islamaumaroc

الحمايات الأجنبية وأثرها في ماضينا القريب

  دعوة الحق

74 العدد

إن أبرع الأساليب التي ابتكرتها الدول الغربية في أواخر القرن التاسع عشر للتأمين على مصالحها الاقتصادية بالمغرب، وأكبر الوسائل التي استخدمتها لتبرير تدخلاتها في شؤونه الخاصة لتمركز هذه المصالح، وأعظم الحيل التي استعملتها لإيجاد مشاكل وأسباب تضلل عن مقاصدها، وتخفي نياتها الاستعمارية، وتدنيها من الانتفاع بنتائجها المغتصبة وتوطيد خطتها الاستغلالية، وتضمن الثبات والاستقرار لما فرضته على البلاد من امتيازات، خلق بدعة «الحماية» لأفراد الشعب من عدم متابعتهم أمام المحاكم المغربية، ومنحهم حقوقا واعتبارات لأدنى المعاملات الرابطة معهم - فأبعدت بهذا الميز- أولئك المحميين عن البيئة التي عاشوا فيها، واندمجت حياتهم في تقاليدها وعوائدها، كما عزلتهم عن الوسط الذي نشأوا فيه وشبوا على مميزاته ومقوماته، وجعلتهم ذاتيين منطويين على أنفسهم فيما يقصدون من مطالب الحياة، أنانيين محتكرين فيما يرمون له من رغائب في مجتمعهم، وأعضاء شل عاطلين سلبيين أمام مصالح قومهم، تنظر الأمة إليهم نظرة اشمئزاز واحتقار وازدراء، وتعتبرهم مارقين من الدين متسلخين عن وطنهم لعدم رضاهم بشرائع البلاد، ورضوخهم لحماية الأجنبي «الكافر» كما تعدهم «عيونا» للأجانب تحذرهم في المعاملات وتخالطهم بتحفظ وتيقظ، وتعاشرهم بفتور وإهمال، مما يعطي- لقارئي العزيز- صورة واضحة جلية عن وعي وطني كامل كان ممتزجا في نفوس الشعب المغربي الأبية، ومختلطا بدمه الأصيل في تلك الفترة التاريخية المظلمة من حياته الاستقلالية، التي عاشها وشقي فيها كثيرا وكابد المرائر، واستطاع بقوة معنويته وحصانة قوميته وفطرته المجبولة على الحرية، أن يجتاز المراحل الطويلة التي تلتها متحملا امتحاناتها القاسية التي ما أجدت الداخل الغاصب في تحويل هذا الشعب الأبي عن عقيدته، ولا أفادته في فل عوده الصلب ولا نفعته في إلانة قناته للخضوع والانقياد، رغم المصاعب المتوالية عليه، حتى استرد ما اغتصبه منه، واستأنف حياته الاستقلالية من جديد, مندفعا إلى الإمام بروح وثابة، ومستفيدا من الكل على ضوء أحداث ماضيه القريب، لا يعبأ بما يعرض طريقه ونهجه القويم من أشواك وعقبات.
