islamaumaroc

الذئاب

  دعوة الحق

74 العدد

وقف «عبد الحق الخالدي» أمام النافذة المشرفة على الغرب يشير بأصبعه إلى قطعة ارض محاطة بسياج من الشوك، ويقول لضيفه الموظف الكبير:
- تلك هي قطعة الأرض التي قلت لك عليها بالأمس.. أنها على ظهري كالدمالة، لا تزيد عن هكتارين مربعين، ولكن مالكها لا يريد البيع ولا الشراء، ولا أي حل ءاخر.. وأنا لا استطيع أن أبقى هكذا.. كلما جاء وقت الحرث على أن احرث ارضي حوالي تلك القطعة الملعونة، بل وأعطيهم حق المرور في ارضي..
وتكلم الموظف الكبير وهو يحسو من كأس الشاي ويدخن..
- لا أرى لك حيلة قانونية تخرجهم بها من تلك الأرض أو تجعلهم يبيعونها لك.. عليك أن تنتظر حتى يموتا..
وضحك «عبد الحق» وقال..
- لو استطيع تعجيل ذلك..
في هذه اللحظة، فقط، وقعت هذه الفكرة في ذهنه، وشغلته قليلا.. والقفت إلى الموظف:
- وهل إذا ماتا يمكنني الحصول على الأرض من الحكومة بطريقة أسهل؟
- ذلك أعدك به.. هذا إذا لم يكن لهما وريث.. 
- أبدا.. مقطوعات من شجرة، كما يقولون..
- وكم سنهما؟
- سنهما متقارب.. الزوج في حوالي الخامسة والخمسين، ولكنه قوي كالبغل، يقضي معظم ساعات نهاره بالجبل يجمع الحطب، ويصيد الأرانب. والزوجة في الخامسة والأربعين، وهما من اعقد خلق الله تفكيرا.. يخيفانني أحيانا، كأنما تربيا في احد قصور «بيد مونت» أيام «ميكيافيلي».
- تعني إنهما ماكران؟..
- كالثعلبين.. ويشاع في الحي انه تزوجها من الشارع.. اعني أنها كانت ـ فهمت؟..
وحرك الموظف رأسه، وسحق السيجارة وبدا يتهيأ للنزول إلى عمله بالمدينة.
                                                *   *
في تلك الليلة عادت فكرة قتل الرجل والمرأة تلح على ذهن «عبد الحق الخالدي» وهو مضطجع في فراشه، فبدا يقلبها على جوانبها.. ومع الساعة الثالثة صباحا انتهى إلى قرار.
وفي الصباح أحضرت خادمته «فطنة» زوجة حراته له الفطور فطلب منها أن تدعو زوجها للحديث معه. وحضر الحراث فجلس، وصب عبد الحق كأس شاي وقدمه له، وأخذ يحدثه حتى انتهى بلباقة إلى الحديث عن «العوامي» وزوجته صاحبي الأرض الواقعة وسط أرضه.
وتأكد وهو يتكلم بصوت خفيف لان أذني «فطنة» زوجة الحراث مفتوحتان إلى الأخر من وراء الستار.. وقال له:
- اسمع.. ولا أريد أن تقول هذا لأحد، ولا لزوجتك..
وبدا الحراث يحلف بأغلظ إيمانه فقاطعه هذا قائلا:
- أتعرف أن «العوامي» سيطلق زوجته «عيشة» ليتزوج «خديجة بيت الحسن» لقد تم الاتفاق نهائيا على الموضوع، و «عيشة» المسكينة لا تعلم، لم يقل لها «العوامي» لأنه خاف أن تضع له السم في طعامه.. أتعرف أنها كانت من نساء الشوارع وتتقن فن «التوكال».. وسوف يطلقها بحجة أنها لا تلد..
وفتح الحراث فمه وهو يستمع لذلك، وأصغى «عبد الحق الخالدي» بأذنه وراء الستارة ثم نادى بصوت مرتفع فجأة ..
-  فطنة؟..
وسمع شهقة رعب من خلف الستار، ثم دخلت فطنة تتعثر في أطراف قفطانها وترتعش فنظر إليها، وابتسم في سره.. الرسالة وصلت بكامل التفاصيل.. عليه الآن أن يضع يده على صدره وينتظران تسير الأمور كما قدر.. إذا فشلت فسيكون دراسته على «العوامي» وزوجته وطبيعتها الفريدة كلها وهم وخيال.
