islamaumaroc

حول موسمي المعراج وليلة النصف من شعبان

  دعوة الحق

74 العدد

إن هذا الدين حفظ الله كتابه فلم يتطرق إليه تبديل ولا تغيير، هيأ الله لسنة نبيه طائفة من العلماء تنطق بالحجة وتنشر الشريعة الواضحة المحجة، كما ثبت عن الرسول الأكرم من قوله: (يحمل هذا الدين من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
وضابط ذلك عليه السلام (كل عمل ليس عليه أمرنا فهورد) (أي مردود غير مقبول في الدين).
وقد نشأت الحركة السلفية في العهد الأخير بعد طول غفوة المسلمين ترمي إلى إعادة المسلمين إلى إتباع هدي السلف الصالح قبل حدوث البدع، وانتشارها، وان تزيل عن الدين ما علق به ولم يصح انه منه. فلقد اتبعا سنن من قبلنا في النزاع وانتفرق في الدين حتى قال محمد بن إبراهيم الابلي العالم الزاهد الفيلسوف شيخ ابن خلدون والمقري (حسبما في الابتهاج) أن المقري سمعه يقول: (لولا انقطاع الوحي لنزل فينا أكثر مما نزل في بني إسرائيل لأننا أتينا أكثر مما أتوا.
وقد رأيت بمناسبة شهري رجب وشعبان أن اكتب على ما يدعيه البعض من مواسم فيهما، فان كثيرا من الخطباء، والوعاظ يتعرضون لليلة الإسراء، باعتبار إنها ليلة السابع والعشرين من شهر رجب وكذلك لليلة النصف من شعبان باعتبار أنها ليلة تنسخ فيها الآجال، حتى أن جماهير المسلمين صارت تسميها النسخة وصارت أغلبية المسلمين يعتبرون سابع وعشري رجب، ونصف شعبان موسمين شرعيين.. شب على ذلك الصغير، ودرج عليه الكبير... وأدركته العجائز وربات الخدور، وما بلغ هذه المرتبة في الشهرة والذيوع يصير من العبث البحث في كونه مشروعا أو غير مشروع، فما بالك بالحكم عليه بكونه من البدع المحدثة في الدين.. فلذلك سكت عنه كثير من العلماء رغم اطلاعهم على ما فيه، اعتمادا منهم على فكرة خاطئة حيث اشتهر أن أهل العلم يتسامحون في إيراد الأحاديث في الفضائل، وان كان فيها ضعيف ما لم يكن موضوعا وقد دخل على المسلمين من هذا الباب كثير من البدع في دينهم، ويقابلها فكرة صائبة حازمة.. هي انه لا فرق في العمل بالحديث في الأحكام أو الفضائل، إذ الكل شرع كما سيأتي.. ولأجل إسداء النصيحة إلى هؤلاء الخطباء والوعاظ أولا وبالذات، ثم على جمهور المسلمين ثانيا رأيت أن انقل هنا ما صارح به بعض حفاظ السنة النبوية من أن الأحاديث التي تروي في هذا الموضوع لم يصح منها أي حديث، حتى لقد أصبحنا في حياء ممن يعرف حقيقة ديننا، ثم يجدنا نسير على غير هداه، وليفرض القارئ، الكريم أن احد العلماء المتضلعين الذين عكفوا على دراسة الديانة الإسلامية، فقرا القرآن وكتب الأحاديث الصحيحة ثم طلع علينا فوجد المجتمع الإسلامي مشتغلا بهذين الموسمين، فأنكر كونهما من الدين، وطلب مناظرة خطباء المساجد والوعاظ في الحجج التي اعتمدوا عليها حتى القوا في أذهان جمهور المسلمين أن سابع وعشري رجب وليلة النصف من شعبان موسمان دينيان، فما ذا يكون جواب هؤلاء جميعا... أن الحجج التي تسفه عمل هؤلاء الخطباء والوعاظ في الكتب التداولة بين أيدي الطلاب والفقهاء جميعا، وعلى طرف التمام كما يقولون، وفي الكتب الصفراء المكدمة في خزانتهم... وقد استمر إنكار علماء الدين وحفاظ السنة لموسمية يوم المعراج وليلة النصف من شعبان قرونا عديدة، فلم يسمع الكثير لنصيحة حفاظ السنة،واستمروا بالتمسك بالبدعة، واليك ما سطره شارح مختصر خليل الحطاب المتوفى سنة 954 فيما يتعلق بوقت المعراج، قال في كتاب الصلاة : (واختلف في وقت المعراج والصحيح انه في ربيع الأول، قال النوري : في سبع وعشرين منه، ووقع في بعض نسخ فتاوى النوري انه كان في ربيع الأخير، وقيل انه كان في رجب، وجزم به النوري في الروضة تبعا للرافعي... وقيل في رمضان، وقيل في شوال».
وفي كثرة هذه الأقوال ما يشعر بأنه لا توجد حجة صحيحة يعتمد الجميع عليها، ثم ذكر الحطاب تعليقا على قول المختصر في الصيام ورجب وشعبان ما نصه: (لم يذكروا شيئا  يدل على صوم رجب بخصوصه الاقواله (صم من الحرم، واترك) وقد ذكر جماعة أحاديث في فضل صومه، وفي النهي عن صومه، وقد تكلم العلماء في ذلك وأطالوا، وقد جمع في ذلك شيخ شيوخنا شيخ الإسلام ابن حجر جزاء سماه: «تبيين العجب بما ورد في فضل رجب». قال الحطاب: فرأيت أن اذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب.. وذلك كذب.. قال الحربي.. كان الإسراء ليلة سابع وعشرين من ربيع الأول، ثم قال فصل: لم يرد في فضله، ولا في صيامه، ولا في شيء، منه معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة..
