islamaumaroc

معركة القصر الكبير -2-

  دعوة الحق

74 العدد

نشوب القتال: في هذا الوضع تتجه الجيوش الغازية للاشتباكات في قتال مرير يعلم الله نتيجته. وتنشب الحرب، ويتقدم البرتغاليون بسرعة، فيصدر السلطان -الذي يقود القلب والميمنة من جيشه- الأمر بإطلاق المدفعية، فتطلق المدافع المغربية نيرانها، ولكن دون جدوى. ويطلق البرتغاليون مدافعهم أيضا، فلا يحصلون على نتيجة كذلك. غير أن مدافع السلطان استطاعت فيما بعد أن تمزق شمل نبلاء البرتغاليين، وتحصد بعضها منهم حصدا، فت هذا في عضد الجنود المعادية، وبث الرعب في قلوبهم.
وسط هذه المعركة الحامية انطلق الملك سباستيان ينادي سنتياغو!  سنتياغو! وعلى رنين هذه الصيحة التي كررها جنده في نغم ماثل، تقدمت طليعة الجيوش الأجنبية، وهاجمت الجيش المغربي، ومزقت وسطه، بيد أن القوات المغربية تمكنت من صد الهجوم، وتكرر معه الصد.
يقول مانوبل كاستيانوس: « أن لواءين من الألوية الخضراء التي كانت ترفرف حول خيمة مولاي عبد الملك، تمكن البرتغاليون من اتخاذهما... وان الحظ كان يميل - بادئ ذي بدء - إلى جانب المسيحيين»(1)
وفاة عبد الملك: ولم يلبث السم أن فعل فعله في جسم الملك البطل، وان كانت روحه ابعد وأعلى من أن تؤثر فيها السموم. فقد أحس هذا الملك العظيم بالفوضى وقد بدأت تدب في صفوف جنده من اثر الهجومات المعادية، فقام بمجهودات جبارة لإعادة تنظيمهم، وركب حصانه في حماس محموم، وأراد الصمود في وجه الخطر الأعظم حتى ينال الشهادة. لكن حاشيته وأخاه مولاي احمد منعوه عن ذلك... ولم يلبث أن داخ رأسه عليه فسقط فجأة بين اذرع أصحاب الذين نقلوه إلى خيمته حيث اسلم الروح لبارئها عن عمر لا يتجاوز الخامسة والثلاثين سنة. وكان الوقت وقت زوال.
هكذا مات هذا المحارب الشهير الذي بهرت بطولته العدو قبل الصديق، فقد كان بطلا في كل شيء، وفي كل حين حتى بعد مماته، حيث قضى نحبه وهو واضع سبابته على شفتيه وكأنه يصدر بذلك أمره النهائي بوجوب كتم نبا موته إذا أريد إحراز النصر.
وعمال حاجب السلطان-رضوان العلج- على تنفيذ الوصية، فكتم خبر الموت، وكتمه أيضا أخوه احمد الذي كان يدعوه في رسائله «بابا احمد». وظل الحاجب يختلف إلى خباء الجلالة الشريفة، ويصدر الأوامر لأمراء الجند باسمها، ويقول: «أن أمير المؤمنين بأمر فلانا أن يذهب إلى موضع كذا، وفلانا أن يلزم الراية، وفلانا أن يتقدم وفلانا أن يتأخر(2) وهكذا.
متابعة القتال: وتوبعت المعركة بحماس من كلا الطرفين وتقدم الجيش البرتغالي إلى أن وجد نفسه محاطا بالمجاهدين من كل جانب. وقعت المؤخرة كذلك بين جموع المغاربة، وبما أنها كانت تتركب من جنود أغرار قليلي الخبرة، فأنهم تخاذلوا وألقى بعضهم سلاحه، وفر ينشد السلامة معسكر المسلمين، ولكن من يسمح لهم بذلك؟ لقد هاجمهم المغاربة «وذبحوهم كما تذبح الشياه» على حد تعبير شاهد عيان كان حاضرا في الميدان.
ولم يكن حظ الطليعة أحسن من حظ المؤخرة، فقد قاوم الأسبان والطلبان ببطولة، ولكن المغاربة تكاثروا عليهم وهزموهم. وطار دوق افيدو Duque de Aveiro الفرسان التابعين لمحمد بن عبد الله لإنقاذ الموقف، غير أن هذه النجدة كانت غير مجدية. ومثل هذا المصير كان ينتظر حرس العلم الملكي، إذ أحاط به الجنود المغاربة إحاطة الوار بالمعصم، فلم يستطيع الحرس حماية علم ملكهم، لان الرعب والخذلان كانا
اخذ منهم كل ما اخذ. وسقطت في يد المغاربة المدفعية البرتغالية أيضا.