أجل، كان مما ساعد على انتشار هذه البدعة المقيتة المخزية وذيوعها في ربوع المغرب وشيوعها في أوساطه، والتهافت على اعتناقها والسعي للاستظلال بمأمنها، هو سريان فقدان الثقة بالسلطة المركزية وتضاؤل نظرات قوتها بين الناس، وتضعضع هيبة «المخزن» ونفوذه في نفوس العامة، وسقوط احترامه لكثرة التدخلات الأجنبية، وبهذا قد تسرب الجزع بين مختلف الهيئات التجارية والصناعية خشية إهدار حقوقهم، كما استولى الفزع على قلوب أصحاب الأملاك العريضة خوف ضياع مقتنياتهم والاستئثار بمصادر غناهم، وزاد الحالة سواء عجز الدولة عن استتباب الأمن والمحافظة على سلامة الأفراد وصد عدوان الجناة ورد جماح المغامرين الانتهازيين والضرب على أيديهم، وتفاحش الأمر وبلغ أقصى مداه لتوالي الفتن المدبرة من الطامعين في خيرات البلاد، التي تكاثرت أحداثها وصارت وقائعها تترى في معظم الجهات، ونمت بسببها بذور القلاقل وأينعت بصفة مسرعة في بعض النواحي لحساسية مراكزها، وبدأت تبرز قرون الفتن وتتحرك براكين الثورات، وبدت للعيان تزفر نيرانها المؤسية المؤسفة كطليعة لانقلابات خطيرة، ولقد غذى هذه الأحداث المؤلمة، وطورها لأسوأ حالاتها ووجهها لطريق الانهيار الداعي للاستسلام والانهزام، تلك المؤامرات السياسية التي كانت تحاك هنا وهناك خيوط برامجها في طي الخفاء، وتبرم لأجلها بين ساسة الدول الغربية الاتفاقات والمعاهدات السرية، قصد تمزيق وحدة المغرب والقضاء على استقلاله وقلب وضعيته رأسا على عقب، رغبة في استغلال أراضيه الخصبة الشاسعة، والاستلاء على ثروات معادنه، وتهييئه للدخول في طور «الحماية» الثاني والأخير الشامل لجميع أقوامه، والعمل على حصر الجهود والخدمات والتوصيات في أن يكون اتجاه المغرب المدني مبنيا على المناحي السلبية ليكون سوقا رائجة لانتاجاتهم المتنوعة، وموردا هاما للمواد الخام التي تتطلبها معاملهم الصناعية، وقدمت من جانبهم لهذا اقتراحات للحكومة المغربية كإصلاحات للتطور وتقدم البلاد، وسيرها في ركب الأمم المتمدنة، والتي تقضي -كما يزعمون- برجوع الأمن واسترداد هيبة «المخزن» ونفوذه بين القبائل، تلك الإصلاحات المقتصرة على مثل فتح المدارس لتعليم أبناء «الأعيان» وتشجيع نشر العلوم النظرية فيها، وترقية الوسائل الفلاحية وتحسين أنواع الإنتاج المغربي والاقتصار على تنميته في إطاره التقليدي - ليلا ينافس وارداتهم ويقضي على مشاريعهم الاقتصادية - ، والعمل على التصنيع في الكمالي والثانوي فيما تحتاجه البلاد، وفتح الطرق العامة لربط جميع الأنحاء بعضها ببعض، ومد السكك الحديدية لتسهيل المواصلات، وبناء الجسور على الأدوية والأنهار، وتكوين فرق من الشرطة طلبا لاسترجاع الأمن، إلى غير ذلك من المقترحات الداعية لتقدم البلاد، في نطاق يساعد على تركيز وتثبيت نفوذهم للتأمين على مصالحهم، وعملت هذه الدول أيضا من جهة أخرى - بما لديها من تأثير واعتبار لدى بعض الشخصيات المغفلة المسؤولة على تحبيط مشروع انبعاث البلاد، وإعادة تاريخها المجيد من جديد، وتحقيق نهضة حق تضمن لها السير في مصاف أمم هذه الدول المتكالبة عليها، وتجعلها أمة صناعية غنية بنفسها منتجة مصدرة في مستوى تبادلهم التجاري مع اتخاذ الوسائل  المؤدية لمستواهم الحضاري، واستطاعت بهذه «النصائح» والاقتراحات أن تعرقل التصميمات الموصلة لهذه الغاية، فبعدما اقتنع رجالات الشعب المغربي وعلى رأسهم العاهل الهمام الحسن الأول بوجهة نظرهم في التطور الصحيح لترقية البلاد وتمدنها لصيانة استقلالها من التدخل الأجنبي، صار المغرب