وقد سبقني إلى الجزم بذلك الإمام الهروي الحافظ رويناه عنه بإسناد صحيح.. وكذا عن غيره، ولكن اشتهر أن أهل العلم يتسامحون في إيراد الأحاديث في الفضائل وان كان فيها ضعيف ما لم تكن موضوعة».. انتهى، قال الحطاب : «وينبغي مع ذلك اشترط أن يعتقد العاقل كون الحديث ضعيفا، وان لا يشهر ذلك ليلا يعمل المرء بحديث ضعيف فيشرع ما لم يشرع، أو يراه بعض الجهال فيظن انه سنة صحيحة، وقد صرح بمعنى ذلك الأستاذ أبو محمد بن عبد السلام، ويحذر المرء من دخوله تحت قوله (ص) «من حدث عني بحديث يرى انه كذب فهو احد الكذابين» فكيف بمن عمل به، ولا فرق في العمل بالحديث في الأحكام أو الفضائل، إذا الكل شرع... انتهى بنصه، ونأمل ما ذكره من الشروط في العمل بالحديث الضعيف من اعتقاد كونه ضعيفا، وان لا يشهر ذلك، ولا يراه بعض الجهال فيظنه سنة صحيحة، وهذه الشروط لا يتحقق واحد منها، لان الخطباء والوعاظ يذكرون تلك الأحاديث، ولا ينبهون على ضعفها أو عللها.. ولا يفوتني هنا التنبيه على حديث (هم من الحرم واترك) فكثيرا ما يلهج به الخطباء، على المنابر، وقد تقدم ذكره عند الحطاب مع انه نقل عن الحافظ بن حجر فيما لخصه من كتابه أن في إسناده من لا يعرف، والحق انه يجب الاحتياط التام عملا بما ذكره الحطاب أخيرا من انه لا فرق في العمل بالحديث في الأحكام أو الفضائل إذا الكل شرح فأحسن أحوال المؤمن أن يتبع ما ثبت وصح عن النبي (ص) وان لا يتعدى ذلك إلى ما لم يصح عنه فقيها صح غنى وكفاية لو تمسكنا به..
أما في الليلة النصف من شعبان فقال الحافظ أبو بكر بن العربي في الأحكام عند قوله تعالى (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) ما نصه: المسالة الثالثة في تعيين هذه الليلة.. وجمهور العلماء على أنها ليلة القدر، ومنهم من قال أنها ليلة النصف من شعبان وهو باطل لان الله تعالى قال في كتابه الصادق القاطع: «شهر رمضان الذي انزل في القرآن» فنص أن ميقات نزوله رمضان ثم عبر عن زمانية الليل ههنا بقوله : «في ليلة مباركة» فمن زعم انه في غيره فقد أعظم الفرية على الله، وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعول عليه لا في فضلها، ولا في نسخ الآجال فيها، فلا تلتفتوا إليها».. انتهى بحروفه..
وقال الشيخ علي محفوظ في كتابه: «الإيداع في مضار الابتداع»: كل الأحاديث الواردة في ليلة النصف من شعبان دائر أمرها بين الوضع والضعف وعدم الصحة، فقد نقل أبو شامة عن أبو بكر بن العربي انه قال ك «ليس في ليلة النصف من شعبان حديث يساوي سماعه، وكتاب الإيداع وافق عليه جل علماء مصر المشاهير في هذا العصر، وعلى هذا فالحافظ بن حجر، والحافظ الهروي وغيره مما تقل عنهم ابن حجر كلهم لا يحكمون بالصحة للأحاديث الواردة في رجب، وأبو بكر بن العربي، وأبو شامة وصاحب كتاب الإيداع ومن وافقه وقرظ كتابه من علماء مصر لا يحكمون بصحة أي حديث في ليلة النصف من شعبان..
ولكن خطباء المساجد لا يسمعون لحفاظ السنة ولا للمتثبتين المصلحين من ماء الأمة، ويجرون على العادة وحسيبهم الله، وقد كان الإمام مالك رحمه الله يحبس من حدث عن رسول الله (ص) بحديث غير صحيح... نقل ابن فرحون في ترجمة مالك عن ابن أبي اوبس قال: «ما كان يتهيأ لأحد بالمدينة أن يقول: قال رسول الله (ص) إلا حبسه مالك، فإذا سئل فيه قال: يصحح ما قال ثم يخرج، » ولو فعل هذا في الوقت الحاضر  مع من يعظ الناس بأحاديث غير صحيحة لتركت كثير من البدع، واضمحلت، واتبعت السنن، وشاعت بين الناس.
وعسى أن نرى من العلماء من ينصر هذا الدين بالسنن الواضحة الثابتة حتى تعود للحق صولته وللإيمان نصاعته وقوته، والله يهدي من يشاء على صراط مستقيم..

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here