islamaumaroc

(سوف لا )(وهل لا) -1-

  دعوة الحق

74 العدد

من قبل بثمان سنوات كنت أنشر تحت عنوان «من أخطائنا الشائعة» استعمالات من هذا القبيل، فكان من بين ما نشرت هذا التعبير «سوف لا» الذي نبهت على أنه تعبير خاطئ، ولحن شنيع، وعدوى فتاكة، أتتنا من أولئك الذين أعداهم التعبير الانجليزي  Shall not أو will not وهو صنيع لا يجود - فيما نعرف- إلا في اللغة الانجليزية، لا يوجد هذا النفي متصلا اتصالا دائما بأداة الاستقبال، في الألمانية التي تنهي جملتها في هذه الحال بالفعل آتيا بعد أداة النفي، ولا يلزم أن تكون هذه الأداة متصلة بأداة الاستقبال، كما هي في الانجليزية، بل يفصل بينها وبين أداة الاستقبال فواصل من متعلقات الفعل وغيرها، ولا يوجد في الاسبانية التي تسبق فيها أداة النفي ثم تتصل بالفعل الذي تأتي في نهايته علامة الاستقبال، ولا يوجد في الفارسية التي تسبق فيها أداة النفي متصلة بها في نهايتها أداة الاستقبال، فهي في هذا توافق الاسبانية بسبق أداة النفي وتخالفها بكون أداة الاستقبال تخلف بها مباشرة، ولا يوجد في التركية التي تأتي فيها أداة النفي متصلة بنهاية الفعل ثم تتصل بها أداة الاستقبال، وبذلك توافق الاسبانية في كون أداة الاستقبال في النهاية، وتخالفها في كون أداة النفي تتوسط فيها بين الفعل وأداة الاستقبال، بينما هي في الاسبانية تتقدم الفعل كما رأينا، وتخالف الانجليزية والألمانية مخالفة تامة (1)
ولنعد إلى أداة الاستقبال في عربيتنا، فنجدها تتقدم الفعل، مثبتا كان أو موجبا، ولكنها مع ذلك تختلف في لفظها، باختلاف الفعل إيجابا ونفيا: ففي الإيجاب تكون «سوف» التي اختزلت فصارت «سو» أو «سف» أو السين، وهذه الأخيرة هي التي تروج روجان الأولى (2). أما إن كان الفعل منفيا، فلا نأتي بشيء من «سوف» ومختزلاتها بالمرة، وإنما نأتي بأداة أخرى مخالفة لها تماما في حروفها وهي «لن» فلا نقول «سوف لا يأتي» مثلا، وإنما نقول «لن يأتي»، قال تعالى: (لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) [الأعراف: 143]. فها نحن رأينا في الآية الاستقبال منفيا فعله بحرف «لن» ثم رأيناه مثبتا فعله قد أتي بحرف «سوف»
إذن فقولهم «سوف لا» استعمال غير عربي، وإنه أعدى الذين قلدوا الاستعمال الانجليزي، في كتابتهم العربية، فقلدناهم نحن، بحكم الثقة التامة، وسرت فينا هذه العدوى سريانا فتك بعامتنا، بل إنه فتك حتى بأعلام من علمائنا.
نعم، نقول هذا وأمامنا عشرات الشواهد عليه، ونقول إنه فتك بإعلام من علمائنا، وهو ما حدا بنا إلى أن نعود إلى الكتابة فيه؛ استمعت إلى صديق لي عالم بالعربية-وهو ما يعنينا-، وعالم بغير اللغة أيضا، ويعلم الله أني ما جالسته إلا استفدت من علمه، ومع هذا فقد قرأ علي من إنشائه عبارة «سوف لا» فقلت له على سبيل المداعبة والتنبيه، بل التذكير: «سوف لا أسمح لك بسوف لا»، ولم أشأ أن أقول له «لن أسمح لك بسوف لا» حتى لا أضع نفسي موضع الملقن. فأخرج قلمه وخط خطا على «سوف لا».
واستمر في قراءته لقصته، إلى أن انتهى إلى هذا التعبير «هل لا» فقلت له: وهذه أيضا، ضع عليها خطا»
لقد راعني التعبير الأول من صديقي، لأنه عدوى فتاكة، كما قلنا، واستغربت منه التعبيرالأخير، ولم يرعني، لأنه «لا عدوى فيه ولا طيارة»، وإنما فيه خداع نبهنا إليه من رجال النحو والبلاغة معا، قال أولئك إن «هلا» ليست للاستفهام وإنما هي للتحضيض، وقال رجال البلاغة، في بحوثهم المعانية، ومعهم رجال النحو واللغة إن هل الاستفهامية لا تدخل على المنفي، ولأمر ما قال الزمخشري-رحمه الله- إنها أخت «قد» أساسا، وإن الاستفهام بها لم يكن نصا في معناها، بل طرأ عليها بعد الوضع، وذلك بكثرة ورودها مع هذا الاستفهام، فكان الأصل في «هل جاء فلان؟» مثلا، هو «أهل جاء فلان؟». ثم بكثرة الاستعمال، استغني عن هذه الهمزة واكتفي بهل وحدها، فاستفهموا «هل جاء فلان ؟» كأنهم استفهموا بـ «قد جاء فلان»؟ بدون ذكر لأداة الاستفهام (أ)، كما هو معروف في كثير من اللغات، التي لا تتوفر على أداة خاصة بهذا الاستفهام.
وبهذا فإن الهمزة الاستفهامية حذفت في الإيجاب، أما في النفي فلا بد من ذكرها، فنقول «ألا تحبون أن يغفر الله لكم؟»-كما في القرآن الكريم- ولا نقول «لا تحبون»، مريدين به الاستفهام.