وعلى الرغم من هذه الانتصارات، فان النصر النهائي ما زال غير مؤكد، خصوصا حينما تمكن احد العلوج الأسبان الذين كانوا مع المغاربة، من الوصول إلى معسكر سباستيان، واتاه بنبأ موت سلطان المغرب. كان لذلك اثر بالغ في رفع معنوية المسيحيين، فصاح البرتغاليين، المتحمسون: النصر النصر!! وعاد النظام إلى صفوفهم، وبدوا وكأنهم يحملون بمعجزة، وعاد الجنرالات -وكان اليأس من الانتصار لم يعد يخامرهم- فعاودوا الهجوم على جيوش الإسلام الظافرة. بضراوة وحرارة.
الانتصار: وفي وسط ضجيج المعركة، أثناء قصف الدافع الذي يصم الآذان، وخلال دخان البارود المتصاعد إلى عنان السماء والمختلط بالعنبر الذي تثيره حوافز الجياد سمعت وسط الفيالق البرتغالية، صيحة أعقبها نفير كان ندير الشؤم بالنسبة للمعسكر الغربي: إلى الوراء! إلى الوراء! لقد قطعونا! (يعني عزلونا وطوقونا).
لم يدر أي شيء من مصدر تلك الصيحة، ولم يعدم من يعزوها إلى علج استعملها خدعة حربية ليكون لها أثرها الفعال في إيقاع الفوضى بين صفوف الجيش المعادي وليكون علامة على هزيمته النهائية.
اغتنم المغاربة هذه الفرصة السانحة، وتلك اللحظات من الاضطراب، فشنوا هجوما جديدا. ولم يصبح من الصعب عليهم أن يزرعوا في جميع الجهات بذور الرعب والموت، وصار معسكر المسيحيين عبارة عن أكوام ضخمة من الجنود والخيل والعربات والإثقال وصناديق الذخيرة. ولم يعد احد يسمع تلك الأصوات إلا مرة وسط الضجيج.
وفر الدين نجوا من الموت متجهين نحو نهر وادي المخازن، وصوب القنطرة التي عبروها من قبل، علهم يفلتون من القدر اللاحق الماحق، ولكن هل يجديهم الهرب؟ أم هل ينفع حذر من قدر؟ أن القنطرة هدمت في الليلة البارحة!! وخيل إليهم أنهم يستطيعون العبور بأرجلهم، ولكنهم كانوا واهمين، فغرق معظمهم لأسباب:
1) تقل الأسلحة التي يحملونها.
2) تعبهم، وضعف احتمالهم.
3) موجة السد العالية.
والذين استطاعوا عبور النهر، لم يستطيع معظمهم الإفلات من الموت أو الأسر. واستطاع ذلك عدد تزر يسير، وشرذمة قليلة تجعلهم الرواية مشين شخصا، تمكنوا من العودة إلى أصيلة ثم سبتة، حيث رووا خبر عزيمتهم الشنعاء.
السلوخ: وبحث الجند المنتصر عن الذي كان سببا في هذه الكوارث كلها أي الملك المخلوع، فوجدوه غريقا في النهر. لقد قاتل هو ورجاله بشجاعة، ولكن حينما أحس الهزيمة بين صفوف حلفائه أو حماته، وإلا أمل-البنة- في علاج الكارثة التي ألمت به، حينئذ أطاق ساقية للريح، ظانا انه واجد منفذا للحياة، ولكنه -بدلا من ذلك- وجد منفذا لقاع النهر، حيث غاص عليه الغواصون، واخرجوا جثته، وسلخوها، وحشوا جلدها تبنا، وطافوا به في مدن المغرب الرئيسية. ومنذ ذلك الحين صار يلقب بالسلوخ، بعد أم كان يحمل لقبا شعبيا (إلا لحل) وأخر ملكيا (المتوكل على الله) فهل توكل عليه حقا؟
جثة سباستيان: أما ملك البرتغال فقد حارب أيضا بشجاعة. ويعزي إليه انه قال لفرسانه وجنده: «إذا رأيتموني فعلى رأس رحالي، وإذا لم تروني فانا وسط أعدائي أقاتل» وتقول الرواية الغربية انه حافظ على هذا الوعد، ووفى به كملك وفارس معا، وان أربعة أحصنة ماتت كلها من تحته. لقد إصابته رصاصة منذ بداية المعركة، ولكن، كان له من برودة الدم ما جعله يخفي جرحه عن الجميع، ويواصل القتال كما لو لم يحصل أي شيء.