                                                   *     *
في ذلك الظهر الصيفي القانظ، جلست عيشة زوجة «العوامي» على عتبة خيمتها وقد ألصقت ركبتها بصدرها، وشبكت أصابعها الحمر بالحناء على ساقيها في توقع وصبر.
كان زوجها قد ترك البيت إلى الغابة بالحبل، وبقيت هي وحدها تأكل قلبها بعد زيارة «فطنة» زوجة «حراث» السيد الخالدي..
وبعد ساعتين من تجمدها في مجلسها رأت ما كانت تنتظره.. كانت إحدى الأفاعي المسمومة قد تركت جحرها وقصدت جرة اللبن الرائب المفتوحة بركن العريش.. وزحفت بحذر وصمت حتى استوت مع الجرة، والتفت عليها ثم عانقتها وصعدت حتى فمها، وأدلت رأسها إلى حيث اللبن فبدأت تشرب..
وهنا وقفت «عيشة» وتركت بحذر نحو الجرة، ومدت يدها حيث عنق الأفعى، وأمسكت به بسرعة وحذاقة..
وحين تمكنت منه ضغطت على فكيها ففتحت الأفعى فمها، وظهر فيه النابان القاتلان وعند ذلك أخذت «عيشة» تضغط عليهما بحافة الجرة فيخرج منها السائل الأبيض الزعاف ويقطر في قلب الجرة..
وعندما أتمت إفراغ ما في غدتها، رمتها نحو الزرب من حيث جاءت فزحفت هذه نحو جحرها وعادت «عيشة» إلى حيث الجرة فحركتها حتى اختلط ما فيها، وتركتها هناك.
ومع غروب الشمس حضر «العوامي» برزمه أعواد على بلغته، ورزمة أرانب تتدلى من حزامه، وعلى وجهه ابتسامة راضية..
ونظرت إليه «عيشة» وابتسمت.. كانت تقول له في نفسها.. هل آخر يوم تقضيه معها في الجبل المزعوم.. غدا سيصلها خبرك وهي تنتظرك بصدرها نائمة على عشب الغابة فتنسى كل الملذات التي أعطيتها..
وذهبت لتفرغ ما على ظهر البغلة.. وعلق هو حزامه على باب الخيمة، وذهب ليشرب ملء بطنه من جرة اللبن الرائب على عادته كلما حضر في السماء
ونظرت إليه وهو يقعد على حافة الدكة ويمد يده نحو الجرة ويرفعها ثم يفرغ منها في جوفه ثم يضعها على ركبتيه ويتنهد، ويعود إلى الجرع.
وأغمضت عينيها وهي تشعل القنديل داخل الخيمة..
وبعد حوالي النصف ساعة ذهب إلى فراشه فاستلقى عليه وقد أحس بالسم يسري في بدنه. وناداها..
- عيشة.. عيشة..
وجاءت هي بسرعة تسأله..
- مالك؟ إلا تنتظر حتى تتعشى؟
قال وعيناه في عينيها..
- سوف لن أعيش حتى أتعشى..
- ماذا تقول؟؟
- اسمعي.. ما سأقوله مهم.. إنني أحس بالموت. لابد أني شربت سما في ذلك اللبن. وجدت الجرة مفتوحة.
وبدأت هي تضرب على صدرها وتتصنع البكاء والولولة. وامسك هو بيديها..
- اسمعي.. كنت أريد أن أقول لك هذا منذ مدة.. ولكني خفت أن يذيع السر.. لقد وجدت كنزا على قمة ذلك الجبل..
وأرهفت هي سمعها للخبر.. ولكنها في نفس الوقت ظلت تولول..
- أي كنز يحلو بدونك يا ضوء عيني؟؟
- اسمعي الآن.. ليس هناك وقت.. اذهبي الليلة قبل أن يعلم احد بموتي ستجده في ركن البيت المقابل للشرق.. الركن الأول على يدك اليمنى حين تدخلين.. لقد وضعت عليه صخرة.. هناك تحت الصخرة ستحفرين قدر ذراعين.. خذي البغلة معك.. اذهبي بالليل حتى لا يراك احد.
وما كاد يتم ءاخر جملة حتى سقط رأسه وعيناه مفتوحتان إلى السقف.
                                                *    *