يرسل البعثات -لأوربا وللشرق العربي- الفنية والعسكرية ويطلب المتخصصين من الدول المتحالفة للتجهيز العسكري، وتنظيم جيوش برية على نموذج التسليح الأوربي، فقد استدعى المغرب 1877م بعثة عسكرية فرنسية لتنظيم المدفعية، وطلب من الإنكليز ضابطين لإيجاد فرق نظامية من الجنود البرية وهما «هاري ماك لين» و «الماجور أو جيلفي»، كما اهتم بإحداث مصانع مجهزة عصريا كمصنع الأسلحة بفاس، الذي عرف باسم «الماكينا»، فقد كلف بعثة إيطالية بإقامته سنة 1886م لصنع الأسلحة وسك النقود، ولكن كل ذلك لم تطقه تلكم الدول التي كانت تشرئب نفوسها - بشره - لخيرات المغرب، وتتطلع لما احتوت عليه أراضيه من معادن، ولم تكن لتتحمل مدى عاقبة هذا التطور، حيث سيقضي- لا محالة - على مشاريعها الاستعمارية، ويرغمها على تغيير خططها السياسية نحو هذه البلاد الطامحة، فعملت ما في وسعها من مناورات لطمس هذه الحركة ومحوها من أذهان المغاربة، باهتمامات إصلاحية سطحية أثارتها في أوساطهم، لتبعدهم عن السير في النهج العلمي الإيجابي، ومع الأسف الشديد فلقد نجحت مساعيها الماكرة في إقبار هذه النهضة في مهدها، وإرجاع البعثات العلمية لوطنها مزودة بالخيبة والحسرة، فأدمغت جلها بيئاتهم المتخلفة ليبحث أفرادها عما يمكن أن يدفع عنهم غائلة الجوع ومعرة الإملاق، بمهن وضيعة لا تتناسب مع المقام الذي هيئوا له لولا هذه المكايد الاستعمارية، وجازت الحيلة على أولئك المغفلين المغرضين من بعض مسؤولي البلاد، في تغيير الاتجاه إلى نهج نظري سلبي يدعو للاستغلال ويعلن عن المظاهر ويؤدي إلى الاعتماد على الغير في كثير من المناحي الحيوية.
حقا، لقد كان نجاح الامتيازات الأجنبية، وفرض الحلول الزائفة للإصلاح، وإخفاق حركة الانبعاث أكبر عامل في تركيز نفوذ الأجانب، وأعظم مشجع لهم في بث الدعاوة لهذه «الحماية» وإعطائها بسخاء دون قيد ولا شرط، وقسموها على أقسام ثلاثة: قسم أجازوا به أي مغربي أدى خدمة لهم كإنقاذ أحد الجالية من خطر أو بناية قنصلية من حريق أو ما يشبه هذا، وقسم ثان منحوه لموظفي قنصلياتهم المغاربة من كتاب وتراجمة وعمال والمضافين لهم من أهل وإتباع! وقسم ثالث وهو أهم ما في القضية لأنه عليه انبنت مشكلة المغرب، ولمراميه اشتدت المناورات الدولية، ولمبغاته استوقدت نيران المؤامرات الاستغلالية في جميع ربوع المغرب والتي زادها اشتعالا رياح السوء والخديعة، فأتت على اليابس والأخضر فخلفت الإفقار والإفلاس، أجل، خصصوا هذا القسم لكل تاجر مغربي يتعامل معهم، وحروره من جميع الضرائب، كما حصنوه من المسؤوليات التي يمكن أن يتابع بها من جهة حكومته المترتبة عن المضاربات التجارية، وتكاثر شر هذا النوع من الحماية وتفاحش أمره بين الأوسط حتى أدركه الناس بأتفه الوسائل وأسخف الطرق وأدنى معاملة، وبلغ الحد فيه منتهاه بحيث صار في استطاعة كل محمي أن يحمي بدوره كل عائلته، ومن ينفق عليه من الخدم والحاشية، بل ومن يلوذ به من صغار الباعة والنجار!!، وبسبب هذا العمل المشين طهرت مهازل ومآسي على مسرح المجتمع المغربي مثلث أدوارها أقبح تمثيل، بلغ مداه السيئ إلى التأثير على دولاب السلطة المركزية والتنقيص من نفوذها العام، فاختل بذلك الأمن في معظم النواحي، وعمت الفوضى وساد الارتباك في إصدار الأحكام التي يطلب تنفيذها من المحاكم الشرعية والباشوية، علاوة على المفعول الضار الذي أدى إلى التدخل الأجنبي في قضايا المغرب ومسائله الخاصة، مما يدعو للمس بسيادته ويرمي للتحكم في مصالحه العامة، ويقضي على شخصيته الاستقلالية.