ويروي الغربيون انه لاقى حتفه -أخيرا- بين صفوف أعدائه، وان تابعه وحامل ترمه،Sebastian de Rosende هو الذي دل جثته وسط أكوام من الأموات، بينما تذكر الزواية المغربية وتؤكد أن «الطاغية قتل غريقا في الوادي(3).
ومهما يكن من أمر، فان ملك المغرب الجديد مولاي احمد، أمر انتهاء المعركة أن تحمل جثته الملك الخصم، وان تدفن في نفس البلاط الملكي بالقصر الكبير الذي لم يكن يبعد عن متدان العراك إلا ببضعة أميال.
لقد احتفظت ارض المعركة بالطبقة النبيلة البرتغالية، وبزهرة شباب البرتغاليين، لان الحملة التي كان يقودها ملك، كان لا بد أن ترافقه فيها الطبقة الارستقراطية والشباب المتحمس الذي يبتغي المجد في غير أوانه، وينشد النصر في غير مكانه، فيعاقب بحرمانه.
فهناك مات دوق افيرو وفرسان آخرون عديدون كانوا قد أحرزوا انتصارات عديدة في حملات أخرى، ومنهم (4) Bourgogne Fascari Aldana de Aguilar Francisco de Alonsco وقد فحصت جثة سباتيان T. Sterling قبل الدفن، فوجد أنها جرحت سبع مرات، كل جرح فيها كاد يكون مميتا.
مفاوضات: وبعد مرور بعض الوقت، أراد خلف سباستيان على عرش البرتغال ضون اتريكــــــي (5) أن يسترد جثة سلفه، ففتح مفاوضات من اجل هذا الغرض، وذلك بوساطة خديم البلاط المغربي اندريا كاسيرو، غير أن ملك المغرب أبي تسليم الجثة، وفضل أن يقدمها إلى فليب الثاني، كما قدم شخصية السفير الاسباني الذي كان قد اسر أثناء العراك المرير.
وتبش قبر الملك سباستيان، واستخرجت جثته، وقدمت إلى حاكم سبتة بحضور عدد من الشخصيات. وقد تم إمضاء التوصيل في أربع ديسمبر 1578 أي بعد مرور أربعة أشهر بالضبط على يوم المعركة. ويحمل التوصيل توقيع: Fr. Roquel del Esprito-Santo  وبقيت الجثة في السبتة إلى أن مات ملك البرتغال ضون اتريكي، حينئذ نقلها فليب الثاني -وقد أصبح ملكا للبرتغال أيضا- إلى دير بليم Manasterio de Belem  بعاصمة البرتغال. حيث شغلت جثة سباستيان حيزا في مقبرة أسلافه الأولين.
أسماء المسمى واحد: تلك صورة مختصرة المعركة من أهم معارك التاريخ المغربي-الأيبيري، حاولت جاهدا أن أضعها بين يدي القارئ ليستخلص منها العبرة والعظمة، وليحيط علما بمزيد من التفاصيل، وببعض ألوان النشاط الحربي الذي فطر عليه هذا الشعب، في هذا الركن من العالم العربي.
هذا وقد عرفت هذه المعركة الطاحنة بعدة أسماء:
1) فهي معركة القصر الكبير لوقوعها قريبة من تلك المدينة التي لا تبعد عن ارض المعركة إلا ببعضة أميال (نحو 12 كيلو مترا).
2) وهي معركة وادي المخازن، لوقوعها على ضفاف ذلك النهر الذي هو رافد لنهر لكوس الشهير. ويلاحظ بعض الباحثين أن هذه الناحية لا تحتوي على أية مخازن يمكن أن ينسب إليها النهر أو المعركة. ويمكن أن توجه هذه للتسمية بأحد التوجيهات الآتية:
أ- أن كلمة «المخازن» محرفة عن «المخازي» جمع مخزي، ويراد بهم الأعداء.
ب- أنها غير محرفة، بل مقلوبة عن «المخازن»، من خنز اللحم إذا انتن.