 ولم تعد في عينها دموع.. وجاءت بلحاف فغطته، وخرجت تهيئ البغلة للرحلة.
وكان البيت على قمة الجبل عبارة عن إطلال قديمة ما تزال قائمة رغم عصف الريح وتهاطل الأمطار. يأوي إليها الهائمون والرعاة من حين لأخر. وتبقى على مدار السنة مسرحا للهواء وأوراق الشجر.
ووصلت إلى القمة مع منتصف الليل. كانت تسوق البغلة خلفها بدل أن تركبها لانحدار الممرات وكثرة فروع الأشجار.
كانت الليلة حالكة السواد إلا من أضواء النجوم البعيدة التي كانت تجعل أشباح الصخور والادواح تبدو في أشكال غيلان وعفاريت مخيفة.
ولم يكن يسمع صوت شيء إلا وقع حوافر البغلة على الأرض اليابسة، وضربها لصخرة صماء من حين لأخر.
وعلى القمة ربطت «عيشة» البغلة على باب البيت الخرب، ودخلت. كانت النجوم تطل في وسطه كأنها معلقة بسقوفه. وقصدت ركن البيت الشرقي الذي كان بدون سقف فبدأت تبحث عن الصخرة. كانت الصخرة هناك فعلا، وبدأت تحاول أن تزحزحها عن مكانها فلم تفلح. وخرجت فجاءت بالبغلة وربطتها إلى الصخرة وبدأت تسحبها حتى جرتها عن الركن. وحينئذ أخذت مجرفة وبدأت تحفر.
وصنعت حفرة عقيمة كانت تقيس عمقها بعود طوله ذراعان ولكن الأرض كانت لا تزيد إلا صلابة..
وبدأت تحس أن الكنز الذي قال عنه زوجها لا يمكن أن يوجد هناك.. ووضعت المجرفة وجلست على الصخرة تمسح عرفها وتلهث. وفي هذه اللحظة بدأت البغلة تنقل حوافزها في قلق.. ثم بدأت تنحنح وتزفر.. والتفتت «عيشة» حواليها فإذا عشرات العيون تراقبها.. عيون رمادية مشعة فيها وحشية وجوع إلى الافتراس.. وأحست «عيشة» برعب شديد صحبه الم شديد في بطنها..
العيون المحيطة بالإطلال عيون ذئاب مفترسة شمت رائحة عرق الحيوان والإنسان فجاءت.. إنها تتجمع الآن من كل صوب بالغابة.. بعد لحظة ستتكاثر إلى أن تصبح مئات.. وعندئذ تبدأ في العويل والهرير ثم تهجم معا..
وأمسكت بالمجرفة في يدها ووقفت بالركن المظلم.. وبدأت تلك العيون تقترب والأصوات المتوحشة تعلو في فضاء الجبل المقفر..
وبدا الهجوم..
وعندما كانت ألسنهم تلعق دماءها، كانت تسلم الروح وتفكر في زوجها وهو يؤكد لها أن تذهب بالليل.
                                                      *   *
ومر شهر على الحادثين..
وذات مساء عاد السيد «عبد الحق الخالدي» من المدينة يحمل عقد ملكية تلك القطعة الملعونة التي كانت على قلبه كالجبل.. كان قلبه يخفق سرورا.. لقد نجحت خطته.. فاز مكره ضد مكر «العوامي» وزوجته.. وقتل الأفعى بسمها.
وعلى باب ضيعته وجد حصانه الأحمر في انتظاره مسرجا، فامتطاه، وذهب يركض في اتجاه الخيمة المهجورة والسياج..
كان الهواء يملا رئتيه وهو داخل تلك القلعة المحتلة كالفاتح انهار تحت إقدامه حصن منيع..
ودخل باب السياج راكضا.. وفجأة ارتفع رجلا الحصان في الفضاء وارتمى «الخالدي» من فوقه عدة أمتار فاصطدم رأسه بدكة الخيمة الصلبة، وانسحقت جمجمته وعنقه فمات في الحال..
وبقي الحصان يرفع رجليه في الفضاء ويضرب الأرض بحافريه أمام الأفعى الرقطاء التي وقفت على ذيلها في اتجاهه..

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here