها وبحثهم عن عمل يكفل لهم الرزق المضمون وبذلك كسب الأفراد حريتهم، الاقتصادية وتخلصوا من السلطة المطلقة رب الأسرة.
تقدم وسائل المواصلات. وتقدم الوسائل الثقافية كالطباعة والمذياع والتلفزيون كل ذلك أدى إلى احتكاك الطبقات الاجتماعية المختلفة وتغيير وتعديل وتهذيب كثير من العادات والتقاليد عندها.
ثانيا العامل الاقتصادي:
تطور نظم وسائل الإنتاج، فبعد أن كان الفرد ينتج لنفسه ولإفراد عائلته وعشيرته أصبح يعمل الآن في المعامل والشركات وبذلك تبدلت نوعية الإنتاج.
- مشاركة المرأة للرجل في العمل في جميع الميادين مما أدى إلى ارتفاع الإنتاج العام وارتفاع المستوى الاقتصادي والمهني والرفاهي لإفراد الأسرة جميعهم. ومع انه يوجد كثير من المناهضين لعمل المرأة فلا يمكن لأي مجتمع واع أن يشل نصفه ولا يمكن بالتالي أن يستغنى عن خدمات المرأة في جميع ميادين الحياة.
- انتشار النظرية الديمقراطية:
- بعد أن كان المنزل مكانا يتخذه أفراده للأكل والشرب والنوم فقط أصبح الآن مكانا أشبه بالندوة العلمية فيه يتبادل الأفراد وجهة نظرهم في اتحداث الساعة ومشاكل الحياة اليومية والاجتماعية بكل حرية وكثيرا ما نجد أن الأولاد ينتمون إلى حزب ما نرى أن الزوجة تعتنق مذهبا مخالفا لحزب زوجها وقد يحدث أن الأولاد ينتمون إلى مذاهب مغايرة لمذاهب آبائهم وأمهاتهم ولا يجدون أي حرج في ذلك فكل فرد حرفي تبنى أي مذهب سياسي أو اقتصادي أو أخلاقي شاء . فهذا اكبر دليل على سيادة الروح الديمقراطية التامة في جو الأسرة العصرية بدلا من روح الديكتاتورية والعبودية الصارمة التي كانت تسود جو الأسرة في القديم.
وهي من خبرات التقدم الآلي الصناعي. نفذت الالآت جميع نواحي الحياة الاسروية مثل آلات التبريد والغل والطهي والكنس وما إلى ذلك وهذا أدى إلى تخفيف أعباء الحياة المنزلية والاقتصادية ومن الجهد والوقت على جميع أفراد الأسرة وخصوصا بالنسبة للمرأة فسهل عليها إمكانية الجمع بين العمل داخل المنزل وخارجه.
ولكن هذا لا يعني أن الآت الصناعية. هي العصر الذهبي بالنسبة للأسرة والمجتمع بل أنها ساهمت إلى مدى بعيد في كوارث الحياة المنزلية والاجتماعية فلا يخفى ما أحدثته الثورة الصناعية من قلق وعدم اطمئنان للرب الأسرة فهو معرض للموت أو العطب في كل لحظة من ساعات عمله مع الآلة الصناعية العمياء وان تجمع وازدحام العمال حول المعامل أدى إلى انتشار الأمراض الخبيثة ومنها السل بأنواعه والسرطان بين العمال وأفراد أسرهم وإلى جانب ذلك فالعامل مهدد دائما بشبح البطالة. فعند تضخم الإنتاج وعدم وجود أسواق لتصريف هذه المنتوجات فيضطر رئيس العمل إلى الاستفتاء عن عدد من عماله ولا يخشى ما ينتج عن البطالة من أوبئة وأمراض اجتماعية مختلفة كالتسول والسرقة وتشكيل عصابات الإجرام وكل هذه أمور يمكن ردها  إلى العامل الصناعي، وهذه الضريبة التي تؤديها الإنسانية ثمنا للتقدم.
وليست وظائف الأسر وحدها هي التي خضعت وتخضع إلى التبدل والتغير فكل شيء على هذه البسيطة خضع وسيخضع إلى تغيير دائم وأكيد.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here