ج- أنها غير محرفة ولا مقلوبة، بل هي ماحوذة من خزن اللحم إذا تغير لونه وانتن...
ومعلوم أن جثت الأعداء، ظلت هناك في الوادي أو السهل مدة لم تدفن فأنتنت وخزن لحمها.
د- أنها مشتقة من قولهم «اختزن الطريق» إذا اختصره وسلك اقرب السبل، فمخازن الطريق هي اقرب السبل الموصلة إلى الموضع المقصود.
3)  وهي معركة الملوك الثلاثة، لان ثلاثة ملوك حاربوا فيها على رأس جيوشهم، كان احدهم مخلوعا بأمل في استرداد عرشه، وكان الأخر مخدوعا يأمل في إضافة جزء من ارض المغرب الطاهرة إلى إمبراطوريته الشامعة.
أما الثالث فقد هب للقتال مدفوعا بغريزة الدفاع عن النفس والعرش والوطن الذي أصبح مسؤولا عنه أمام الله والرسول والشعب...
لقد ماتوا كلهم، اثنان منهم بحد السلاح، والثالث بفعل مؤامرة مدبرة خبيثة، ونتيجة تسميم.
وعند التأمل نجدها «معركة الملوك الأربعة» لان الذين خاضوا غمارها أربعة ملوك اثنان منهم
 ملكان بالفعل، والاثنان الآخران ملكان بالقوة، فالمتوكل باعتبار ما كان، وأبو العباس احمد باعتبار ما هو كائن، ذلك أننا نعرف أن الأخ خليفة أخيه، ووارث عرشه، لا ينازعه في ذلك منازع. هكذا كان أثناء حياته، وهكذا وجب أن يكون بعد مماته. لقد كتب أبو مروان عبد الملك إلى أخيه أبي العباس احمد ذات مرة يقول:
ـ... «أما بعد، فاعلم إني لا أحب أحدا بعد نفسي، كمحبتي لك، ورغبتي في انتقال هذا الأمر بعدي إليك لا لغيرك...(6) »
فتأخير المبايعة إلى ما بعد المعركة، إنما كان تكتيكا حربيا، ورأيا سديدا اقتضاه بعد النظر، وكياسة السياسة، وحسن التدبير في ارض المعركة الخالدة.
حكمة بالغة: يقول المؤرخ المغربي أبو العباس احمد ابن القاضي في كتابه القيم (درة الحجال) ما يلي: ... فانظر لحكمة الله الواحد القهار، اهلك ثلاثة ملوك في يوم واحد، وهم أبو مروان بن الشيخ، وولد أخيه محمد بن عبد الله المسلوخ والطاغية سباستيان، وأقام واحدا هو أبو العباس المنصور».
وعلق على هذا الكلام مؤلف كتاب الاستقصا فقال: «وفي إهلاك الثلاثة وإقامة الواحد، إشارة واضحة لإهلاك دين التثليث، ونصر دين التوحيد في ذلك اليوم (7)».
بدر أخرى: ويقول ابن القاضي أيضا في كتابه (المنتقى المقصور على مآثر خلافة السلطان أبي العباس المنصور): «كانت هذه الغزوة من الغزوات العظيمة والوقائع الشهيرة، حضرها جم غفير من أهل الله تعالى، حتى أنها أشبه شيء بغزوة بدر، حدثنا شيخنا أبو راشد يعقوب اليدري عمن يثق به، أن الرجل من حاضري ذلك المعترك، كان يستبق إلى النصراني لينتهز فيه الفرصة، فما يصله حتى يجده ميتا (8)».
نتائج المعركة: عم البشر والفرح سائر بلاد المغرب، بل سائر أطراف العالم الإسلامي، شرب المغاربة كاس النصر حتى الثمالة، وبويع أبو العباس مولاي احمد بن محمد الشيخ السعدي خليفة وأمير للمؤمنين في الميدان نفسه، ومنحه الشعب لقب «المنصور» عن جدارة واستحقاق، لأنه هو الذي سير المعركة بالاتفاق مع حاجب الملك المتوفى، وعمل على جمع الكلمة، وتوحيد الصف.
وكان من نتائج المعركة ما يلي:
1) إفناء جيش الأعداء، ومن افلت من الموت، لم ينح من الأسر.
2) كان معظم الأسرى من الطبقة البرتغالية النبيلة، مما مهد السبيل إلى افتدائهم بأموال باهظة.
