islamaumaroc

الإسلام دين الحياة ونظامها

  دعوة الحق

74 العدد

الدين الصحيح هو ما كان وحيا من الله للمصطفى من خلقه لهدايتهم (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ) [التوبة: 33]. والمتدين حقيقة ما مليء شعوره وإحساسه بوجود كائن أعلى علوا مطلقا، خلق العالم ويعنى به ويدبر شؤونه وفق إرادته، والتزم بما فرضه عليه من مظاهر وشعائر لعبادته، وتيقن بأن الله سيدينه ويجزيه في الحياة الأخرى بما فعل في الدنيا.
والتدين ظاهرة اجتماعية نشأت من الفطرة الطبيعية للفرد التي لا تحب أن تهيم في الوجود دون أن تعرف مصدره والقوة المحركة له، وكان للرغبة والرهبة مع القوة العقلية والبيئية والظروف الأثر الفعال لتحديد المعبود في كل مجتمع من المجتمعات. ومن هنا عبد الإنسان شتى القوى وكان تتابع الرسالات لهدايته ولتوجيهه إلى المعبود الحق والديانة الصحيحة. وبعد أن تزيفت اليهودية وزاغت المسيحية جاء الإسلام خاتما للرسالات السماوية بعقيدة التوحيد ودين الوحدة للبشرية، الحق فيه هو الأساس والناس في الحق سواء والإنسانية عنده أخا»

الإسلام دين الوحدة الإسلامية
قام الإسلام على الوحدة في كل أمر وفي كل شيء في التوحيد، فليس هناك آلهة كما يرى المشركون. ولا إلاهان كما يعتقد الثنائيون بفارس (إله للخير وإله للشر) ولا ثلاثة كما تعتقد طائفة من النصارى (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [الأنبياء: 22] (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ) [المائدة: 73]
وفي الأديان السماوية، جعلها وحدة واحدة تواردت مطابقة لسنة التطور البشري (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) [الشورى: 13] (قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة: 136].
وفي الشرائع والشعائر، بمعنى أنها كلها تتحد في الهدف: إقامة مجتمع إسلامي متضامن متكافل «واعتصموا بحبل الله جميعا» «إنما المؤمنون إخوة» ?وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا? [الجن: 16].
ومن الوحدة الدينية اتجاه المسلمين أثناء الصلاة وجهة واحدة وفي الصيام تفرض عليهم المساواة في شعور واحد، وفي الحج يجمعون في صعيد واحد مجردين عن المظاهر، والزكاة فرضت على الجميع دون محسوبية أو امتياز.