هذا، ولما رأى الحسن الأول ومستشاروه المحنكون من حكومته مبلغ هذه الحالة الشاذة التي كادت أن تعطل شرائع البلاد وتجعلها عاجزة في أيدي السلطة التنفيذية عن تسوية الحكم بين الناس، وتسلب نفوذ الحكومة وهيبتها من بين مختلف طبقات الشعب، تداركوا هذا الأمر واحتجوا احتجاجات صارمة على الدول، تلكم الدول التي كانت تتجر مع المغرب وتستعمل طرقا لا تتفق مع حرمته ومكانته المستقلة، ولا ما تقتضيه القوانين الدولية في مثل هذه الحالات، وأقنعوهم فكانت ساعة الإقناع تتلاقى مع اشتداد تنافسهم بوجوب انعقاد مؤتمر تدرس فيه أوجه صالحة لحل هذا المشكل المعضل حلا يقر بالوضعية الاستقلالية، ولا يتعارض مع السلطة المركزية، أو يتنافى مع شريعة الأمة، فانعقد بمدريد بتاريخ 3 يوليوز سنة 1880م (25 رجب علم 1227ه) واجتمع فيه ثلاثة عشر مندوبا عن: اسبانيا - إيطاليا - ألمانيا - البرتغال - بريطانيا العظمى - بلجيكا - الدانمارك - الولايات المتحدة، وقد مثل المغرب فيه السياسي الغيور الحازم وزير خارجية حكومته والنائب المفوض بطنجة السيد محمد بركاش بمؤازرة كاتبه المحنك السيد الحاج عبد الكريم بريشة، واتفق المؤتمرون- بعد مداولات حادة ومناقشات عديدة، واعتراض من ممثلي بعض الدول ودفاع من سفير المغرب عن وجهة النظر المغربية في قضية الحسابات- على وضع وفق مؤلف من ثمانية عشر فصلا، نص الفصل الثاني أن لسفراء الدول أن تختار موظفيها من المغاربة بشرط أن لا يتمتع هؤلاء بأي حق من الحقوق يمتازون به عن غيرهم من المواطنين أو يعفون من الضرائب، كما أن الفصل الثالث قرر أن لا يتعدى الموظفون منهم مترجما واحدا أو كاتبا - أن احتج إليه وخادمين فقط، ونص الفصل الخامس أن الحكومة المغربية تخول للسفراء المفوضين والقائمين بأعمالهم حق اختيار الذين يستخدمونهم على أن لا يكونوا من شيوخ القبائل أو من موظفي الحكومة أو من جنود تحت السلاح إلا من كان من جنود الحراسة، ولا يجوز استخدام من اتهم بارتكاب جريمة، وقرر في هذا الفصل أن القضايا المرفوعة ضد هؤلاء المحميين قبل دخولهم في الحماية تفصل بواسطة المحاكم المغربية ولا يحال بينها وبين تنفيذ الحكم الذي يصدر عليهم منها، كما نص الفصل السادس أن لا تشمل الحماية فيما بعد إلا عائلة المحمي داخل منزله فقط، ولا يدخل فيها أهله خارج المنزل، ومن يقوم بنفقتهم من الخدم والحاشية، ولا تنتقل بالإرث، وفي الفصل الثامن يلزم لكل مسؤلي القنصليات أن يقدموا كل سنة إلى السلطة المحلية قائمة بأسماء من يتمتعون بحمايتهم، لترى وزارة الخارجية المغربية رأيها في تلك القائمة هل هي موافقة لبنود الوفق أم لا ؟ ونص الفصل العاشر بمنع الأجانب من اقتناء الأملاك بالمغرب إلا بإذن خاص من الملك، ولا يتم التملك إلا بموافقة الحكومة المغربية، ويشترط أن تكون سندات إثبات الملكية خاضعة للقواعد المنصوص عليها في شرائع البلاد، وفي الفصل الرابع عشر أن كل مغربي نال جنسية في الخارج، ثم عاد إلى البلاد فبعد انقضاء المدة اللازمة للحصول على جنسية يخير في الخضوع لشرائع البلاد أو مغادراتها، وقرر الفصل الخامس عشر بأن السلطات المغربية لا تعترف بحماية بعد الآن مهما كان نوعها، سوى ما نص عليه في هذا الوفق عدا حماية مغربي أدى