3) ارتفاع شان السياسة المغربية في العالم، وعلو همة المغرب كدولة عظمى، الأمر الذي جعل الدول حينئذ تسعى للتقرب منه، وتخطب ود ملكه المنصور، الذي أتنه الوفود المهنئة بالنصر من مختلف أنحاء الدنيا، حتى من البابا والدول الغربية التي أسهمت جيوشها في المعركة الخاسرة بالنسبة إليهم.
4) أن نفوذ أوربا تقلص، وهيبتها زالت أو كادت تزول بسبب هذه الوقعة الشهيرة.
5) أن البرتغال لم تخسر المعركة فحسب، بل خسرت نفسها أيضا، إذ فقدت استقلالها بعد سنتين ونيف من تاريخ المعركة، وتمكن ملك اسبانيا فيليب الثاني (سنة 1581) من إضافتها من مملكته، ومن توحيد شبه جزيرة أيبيريا تحت حكمه. ولم تستطع البرتغال أن ترفع رأسها وتسترد استقلالها عن اسبانيا إلا بعد ستين سنة (9) من ذلك التاريخ.
6) ومن النتائج البعيدة المدى أن البرتغال فقدت مركزها في الملاحة والتجارة الدولتين، وفقدت مستعمراتها في الشرق الأقصى تبعا لذلك. ففي أوائل القرن السادس عشر وصل البرتغاليون إلى جزر الهند الشرقية (اندونيسيا) واستعمروها، وصاروا يتاجرون معها، وينقلون بضائعها إلى عاصمتهم اشبونة هي محتكرة نقل هذه التجارة من اشبونة.
وبعد عزيمة البرتغال في معركة القصر الكبير، وبعد ضم بلادهم إلى اسبانيا، حرم الهولنديون هذا الاحتكار والامتياز، ففكروا في شد الرحال بأنفسهم إلى تلك الأصقاع النائية. وقد نجحوا في ذلك، وتمكنوا نمن طرد البرتغال من هنالك سنة 1595 م.
كل ما تقدم، نتائج قريبة أو بعيدة مباشرة أو غير مباشرة لهذه المعركة التي خسرت فيها البرتغال سيادتها الوطنية أهم ممتلكاتها في الخارج، كما فقدت خيرة عناصر سكانها، والعدد العديد من أبنائها، فقل عدد السكان، وخلت الديار، وافتقرت العائلات إلى من يعولها.
يذكر أبو عبد الله الافراني أن أساقفة البرتغال «لما راؤا قلة عددهم، وخلاء بلادهم، لكثرة من مات منهم، أباحوا للعامة فاحشة الزنى ليكثر التناسل، ويختلف ما هلك منهم، ورأوا ذلك من نصرة دينهم وتقويم أود ملتهم (10)».
ويذكر بعض المؤرخين أن الطاغية البرتغالي (ضون اتريكي) لما تم له افتداء الأسرى وتمكنوا من الرجوع إلى بلادهم، سألهم «لماذا لم تأخذوا تطوان والعرائش، والقصر قبل أن يصل ملكهم» فقالوا له «امتنع من ذلك الأمير الذي كان علينا». فأمر بهم، فاحرقوا جميعا (11).
ولا تدري كم عدد الذين احرقوا؟ كما لا  يمكننا التنبؤ هما بعدد الذين قتلوا في المعركة من الجانبين، وان كان بعض الغربيين يبالغون في عدد قتلى المسلمين فيوصلونه إلى ثمانية عشر ألفا، ويقللون من قتلى المسيحيين فيقولون انه كان ستة آلف قتيل، وان الباقي اسروا كلهم، ولم يكد ينجو واحد منهم ليحمل نبا الهزيمة.