ونظير هذا الرابطة «أيس» فقد اختفت نهائيا من العربية، في الإيجاب، ولكنها بقيت فيها عند النفي، فهي «ليس» المعروفة من أخوات كان؛ نجد في معاجم العربية الكبرى «ايتني من أيس وليس»، ونجد الجاحظ، وهو يتكلم عن تعابير المناطقة فيعد من بينها «أيس وليس»(3)
إذن فقولهم في الاستفهام «هل لا» تعبير خاطئ، والتعبير الصحيح «ألا» كما مثلنا له من القرآن...
فان وقع مثل ذلك من مثل عالمنا المذكور، فما أكثر ما يقع فيه العلماء من توافه الأخطاء، حتى يكونوا على ذكر من أن الله وحده هو صاحب الكمال، وأنه هو المنزه عن السنة والنسيان، أما نحن بني الإنسان، فلا نستطيع، مهما كنا، أن نتخلص من ربقة الأخطاء وقبضة الأغلاط، وغرور منا وخداع لطبيعتنا أن نتحمل ما لا طاقة لنا به، أو نتظاهر بذلك.
ولعلي بالقارئ الكريم، يتساءل: لماذا كان الزمخشري لأمر ما يقول بأن هل أخت قد؟ وهل هذا القول مما يدعم قضيتنا؟
أما هذا الأمر «الممرض» فإنهم قالوا بأن «قد» لا تكون في حيز النفي: قال بذلك النحاة، بل إننا وجدنا، من قبل بثلاث مائة وألف سنة، جميل بثينة يلحن بهذا فيقول :
ألا قالــت بثينـــة إذ رأتنـــي       وقــد لا تعـــدم الحسناء ذامـــا
وهذا أقدم نص وردت فيه قد هكذا، وكان من طوالع اللحن الذي شاع في العربية، شيوعا ارتاع له أبو الأسود كما يقال... ومما لم يزل عالقا بالذاكرة، من دروسنا التي تلقيناها، أول ما تلقينا من دروس النحو، أن «قد للتحقيق إن دخلت على الماضي، وللتقليل إن دخلت على المضارع» ثم علمنا أن لها خمسة معان أو ستة كما في المغنى، وعلى كل فإن تلك الخمس يمكن أن ترد إلى ما سبق العلم به، فإن كانت في التحقيق فلا معنى لتحملها النفي، وإن كانت للتقليل، فهي مترددة بين الوقوع وعدمه، وحينئذ فلا لزوم للخروج من حيز الإيجاب -وهو الأصل- إلى حيز السلب، وهو فرع، فالأصل الاستصحاب، كما يقال...
إذا تقرر هذا بان لنا الجواب عن السؤال الثاني، فيكون بالإيجاب، وهو أن رأى الزمخشري مما تدعم به قضية امتناع اتصال هل الاستفهامية بالنفي، فلا يقال هل لا، ولا هل لم، ولا هل لن، بل يقال : (أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ) [التوبة: 13]، (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) [الشرح: 1]، (أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم... ) [آل عمران: 124]، كما هي في القرآن الكريم.
وبقي السؤال عن المعنى الذي استعمل فيه المناطقة، ومن قبلهم جميل، «قد لا»، فالجواب أننا نضع بدل ذلك «ربما» مع أداة النفي المطلوبة، وفي غير ذلك «لمّا» بتشديد الميم.
وأخيرا فيبدو أن «لن» مؤلفة من لا + ن التوكيد، ولهذا قال الزمخشري فيها إنها لتأبيد النفي، وهذا التأبيد هو الذي استغلته الاستقبال في حالة النفي، لينال حظه الزمني منه.
والملاحظ أن الناس يخطئون بسوف لا، ولا نراهم يخطئون بلا مثلا. ولعلهم في ذلك استسهلوا إقحام النفي بين سوف ومضارعها، ولم يجدوا مكانا لذلك وقد اتصلت تماما هذه السين بمضارعها حتى صارت جزءا منه، زيادة على كون المقلدين الأولين أخذوها على هذا الاستقلال بنفسها...
ومن أشنع الشنائع وأغرب الغرائب، أن قوما من كتابنا (الصحفيين) وأمثالهم، في الغرب والشرق، صاروا يستعملون «سوف لن»، فيجمعون بينهما، وهو منتهى الاستهتار بهذه العربية الحليمة.
أما فيما يتصل «بهل لا»-بالانفصال أو الاتصال- فإننا وجدناهم يخطئون بذلك، ولا نجدهم يخطئون بهل لم أو هل لن، فلعلهم سهل عليهم ذلك الخطأ، بسبب التشابه بين «هل لا»، التي استفهموا بها، وبين «هلا» للتحضيض، التي قلنا إنها خدعتهم فانساقوا من غير ما يشعرون إلى استعمالها-كذلك أو منفصلة- في الاستفهام، وما دروا أن التحضيض إن كان بها مع لا، فان كلتيهما قد نسيت معناها، على انفراد: فلا «هل» تعترف بالاستفهام، ولا «لا» تعترف الآن بالنفي، أما إن كانت هلا (كذا خلقت) فلا إشكال، والله تعالى أعلم.

(1) كنا قد نشرنا في أحد أعداد مجلة «الأنوار» الصادرة سنة 1950 بحثا في أداة الاستقبال ، علقت عليه أنداك مجلة IBLA
(2) المغني لابن هشام
(3) كنا قد نشرنا سنة 1947 في مجلتي «الرسالة» و«الثقافة» بالقاهرة، بحثا عن «ليس»، ثم توسعنا في هذا البحث فشمل «ليت» و«لات» ونشرناه في أحد أعداد مجلة «الأنيس» الصادرة سنة 1950.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here