خدمة لدولة أجنبية، ويجب تبليغ هذه الخدمة مقدما لوزير الخارجية المغربية ليبدي ملاحظته خشية أن تكون ضارة بالمصالح العامة، ولا يجوز أن يتجاوز هذا النوع من المحميين اثنى عشر شخصا لكل دولة، ويظل هذا العدد حدا أعلى، وبعد ذلك انعقد اجتماع نهائي بطنجة في فاتح مايو سنة 1881م حول المصادقة على هذا الوفق الذي صار يطلق عليه بعد هذا الاجتماع «معاهدة مدريد»، ولقد كان العاهل الهمام الحسن الأول أرسل قبل عقد جلسات المؤتمر رسالة عامة لممثل حكومته ونائبه المفوض، كتعزيز لسفارته وتقويتها بإرشادات نيرة، وتعليمات خاصة، وتوجيهات لا غناء عنها في مثل هذه المفاوضات، تحدث سطورها عن يقظة وحذر من تلاعب الغربيين ذوي المطامع ونضج ودراية بما يرمون إليه في منطقهم الموجه في المدلولات السياسية، وإلى قارئ العزيز نصها:
«خديمنا الأرضي الطالب محمد بركاش وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
وبعد، فقد وقع الاتفاق من دول الأجناس على الجمع في أمر الحماية بمدريد ونحن نتأمل ونستخير الله فيمن نختار لهذا الأمر المهم وتظهر نتيجته على يده من درء المفاسد وجلب المصالح لهذه الأمة المحمدية، فلم يقع اختيارنا إلا عليك، لكونك اجتمع فيك ما افترق في غيرك، ولك قدم راسخة في الخدمة، وجربت الأمور، واقتصر نظرنا الشريف تعزيزك بخديمنا الأبر الحاج عبد الكريم بريشة ليكون رداءا لك وعضدا مساعدا لكونه رجلا كيسا فطنا حنكته التجارب ومن بيت الخدمة، على أن المدار في ذلك والمعول عليه فيه والمعتمد عليه هو الله تعالى ثم عليك تحقيقا وتشريعا وتأسيسا وتقريعا، لكونك عندنا وزير الأمور البرانية التي ألبسناك من حللها بردة يمانية، ولكون ابتداء هذا الأمر منك وحاولته بكلتا يديك، وعالجته بما من السياسة لديك، وكان ما تقدم فيه من المقادمات والمكابدة للمشاق غير خاف عليك بعد استعمال الروية فيه، على وجه يستخلصه ويستوفيه، حتى سهل الله الآن الطرق والأسباب، ولكل أجل كتاب، حيث حان وقت الاجتماع عليه وإدراك إبانه، تعين توجيهك للحضور مع أولئك النواب واستخلاص الغرض على وجه يكون أمس بالمقام وأحرز للصواب، وعليه فنأمرك أن تتوجه صحبة الخديم المذكور لمباشرة أمر المحميين من هذه الرعية، سفيرا متحملا لأعباء المحاضرة مع الأجناس لذلك بمدريد، لكونك بالمثابة التي وصفنا وبأحكام ذلك جديرا وبمباني أركانه خبيرا، أمدك الله بتوفيقه، وسددك فيما تأتي وما تذر من جمع الأمر على مركز المصلحة وتطبيقه وزد في ذلك تيقظا ودهاء تباهى على ما هو معروف منك على البداهة، واستعمل في ذلك غاية مقدورك من السياسة والتدبير، والأخذ بالحزم والاحتياط والنظر في ذلك بعين الناقد البصير، ولاحظ مع ذلك ما هو مقرر مشترط ولا نحتاج إلى أن ننبهك على الأخذ بزمام اللسان فيما عسى أن يتلفظ به خارجا عن القانون ويجري مجرى السقط، واسلك مسلك التأني والتروي فيهما تبرمه أو تعقده يمناك بروابط الأناة وتحكمه، حتى تباشر الأمر بحول الله على وجه متمم الأركان، منوطا بالمصلحة دائرا معها بقدر الإمكان، كما نأمرك أن تباشر أمر ما يضيع لبيت المال بسبب منع القنصوات أهل الحماية من إعطاء ما يجب عليهم وتعرضهم عليهم عند الحكام فيما يباشرونه من حقوق المخزن وغيرها، حتى