ولا تذكروا المراجع التي بين أيدينا شيئا عن مصير الأسطول البرتغالي الذي كان يتألف معظمه من فلك كبير، فلم يكن به من السفن المهمة غير ستين سفينة حربية كبيرة، وسبعة مراكب شراعية من نوع Galeras  (12(. يقول ابن القاضي-كما سبق أن اقتبسنا- «إن الخمسة والعشرين ألفا يقرا في الأسطول» فهل يقرا فيه إلى نهاية المعركة؟ أم على اشتبك أسطولهم مع الأسطول المغربي في حرب بحرية؟ وما ذا كانت نتيجة الاشتباك؟ تصعب الإجابة عن هذه الأسئلة، لان المؤرخين اغفلوا هذه الناحية ولم يوردوا فيها ما يشفى غليل الباحث المدقق. ويظهر لنا أن جنود الأسطول قد اشتركوا في القتال أيضا، ولم يبق بالسفن غير النوتية الذين أصدرت لهم الأوامر بالعودة إلى طنجة فاسبانيا والبرتغال قبل الشروع في المعركة، وذلك حتى لا يفكر الجنود في التقهقر أو الانسحاب، وحتى تخلص نيتهم في القتال، وأما أن النوتية مكثوا بسفنهم في أصلة، وحينما أتاهم خبر الهزيمة، تمكنوا من الفرار إلى مأمنهم، وعلى أي حال فالأسطول البرتغالي-فيما نعتقد- لم يبحر جنوب ميناء أصيلة، ولم يشتبك مع الأسطول المغربي في قتال.
نصب تذكاري: وتمر السنون والقرون، فيفد على ميدان المعركة وفود الطلبة الحربيين والدارسين البرتغاليين، كي يتفقدوا مصارع أجدادهم، وليجدوا مقبرة فيزعموا أنها لهم. وترفض السلطات المغربية الزعم، ويتم الاتفاق على التحكيم، فتتألف لجنة للبحث، والتحقيق، وتجد أن القبور كلها مستقبلة القبلة، ومن ثم يقتنع البرتغاليون بان تلك المقابر هي لشهداء المسلمين وليست لهم، ويكتفون -حينئذ- بإقامة نصب تذكاري لعله ما زال دليلا قائما على خيبة أملهم، وعلى تهور ملكهم الذي ضرب عرض الحائط بكل النصائح التي أسديت إليه، فعرض بذلك حياته وحياة الآلاف من رعيته ورعية حلفائه الأوروبيين للموت أو الأسر، كما عرض كيان بلاده للخطر الماحق المحقق. وذلك جزاء من لا يسمع النصيحة.
أمجادنا: وقبل أن اختم هذا البحث أريد أن أتساءل: ماذا فعلنا نحن لتكريم شهداء المعركة الخالدة؟ ماذا أعددناه من كتابات أو الكتب حول أبي مروان مولاي عبد الملك البطل الذي لم يهن ولم يستكن أمام التحالف الأوربي ضده؟ كم هي الدراسات أو الأبحاث التي أنشاها كتابنا ومؤلفونا تكريما للبطل العلمي مولاي احمد المنصور الذهبي قاهر أوربا في معركة القصر الكبير، وفاتح السودان؟ ماذا أعدت وزاراتنا الوطنية المتعاقبة سبيل تشجيع التأليف، وبعث تراثنا الأدبي، وكتابة تاريخنا المجيد بأسلوب البحث العلمي الحديث؟؟ ثم ما ذا فعلنا لترغيب شبابنا في مطالعة أمجاده عبر تاريخ، ولتحبيب القراءة إليه؟؟ بل أين القارئ المغربي الذي يتلهف على الإنتاج الوطني، ويلتهمه  فهما وهضما؟
أخشى ما أخشاه التساؤلات سلبا لا إيجابا، وإذا كان ذلك كذلك، فإلى متى هذا الإهمال الشنيع؟ وإلى متى هذا التواكل المرير؟ وإلى متى إلى متى.
                                                              
                                                                    
(1)Descripsian Historica de Maccueces
(2) الاستقصاج . 5 ص 80.
(3) الناصري : الاستقصار ج 5 ص 81.
(4) كان كاتبا ومؤلفا، عاصر شارل الخامس وفليب الثاني، ويقال انه هو الذي استلم سيف ملك فرنسا (فرانسوا الأول عندما أسره الاسبانيون في معركة بافيا : Pavia سنة 1525.
(5) لما ملك سباستيان لم يترك أي وارث للعرش، فليس التاج الكردينال العجوز ضون اتريكي هذا الذي لم يترك أي وارث للعرش كذلك.
(6) من رسالة تمكن مراجعتها في كتاب الاستقصا ج 5 ص 66-67.
(7) نفس المصدر السابق ص 84.
(8) نفس المصدر السابق ص 81.
(9) وهم هنري تيراس فجعلها سبعين سنة (ص 123 من طبعة الانجليزية من «تاريخ المغرب».
(10) نزهة الحادي للافراني، والاستقصا للناصري ج 5 ص 85
(11) الاستقصا ج 5 ص 85.
(12) مانويل كاستياتوس في كتابه : Descripcion Histrica de Marruecos

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here