الإسلام دين الإنسانية عامة
يقول الله عز وجل: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 107] (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) [سبأ: 28] (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) [الفرقان: 1] (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) [الأعراف: 158] (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) [الحج: 49].
وإذا كان الإسلام دين الإنسانية عامة فما هي الأصول التي أهلته دون غيره من بقية الأديان-لذلك، من ينظر إلى سفينة الحياة البشرية يجدها في تطورها كسفينة البحر، كانت تسير بالمجاديف على سواعد البشر، ثم تطورت واستغلت قوى الريح، ثم تطورت وسارت بالقوى الحرارية. وكذلك البشر: من بشرية بربرية متوحشة إلى بشرية اجتماعية بسيطة إلى بشرية متحضرة معقدة، ولهذا التطور أثره في الأديان؛ ففي المرحلة الأولى من البشرية نزلت أديان كثيرة لربط أواصر الناس وتنظيم معاملاتهم المادية وكان أظهر هذه الأديان هو دين موسى عليه السلام، وتكونت المرحلة الثانية من البشرية، وحرف اليهود دينهم وطغت عليهم المادية وفتكت بالأواصر الاجتماعية، فجاء عيسى بدين المثل الروحية، والتدين بالزهد، والتحقير من قيمة الحياة الدنيا، ولكن الحياة في مرحلتها الثالثة وتطورها تعقدت مشاكلها واضطربت مرافقها، فلم تستقر بمادية الدين اليهودي، ولم تجد قرارها في رهبانية الدين المسيحي، ولذلك جاء الإسلام جامعا مانعا معالجا للإنسانية في كل مرافقها المادية ومستلزماتها المعنوية ومقوماتها الروحية: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا»، (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) [الملك: 15].
ففي الناحية المعنوية حث على الأخلاق الكريمة والفضائل الحميدة وفرض الشعائر لتدعيم هذه المثل (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ» [العنكبوت: 45]، «الصيام جنة»، (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) [التوبة: 103]، (فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ) [البقرة: 197].
ولتقويم الإنسانية وتنقيتها ينهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن كل ما يشوبها «لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تناجشوا وكونوا عباد الله إخوانا»، «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». ويوصي عليه السلام بالجار وينهى عن قول الزور ويحرم الكذب والبهتان والغيبة والنميمة، ويأمر بالتعاون على البر والتقوى، ويجعل من الكلمة الطيبة ومواساتك لأخيك في محنته وإماطتك الأذى عن طريق وقول المعروف كل ذلك صدقة مثلها مثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم، وغير هذا من الفضائل الإنسانية في الشريعة الإسلامية ما تجل عظمتها كما وكيفا عن الإحصاء.
وفي الناحية المادية: شرع الشرائع ونظم المعاملات ووضع الحدود والزواجر لمن يخرج عن حدود الله فيمتهن كرامة الإنسانية في شيء، ويمتاز الإسلام بالكمال في هذه الناحية خلافا لغيره من الأديان والشرائع الوضعية، حيث أن فلسفته التشريعية هي تقويم الحياة وقوامها، ففي الناحية الجنائية مثلا نجد العقوبة في الإسلام تنطوي على عنصرين الردع أو الزجر، والعلاج أو مكافحة الجريمة: فجلد الزاني غير المحصن ورجم المحصن حتى يموت أمام الناس مظهر رهيب يجعل غريزة حب البقاء في الإنسان لا يغامر بحياته أمام شهوة مؤقتة، إن لم يكن عنده من قوة الضمير ما يمنعه من الاعتداء، وهذا بخلاف ما تسري عليه الشرائع الوضعية، حيث وجدت حيوانية الإنسان مجالا متسعا للإسفاف في هذه الناحية وفي كل النواحي الفاسدة. ثم إن العقوبة في الإسلام تمحو كل أثر للجريمة، ولا يتطلب بعدها فترة اختبار لرد الاعتبار إلا ما كان من شهادة الزور حسب الشروط الواردة في أهلها كما قال تعالى (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ) [البقرة: 160]. بعكس القوانين الوضعية، يخرج المجرم بعد تنفيذ العقوبة منبوذا من المجتمع طريدا من رحمته مشكوكا في أمانته، تتأزم نفس المجرم وقد يعدم وسائل الكسب التي تعينه على العيش الشريف فيضطر لارتكاب الجريمة أو بالأحرى يضطر لاحترافها.
ومن عمومية الدعوة الإسلامية للإنسانية عامة ما اشتملت عليه في كل مظاهرها الاجتماعية من تضامن وطيد بين أفراد المجتمع، يعلو هذا التضامن قوة عليا ترعاه وتحفظه «يد الله فوق أيديهم» «ما تمسك المسلمون بهذا التضامن أما لو دبت بينهم الخيانة وسرى الغش والخداع والنفاق «فمن نكث فإنما ينكث على نفسه» (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ  مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد: 11]. هذه القاعدة العامة أن الله فوق أيدينا ما دامت أيدينا متحدة متضامنة متكافلة.
هذه بعض مظاهر عمومية الدعوة الإسلامية للإنسانية عامة من الناحية الموضوعية أما من الناحية الشكلية فان الرسول عليه الصلاة والسلام كان يراسل الملوك ويطلب منهم الإسلام، وكانت مدرسته جامعة من كل الأجناس والألوان، فأبو بكر وعمر من قريش، وأبو ذر من تهامة، وأبو هريرة من اليمن، وفروة بن معان من الشام، وبلال من فارس، ورغم اختلاف الأجناس والألوان لم تنكر إنسانيتهم من الإسلام شيئا، ولا يتعمق في الإسلام باحث إلا اعتنقه. يقول الفيلسوف الأمريكي الدكتور آرثر كين «درست الأديان عشرة أعوام وأخيرا اعتنقت الإسلام»، ويقول الدكتور محمد يوسف موسى أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة عين شمس: «إن الإسلام نظام شامل يحكم الإنسان وتصرفاته في كل حالاته: في خاصة نفسه وفي علاقته بالله تعالى وفي صلته بأسرته وفي صوالحه وعلاقاته المرتبطة بالمجتمع الذي يعيش فيه، وفي علاقة الدول الإسلامية بالدول الأخرى».
ويقول الله عز وجل: «مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ» [الأنعام: 38]، ويبين جل شانه مدى ما تكون عليه السعادة الإنسانية ومدى اتصالها به لو تمسكنا بكتابه فيقول: (وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا) [الجن: 16]، (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ، نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ، نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ) [فصلت: 30-32].
رب وفق عبادك للتمسك بكتابك والعمل بسنة نبيك، وهب لنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا، وأوزعنا أن نشكر نعمتك التي أنعمت علينا.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here