يرتفع ذلك وتقع المساواة بين الرعايا والأجناس، ولا يقع تخصيص لبعضهم دون بعض في شيء من الأشياء، إلا ما أحكمته الشروط، إذ ربما يتعصب المحميون وغيرهم من رعايا الأجناس كالذين يردون من الجزائر ونحوهم ويستوطنون في هذه الإيالة ويبقون على تمنعهم من ذلك، ويزعمون أن عادتهم عدم الإعطاء ويتظلمون إذا خوطبوا بأداء الواجبات كغيرهم من الناس، فلا بد من التنبه لهذا لينبرم الأمر على مقتضاه، وقد فوضنا لك في ضبط أمر الحماية ورده إلى القانون الأصلي المقرر في الشروط ردا مطلقا من غير خروج عليها بزيادة ولا نقص ولا تعليق على شيء غير معهود، حتى ترجع إلى أصلها القديم المجعول بين الأسلاف رحمهم الله ودول الأجناس من غير اقتراح زيادة عليها ولا سيما فيما يرجع للدين والشريعة، فإني لا أوافق عليه وإنما أتمسك  بحبل الله، وأقول ربي الله، وما قال أبونا إبراهيم ويعقوب عليهما السلام كما في الكتاب المكنون: ?يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ? [البقرة: 132]، وعليك بتقوى الله ومراقبته في السر والعلانية، فإنها عدة تكفي على غيرها ولا يكفي غيرها عنها، ومن يتق الله يجعل له مخرجا ومن كل هم فرجا، والسلام، 20 جمادى الأولى عام 1227ه».
هذا، وبعد ما صدق المؤتمرون على «معاهدة مدريد» صارت الدول ذات المصالح الاستعمارية كفرنسا وإنجلترا واسبانيا وألمانيا - بصفة خاصة - تنقض ما عاهدت عليه، وتخرق البنود شيئا فشيئا وتهمل العمل بها، لأن مسايرتها - أول وهلة- لقبول هذا المؤتمر لم تكن عن رغبة في إعطاء الحق لذويه - كما لا يخفى على متتبعي سياستها في هذه الفترة الحاسمة في استقلال المغرب - وإنما أكرهت على ذلك تحت ضغط التنافس الذي اشتد بينها – إذ ذاك - على توزيع المصالح، تلك المصالح التي كانت تعتبر عدم الاتفاقات حولها من العوامل الأساسية في تأخير احتلال هذا القطر الذي لا غناء لها عنه في ربط الصلات مع مستعمراتها - علاوة على ما تحتوي أرضه البكر الشاسعة من معادن وإخصاب - وما دام يكسب موقعا جغرافيا ذا أهمية كبرى ويملك واجهتين بحريتين، أولاهما تطل على البحر المتوسط، وتتحكم في مضيق جبل طارق، ذلك المضيق العالمي الهام، والأخرى على البحر المحيط الأطلسي، وتمتد موانئه عليه من طنجة إلى إيفني، وهي تعد من أهم المراكز للخطوط الملاحية المؤدية لأمريكا الشمالية والجنوبية، ومن أعظم المحطات الموصلة للبلاد الإفريقية المرموقة من الرأسمالية الغربية لتركيز ميدانها الاقتصادي وتثبيت دعائمه بمواد أراضيها الخام الغزيرة. حقيقة، فبإهمال هذه المعاهدة تأزمت الحالة بالمغرب وتطورت من سيء إلى أسوء، وتكاثرت الأحداث المؤلمة بموت الحسن الأول سنة (1894)، وازدادت وقائعها الوخيمة بموت الوزير الشهير باحماد (1900) الذي تولى زمام الأمر بعده نيابة عن عبد العزيز لصغر سنه، والذي تحسب سياسته الخارجية - لشخصيته القوية - امتدادا لسياسة الحسن الأول فكان ذلك مما عجل بحدوث الكارثة والإسراع بوقوعها كارثة عقد الحماية المشؤوم (1912)، ذلك العقد الذي شتت شمل الشعب المغربي، ومزق قطره العظيم على ثلاث مناطق «سلطانية فرنسية» «خليفية اسبانية» «مندوبية دولية».

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here